فصل: تفسير الآيات (36- 45):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (36- 45):

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)}
{وإلى مدين}: أي وإلى مدين أرسلنا، أو بعثنا، مما يتعدى بإلى. أمرهم بعبادة الله، والإيمان بالبعث واليوم الآخر. والأمر بالرجاء، أمر بفعل ما يترتب الرجاء عليه، أقام المسبب مقام السبب. والمعنى: وافعلوا ما ترجون به الثواب من الله، أو يكون أمراً بالرجاء على تقدير تحصيل شرطه، وهو الإيمان بالله. وقال أبو عبيدة: {وارجوا}: خافوا جزاء اليوم الآخر من انتقام الله منكم إن لم تعبدوه. وتضمن الأمر بالعبادة والرجاء أنه إن لم يفعلوا ذلك، وقع بهم العذاب؛ كذلك جاء: {فكذبوه}، وجاءت ثمرة التكذيب، وهي: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}، وتقدم تفسير مثل هذه الجمل. وانتصب {وعاداً وثموداً} بإضمار أهلكنا، لدلالة فأخذتهم الرجفة عليه. وقيل: بالعطف على الضمير في فأخذتهم، وأبعد الكسائي في عطفه على الذين من قوله: {ولقد فتنا الذين من قبلهم}. وقرأ: ثمود، بغير تنوين؛ حمزة، وشيبة، والحسن، وحفص، وباقي السبعة: بالتنوين. وقرأ ابن وثاب: وعاد وثمود، بالخفض فيهما، والتنوين عطفاً على مدين، أي وأرسلنا إلى عاد وثمود. {وقد تبين لكم}: أي ذلك، أي ما وصف لكم من إهلاكهم من جهة مساكنهم، إذا نظرتم إليها عند مروركم لها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم. وقرأ الأعمش: مساكنهم، بالرفع من غير من، فيكون فاعلاً بتبين.
{وزين لهم الشيطان}: أي بوسوسته وإغوائه، {أعمالهم} القبيحة. {فصدهم عن سبيل الله}؛ وهي طريق الإيمان بالله ورسله. {وكانوا مستبصرين}: أي في كفرهم لهم به بصر وإعجاب قاله، ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. وقيل: عقلاء، يعلمون أن الرسالة والآيات حق، ولكنهم كفروا عناداً، وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم. {وقارون}: معطوف على ما قبله، أو منصوب بإضمار اذكر. {فاستكبروا}: أي عن الإقرار بالصانع وعبادته في الأرض، إشارة إلى قلة عقولهم، لأن من في الأرض يشعر بالضعف، ومن في السماء يشعر بالقوة، ومن في السماء لا يستكبرون عن عبادة الله، فكيف من في الأرض؟ {وما كانوا سابقين} الأمم إلى الكفر، أي تلك عادة الأمم مع رسلهم. والحاصب لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصا، وقيل: ملك كان يرميهم. والصيحة لمدين وثمود، والخسف لقارون، والغرق لقوم نوح وفرعون وقومه. وقال ابن عطية: ويشبه أن يدخل قوم عاد في الحاصب، لأن تلك الريح لابد كانت تحصبهم بأمور مؤذية، والحاصب: هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمي بشيء، ومنه قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشأم تضربهم ** بحاصب كنديف القطن منثور

ومنه قول الأخطل:
ترمي العضاة بحاصب من بلحها ** حتى تبيت على العضاة حفالا

{العنكبوت}: حيوان معروف، ووزنه فعللوت، ويؤنث ويذكر، فمن تذكيره قول الشاعر:
على هطالهم منهم بيوت ** كأن العنكبوت هو ابتناها

ويجمع عناكب، ويصغر عنيكيب. يشبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام، وبنائهم أمورهم عليها بالعنكبوت التي تبني وتجتهد، وأمرها كله ضعيف، متى مسته أدنى هامة أو هامة أذهبته، فكذلك أمر أولئك، وسعيهم مضمحل، لا قوة له ولا معتمد. وقال الزمخشري: الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلاً ومعتمداً في دينهم، وتولوه من دون الله، مما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة، وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه، وهو قوله: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت}؟ انتهى. يعني بقوله: ألا ترى إلى مقطع التشبيه بما ذكر أولاً من أن الغرض تشبيه المتخذ بالبيت، لا تشبيه المتخذ بالعنكبوت؟ والذي يظهر، هو تشبيه المتخذ من دون الله ولياً، بالعنكبوت المتخذة بيتاً، أي فلا اعتماد للمتخذ على وليه من دون الله، كما أن العنكبوت لا اعتماد لها على بيتها في استظلال وسكنى، بل لو دخلت فيه خرقته. ثم بين حال بيتها، وأنه في غاية الوهن، بحيث لا ينتفع به. كما أن تلك الأصنام لا تنفع ولا تجدي شيئاً ألبتة، وقوله: {لو كانوا يعلمون}، ليس مرتبطاً بقوله: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت}، لأن كل أحد يعلم ذلك، فلا يقال فيه: لو كانوا يعلمون؛ وإنما المعنى: لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ من الوهن هذه الغاية لأقلعوا عنه، وما اتخذوا الأصنام آلهة.
وقال الزمخشري: إذا صح تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان، لو كانوا يعلمون؛ أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، وكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان، لو كانوا يعلمون. ولقائل أن يقول: مثل المشرك الذي يعبد الوثن، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت يتخذ بيتاً، بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً بآجر وجص أو نحته من صخر. فكما أن أوهن البيوت، إذا استقريتها بيتاً بيتاً، بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان، إذا استقريتها ديناً ديناً، عبادة الأوثان، لو كانوا يعلمون. انتهى.
وما ذكره من قوله: ولقائل أن يقول إلخ. لا يدل عليه لفظ الآية، وإنما هو تحميل للفظ ما لا يحتمله، كعادته في كثير من تفسيره. وقرأ أبو عمرو، وسلام: يعلم ما، بالإدغام؛ والجمهور: بالفك؛ والجمهور: تدعون، بتاء الخطاب؛ وأبو عمرو، وعاصم: بخلاف، بياء الغيبة؛ وجوزوا في ما أن يكون مفعولاً بيدعون، أي يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء، أي يعلم حالهم، وأنهم لا قدرة لهم. وأن تكون نافية، أي لستم تدعون من دونه شيئاً له بال ولا قدر، فيصلح أن يسمى شيئاً، وأن يكون استفهاماً، كأنه قدر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء، وهي في هذين الوجهين مقتطعة من يعلم، واعتراض بين يعلم وبين قوله: {وهو العزيز الحكيم}.
وجوز أبو علي أن يكون ما استفهاماً منصوباً بيدعون، ويعلم معلقة؛ فالجملة في موضع نصب بها، والمعنى: أن الله يعلم أوثاناً تدعون من دونه، أم غيرها لا يخفى عليه ذلك. والجملة تأكيد للمثل، وإذا كانت ما نافية، كان في الجملة زيادة على المثل، حيث لم يجعل تعالى ما يدعونه شيئاً. {وهو العزيز الحكيم}: فيه تجهيل لهم، حيث عبدوا ما ليس بشيء، لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلاً، وتركوا عبادة القادر القاهر الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا لحكمة. {وما يعقلها إلا العالمون}: أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها.
وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، وما علموا أن الأمثال والتشبيهات طرق إلى المعاني المحتجبة، فتبرزها وتصورها للفهم، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد. والإشارة بقوله: {وتلك الأمثال} إلى هذا المثل، وما تقدم من الأمثال في السور. وعن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا هذه الآية فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» {خلق السموات والأرض}: فيه تنبيه على صغر قدر الأوثان التي عبدوها. ومعنى {بالحق}: بالواجب الثابت، لا بالعبث واللعب، إذ جعلها مساكن عباده، وعبرة ودلائل على عظيم قدرته وباهر حكمته. والظاهر أن الصلاة هي المعهود، والمعنى: من شأنها أنها إذا أدّيت على ما يجب من فروضها وسننها والخشوع فيها، والتدبر لما يتلو فيها، وتقدير المثول بين يدي الله تعالى، أن {تنهى عن الفحشاء والمنكر}. وقال ابن عباس، والكلبي، وابن جريج، وحماد بن أبي سليمان: تنهى ما دام المصلي فيها. وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن. وقال ابن بحر: الصلاة: الدعاء، أي أقم الدعاء إلى أمر الله، وأما من تراه من المصلين يتعاطى المعاصي، فإن صلاته تلك ليست بالوصف الذي تقدم.
وفي الحديث أن فتى من الأنصار كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ارتكبه، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن صلاتها تنهاه». فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أقل لكم؟» ولا يدل اللفظ على أن كل صلاة تنهى، بل المعنى، أنه يوجد ذلك فيها، ولا يكون على العموم. كما تقول: فلان يأمر بالمعروف، أي من شأنه ذلك، ولا يلزم منه أن كل معروف يأمر به. والظاهر أن {أكبر} أفعل تفضيل. فقال عبد الله، وسلمان، وأبو الدرداء، وابن عباس، وأبو قرة: معناه ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. وقال قتادة، وابن زيد: أكبر من كل شيء؛ وقيل: ولذكر الله في الصلاة أكبر منه خارج الصلاة، أي أكبر ثواباً؛ وقيل: أكبر من سائر أركان الصلاة؛ وقيل: ولذكر الله نهيه أكبر من نهي الصلاة؛ وقيل: أكبر من كل العبادة.
وقال ابن عطية: وعندي أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، والجزء الذي منه في الصلاة ينهى، كما ينهى في غير الصلاة، لأن الانتهاء لا يكون إلاّ من ذاكر الله مراقبه، وثواب ذلك الذاكر أن يذكره الله في ملأ خير من ملائه، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في النهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله. وأما ما لا يجاوز اللسان ففي رتبة أخرى. وقال الزمخشري: يريد والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال: {فاسعوا إلى ذكر الله} وإنما قال: {ولذكر الله}، لتستقل بالتعليل، كأنه قال: والصلاة أكبر، لأنها ذكر الله مما تصنعون من الخير والشر فيجازيكم، وفيه وعيد وحث على المراقبة.

.تفسير الآيات (46- 55):

{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)}
و{أهل الكتاب}: اليهود والنصارى. {إلا بالتي هي أحسن}: من الملاطفة في الدعاء إلى الله والتنبيه على آياته. {إلا الذين ظلموا}: ممن لم يؤد جزية ونصب الحرب، وصرح بأن لله ولداً أو شريكاً، أو يده مغلولة؛ فالآية منسوخة في مهادنة من لم يحارب، قاله مجاهد ومؤمنو أهل الكتاب. {إلا بالتي هي أحسن}: أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم. {إلا الذين ظلموا}: من بقي منهم على كفره، وعد لقريظة والنضير، قاله ابن زيد، والآية على هذا محكمة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون} الآية. وقرأ الجمهور: إلا، حرف استثناء؛ وابن عباس: ألا، حرف تنبيه واستفتاح، وتقديره: ألا جادلوهم بالتي هي أحسن. {وقولوا آمنا}: هذا من المجادلة بالأحسن. {بالذي أنزل إلينا}، وهو القرآن، {وأنزل إليكم}، وهو التوراة والزبور والإنجيل.
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم» {وكذلك}: أي مثل ذلك الإنزال الذي للكتب السابقة، {أنزلنا إليك الكتاب}: أي القرآن. {فالذين آتيناهم الكتاب} هم: عبد الله بن سلام ومن آمن معه. {ومن هؤلاء}: أي من أهل مكة. وقيل: {فالذين آتيناهم الكتاب}: أي الذين تقدموا عهد الرسول، يؤمنون به: أي بالقرآن، إذ هو مذكور في كتبهم أنه ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ومن هؤلاء}: أي ممن في عهده منهم. {وما يجحد بآياتنا}، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، {إلا الكافرون}: أي من بني إسرائيل وغيرهم.
قال مجاهد: كان أهل الكتاب يقرأون في كتبهم أن محمداً عليه السلام، لا يخط ولا يقرأ كتاباً، فنزلت: {وما كنت تتلوا من قبله}: أي من قبل نزوله عليك، {من كتاب}: أي كتاباً، ومن زائدة لأنها في متعلق النفي، {ولا تخطه}: أي لا تقرأ ولا تكتب، {بيمينك}: وهي الجارحة التي يكتب بها، وذكرها زيادة تصوير لما نفي عنه من الكتابة، لما ذكر إنزال الكتاب عليه، متضمناً من البلاغة والفصاحة والإخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله. أخذ يحقق، كونه نازلاً من عند الله، بأنه ظهر عن رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم. وظهور هذا القرآن المنزل عليه أعظم دليل على صدقه، وأكثر المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب قط، ولم يقرأ بالنظر في كتاب.
وروي عن الشعبي أنه قال: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كتب وأسند النقاش.
حديث أبي كبشة السلولي: أنه صلى الله عليه وسلم، قرأ صحيفة لعيينة ابن حصن وأخبر بمعناها. وفي صحيح مسلم ما ظاهره: أنه كتب مباشرة، وقد ذهب إلى ذلك جماعة، منهم أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي، والقاضي أبو الوليد الباجي وغيرهما. واشتد نكير كثير من علماء بلادنا على أبي الوليد الباجي، حتى كان بعضهم يسبه ويطعن فيه على المنبر. وتأول أكثر العلماء ما ورد من أنه كتب على أن معناه: أمر بالكتابة، كما تقول: كتب السلطان لفلان بكذا، أي أمر بالكتب. {إذاً لارتاب المبطلون}: أي لو كان يقرأ كتباً قبل نزول القرآن عليه، أو يكتب، لحصلت الريبة للمبطلين، إذ كانوا يقولون: حصل ذلك الذي يتلوه مما قرأه، قيل: وخطه واستحفظه؛ فكان يكون لهم في ارتيابهم تعلق ببعض شبهة، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده. والمبطلون: أهل الكتاب، قاله قتادة؛ أو كفار قريش، قاله مجاهد. وسموا مبطلين، لأنهم كفروا به، وهو أمي بعيد من الريب. ولما لم يكن قارئاً ولا كاتباً، كان ارتيابهم لا وجه له.
{بل هو}: أي القرآن: {آيات بينات}: واضحات الإعجاز، {في صدور الذين أوتوا العلم}: أي مستقرة، مؤمن من بها، محفوظة في صدورهم، يتلوها أكثر الأمة ظاهراً، بخلاف غيره من الكتب، فليس بمعجز، ولا يقرأ إلا من الصحف. وجاء في صفة هذه الأمة صدورهم: أنا جيلهم، وكونه القرآن، يؤيده قراءة عبد الله، بل هي آيات. وقيل: بل هو، أي النبي وأموره، آيات بينات، قاله قتادة. وقرأ: بل هو آية بينة على التوحيد؛ وقيل: بل هو، أي كونه لا يقرأ ولا يكتب. ويقال: جحدته وجحدت به، وكفرته وكفرت به، قيل: والجحود الأول معلق بالواحدنية، والثاني معلق بالنبوّة، وختمت تلك بالكافر. ولأنه قسيم المؤمنين في قوله: {يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن}، وهذه بالظالمين، لأنه جحد بعد إقامة الدليل على كون الرسول صدر منه القرآن منزل عليه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فهم الظالمون بعد ظهور المعجزة.
{وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه}: أي قريش، وبعض اليهود كانوا يعلمون قريشاً مثل هذا الاقتراح يقولون له: ألا يأتيكم بآية مثل آيات موسى من العصا وغيرها؟ وقرأ العربيان، ونافع، وحفص: آيات، على الجمع؛ وباقي السبعة: على التوحيد. {قل إنما الآيات عند الله}، ينزل أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل. {وإنما أنا نذير} بما أعطيت من الآيات. وذكر يحيى بن جعدة أن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: «كفر بها جماعة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم».
، فنزلت: {أو لم يكفهم}.
والذي يظهر أنه رد على الذين قالوا: {لولا أنزل عليه آية من ربه}: أي أو لم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنتين هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان؟ فلا تزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل، كما تزول كل آية بعد وجودها، ويكون في مكان دون مكان. إن في هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان لرحمة لنعمة عظيمة لا تنكر وتذكر. وقيل: {أو لم يكفهم}: يعني اليهود، {إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك، وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد! من يشهد بأنك رسول الله؟ فنزلت: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً}: أي قد بلغت وأنذرت، وأنكم جحدتم وكذبتم، وهو العالم {ما في السموات والأرض}، فيعلم أمري وأمركم، {والذين آمنوا بالباطل}. قال ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان. وقيل: بالضم.
{ويستعجلونك}: أي كفار قريش في قولهم: {ائتنا بما تعدنا} وقول النضر: {فأمطر علينا حجارة} وهو استعجال على جهة التعجيز والتكذيب والاستهزاء بالعذاب الذي كان يتوعدهم به الرسول. والأجل المسمى: ما سماه الله وأثبته في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره. وقال ابن جبير: يوم القيامة. وقال ابن سلام: أجل ما بين النفختين، وقيل: يوم بدر. {وليأتينهم بغتة}: أي فجأة، وهو ما ظهر يوم بدر، وفي السنين السبع. ثم كرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن وراءهم جهنم، تحيط بهم. وانتصب {يوم يغشاهم} بمحيطة. وقرأ الكوفيون، ونافع: {ويقول}: أي الله؛ وباقي السبعة: بالنون، نون العظمة، أو نون جماعة الملائكة؛ وأبو البرهثيم: بالتاء، أي جهنم؛ كما نسب القول إليها في: {وتقول هل من مزيد} وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ويقال، مبنياً للمفعول.