فصل: باب الإمامة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام



.باب الإمامة:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام: أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار؟».
الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع هذا منصوصه في الرفع من الركوع والسجود.
ووجه الدليل: التوعد على الفعل ولا يكون التوعد إلا عن ممنوع ويقاس عليه: السبق في الخفض كالهوي إلى الركوع والسجود.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام» ما يدل على أن فاعل ذلك متعرض لهذا الوعيد وليس فيه دليل على وقوعه ولابد.
وقوله: «أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار» يقتضي تغيير الصورة الظاهرة ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي فإن الحمار موصوف بالبلادة ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإمام وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام ونحن قد بينا أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك وإنما يدل على كون فاعله متعرض لذلك وكون فعله صالحا لأن يقع عند ذلك الوعيد ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء.
وأيضا فالمتوعد به لا يكون موجودا في الوقت الحاضر أعني عند الفعل والجهل موجود عند الفعل.
ولست أعني بالجهل ههنا: عدم العلم بالحكم بل إما هذا وإما أن يكون عبارة عن فعل مالا يسوغ وإن كان العلم بالحكم موجودا لأنه قد يقال في هذا: إنه جهل ويقال لفاعله جاهل والسبب فيه: أن الشيء ينفي لانتفاء ثمرته والمقصود منه فيقال: فلان ليس بإنسان إذا لم يفعل الأفعال المناسبة للإنسانية.
ولما كان المقصود من العلم الجهل به جاز أن يقال لمن لا يعمل بعلمه: إنه جاهل غير عالم.
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون».
3- وما في معناه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك صلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا لما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» وهذا الحديث الثالث.
الكلام على حديث أبي هريرة من وجوه:
الأول: اختلفوا في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل فمنعها مالك وأبو حنيفة وغيرهما واستدل لهم بهذا الحديث وجعل اختلاف النيات داخلا تحت قوله: «فلا تختلفوا عليه» وأجاز ذلك الشافعي وغيره والحديث محمول في هذا المذهب على الاختلاف في الأفعال الظاهرة.
الثاني: الفاء في قوله: «فإذا ركع فاركعوا» الخ تدل على أن أفعال المأموم تكون بعد أفعال الإمام الثاني: الفاء في: «فإذا ركع فاركعوا» الخ تدل على أن أفعال المأموم تكون بعد أفعال الإمام لأن الفاء تقتضي التعقيب وقد مضى الكلام في المنع من السبق.
وقال الفقهاء: المساواة في هذه الأشياء مكروهة.
الثالث: قوله: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد».
يستدل به من يقول إن التسميع مختص بالإمام فإن قوله: «ربنا ولك الحمد» مختص بالمأموم وهو اختيار مالك رحمه الله.
الرابع: اختلفوا في إثبات الواو وإسقاطها من قوله: «ولك الحمد» بحسب اختلاف الروايات وهذا اختلاف في الاختيار لا في الجواز ويرجع إثباتها بأنه يدل على زيادة معنى لأنه يكون التقدير ربنا استجب لنا أو ما قارب ذلك ولك الحمد فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء ومعنى الخبر ة إذا قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين.
الخامس: قوله: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» أخذ به قوم فأجازوا الجلوس خلف الإمام القاعد للضرورة مع قدرة المأمومين على القيام وكأنهم جعلوا متابعة الإمام عذرا في إسقاط القيام ومنعه أكثر الفقهاء المشهورين.
والمانعون اختلفوا في الجواب عن هذا الحديث على طرق.
الطريق الأول: ادعاء كونه منسوخا وناسخه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في مرض موته قاعدا وهم قيام وأبو بكر قائم يعلمهم بأفعال صلاته وهذا بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام وأن أبا بكر كان مأموما في تلك الصلاة وقد وقع في ذلك خلاف وموضع الترجيح هو الكلام على ذلك الحديث.
قال القاضي عياض: قالوا: ثم نسخت إمامة القاعد جملة قوله: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا», وبفعل الخلفاء بعده وإنه لم يؤم أحد منه جالسا وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي صلى الله عليه وسلم فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده وتقوي لين هذا الحديث.
وأقول: هذا ضعيف أما الحديث في: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» فحديث رواه الدارقطني عن جابر بن زيد الجعفي بضم الجيم وسكون العين عن الشعبي بفتح الشين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» وهذا مرسل وجابر بن زيد قالوا فيه: متروك ورواه مجالد عن الشعبي وقد استضعف مجالد.
وأما الاستدلال بترك الخلفاء الإمامة عن قعود فأضعف فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه فلعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين وإن كان الاتفاق قد حصل على أن صلاة القاعد القائم مرجوحة وإن الأولى تركها فذلك كف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.
وقولهم: إنه يشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده ليس كذلك لما بينها من أن الترك للفعل لا يدل على تحريمه.
الطريق الثاني: في الجواب عن هذا الحديث للمانعين ادعاء أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف أن الأصل عدمه حتى يدل عليه دليل.
الطريق الثالث: التأويل بأن يحمل قوله: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» على أنه إذا كان في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام وكذلك إذا صلى قائما فصلوا قياما أي إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود وكذلك في قوله إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وهذا بعيد وقد ورد في الأحاديث وطرقها ما ينفيه مثل ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها الآتي: «أنه أشار إليهم أن اجلسوا» ومنه تعليل ذلك بموافقة الأعاجم في القيام على ملوكهم وسياق الحديث في الجملة يمنع من سبق الفهم إلى هذا التأويل.
والكلام على حديث عائشة مثل الكلام إلى حديث أبي هريرة وما فيه من الزيادة قد حصل التنبيه عليه.
4- عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه قال: حدثني البراء وهو غير كذوب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده» لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم نقع سجودا بعده.
عبد الله بن يزيد الخطمي مفتوح الخاء ساكن الطاء من بني خطمة من الأوس كان أميرا على الكوفة والذي روى عنه هذا الحديث أبو إسحاق.
وقوله وهو غير كذوب حمله بعضهم على أنه كلام أبي إسحاق في وصف عبد الله بن يزيد لا كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء بن عازب.
والذي ذكره المصنف يقتضي أنه كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء بن عازب ولو كان ذكر أبا إسحاق لكان أحسن أو متعينا لاحتمال الكلام الوجهين معا وأما على ما ذكره فلا يحتمل إلا أحدهما وهو البراء والذين حملوا الكلام على الوجه الأول قصدوا تنزيه البراء عن مثل هذه التزكية لأنه في مقام الصحبة وكذا نقل عن يحيى بن معين أنه قال: يعني أبا إسحاق أن عبد الله بن يزيد غير كذوب ولا يقال للبراء أنه غير كذوب فإذا قصدوا ذلك فعبد الله بن يزيد أيضا قد شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة ورد هذا بعضهم برواية شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب يقول: حدثنا البراء وكان غير كذوب وإن كان هذا محتملا أيضا.
والحديث يدل على تأخر الصحابة في الاقتداء عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه لا حين يشرع في الهوى إليه وفي ذلك دليل على طول الطمأنينة من النبي صلى الله عليه وسلم ولفظ الحديث الآخر يدل على ذلك أعني قوله: «فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا». فانه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعا وسجودا.
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
الحديث يدل على أن الإمام يؤمن وهو اختيار الشافعي وغيره.
واختيار مالك أن التأمين للمأمومين ولعله يأخذ من جهر الإمام بالتأميم فإنه علق تأمينهم بتأمينه فلابد أن يكونوا عالمين به وذلك بالسماع.
والذين قالوا لا يؤمن الإمام أولوا قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن الإمام» على بلوغه موضع التأمين وهو خاتمة الفاتحة كما يقال أنجد إذا بلغ نجدا وأتهم إذا بلغ تهامة وأحرم إذا بلغ الحرم وهذا مجاز فإن وجد دليل يرجحه على ظاهر هذا الحديث وهو قوله: «إذا أمن» فإنها حقيقة في التأمين عمل به وإلا فالأصل عدم المجاز.
ولعل مالكا اعتمد على عمل أهل المدينة إن كان لهم في ذلك عمل ورجح به مذهبه وأما دلالة الحديث على الجهر بالتأمين فأضعف من دلالته على نفس التأمين قائلا لأنه قد يدل دليل على تأمين الإمام من غير جهر.
وموافقة تأمين الإمام لتأمين الملائكة ظاهرة: الموافقة في الزمان ويقويه الحديث الآخر: «إذا قال أحدكم: آمين وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى» وقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة التأمين أي يكون تأمين المصلي كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص أو غير من الصفات الممدوحة والأول أظهر.
وقد تقدم لنا كلام في مثله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «غفر له ما تقدم من ذنوبه» وهل ذلك مخصوص بالصغائر؟.
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم وذي الحاجة وإذا صلى أحدكم بنفسه فليطول ما شاء».
7- وما في معناه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وهو الحديث السابع قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا قال: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: «يأيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة».
حديث أبي هريرة وأبي مسعود واسمه عقبة بن عمرو ويعرف بالبدري والأكثر على أنه لم يشهد بدرا ولكنه نزلها فنسب إليها يدلان على التخفيف في صلاة الإمام والحكم فيه مذكور مع علته وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول وفيه بعد ذلك بحثان.
أحدهما: أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف وحيث لا يشق أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل وعن هذا قال الفقهاء أنه إذا علم من المأمومين أنهم يؤثرون التطويل طول كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل فإن ذلك وإن شق عليهم فقد أثروا ودخلوا عليه.
الثاني: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء طويلا بالنسبة إلى عادة قوم وقد يكون خفيفا بالنسبة إلى عادة آخرين وقد قال بعض الفقهاء أنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك مع أمره بالتخفيف فكأن ذلك: لأن عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا هذا إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عاما في صلواته أو أكثرها وإن كان خاصا ببعضها فيحتمل أن يكون لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل وهو متردد بين أن لا يكون تطويلا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة وبين أن يكون تطويلا لكنه بسبب إيثار المأمومين وظاهر الحديث المروي: لا يقتضي الخصوص ببعض صلواته صلى الله عليه وسلم.
وحديث أبي مسعود: يدل على الغضب في الموعظة وذلك يكون: إما لمخالفة الموعوظ لما علمه أو التقصير في تعلمه والله أعلم.