فصل: ذِكْرُ الْمُسَافِرِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ إِنِ اغْتَسَلَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف



.ذِكْرُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْعَصَائِبِ:

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْعَصَائِبِ، فَأَجَازَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْمَسْحَ عَلَيْهَا، فَمِمَّنْ رَأَى الْمَسْحَ عَلَى الْعَصَائِبِ تَكُونُ عَلَى الْجُرُوحِ، ابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ يَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ إِبْهَامَ رِجْلِهِ جُرِحَتْ فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: امْسَحْ عَلَى الْجُرُوحِ.
525- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا إِسْحَاقُ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ الْغَازِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ عِصَابٌ مَسَحَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِصَابٌ غَسَلَ مَا حَوْلَهُ وَلَمْ يُمِسَّهُ الْمَاءَ.
526- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا إِسْحَاقُ، ثنا الْوَلِيدُ، نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: جُرِحَتْ إِبْهَامُ رِجْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً، فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا.
527- وَحَدَّثُونَا عَنِ الْحَنْظَلِيِّ إِسْحَاقَ، أنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: امْسَحْ عَلَى الْجُرْحِ إِذَا خَشِيتَ عَلَى نَفْسِكَ فِي الْوُضُوءِ قَالَ لَيْثٌ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ عَلَيْهَا وَمَسَحَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَلَى قَدَمِهِ مِنْ وَرَمٍ كَانَ بِهَا، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي رَجُلٍ ضَمَّدَ صُدْغَيْهِ مِنْ وَجَعٍ: يَمْسَحُ عَلَى الضِّمَادِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الظُّفُرِ يَسْقُطُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْسُوَهُ مَصْطَكًا ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ: مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جَبَائِرُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ بِمِصْرَ فِيهَا قَوْلَاْنِ، هَذَا أَحَدُهُمَا، وَالثَّانِي أَنْ يَمْسَحَ بِالْمَاءِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَيُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إِذَا قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَلَسْتُ أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَحَدٍ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَشَيْءٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ دَوَاءٍ وُضِعَ عَلَى جُرْحٍ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْوُضُوءَ، وَقَالَ: مَا نَرَى إِلَّا الْوُضُوءَ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْجَبَائِرَ لَا تُوضَعُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] الْآيَةَ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يُكَلَّفُوا غَيْرَ طَاقَتِهِمْ، وَهَذِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، إِلَّا مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ جَائِزٌ.

.ذِكْرُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَرْدَ:

وَاخْتَلَفُوا فِي الْجُنُبِ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَرْدِ إِنِ اغْتَسَلَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَغْتَسِلُ وَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ عُذْرًا هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] الْآيَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ،.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، وَهُوَ إِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ أَنْ يَتْلَفَ إِنِ اغْتَسَلَ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يَتَيَمَّمَ كَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ وَمَالِكٌ وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ بَارِدَةٍ فَأَجْنَبَ، فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ تَيَمَّمَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الرَّجُلِ الصَّحِيحِ فِي الْمِصْرِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ، فَخَافَ إِنِ اغْتَسَلَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ، تَيَمَّمَ وَكَذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ يَعْقُوبُ: أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ يُجْزِيَهُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَلَا يُجْزِيهِ إِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي الْمِصْرِ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَوْلُ يَعْقُوبَ وَمُحَمَّدٍ قَوْلٌ رَابِعٌ، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ أَقُولُ؛ وَذَلِكَ لِحُجَجٍ ثَلَاثٍ: أَحَدُهَا الْكِتَابُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] الْآيَةَ وَالثَّانِيَةُ خَبَرُ عَمْرٍو.
528- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاؤُدَ، ثنا حَرْمَلَةُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ، قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ جُنُبًا؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] الْآيَةَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَفِي تَرْكِ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا فَعَلَ عَمْرٌو عَلَيْهِ أَكْبَرُ الْحُجَجِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَعَلَّمَهُ وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُسِرُّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَحُجَّةٌ ثَالِثَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ، أَنْ يَتَيَمَّمَ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ وَالْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَرْدِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْبَرْدِ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ.

.ذِكْرُ الْمُسَافِرِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ إِنِ اغْتَسَلَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ:

أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: مَنْ سَافَرَ فَكَانُوا فِي أَرْضٍ يَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفِسِهِمُ الْعَطَشَ، وَمَعَهُمْ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَاسْتَبْقَوْا مَاءَهُمْ لِشُرْبِهِمْ وَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ.
529- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا حَجَّاجٌ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، وَمَيْسَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، فِي الْمُسَافِرِ إِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَمَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ، وَهُوَ يَخَافُ الْعَطَشَ، أَنْ يُؤْثِرَ نَفْسَهُ وَلْيَتَيَمَّمْ.
530- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ وَمَعَهُ مِنَ الْمَاءِ بِقَدْرِ سَقْيِهِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُبْقِي مَاءَهُ لِسَقْيِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

.ذِكْرُ تَيَمُّمِ الْحَاضِرِ الَّذِي يَخَافُ ذَهَابَ الْوَقْتِ إِنْ صَارَ إِلَى الْمَاءِ أَوِ اشْتَغَلَ بِالِاغْتِسَالِ:

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ الْمَرِيضِ وَلِلْمَرِيضِ لَا مَاءَ بِحَضْرَتِهِ، وَلَوْ وَصَلَ إِلَى الْمَاءِ لَتَوَضَّأَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا خَافَ فَوَاتَ الصَّلَاةِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ أَطْرَافِ الْفُسْطَاطِ فَخَشِيَ إِنْ تَوَضَّأَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءَ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، قَالَ: وَقَدْ كَانَ مَرَّةً مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَضَرِ يُعِيدُ إِذَا تَوَضَّأَ، وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَمَّنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمَتِهِ وَغَفَلْتِهِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَشْفَقَ إِنِ اغْتَسَلَ وَتَوَضَّأَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَابَتْ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، قَالَ الْوَلِيدُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيَّ فَأَخْبَرَنِي عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي قَالَ الْوَلِيدُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالُوا: بَلْ يَغْتَسِلُ وَإِنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] الْآيَةَ فَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَكَانَ فِي عُذْرٍ مِنْ نَوْمِهِ وَغَفَلْتِهِ وَنِسْيَانِهِ مَعْذُورٌ بِهَا وَحَكَى الْوَلِيدُ ذَلِكَ عَنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي مَرِيضٍ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُنَاوِلُهُ وَخَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَقَالَ الْوَلِيدُ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُقِيمُ مَاءً تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْوَقْتِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْجُرُفِ فَلَمَّا كَانَ بِالْمِرْبَدِ حَضَرَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَنَزَلَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ غَيْرِ الْمَرِيضِ التَّيَمُّمُ بِحَالٍ فَإِنْ فَعَلَ كَانَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَضَيْتُ الْحَاجَةَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشِّعَابِ أَتَمَسَّحُ بِالتُّرَابِ وَأُصَلِّي؟ قَالَ: لَا.

.ذِكْرُ الْجُنُبِ الْمُسَافِرِ لَا يَجِدُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ:

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسَافِرِ الْجُنُبِ لَا يَجِدُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَيَمَّمُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يَغْسِلُ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَذَى ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، كَمَا قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجْمَعُهُما جَمِيعًا هَكَذَا قَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ وَمَعْمَرٌ فِي الْجُنُبِ لَا يَجِدُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحْمَدَ الْأَثْرَمِ، وَأَبِي دَاؤُدَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ حَكَاهُ صَالِحٌ ابْنُهُ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَوْلٌ ثَالِثٌ خِلَافُ رِوَايَةِ الْأَشْعَثِ عَنْهُ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ غَسْلُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَيُصَلِّي وَلَا يَتَيَمَّمُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مِقْدَارُ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَفَرْجَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِقْدَارُ مَا يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَفَرْجَهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَفَرْجَهُ وَمَسَحَ كَفَّيْهِ بِالتُّرَابِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الْمُسَافِرِ الْجُنُبِ عِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ وَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَذَلِكَ الْمَاءُ عِنْدَهُ قَدْرَ مَا يُوَضِّيهِ قَالَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ، قُلْتُ: وَإِنْ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِذَلِكَ الْمَاءِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِيهِ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَعِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، قُلْتُ: إِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ مَرَّ بِالْمَاءِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَمْ يَغْتَسِلْ وَحَضَرَتِ الْمَغْرِبُ وَقَدْ أَحْدَثْ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ وَعِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْتَسِلَ يَتَوَضَّأُ بِهِ أَوْ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: بَلْ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حِينَ أَبْصَرَ الْمَاءَ عَادَ جُنُبًا كَمَا كَانَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] الْآيَةَ فَأَوْجَبَ عَلَى الْجُنُبِ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ وَأَوْجَبَ عَلَى الْمُظَاهِرِ رَقَبَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ الْوَاجِدُ بَعْضَ رَقَبَةٍ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يَجِدُ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ كَانَ الْوَاجِدُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَغْسِلُ بِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يَجِدُ وَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ، وَالْجَوَابُ فِي الْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ بَعْضَ ثَمَنِ الْهَدْيِ وَالْحَانِثِ فِي يَمِينِهِ يَجِدُ مَا يُطْعِمُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ حُكْمُ مَنْ ذَكَرْنَا، فَأَمَّا أَنْ يَفْرِضَ عَلَى بَعْضِ مَنْ ذَكَرْنَا فَرْضَيْنِ فَغَيْرُ جَائِزٍ.

.بَابُ السَّفَرِ الَّذِي يُجَوِّزُ لِمَنْ سَافَرَ أَنْ يَتَيَمَّمَ:

ثَابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَنَافِعٌ مِنَ الْجُرُفِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمِرْبَدِ نَزَلَ فَتَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ.
531- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الرَّبِيعِ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ أَرْضِهِ الَّتِي بِالْجُرُفِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَتَيَمَّمَ وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى بُيُوتِ الْمَدِينَةِ. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ يُرِيدُ أُخْرَى وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَيْسَ بِمُسَافِرٍ، قَالَ: إِنْ طَمَعَ أَنْ يُدْرِكَ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مَضَى إِلَى الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ بِذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا تَيَمَّمَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَتَيَمَّمُ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَقْصُرُ فِي مِثْلَهُ الصَّلَاةَ.

.حَدُّ طَلَبِ الْمَاءِ:

رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتَحْضُرُ الصَّلَاةُ وَالْمَاءُ عَلَى غَلْوَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَعْدِلُ إِلَيْهِ.
532- كَتَبَ إِلَيَّ الْوَلِيدُ بْنُ حَمَّادٍ يَذْكُرُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَهُمْ: ثنا الْوَلِيدُ، قَالَ سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ قُلْتُ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالْمَاءُ حَائِزٌ عَلَى الطَّرِيقِ أَيَجِبُ أَنْ أَعْدِلَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَسَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي السَّفَرِ وَالْمَاءُ عَلَى غَلْوَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَعْدِلُ إِلَيْهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَنْتَابُ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ عَلَى غَلْوَةٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: كُلَّمَا شَقَّ عَلَى الْمُسَافِرِ مِنْ طَلَبِ مَاءٍ إِنْ عَدَلَ إِلَيْهِ فَاتَهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ دُونَهُ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ: كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ قَرِيبٍ مِنْ حَيْثُ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ بِهِ صُحْبَةَ أَصْحَابِهِ وَلَا يَخَافُ عَلَى رَحْلِهِ إِذَا وَجَّهَ إِلَيْهِ وَلَا فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْوَقْتِ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ وَإِنْ خَافَ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدُورَ لِطَلَبِ الْمَاءِ إِنَّمَا الطَّلَبُ بِالْبَصَرِ وَالْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ.