فصل: تفسير الآيات (27- 46):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (27- 46):

{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)}
{وَقَالَ مُوسَى} أي لقومه لما سمع بكلامه. {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب} صدر الكلام بأن تأكيداً وإشعاراً على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله، وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وإضافته إليه وإليهم حثاً لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإِجابة، ولم يسم فرعون وذكر وصفاً يعمه وغيره لتعميم الإِستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على القول. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {عُذْتُ} فيه وفي سورة {الدخان} بالإِدغام وعن نافع مثله.
{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} من أقاربه. وقيل: {مِنْ} متعلق بقوله: {يَكْتُمُ إيمانه} والرجل إسرائيلي أو غريب موحد كان ينافقهم. {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} أتقصدون قتله. {أَن يَقُولَ} لأن يقول، أو وقت أن يقول من غير روية وتأمل في أمره. {رَبّىَ الله} وحده وهو في الدلالة على الحصر مثل صديقي زيد. {وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات} المتكثرة الدالة على صدقه من المعجزات والاستدلالات. {مّن رَّبّكُمْ} أضافه إليهم بعد ذكر البينات احتجاجاً عليهم واستدراجاً لهم إلى الاعتراف به، ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال: {وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله. {وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ} فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإِنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذباً أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده، كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم وتفسير ال {بَعْضُ} بالكل كقول لبيد:
تَرَاكَ أَمْكنة إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ** أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حمامُهَا

مردود لأنه أراد بال {بَعْضُ} نفسه. {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} احتجاج ثالث ذو وجهين:
أحدهما: أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات.
وثانيهما: أن من خذله الله أهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرض به لفرعون بأنه {مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة.
{ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين} غالبين عالين. {فِى الأرض} أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَاءَنَا} أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم. {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ} ما أشير عليكم. {إِلاَّ مَا أرى} وأستصوبه من قتله وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه.
{وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد} طريق الصواب، وقرئ بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام، أو من رشد كعباد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو بالنسبة إلى الرشد كعواج وبتات.
{وَقَالَ الذي ءَامَنَ ياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} في تكذيبه والتعريض له. {مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب} مثل أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم، وجمع {الأحزاب} مع التفسير أغنى عن جمع {اليوم}.
{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} مثل جزاء ما كانوا عليه دائباً من الكفر وإيذاء الرسل. {والذين مِن بَعْدِهِمْ} كقوم لوط. {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ} فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام، وهو أبلغ من قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ} من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم.
{وياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد} يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضاً للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل والثبور، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في (الأعراف). وقرئ بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ} {يَوْمَ تُوَلُّونَ} عن الموقف. {مُّدْبِرِينَ} منصرفين عنه إلى النار. وقيل فارين عنها. {مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} يعصمكم من عذابه. {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.
{وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ} يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون موسى، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف. {مِن قَبْلُ} من قبل موسى. {بالبينات} بالمعجزات. {فَمَا زِلْتُمْ في شَكّ مِّمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} من الدين. {حتى إِذَا هَلَكَ} مات. {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده، أو جزماً بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشك في رسالته، وقرئ: {ألن يبعث الله} على أن بعضهم يقرر بعضاً بنفي البعث. {كذلك} مثل ذلك الضلال. {يُضِلُّ الله} في العصيان. {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في التقليد.
{والذين يجادلون في ءايات الله} بدل من الموصول الأول لأنه بمعنى الجمع. {بِغَيْرِ سلطان أتاهم} بغير حجة بل إما بتقليد أو بشبهة داحضة. {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين ءَامَنُواْ} فيه ضمير من وإفراده للفظ، ويجوز أن يكون {الذين آمنوا} مبتدأ وخبره {كَبُرَ} على حذف مضاف أي: وجدال الذين يجادلون كبر مقتاً أو بغير سلطان وفاعل {كَبُرَ} {كذلك} أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال فيكون قوله: {يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ} استئنافاً للدلالة على الموجب لجدالهم.
وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني، أو على حذف مضاف أي على كل ذي قلب متكبر.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياهامان ابن لِى صَرْحاً} بناء مكشوفاً عالياً من صرح الشيء إذا ظهر. {لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب} الطرق.
{أسباب السموات} بيان لها أو في إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها. {فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى} عطف على {أَبْلُغُ}. وقرأ حفص بالنصب على جواب الترجي ولعله أراد أن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إياه، أو إن يرى فساد قول موسى بأن أخباره من إله السماء يتوقف على إطلاعه ووصوله إليه، وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان، وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه. {وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا} في دعوى الرسالة. {وكذلك} ومثل التزيين، {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل} سبيل الرشاد، والفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ويدل عليه أنه قرئ زين بالفتح وبالتوسط الشيطان. وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو {وَصُدَّ} على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ في تَبَابٍ} أي خسار.
{وَقَالَ الذي ءَامَنَ} يعني مؤمن آل فرعون. وقيل موسى عليه الصلاة والسلام. {ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ} بالدلالة. {سَبِيلَ الرشاد} سبيلاً يصل سالكه إلى المقصود، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي.
{ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ} تمتع يسير لسرعة زوالها. {وَإِنَّ الأخرة هي دَارُ القرار} لخلودها.
{مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا} عدلاً من الله، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها. {وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافاً مضاعفة فضلاً منه ورحمة، ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة إسمية مصدرة باسم الإِشارة، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة والإِيمان حالاً للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك.
{وياقوم مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار} كرر ندائهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واهتماماً بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول، فإن ما بعده أيضاً تفسير لما أجمل فيه تصريحاً أو تعريضاً أو على الأول.
{تَدْعُونَنِى لأَكْفُرَ بالله} بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام.
{وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ} بربوبيته. {عِلْمٌ} والمراد نفي المعلوم والإِشعار بأن الألوهية لابد لها من برهان فاعتقادها لا يصح إلا عن إيقان. {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار} المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإِرادة، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران.
{لاَ جَرَمَ} لا رد لما دعوه إليه، و{جَرَمَ} فعل بمعنى حق وفاعله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدنيا وَلاَ في الأخرة} أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلاً لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها. وقيل: {جَرَمَ} بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لابد فعل من التبديد وهو التفريق، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقاً، ويؤيده قولهم لا جرم إنه لغة فيه كالرشد والرشد. {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله} بالموت. {وَأَنَّ المسرفين} في الضلالة والطغيان كالإِشراك وسفك الدماء. {هُمْ أصحاب النار} ملازموها.
{فَسَتَذْكُرُونَ} وقرئ: {فَسَتَذْكُرُونَ} أي فسيذكر بعضكم بعضاً عند معاينة العذاب. {مَا أَقُولُ لَكُمْ} من النصيحة. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الله} ليعصمني من كل سوء. {إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد} فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله: {فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ} شدائد مكرهم. وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة والسلام. {وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ} بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك. وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفاً فرجعوا رعباً فقتلهم. {سُوءُ العذاب} الغرق أو القتل أو النار.
{النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} جملة مستأنفة أو {النار} خبر محذوف و{يُعْرَضُونَ} استئناف للبيان، أو بدل و{يُعْرَضُونَ} حال منها، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره {يُعْرَضُونَ} مثل يصلون، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشياً إلى يوم القيامة، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأييد، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر. {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة} أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} يا آل فرعون. {أَشَدَّ العذاب} عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم. وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص {أَدْخِلُواْ} على أمر الملائكة بإدخالهم النار.

.تفسير الآيات (47- 58):

{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)}
{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ في النار} واذكر وقت تخاصمهم فيها ويحتمل العطف على غدوا. {فَيَقُولُ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا} تفصيل له. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} تباعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع بمعنى أتباع على الإِضمار أو التجوز. {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار} بالدفع أو الحمل، و{نَصِيباً} مفعول به لما دل عليه {مُّغْنُونَ} أوله بالتضمين أو مصدر كشيئاً في قوله تعالى: {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا} فيكون من صلة ل {مُّغْنُونَ}.
{قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا، وقرئ: {كلا} على التأكيد لأنه بمعنى كلنا وتنوينه عوض عن المضاف إليه، ولا يجوز جعله حالاً من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم كقولك كل يوم لك ثوب. {إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد} بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، و{لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ} {وَقَالَ الذين في النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} أي لخزنتها، ووضع {جَهَنَّمَ} موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها، إذ يحتمل أن تكون {جَهَنَّمَ} أبعد دركاتها من قولهم: بئر جهنم بعيدة القعر. {ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً} قدر يوم. {مّنَ العذاب} شيئاً من العذاب، ويجوز أن يكون المفعول {يوم} بحذف المضاف و{مّنَ العذاب} بيانه.
{وَقَالُواْ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات} أرادوا به إلزامهم للحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإِجابة. {قَالُواْ بلى قَالُواْ فادعوا} فإنا لا نجترئ فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وفيه إقناط لهم عن الإِجابة. {وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ في ضلال} ضياع لا يجاب، وفيه اقناط لهم عن الإجابة.
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ} بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة. {فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد} أي في الدارين ولا ينتقض ذلك بما كان لأعدائهم عليهم من الغلبة أحياناً إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر، و{الأشهاد} جمع شاهد كصاحب وأصحاب، والمراد بهم من يقوم يوم القيامة الشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ} بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة، أو لأنه لم يؤذن لهم فيعتذروا. وقرأ غير الكوفيين ونافع بالتاء. {وَلَهُمُ اللعنة} البعد عن الرحمة. {وَلَهُمْ سُوءُ الدار} جهنم.
{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى} ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع. {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب} وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة.
{هُدًى وذكرى} هداية وتذكرة أو هادياً ومذكراً.
{لأُوْلِى الألباب} لذوي العقول السليمة.
{فاصبر} على أذى المشركين. {إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} بالنصر لا يخلفه، واستشهد بحال موسى وفرعون. {واستغفر لِذَنبِكَ} وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى والاهتمام بأمر العدا بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر إظهار الأمر. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار} ودم على التسبيح والتحميد لربك. وقيل صلِّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشياً.
{إِنَّ الذين يجادلون في ءايات الله بِغَيْرِ سلطان أتاهم} عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة واليهود حين قالوا: لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار. {إِن في صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم، أو إرادة الرياسة أو إن النبوة والملك لا يكونان إلا لهم. {مَّا هُم ببالغيه} ببالغي دفع الآيات أو المراد. {فاستعذ بالله} فالتجئ إليه. {إِنَّهُ هُوَ السميع البصير} لأقوالكم وأفعالكم.
{لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} فمن قدر على خلقها مع عظمها أولاً من غير أصل قدر على خلق الإِنسان ثانياً من أصل، وهو بيان لا شكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد. {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم.
{وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير} الغافل والمستبصر. {والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسئ} والمحسن والمسيء فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسيء لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة، والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على {الأعمى والبصير} لتغاير الوصفين في المقصود، أو الدلالة بالصراحة والتمثيل. {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي تذكراً ما قليلاً يتذكرون، والضمير للناس أو الكفار. وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب، أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة.