فصل: الباب الثامن: في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستخراج لأحكام الخراج



وخرج أبو داود أيضا من طريق ابن وهب حدثني أبو صخر المدني أن صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم رضي الله عنهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» وهذا مع ضعف إسناده محمول على الأخذ بغير حق فأما الأخذ بحق فلا يدخل تحت هذا الوعيد وهذا كالحديث الذي خرجه أبو داود من حديث خالد بن الوليد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها» ويروي نحوه من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم والقول الثاني تجوز الزيادة عليه والنقص منه بحسب ما يرى الإمام المصلحة وهذا هو المشهور عن أحمد نقله عنه الأثرم وابن مشيش وغير واحد اختاره الخلال وجماعة من الأصحاب واستدل أحمد بأن عمر رضي الله عنه إنما وضعها بحسب الطاقة كما في حديث عمرو بن ميمون عنه وإذا كان وضعها بحسب الطاقة فذلك يختلف باختلاف الأزمان.
قال أحمد كان عمر رضي الله عنه قد زاد عليهم وقال ما أرى هذا يضر بهم وروى شعبة عن الحكم قال سمعت عمرو بن ميمون قال دخل عثمان بن حنيف على عمر رضي الله عنه فسمعه يقول لئن زدت على كل رأس درهمين وعلى كل جريب أرض درهما وقفيزا من طعام لا يضرهم ذلك ولا يجهدهم أو كلمة نحوها قال نعم قال فكان على كل رأس ثمانية وأربعون فجعلها خمسين خرجه الأثرم وخرج أيضا من طريق شعبة عن أبي عمران الجوني قال سئل عائذ بن عمرو عن الزيادة على أهل فارس فلم ير بذلك بأسا وقال إنما هو حق لكم واحتج به أحمد أيضا.
وقد تقدم عن علي رضي الله عنه أنه وضع الخراج على وجه يخالف ما وضعه عمر رضي الله عنه قال أحمد في رواية منصور إنما أقرهم عمر رضي الله عنه ليعملوا فيها ويعمروها وما أخرج الله من شيء أخذوا منه ما يقيمهم وردوا سائر ذلك إلى المسلمين قال وما يبين ذلك قوله لعثمان ابن حنيف لئن وضعت على كل جريب قفيزا ودرهما لا يجهدهم ولا يضرهم.
وروى يحيى بن آدم عن وكيع عن المسعودي عن أبي عون قال أسلم دهقان من أهل عين النمر فقال له علي رضي الله عنه أما جزية رأسك فنرفعها وأما أرضك فللمسلمين فإن شئت فرضنا لك وإن شئت جعلناك قهرمانا لنا فما أخرج الله من شيء ائتنا به وهذا يدل على أن من بيده شيء من أرض الخراج إنما هو عامل للمسلمين يترك له كفايته بعمله ويؤخذ منه ما فضل وحكي هذا القول عن الثوري وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وأبو عبيد إنما ذكره في الجزية ولم أر له في الخراج كلاما.
والقول الثالث تجوز الزيادة عليهم دون النقص وهو رواية عن أحمد قال القاضي نقلها يعقوب بن بختان وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى ونقل أبو طالب عن أحمد إن زاد أرجو أن لا بأس إذا كانوا يطيقون مثل ما قال عمر رضي الله عنه وقال في رواية ابن مشيش إن أخذ منه أقل من قفيز ودرهم أخرج من عنده التمام ونقل ابن مشيش عنه إن أخذ السلطان منه الخراج وكان أقل مما وضع عمر رضي الله عنه فقد أجزأ وقد يستدل لذاك بأن عمر رضي الله عنه زاد عليهم ولم ينقص وفيه نظر والقول الرابع عكسه يجوز النقض إذا عجزوا عن التمام دون الزيادة وهو قول الحسن بن صالح وأبي يوسف.
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عامله بالكوفة لا يأخذ من الخراج إلا ما يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض خرجه أبو عبيد.
قال أبو بكر الخلال الإمام الذي يعبر الخراج هو الخليفة ولا يجوز لمن دونه النقص بحال ثم ذكر عن الميموني قال قلت لأبي عبدالله الوالي قبلنا يدع خراجا أقبله قال لي إنما الخراج فيء فكيف يدعه لك لو تركه هذا يعني أمير المؤمنين كان فأما من دونه فلا ولكن هذه الرواية.
إنما تدل على أن تركه بالكلية يختص بالإمام لأنه تصرف في الفيء وهذه المسألة غير مسألة تنقيصه وزيادته وذكر الأثرم في مسائله أن مراد أحمد بقوله هو على قدر ما يرى الإمام أنه الإمام العادل قال لأنه أنكر على من في زمانه أنهم لا يجعلون على الغامر شيئا لمخالفتهم لعمر رضي الله عنه.
وقال أبو الحسن الآمدي إنما يملك الزيادة في الجزية والخراج على أصلنا العادل من الأئمة دون من كان جائرا هذا هو ظاهر المذهب قال ولا يجري هذا مجرى جباية الزكاة والخراج لأن الجباية ليس تغيير لما فرضه الأئمة والشرع قد أمرنا بالدفع إليهم وليس كذلك التغيير بالزيادة والنقص لأن فيه إزالة حكم اجتهدت فيه الأئمة ومن تأمل هذا القيد الذي قيد به محققو الأصحاب علم أنه لا تجوز الفتيا في كثير من هذه الأزمان المتأخرة بتغيير الخراج سدا للذريعة لأن ذلك يتطرق به كثيرا إلى الظلم والعدوان فإن غالب الملوك في الأزمان المتأخرة استأثروا على المسلمين بمال الفيء وصار كثير من الأرض الخراجية أملاكا للمسلمين ويؤدى عنها خراج يسير وكثير ممن هو في يده مستحق من مال الفيء فلو فتح للمستأثرين بالفيء أبواب زيادة الخراج أو انتزع هذه الأراضي لبيت المال لأدى ذلك إلى ضرر عظيم على المسلمين وقد ينزل القول الراجح المجتهد فيه إلى غيره من الأقوال المرجوحة إذا كان في الإفتاء بالقول الراجح مفسده وقرأت بخط القاضي مما كتبه من خط أبي حفص أن ابن بطة كان يفتي أن الرهن أمانة فقيل له إن ناسا يعتمدون على ذلك ويجحدون الرهون فأفتى بعد ذلك بأنه مضمون.
واعلم أن هذه المسألة أصولية اختلف الناس فيها وهي أن ما عقده بعض الخلفاء الأربعة هل يجوز لمن بعدهم نقضه كصلح بني تغلب وخراج الجزية والرءوس وفيه قولان لأصحابنا أشهرهما المنع لأنه صادف اجتهادا سائغا فلا ينقض وهذا يرجع إلى أن فعل الإمام كحكمه وفيه خلاف أيضا واختار ابن عقل جواز تغييره بالاجتهاد لاختلاف المصالح باختلاف الأزمنة ومن الأصحاب من استثنى من ذلك ما علم أن ما عقده لعلة فيزول بزوالها ويتغير بتغيرها كضرب عمر رضي الله عنه الخراج فإنه ضربه بحسب الطاقة وهي تختلف باختلاف الأوقات ذكره الحلواني وغيره.
فصل:
ويعتبر الخراج إلى المقاسمة على الثمر والزرع هو من أنواع تغير الخراج بالزيادة تارة وبالنقص أخرى وفيه زيادة تغيير بنقل الخراج من الذمة إلى المشاركة في عين الثمرة والزرع وقد تقدم عن أحمد من رواية العباس الخلال أنه أجازه إذا رضي به وإلا كره وكانوا يطيقونه ثم رجع إلى أنه لا يجوز تغيير ما وضعه عمر رضي الله عنه ومعلوم أن المذهب عند أكثر الأصحاب أو كثير منهم بجواز تغيير ما وضعه عمر رضي الله عنه بزيادة ونقص فينبغي أن يكون المذهب عندهم جواز المقاسمة ولاسيما إذا كانت أصلح للمسلمين وقد تقدم أن أوائل خلفاء بني العباس نقلوا الخراج إلى المقاسمة.
قال القاضي في الأحكام السلطانية اختلف كلام أحمد في المقاسمة فقال في رواية العباس بن محمد الخلال فيمن كانت في يديه أرض من أرض السواد هل يأكل مما أخرجت من زرع أو تمر إذا كان الإمام يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع فقال يأكل إلا أن يخالف السلطان قال القاضي فظاهر هذا أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج قال وقال في رواية هارون الجمال السواد كله أرض خراج فذكر له المقاسمة فقال المقاسمة لم تكن إنما هو شيء حدث قال القاضي وظاهر هذا أنه لم ير ذلك إلا أنه لم يصرح بالمنع لكنه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر رضي الله عنه قال القاضي والذي يوجبه الحكم أن خراجها هو المضروب عليها أولا وتغير إلى المقاسمة إذا كان بسبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة أمضى مع بقاء سببه وأعيد إلى حكمه الأول عند زوال سببه إذ ليس للإمام أن ينقض اجتهاد من تقدم من الأئمة انتهى فجعل هذا من باب نقض الاجتهاد لما فيه من تحويل الحق من محل إلى محل بخلاف مجرد الزيادة والنقص ورجح الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية جواز المقاسمة إذا رأى الإمام مصلحة قال فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك خيبر في أيدي اليهود مقاسمة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه جعل الأرض مخارجة ثم استغنى المسلمون عن يهود خيبر فأجلاهم عمر رضي الله عنه منها وصار المسلمون يعمرونها فصار عمر رضي الله عنه يخير من له سهم بخيبر بين أن يعطيه الأرض يستغلها وبين أن يستغلها هو ويعطيه مقدارا معينا وذلك استئجار لها من صاحبها بجنس ما يخرج منها وهو الطعام وهو جائز في أصح الروايتين وقول أكثر العلماء انتهى.
تنبيه:
تجويز أحمد الأكل لمن عليه الخراج من الثمر والزرع سواء كان خراجه مقاسمة ومماسحة يدل على أن الشريك في المال أو العامل فيه له الأكل منه بالمعروف بغير أذن ونظيره أكل الوكيل والأجير وقد نقل حنبل عن أحمد جوازه والعامل في المساقاة أولى لأن الثمر والزرع يجوز عندنا الأكل منه للمارة إذا كان غير محفوظ بحائط أو ناظر كما دلت عليه السنة فجوازه للحافظ والناظر أولى مع جريان العادة به وتسامح الملاك به غالبا.
فصل:
وهذا الذي تقدم كله في أرض الخراج التي وضع خراجها أحد من أئمة الهدى فأما لو فتح الآن أرض عنوة وأراد الإمام وضع الخراج عليها ابتداء فذكر القاضي في كتاب الأحكام السلطانية أنه يضعه بحسب ما يحتمله الأرض فإنها تختلف من ثلاثة أوجه يؤثر كل منها في زيادة الخراج ونقصانه أحدها ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها والثاني ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه فإن من الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه ومنه ما يقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه والثالث ما يختص بالسقي والشرب لأن ما يسقى بمؤونة وكلفة لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بغير مشقة وكلفة فلابد لواضع الخراج من اعتبار ذلك كله ليعلم قدر ما تحتمله الأرض فيقصد العدل فيها بين أهلها وأهل الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ولا نقصان يضر بأهل الفيء ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله وليجعل فيه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها النوائب والجوائح.
ويعتبر واضع الخراج أصل الأمور من ثلاثة أحوال أحدها أن يضعه على مشايخ الأرض الثاني أن يضعه على مشايخ الزرع.
الثالث أن يجعله مقاسمة فإن وضعه على مشايخ الأرض كان معتبرا بالسنة الهلالية وإن وضعه على مشايخ الزرع فقد قيل يكون معتبرا بالسنة الشمسية وإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته فإذا استقر على أحدها مقدرا بشروطه المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه ما كانت الأرضون على أحوالها في شروطها ومصالحها فإن تغيرت شروطها ومصالحها إلى زيادة أو نقصان فذلك ضربان احدهما أن يكون حدوث ذلك بسبب من جهة أهل الأرض كزيادة حدث بشق أنهار واستنباط مياه أو نقصان حدث لتقصير في عمارة ولعدول عن مصلحة فيكون الخراج عليهم بحالة لا يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم ولا ينقص منه لنقصانها ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم ولأهل الفيء لئلا يستدام خرابه فيتعطل والثاني أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم فإن كان نقصا فإنه يجب على الإمام عمله لهم من بيت المال من سهم المصالح وسقط عنهم خراجه ما لم يعمل إذا كان انتفاعهم به ممتنعا وإن كان زيادة كعين أحدثها الباري جلت قدرته أو حفرها سيل فإن كان ذلك عارضا لا يوثق بدوامه لم تجز الزيادة لأجله في الخراج وإن وثق بدوامه رأى الإمام فيه المصلحة لأهل الأرض وأهل الفيء وعمل في الزيادة أو المتاركة بما يكون عدلا بين الفريقين هذا ما ذكره القاضي رحمه الله ويؤخذ منه أنه لا تجوز زيادة لزيادة الأسعار ولا نقص لنقصها وفي ذلك نظر فإن خلفاء بني العباس إنما غيروا السواد من الخراج إلى المقاسمة لذلك.
وقوله إنه إن وضع الخراج مقاسمة اعتبر بكمال الزرع وتصفيته وإن وضع على مساحة الأرض اعتبر بالسنة الهلالية أو على مساحة الزرع فقيل إنه يعتبر بالسنة الشمسية يدل على أنه إذا وضع مقاسمة لم يعتبر إلا بكمال الزرع وتصفيته دون السنة الهلالية بخلاف ما إذا وضع على مساحة الأجربة وقالت الحنفية يجب الخراج عند بلوغ الغلة قالوا وللعامل أن يحول بينه وبين غلته حتى يستوفي الخراج ولم يفرقوا بين أن يكون مماسحة أو مقاسمة بل لم يذكروا الخراج إلا مماسحة وذكروا أنه لو تعجل الإمام الخراج قبل وجوبه ثم انقطع وجوبه عنه رد عليه إن كان باقيا وإن كان قد صرف إلى القابلة فلا شيء له كالزكاة المعجلة.
وذكره صاحب المحيط وغيره وكأنهم جعلوه من حقوق الله عز وجل فهو كالزكاة قال أبو البركات بن تيمية في تعليقه على الهداية وقياس مذهبنا أنه يرد عليه مطلقا لأنه أجرة محضة وليس بقربه ليقع نفلا إذا بطل الوجوب ليشير إلى الفرق بينه وبين الزكاة المعجلة على أحد الوجهين بهذا ولكنه مع قوله هذا ذكر في كتاب المحرر في الزكاة أن الخراج من قبيل ديون الله تعالى يمنع الزكاة نظرا إلى أنه مستحق لعموم المسلمين المستحقين الفيء فهو كمال الكفارة المستحقة لجهة الفقراء وأما ابن عقيل وصاحب المغني فجعلاه من ديون الآدميين.

.الباب الثامن: في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها:

قد ذكرنا أن الأرض الخراجية على ضربين مملوكة لأهلها وهي أرض الصلح بالخراج على ثبوت ملكهم فيها فهؤلاء ملاك يتصرفون فيها تصرف الملاك وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وذكرنا حكم الشراء منهم وأن أبا عبيد حكى في ملكهم خلافا وقد سبق ذلك كله مستوفى في آخر الباب الرابع والثاني أرض العنوة فمن قال إن عمر رضي الله عنه ملكهم إياها بالخراج فحكمها عنده حكم أرض الصلح المذكور وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان وغيرهم وأما من قال ليست ملكا لمن في يده وإنما هي فيء للمسلمين وهو قول العنبري وابن شبرمة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وعيرهم فهؤلاء يقولون هي لعموم المسلمين وأكثرهم يقول هي وقف على المسلمين عموما وقد ذكر أبو بكر في كتاب زاد المسافر أن أحمد قال هي وقف وأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين في رواية جماعة من أصحابه منهم الميموني وحنبل وغيرهما ولكن أكثر كلام أحمد إنما فيه أنها فيء وأنها مشتركة بين المسلمين فمن الأصحاب من قال إن عمر رضي الله عنه وقفها وقفا خاصا على المسلمين بلفظه وادعوا أن الأرض لا تصير وقفا بدون لفظ من الإمام منهم القاضي وغيره إذا قلنا إن الإمام مخير فيها بين القسمة والوقف بخلاف ما إذا قلنا يصير وقفا بمجرد الاستيلاء كما هو مذهب مالك فإنها تصير وقفا بغير لفظ.
وقال المحققون كصاحب المغني وغيرهم من المتأخرين لا يحتاج إلى لفظ بكل حال بل وقفها هو تركها فيئا لجميع المسلمين يؤخذ خراجها يصرف في مصالحهم ولا يختص أحد بملك شيء منها وهذا معنى الوقف لاسيما على قول من يقول إن الوقف يصح بالفعل الدال عليه كفتح المساجد للصلاة ونحو ذلك فهاهنا تركها من غير قسمة وضرب الخراج عليها فعل يدل على تحبيسها على المسلمين وإن لم يكن بمعنى الوقف الخاص.
وقد صرح أحمد بأنها وقف في رواية جماعة أيضا ويمكن أن يكون عنه في المسألة روايتان وإذا تقرر أنها ليست مملوكة لأحد معين من المسلمين ولا لمن هي في يده من الكفار أو غيرهم فيتفرع على ذلك مسائل كثيرة:
الأولى بيع رقبتها وهو ممتنع على هذا الأصل الذي قررناه لانتفاء الملك عليها المعني هذا قول من سمينا قوله إنها فيء وممن نهى عن شرائها من السلف عبدالله بن معقل بن مقرن والنخعي والحسن بن صالح وقال مجاهد لا تشترها ولا تبعها وقد نص أحمد على منع بيعها في رواية جماعة منهم حنبل فقال السواد وقفه عمر رضي الله عنه على المسلمين فمثله كمثل رجل وقف أرضا على رجل وعلى ولده لا تباع وهو الذي أوقف عليه فإذا مات الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع كذلك السواد لا يباع ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي يملك الذي قبله على ذلك أبدا ويدل على ذلك ما روى الشعبي قال اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شط الفرات فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال ممن اشتريتها قال من أربابها فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر رضي الله عنه قال هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا قال لا قال فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك خرجه أبو عبيد وخرجه يحيى بن آدم عن الشعبي عن عتبة بن فرقد قال اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد فذكرت ذلك لعمر رضي الله عنه فقال لي اشتريتها من أصحابها قلت نعم قال رح إلى فرحت إليه فقال يا هؤلاء أبعتموه شيئا قالوا لا قال ابغ مالك حيث وضعته.