فصل: تفسير الآيات (3- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (3- 4):

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)}
{إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض} التي هي أصول الممكنات. {فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبّرُ الأمر} يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيئ بتحريكه أسبابها وينزلها منه، والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة. {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} تقرير لعظمته وعز جلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له {ذَلِكُمُ الله} أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية. {رَبُّكُمْ} لا غير إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. {فاعبدوه} وحدوه بالعبادة. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه.
{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} بالموت أو النشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه. {وَعَدَ الله} مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} وعد من الله. {حَقّاً} مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه {وَعَدَ الله} {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد بدئه وإهلاكه. {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم كما أن الشرك ظلم عظيم وهو الأوجه لمقابلة قوله: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} فإن معناه ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإِبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم. والآية كالتعليل لقوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ {أَِنَّهُ يَبْدَأُ} بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوباً أو مرفوعاً بما نصب {وَعَدَ الله} أو بما نصب {حَقّاً}.

.تفسير الآيات (5- 10):

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)}
{هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاءً} أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو. وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي (الأنبياء) وفي (القصص) {ضئاء} بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين. {والقمر نُوراً} أي ذا نور أو سمي نوراً للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيراً بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم. {مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق} إلا ملتبساً بالحق مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة. {يُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان وحفص {يفصل} بالياء.
{إِنَّ في اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله في السموات والأرض} من أنواع الكائنات. {لأَيَاتٍ} على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته. {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} العواقب فإنه يحملهم على التفكر والتدبر.
{إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لا يتوقعونه لإنكارهم البعث وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. {وَرَضُواْ بالحياة الدنيا} من الآخرة لغفلتهم عنها. {واطمأنوا بِهَا} وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها. {والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا غافلون} لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلاً، وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من أنكر البعث ولم ير إلاَّ الحياة الدنيا وبالآخرين من أَلهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والاعداد له.
{أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي.
{إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لإدراك الحقائق كما قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» أو لما يريدونه في الجنة، ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية هو الإِيمان والعمل الصالح لكن دل منطوق قوله: {بِإِيمَانِهِمْ} على استقلال الإِيمان بالسببية وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له. {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} استئناف أو خبر ثان أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير، وقوله: {فِي جنات النعيم} خبر أو حال أخرى منه، أو من {الأنهار} أو متعلق ب {تَجْرِى} أو بيهدي.
{دعواهم فِيهَا} أي دعاؤهم. {سبحانك اللهم} اللهم إنا نسبحك تسبيحاً. {وَتَحِيَّتُهُمْ} ما يحيي به بعضهم بعضاً، أو تحية الملائكة إياهم. {فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ} وآخر دعائهم. {أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين} أي أن يقولوا ذلك، ولعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإِكرام، و{أن} هي المخففة من الثقيلة وقد قرئ بها وبنصب {الحمد}.

.تفسير الآية رقم (11):

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)}
{وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر} ولو يسرعه إليهم. {استعجالهم بالخير} وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم أو بأن المراد شر استعجلوه كقولهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء} وتقدير الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه. {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لأميتوا وأهلكوا وقرأ ابن عامر ويعقوب {لَقضى} على البناء للفاعل وهو الله تعالى وقرئ: {لقضينا}. {فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية كأنه قيل؛ ولكن لا نعجل ولا نقضي فنذرهم إمهالاً لهم واستدراجاً.

.تفسير الآية رقم (12):

{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)}
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا} لإزالته مخلصاً فيه. {لِجَنبِهِ} ملقى لجنبه أي مضطجعاً. {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} يعني مضى على طريقته واستمر على كفره أو مر عن موقف الدعاء لا يرجع إليه. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا} كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن كما قال:
وَنَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْن ** كَأْن ثَدْيَاهُ حُقَّان

{إلى ضُرّ مَّسَّهُ} إلى كشف ضر. {كذلك} مثل ذلك التزيين. {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الانهماك في الشهوات والإِعراض عن العبادات.

.تفسير الآية رقم (13):

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)}
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ} يا أهل مكة. {لَمَّا ظَلَمُواْ} حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالحجج الدالة على صدقهم وهو حال من الواو بإضمار قد أو عطف على ظلموا. {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. {كذلك} مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم {نَجْزِي القوم المجرمين} نجزي كل مجرم أو نجزيكم فوضع المظهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه.

.تفسير الآية رقم (14):

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)}
{ثُمَّ جعلناكم خلائف في الأرض مِن بَعْدِهِم} استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر. {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أتعملون خيراً أو شراً فنعاملكم على مقتضى أعمالكم، وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله، وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا هي من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى.

.تفسير الآية رقم (15):

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)}
{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} يعني المشركين. {ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا} بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا. {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه. {قُلْ مَا يَكُونُ لِى} ما يصح لي. {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى} من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ظرفاً، وإنما اكتفي بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه الإتيان بقرآن آخر. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ} تعليل لما يكون فإن المتبع لغيره في أمر لا يستبد بالتصرف فيه، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصياناً فقال: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} أي بالتبديل. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.

.تفسير الآية رقم (16):

{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16)}
{قُل لَّوْ شَاء الله} غير ذلك. {مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} ولا أعلمكم به على لساني، وعن ابن كثير {ولأدراكم} بلام التأكيد أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري. والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري. وقرئ: {ولا أدرأكم} {ولا أدرأتكم} بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال، والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتي حتى اجعله على نحو ما تشتهونه ثم قرر ذلك بقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} مقداراً عمر أربعين سنة. {مِن قَبْلِهِ} من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، فإنه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علماً ولم يشاهد عالماً ولم ينشئ قريضاً ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتاباً بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلا عن كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه علم أنه معلم به من الله تعالى. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تستعملون عقلوكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من الله.

.تفسير الآيات (17- 23):

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)}
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} تفاد مما أضافوه إليه كناية، أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم إنه لذو شريك وذو ولد. {أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ} فكفر بها. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون} {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيباً ومعاقباً حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر. {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء} الأوثان. {شفعاؤنا عِندَ الله} تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده. {قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله} أتخبرونه. {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} وهو أن له شريكاً أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم. {فِي السموات وَلاَ في الأرض} حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي، ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به. {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أول (النحل) و(الروم) بالتاء. {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} موحدين على الفطرة أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ أو بعد الطوفان، أو على الضلال في فترة من الرسل. {فاختلفوا} باتباع الهوى والأباطيل، أو ببعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام فتبعتهم طائفة وأصرت أخرى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً. {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بإهلاك المبطل وإبقاء المحق.
{وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} أي من الآيات التي اقترحوها. {فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ} هو المختص بعلمه فلعله يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد تصرف عن إنزالها. {فانتظروا} لنزول ما اقترحتموه. {إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين} لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل علي من الآيات العظام واقتراحكم غيره.
{وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً} صحة وسعة. {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ} كقحط ومرض. {إِذَا لَهُم مَّكْرٌ في آيَاتِنَا} بالطعن فيها والاحتيال في دفعها. قيل قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم الله بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله. {قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا} منكم قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدهم، وإنما دل على سرعتهم المفضل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جواباً لإذا الشرطية والمكر اخفاء الكيد، وهو من الله تعالى أما الاستدراج أو الجزاء على المكر.
{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} تحقيق للانتقام وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله تعالى، وعن يعقوب يمكرون بالياء ليوافق ما قبله.
{هُوَ الذي يُسَيّرُكُمْ} يحملكم على السير ويمكنكم منه. وقرأ ابن عامر {ينشركم} بالنون والشين من النشر. {فِى البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ في الفلك} في السفن، {وَجَرَيْنَ بِهِم} بمن فيها، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم. {بِرِيحٍ طَيّبَةٍ} لينة الهبوب. {وَفَرِحُواْ بِهَا} بتلك الريح. {جَاءتْهَا} جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة، بمعنى تلقتها. {رِيحٌ عَاصِفٌ} ذات عصف شديدة الهبوب. {وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ} يجيء الموج منه. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أهلكوا وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدو. {دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} من غير اشتراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف، وهو بدل من {ظَنُّواْ} بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم ظنهم. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} على إرادة القول أو مفعول {دَّعَوَا} لأنه من جملة القول.
{فَلَمَّا أَنجَاهُمْ} إجابة لدعائهم. {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ في الأرض} فاجئوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه. {بِغَيْرِ الحق} مبطلين فيه وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة واحتراق زروعهم وقلع أشجارهم فإنها إفساد بحق. {يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ} فإن وباله عليكم أو أنه على أمثالكم أبناء جنسكم. {مَّتَاعَ الحياة الدنيا} منفعة الحياة الدنيا لا تبقى ويبقى عقابها، ورفعه على أنه خبر {بَغْيُكُمْ} و{على أَنفُسِكُمْ} صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك متاع الحياة الدنيا و{على أَنفُسِكُمْ} خبر {بَغْيُكُمْ}، ونصبه حفص عى أنه مصدر مؤكد أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول البغي لأنه بمعنى الطلب فيكون الجار من صلته والخبر محذوف تقديره بغيكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ضلال، أو مفعول فعل دل عليه البغي وعلى أنفسكم خبره. {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} في القِيامة. {فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالجزاء عليه.