فصل: تفسير الآية رقم (4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (4):

{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)}
قطع جمع قطعة وهي الجزء. ومتجاورات متلاصقة متداينة، قريب بعضها من بعض. قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك: أرض طيبة وأرض سبخة، نبتت هذه، وهذه إلى جنبها لا تنبت. وقال ابن قتيبة وقتادة: يعني القرى المتجاورة. وقيل: متجاورة في المكان، مختلفة في الصفة، صلبة إلى رخوة. وسحراً إلى مرد أو مخصبة إلى مجدبة، وصالحة للزرع لا للشجر، وعكسها مع انتظام جميعها في الأرضية. وقيل: في الكلام حذف معطوف أي: وغير متجاورات. والمتجاورات المدن وما كان عامراً، وغير المتجاورات الصحاري وما كان غير عامر. قال ابن عطية: والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو من تربة واحدة، ونوع واحد. وموضع العبرة في هذا أبين، لأنها مع اتفاقها في الترب والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن هذه الآية فقال: «الدقل، والقارس، والحلو، والحامض» وقال ابن عطية: وقيد منها في هذه المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب. وفي بعض المصاحف: قطعاً متجاورات بالنصب على جعل. وقرأ الجمهور: وجنات بالرفع، وقرأ الحسن: بالنصب، بإضمار فعل. وقيل: عطفاً على رواسي. وقال الزمخشري: بالعطف على زوجين اثنين، أو بالجر على كل الثمرات انتهى. والأولى إضمار فعل لبعد ما بين المتعاطفين في هذه التخاريج، والفصل بينهما بجمل كثيرة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص: وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان بالرفع في الجميع على مراعاة قطع. وقال ابن عطية: عطفاً على أعناب، وليست عبارة محررة أيضاً، لأن فيها ما ليس بعطف وهو قوله: صنوان. وقرأ باقي السباعة: بخفض الأربعة على مراعاة من أعناب قال: وجعل الجنة من الأعناب من رفع الزرع، والجنة حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب، وفي ذلك تجوز ومنه قول الشاعر:
كأن عيني في غربي مقبلة ** من النواضح تسقي جنة سحقه

أي نخيل جنة إذ لا يوصف بالسحق إلا النخل. ومن خفض الزرع فالجنات من مجموع ذلك لا من الزرع وحده، لأنه لا يقال للمزرعة جنة إلا إذا خالطها ثمرات. وقرأ الجمهور: صنوان بكسر الصاد فيهما، وابن مصرف والسلمي وزيد بن علي: بضمها، والحسن وقتادة بفتحها، وبالفتح هو اسم للجمع، كالسعدان. وقرأ عاصم، وابن عامر، وزيد بن علي: يسقى بالياء، أي: يسقى ما ذكر. وباقي السبعة بالتاء، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وأهل مكة. أنثوا لعود الضمير على لفظ ما تقدم، ولقوله: ونفضل بالنون. وحمزة والكسائي بالياء، وابن محيصن بالياء في تسقي، وفي نفضل. وقرأ يحيى بن يعمر، وأبو حيوة، والحلبي عن عبد الوارث: ويفضل بالياء، وفتح الضاد بعضها بالرفع.
قال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أول من نقط المصاحف. وتقدم في البقرة خلاف القراء في ضم الكاف من الأكل وسكونها. والأكل بضم الهمزة المأكول كالنقض بمعنى المنقوض، وبفتحها المصدر. والظاهر من تفسير أكثر المفسرين للصنوان أن يكون قوله: صنوان، صفة لقوله: ونخيل. ومن فسره منهم بالمثل جعله وصفاً لجميع ما تقدم أي: أشكال، وغيره إشكال. قيل: ونظير هذه الكلمة قنو وقنوان، ولا يوجد لهما ثالث ونص على الصنوان لأنها بمثال التجاور في القطع، فظهر فيها غرابة اختلاف الأكل. ومعنى بماء واحد: ماء مطر، أو ماء بحر، أو ماء نهر، أو ماء عين، أو ماء نبع لا يسيل على وجه الأرض. وخص التفضيل في الأكل وإن كانت متفاضلة في غيره، لأنه غالب وجوه الانتفاع من الثمرات. ألا ترى إلى تقاربها في الأشكال، والألوان، والروائح، والمنافع، وما يجري مجرى ذلك؟ قيل: نبه الله تعالى في هذه الآية على قدرته وحكمته، وأنه المدبر للأشياء كلها، وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا تتأخر عنه ولا تتقدم، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً وليس من طبعه إلا التسفل، يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان والثمر كل بقسطه وبقدر ما فيه صلاحه، ثم تختلف طعوم الثمار والماء واحد، والشجر جنس واحد. وكل ذلك دليل على مدبر دبره وأحكمه، لا يشبه المخلوقات. قال الراجز:
والأرض فيها عبرة للمعتبر ** تخبر عن صنع مليك مقتدر

تسقى بماء واحد أشجارها ** وبقعة واحدة قرارها

والشمس والهواء ليس يختلف ** وأكلها مختلف لا يأتلف

لو أن ذا من عمل الطبائع ** أو أنه صنعة غير صانع

لم يختلف وكان شيئاً واحداً ** هل يشبه الأولاد إلا الوالدا

الشمس والهواء يا معاند ** والماء والتراب شيء واحد

فما الذي أوجب ذا التفاضلا ** إلا حكيم لم يرده باطلا

وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة فسطحها، فصارت قطعاً متجاورات، فنزل عليها ماء واحد من السماء فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحاً وخبثاً. وكذلك الناس خلقوا من آدم. فنزلت عليهم من السماء مذكرة، قربت قلوب وخشعت قلوب، وقست قلوب ولهت قلوب. وقال الحسن: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان. قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} انتهى، وهو شبيه بكلام الصوفية. إنّ في ذلك قال ابن عباس: في اختلاف الألوان والروائح والطعوم، لآيات: لحججاً ودلالات لقوم يعقلون: يعلمون الأدلة فيستدلون بها على وحدانية الصانع القادر. ولما كان الاستدلال في هذه الآية بأشياء في غاية الوضوح من مشاهدة تجاور القطع، والجنات وسقيها وتفضيلها، جاء ختمها بقوله: لقوم يعقلون، بخلاف الآية التي قبلها، فإن الاستدلال بها يحتاج إلى تأمل ومزيد نظر جاء ختمها بقوله لقوم يتفكرون.

.تفسير الآيات (5- 6):

{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)}
ولما أقام الدلائل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه، عجب الرسول عليه الصلاة والسلام من إنكار المشركين وجدانيته، وتوهينهم قدرته لضعف عقولهم فنزل. وإن تعجب قال ابن عباس: وإن تعجبْ من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا عليك أنك من الصادقين، فهذا أعجب. وقيل: وإن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً بعدما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد، فهذا أعجب. قال الزمخشري: وإن تعجب من قولهم يا محمد في إنكار البعث، فقولهم عجيب حقيق بأنْ يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة، ولم يعي بخلقهن، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب انتهى. وليس مدلول اللفظ ما ذكر، لأنه جعل متعلق عجبه صلى الله عليه وسلم هو قولهم في إنكار البعث، فاتحد الجزاء والشرط، إذ صار التقدير: وإن تعجب من قولهم في إنكار البعث فاعجب من قولهم في إنكار البعث، وإنما مدلول اللفظ أن يقع منك عجب، فليكن من قولهم: أءذا كنا الآية. وكان المعنى الذي ينبغي أن يتعجب منه: هو إنكار البعث، لأنه تعالى هو المخترع للأشياء. ومن كان قادراً على إبرازها من العدم الصرف كان قادراً على الإعادة، كما قال تعالى: {وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده} وهو أهون عليه أي: هين عليه.
وقال ابن عطية: هذه الآية توبيخ للكفرة، أي: إن تعجب يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن الحق، فهم أهل لذلك، وعجيب وغريب أن تنكر قلوبهم العود بعد كوننا خلقاً جديداً. ويحتمل اللفظ منزعاً آخر: إن كنت تريد عجباً فهلم، فإنّ من أعجب العجب قولهم انتهى. واختلف القراء في الاستفهامين إذا اجتمعا في أحد عشر موضعاً، هنا موضع، وكذا في المؤمنين، وفي العنكبوت، وفي النمل، وفي السجدة، وفي الواقعة، وفي والنازعات، وفي بني إسرائيل موضعان، وكذا في والصافات. وقرأ نافع والكسائي بجعل الأول استفهاماً، والثاني خبراً، إلا في العنكبوت والنمل بعكس نافع. وجمع الكسائي بين الاستفهامين في العنكبوت، وأما في النمل فعلى أصله إلا أنه زاد نوناً فقرأ: {إننا لمخرجون} وقرأ ابن عامر بجعل الأول خبراً، والثاني استفهاماً، إلا في النمل والنازعات فعكس، وزاد في النمل نوناً كالكسائي. وإلا في الواقعة فقرأهما باستفهامين، وهي قراءة باقي السبعة في هذا الباب، إلا ابن كثير وحفصاً قرأ في العنكبوت بالخبر في الأول وبالاستفهام في الثاني، وهم على أصولهم في اجتماع الهمزتين من تخفيف وتحقيق وفصل بين الهمزتين وتركه. وقولهم: فعجب، هو خبر مقدم ولابد فيه من تقدير صفة، لأنه لا يتمكن المعنى بمطلق فلابد من قيده وتقديره والله أعلم: فعجب أي عجب، أو فعجب غريب.
وإذا قدرناه موصوفاً جاز أن يعرب مبتدأ لأنه نكرة فيها مسوغ الابتداء وهو الوصف، وقد وقعت موقع الابتداء، ولا يضر كون الخبر معرفة ذلك. كما أجاز سيبويه ذلك في كم مالك؟ لمسوغ الابتداء فيه وهو الاستفهام، وفي نحو: اقصد رجلاً خير منه أبوه، لمسوغ الابتداء أيضاً، وهو كونه عاملاً فيما بعده. وقال أبو البقاء: وقيل عجب بمعنى معجب، قال: فعلى هذا يجوز أن يرتفع قولهم به انتهى. وهذا الذي أجازه لا يجوز، لأنه لا يلزم من كون الشيء بمعنى الشيء أن يكون حكمه في العمل كحكمه، فمعجب يعمل، وعجب لا يعمل، ألا ترى أن فعلاً كذبح، وفعلاً كقبض، وفعلة كغرفة، هي بمعنى مفعول، ولا يعمل عمله، فلا تقول: مررت برجل ذبح كبشه، ولا برجل قبض ماله، ولا برجل غرف ماءه، بمعنى مذبوح كبشه ومقبوض ماله ومعروف ماؤه. وقد نصوا على أن هذه تنوب في الدلالة لا في العمل عن المفعول. وقد حصر النحويون ما يرفع الفاعل، والظاهر أن أءذا معمول لقولهم محكى به. وقال الزمخشري: أءذا كنا إلى آخر قولهم يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم انتهى. هذا إعراب متكلف، وعدول عن الظاهر. وإذا متمحضة للظرف وليس فيها معنى الشرط، فالعامل فيها محذوف يفسره ما يدل عليه الجملة الثانية وتقريره: أنبعث، أو أنحشر. أولئك إشارة إلى قائل تلك المقالة، وهو تقرير مصمم على إنكار البعث، فلذلك حكم عليهم بالكفر إذ عجزوا قدرته من إعادة ما أنشأ واخترع ابتداء. ولما حكم عليهم بالكفر في الدنيا ذكر ما يؤولون إليه في الآخرة على سبيل الوعيد، وأبرز ذلك في جملة مستقلة مشار إليهم. والظاهر أنّ الأغلال تكون حقيقة في أعناقهم كالأغلال، ثم ذكر ما يستقرون عليه في الآخرة، كما قال: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل. وقيل: يحتمل أن يكون مجازاً أي: هم مغلولون عن الإيمان، فتجري إذاً مجرى الطبع والختم على القلوب كما قال تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} وكما قال الشاعر:
لهم عن الرشد أغلال وأقياد

وقيل: الأغلال هنا عبارة عن أعمالهم الفاسدة في أعناقهم كالأغلال، ثم ذكر ما يستقرون عليه في الآخرة، وأبرز ذلك في جملة مستقلة مشار إليهم رادة عليهم ما أنكروه من البعث، إذ لا يكون أصحاب النار إلا بعد الحشر. ولما كانوا متوعدين بالعذاب إن أصروا على الكفر، وكانوا مكذبين بما أنذروا به من العذاب، سألوا واستعجلوا في الطلب أن يأتيهم العذاب وذلك على سبيل الاستهزاء كما قالوا: {فأمطر علينا حجارة} وقالوا: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} قال ابن عباس: السيئة العذاب، والحسنة العافية. وقال قتادة: بالشر قبل الخير.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)}
عن ابن عباس: لما نزلت وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: «أنا منذر» وأومأ بيده إلى منكب عليّ وقال: «أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدى من بعدي»، وقال القشيري: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وعليّ بن أبي طالب، والذين كفروا مشركو العرب، أو من أنكر نبوته من مشركيهم والكفار، ولم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد الشجر، وانقلاب العصا سيفاً، ونبع الماء من بين الأصابع، وأمثال هذه. فاقترحوا عناداً آيات كالمذكورة في سبحان، وفي الفرقان كالتفجير للينبوع، والرقي في السماء، والملك، والكنز، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما أنت منذر تخوفهم من سوء العاقبة، وناصح كغيرك من الرسل، ليس لك الإتيان بما اقترحوا. إذ قد أتى بآيات عدد الحصا، والآيات كلها متماثلة في صحة الدعوى، لا تفاوت فيها. فالاقتراح إنما هو عناد، ولم يجر الله العادة بإظهار الآيات المقترحة إلا للآية التي حتم بعذابها واستئصالها.
وهاد: يحتمل أن يكون قد عطف على منذر، وفصل بينهما بقوله لكل قوم، وبه قال: عكرمة، وأبو الضحى. فإن أخذت: ولكل قوم هاد، على العموم فمعناه: وداع إلى الهدى، كما قال: {بعثت إلى الأسود والأحمر} فإن أخذت هاد على حقيقته فلكل قوم مخصوص أي: ولكل قوم قائلين هاد. وقيل: ولكل أمة سلفت هاد أي: نبي يدعوهم، والقصد: فليس أمرك ببدع ولا منكر، وبه قال: مجاهد، وابن زيد، والزجاج قال: نبي يدعوهم بما يعطي من الآيات، لا بما يتحكمون فيه من الاقتراحات. وتبعهم الزمخشري. فقال: هاد من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأشياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة. وقالت فرقة: الهادي في هذه الآية هو الله تعالى، روي أن ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وهاد: على هذا مخترع للإرشاد. قال ابن عطية: وألفاظ تتعلق بهذا المعنى، وتعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع. وقال الزمخشري: في هذا القول وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: إنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر، لا أنْ تثبت الإيمان بالإلجاء، والذي يثبته بالإلجاء هو الله تعالى انتهى. ودلّ كلامه على الاعتزال. وقال في معنى القول الذي تبع فيه مجاهد، وابن زيد ما نصه: ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضايا حكمته، أن أعطاء كل منذر آيات أمر مدبر بالعلم النافذ، مقدر بالحكمة الربانية. ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً أو مصلحة لأجابهم إليه.
وقال الزمخشري أيضاً في معنى أن الهادي هو الله تعالى أي: بالإلجاء على زعمه ما نصه: وأما هذا الوجه الثاني فقد دل به على أنّ من هذه القدرة قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم العالم بأي طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره انتهى. وقالت فرقة: الهادي علي بن أبي طالب، وإن صح ما روي عن ابن عباس مما ذكرناه في صدر هذه الآية، فإنما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب مثالاً من علماء الأمّة وهداتها إلى الدين، فكأنه قال: أنت يا علي هذا وصفك، ليدخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم كذلك علماء كل عصر، فيكون المعنى على هذا: إنما أنت يا محمد منذر، ولكل قوم في القديم والحديث دعاة هداة إلى الخير. وقال أبو العالية: الهادي العمل. وقال علي بن عيسى: ولكل قوم سابق سبقهم إلى الهدى إلى نبي أولئك القوم. وقيل: هاد قائد إلى الخير أو إلى الشر قال تعالى في الخير: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} وقال في الشر: {فاهدوهم إلى صراط الحجيم} قاله أبو صالح. ووقف ابن كثير على هاد وواق حيث واقعا، وعلى وال هنا وباق في النخل بإثبات الياء، وباقي السبعة بحذفها. وفي الإقناع لأبي جعفر بن الباذش عن ابن مجاهد: الوقف على جميع الباب لابن كثير بالياء، وهذا لا يعرفه المكيون. وفيه عن أبي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في جميع الباب، بين أن يقف بالياء، وبين أن يقف بحذفها. والباب هو كل منقوص منون غير منصرف.