فصل: تفسير الآيات (15- 26):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (15- 26):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)}
هذه آية موعظة وتذكير، وأن جميع الناس محتاجون إلى إحسان الله تعالى وإنعامه في جميع أحوالهم، لا يستغنى أحد عنه طرفة عين، وهو الغني عن العالم على الإطلاق. وعرّف الفقراء ليريهم شديد افتقارهم إليه، إذ هم جنس الفقراء، وإن كان العالم بأسره مفتقر إليه، فلضعفهم جعلوا كأنهم جميع هذا الجنس؛ ولو نكر لكان المعنى: أنتم، يعني الفقراء، وقوبل الفقراء بالغني، ووصف بالحميد دلالة على أنه جواد منعم، فهو محمود على ما يسديه من النعم، مستحق للحمد. ولما ذكر أنه الغني على الإطلاق، ذكر ما يدل على استغنائه عن العالم، وأنه ليس بمحتاج إليهم فقال: {إن يشأ يذهبكم}: أي إن يشأ إذهابكم يذهبكم، وفي هذا وعيد بإهلاكهم. {وما ذلك}: أي إذهابكم، والإتيان بخلق جديد {بعزيز}، أي بممتنع عليه، إذ هو المتصف بالقدرة التامة، فلا يمتنع عليه شيء مما يريده. ومعنى: {بخلق جديد}: بدلكم لقوله: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم} وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده، لا يشرك به شيئاً. وقد جاء هذا المعنى من ذكر الإذهاب بعد وصفه تعالى بالغني في قوله تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} وجاء أيضاً تعليق الإذهاب مختوماً آخر الآية بذكر القدرة الدالة على ذلك في قوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً} روي أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين: اكفروا بمحمد وعليّ وزركم، فنزلت. وأخبر تعالى، لا يحمله أحد عن أحد. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: هذه الآية في الذنوب والجرائم. ويقال: وزر الشيء: حمله، ووازرة: صفة لمحذوف، أي نفس وازرة: حاملة، وذكر الصفة ولم يذكر الموصوف مقتصراً عليه، لأن المعنى: أن كل نفس لا ترى إلا حامله وزرها، لا وزر غيرها، فلا يؤاخذ نفساً بذنب نفس، كما يأخذ جبابرة الدنيا الجار بالجار، والصديق بالصديق، والقريب بالقريب. وقال ابن عطية: ومن تطرف من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمه، كفعل زياد ونحوه، فإنما ذلك ظلم، لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بموازرة ومواصلة، أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب. انتهى. وكأن ابن عطية تأول أفعال زياد وما فعل في الإسلام، وكانت سيرته قريبة من سيرة الحجاج، ولا منافاة بين هذه الآية في العنكبوت، لأن تلك في الضالين المضلين يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، فكل ذلك أثقالهم، ما فيها من ثقل غيرهم شيء. ألا ترى: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} {وإن تدع مثقلة}: أي نفس مثقلة بحملها، {إلى حملها لا يحمل منه شيء}: أي لا غياث يومئذ لمن استغاث، ولا إعانة حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وزرها لم تجب وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ فالآية قبلها في الدلالة على عدل الله في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها وهذه في نفي الإعانة والحمل ما كان على الظهر في الأجرام فاستعير للمعاني كالذنوب ونحوها فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر كقوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} كما جعل كل اكتساب منسوباً إلى اليد. وقرأ الجمهور: يحمل بالياء، مبنياً للمفعول؛ وأبو السمال عن طلحة، وإبراهيم بن زادان عن الكسائي: بفتح التاء من فوق وكسر الميم، وتقتضي هذه القراءة نصب شيء، كما اقتضت قراءة الجمهور رفعه، والفاعل بيحمل ضمير عائد على مفعول تدع المحذوف، أي وإن تدع مثقلة نفساً أخرى إلى حملها، لم تحمل منه شيئاً. واسم كان ضمير يعود على المدعو المفهوم من قوله: {وإن تدع}، هذا معنى قول الزمخشري، قال: وترك المدعو ليعم ويشمل كل مدعو. قال: فإن قلت: فكيف استفهام إضمار، ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقل؟ قلت: هو من العموم الكائن على طريق البلد. انتهى. وقال ابن عطية: واسم كان مضمر تقديره ولو كان. انتهى، أي ولو كان الداعي ذا قربى من المدعو، فإن المدعو لا يحمل منه شيئاً. وذكر الضمير حملاً على المعنى، لأن قوله: {مثقلة}، لا يريد به مؤنث المعنى فقط، بل كل شخص، فكأنه قيل: وإن تدع شخصاً مثقلاً. وقرئ: ولو كان ذو قربى، على أن كان تامة، أي ولو حضر إذا ذاك ذو قربى ودعته، لم يحمل منه شيئاً. وقالت العرب: قد كان لبن، أي حضر وحدث. وقال الزمخشري: نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة، لأن المعنى: على أن المثقلة إذا دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه، وإن كان مدعوها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم. ولو قلت: ولو وجد ذو قربى، لتفكك وخرج عن اتساقه والتئامه. انتهى. وهو نسق ملتئم على التقدير الذي ذكرناه، وتفسيره كان، وهو مبني للفاعل، يؤخذ المبني للمفعول تفسير معنى، وليس مرادفاً ومرادفه، حدث أو حضر أو وقع، هكذا فسره النحاة.
ولما سبق ما تضمن الوعيد وبعض أهوال القيامة، كان ذلك إنذاراً، فذكر أن الإنذار إنما يجدي وينفع من يخشى الله. {بالغيب}: حال من الفاعل أو المفعول، أي يخشون ربهم غافلين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائباً عنهم. وقيل: بالغيب في السر، وقيل: بالغيب، أي وهو بحال غيبه عنهم إنما هي رسالة. وقرأ الجمهور: {ومن تزكى}، فعلاً ماضياً، {فإنما يتزكى}: فعلاً، مضارع تزكى، أي ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي، فإنما ثمرة ذلك عائدة عليه، وهو إنما زكاته لنفسه لا لغيره، والتزكي شامل للخشية وإقامة الصلاة.
وقرأ العباس عن أبي عمرو: ومن يزكى فإنما يزكى، بالياء من تحت وشدّ الزاي فيهما، وهما مضارعان أصلهما ومن يتزكى، أدغمت التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله: {يذكرون} وقرأ ابن مسعود، وطلحة: ومن ازكى، بإدغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصل في الابتداء؛ وطلحة أيضاً: فإنما يزكى، بإدغام التاء في الزاي. {وإلى الله المصير}: وعد لمن يزكى بالثواب.
{وما يستوي الأعمى والبصير} الآية: هي طعن على الكفرة وتمثيل. فالأعمى الكافر، والبصير المؤمن، أو الأعمى الصنم، والبصير الله عز وجل وعلا، أي لا يستوي معبودهم ومعبود المؤمنين. والظلمات والنور، والظل والحرور: تمثيل للحق والباطل وما يؤديان إليه من الثواب والعقاب. والأحياء والأموات، تمثيل لمن دخل في الإسلام ومن لم يدخل فيه. والحرور: شدّة حر الشمس. وقال الزمخشري: والحرور: السموم، إلا أن السموم تكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار؛ وقيل: بالليل. انتهى. وقال ابن عطية: قال رؤبة: الحرور بالليل، والسموم بالنهار، وليس كما قال، وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره: أن السموم يختص بالنهار. ويقال: الحرور في حر الليل، وفي حر النهار. انتهى. ولا يرد على رؤبة، لأنه منه تؤخذ اللغة، فأخبر عن لغة قومه. وقال قوم: الظل هنا: الجنة، والحرور: جهنم، ويستوي من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد. فدخول لا في النفي لتأكيد معناه لقوله: {ولا تستوي الحسنة والسيئة} وقال ابن عطية: دخول لا إنما هو على هيئة التكرار، كأنه قال: ولا الظلمات والنور ولا النور والظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل مذكور الكلام على متروكه. انتهى. وما ذكر غير محتاج إلى تقديره، لأنه إذا نفى استواء الظلمات والنور، فأي فائدة في تقدير نفي استوائهما ثانياً وادعاء محذوفين؟ وأنت تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فتؤكد بلا معنى النفي، فكذلك هذا. وقرأ زادان عن الكسائي: وما تستوي الأحياء، بتاء التأنيث؛ والجمهور: بالياء، وترتيب هذه المنفي عنها الاستواء في غاية الفصاحة. وذكر الأعمى والبصير مثلاً للمؤمن والكافر، ثم البصير. ولو كان حديد النظر لا يبصر إلا في ضوء، فذكر ما هو فيه الكافر من ظلمة الكفر، وما هو فيه المؤمن من نور الإيمان. ثم ذكر مآلهما، وهو الظل، وهو أن المؤمن بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب.
ثم ذكر مثلاً آخر في حق المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير، إذ الأعمى قد يشارك البصير في إدراك مّا، والكافر غير مدرك إدراكاً نافعاً، فهو كالميت، ولذلك أعاد الفعل فقال: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات}، كأنه جعل مقام سؤال، وكرر لا فيما ذكر لتأكيد المنافاة. فالظلمات تنافي النور وتضاده، والظل والحرور كذلك، والأعمى والبصير ليس كذلك، لأن الشخص الواحد قد يكون بصيراً. ثم يعرض له العمى، فلا منافاة إلا من حيث الوصف.
والمنافاة بين الظل والحرور دائمة، لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد؛ فلما كانت المنافاة أتم، أكد بالتكرار. وأما الأحياء والأموات من حيث أن الجسم الواحد يكون محلاً للحياة، فيصير محلاً للموت. فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير، لأن هذين قد يشتركان في إدراك مّا، ولا كذلك الحي. والميت يخالف الحي في الحقيقة، لا في الوصف، على ما بين في الحكمة الإلهية. وقدّم الأشرف في مثلين، وهو الظل والحر؛ وآخر في مثلين، وهما البصير والنور، ولا يقال لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه. وفي المعنى: والشاعر قد يقدّم ويؤخر لأجل السجع والقرآن. المعنى صحيح، واللفظ فصيح، وكانوا قبل المبعث في ضلالة، فكانوا كالعمي، وطريقهم الظلمة. فلما جاء الرسول، واهتدى به قوم، صاروا بصيرين، وطريقهم النور، وقدّم ما كان متقدّماً من المتصف بالكفر، وطريقته على ما كان متأخراً من المتصف بالإيمان وطريقته. ثم لما ذكر المآل والمرجع، قدّم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب، كما جاء: سبقت رحمتي غضبي، فقدّم الظل على الحرور.
ثم إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى، وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال: {وما يستوي الأحياء}: الذين آمنوا بما أنزل الله، {ولا الأموات}: الذين تليت عليهم الآيات البينات، ولم ينتفعوا بها. وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن، فأخرهم لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافر. وأفرد الأعمى والبصير، لأنه قابل الجنس بالجنس، إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي به بعض أفراد البصراء، كأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البصير البليد. فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به، لا بين الأفراد. وجمعت الظلمات، لأن طرق الكفر متعدّدة؛ وأفرد النور، لأن التوحيد والحق واحد، والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد فقال: الظلمات لا تجد فيها ما يساوي هذا النور. وأما الأحياء والأموات، فالتفاوت بينهما أكثر، إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حياً، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات، سواء قابلت الجنس بالجنس، أم قابلت الفرد بالفرد. انتهى. من كلام أبي عبد الله الرازي، وفيه بعض تلخيص.
ثم سلى رسوله بقوله: {إن الله يسمع من يشاء}: أي إسماع هؤلاء منوط بمشيئتنا، وكنى بالإسماع عن الذي تكون عنه الإجابة للإيمان. ولما ذكر أنه {ما يستوي الأحياء ولا الأموات}، قال: {وما أنت بمسمع من في القبور}: أي هؤلاء، من عدم إصغائهم إلى سمع الحق، بمنزلة من هم قد ماتوا فأقاموا في قبورهم. فكما أن من مات لا يمكن أن يقبل منك قول الحق، فكذلك هؤلاء، لأنهم أموات القلوب. وقرأ الأشهب، والحسن بمسمع من، على الإضافة؛ والجمهور: بالتنوين. {إن أنت إلا نذير}: أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر.
فإن كان المنذر ممن أراد الله هدايته سمع واهتدى، وإن كان ممن أراد الله ضلاله فما عليك، لأنه تعالى هو الذي يهدي ويضل. و{بالحق}: حال من الفاعل، أي محق. أو من المفعول، أي محقاً، أو صفة لمصدر محذوف، أي إرسالاً بالحق، أي مصحوباً. قال الزمخشري: أو صلة بشير ونذير، فنذير على بشير بالوعد الحق؛ ونذير بالوعيد. انتهى. ولا يمكن أن يتعلق بالحق هذا بشير ونذير معاً، بل ينبغي أن يتأول كلامه على أنه أراد أن ثم محذوفاً، والتقدير: بالوعد الحق بشيراً، وبالوعيد الحق نذيراً، فحذف المقابل لدلالة مقابله عليه.
{وإن من أمّة إلا خلا فيها نذير}، الأمة: الجماعة الكثيرة، والمعنى: أن الدعاء إلى الله لم ينقطع عن كل أمة. أما بمباشرة من أنبيائهم وما ينقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناه لم يباشرهم ولا آباؤهم القريبين، وأما أن النذارة انقطعت فلا. ولما شرعت آثار النذراة تندرس، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم. وما ذكره أهل علم الكلام من حال أهل الفترات، فإن ذلك على حسب العرض لأنه واقع، ولا توجد أمة على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله وعبارته. واكتفى بذكر نذير عن بشير، لأنها مشفوعة بها في قوله: {بشيراً ونذيراً}، فدل ذلك على أنه مراد، وحذف للدلالة عليه. {وإن يكذبوك}: مسلاة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتقدّم الكلام على نظير هذه الجمل في أواخر آل عمران. قوله: {فكيف كان نكير}، توعد لقريش بما جرى لمكذبي رسلهم.

.تفسير الآيات (27- 35):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)}
لما قرر تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها، أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال: {ألم تر}، وهذا الاستفهام تقريري، ولا يكون إلا في الشيء الظاهر جداً. والخطاب للسامع، وتر من رؤية القلب، لأن إسناد إنزاله تعالى لا يستدل عليه إلا بالعقل الموافق للنقل، وإن كان إنزال المطر مشاهداً بالعين، لكن رؤية القلب قد تكون مسندة لرؤية البصر ولغيرها. وخرج من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله: {فأخرجنا}، لما في ذلك من الفخامة، إذ هو مسند للمعظم المتكلم. ولأن نعمة الإخراج أتم من نعمة الإنزال لفائدة الإخراج، فأسند الأتم إلى ذاته بضمير المتكلم، وما دونه بضمير الغائب. والظاهر أن الألوان، إن أريد بها ما يتبادر إليه الذهن من الحمرة والصفرة والخضرة والسواد وغير ذلك، والألوان بهذا المعنى أوسع وأكثر من الألوان بمعنى الأصباغ. وقرأ الجمهور: {مختلفاً ألوانها}، على حد اختلف ألوانها. وقرأ زيد بن علي: مختلفة ألوانها، على حد اختلفت ألوانها، وجمع التكسير يجوز فيه أن تلحق التاء، وأن لا تلحق. وقرأ الجمهور: {جُدَد}، بضم الجيم وفتح الدال، جمع جدة. قال ابن بحر: قطع من قولك: جددت الشيء: قطعته. وقرأ الزهري: كقراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح: جمع جدة، وهي ما تخالف من الطريق في الجبال لون ما يليها. وعنه أيضاً، بضم الجيم والدال: جمع جديدة وجدد وجدائد، كما يقال في الاسم: سفينة وسفن وسفائن. قال أبو ذؤيب:
جون السراة أم جدائد أربع

وعنه أيضاً: بفتح الجيم والدال، ولم يجزه أبو حاتم في المعنى، ولا صححه أثراً. وقال غيره: هو الطريق الواضح المبين، وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. وقال أبو عبيدة: يقال جدد في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية. وقال صاحب اللوامح: جدد جمع جديد بمعنى: آثار جديدة واضحة الألوان. انتهى. وقال: مختلف ألوانها، لأن البياض والحمرة تتفاوت بالشدة والضعف، فأبيض لا يشبه أبيض، وأحمر لا يشبه أحمر، وإن اشتركا في القدر المشترك، لكنه مشكل. والظاهر عطف {وغرابيب} على {حمر}، عطف ذي لون على ذي لون. وقال الزمخشري: معطوف على {بيض} أو على {جدد}، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد. وقال بعد ذلك: ولابد من تقدير حذف المضاف في قوله: {ومن الجبال جدد}، بمعنى: ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى تؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: {ثمرات مختلفاً ألوانها}. {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانها} يعني: ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرأ ابن السميفع: ألوانها. انتهى.
والظاهر أنه لما ذكر الغرابيب، وهو الشديد السواد، لم يذكر فيه مختلف ألوانه، لأنه من حيث جعله شديد السواد، وهو المبالغ في غاية السواد، لم يكن له ألوان، بل هذا لون واحد، بخلاف البيض والحمر، فإنها مختلفة.
والظاهر أن قوله: {بيض حمر} ليسا مجموعين بجدة واحدة، بل المعنى: جدد بيض، وجدد حمر، وجدد غرابيب. ويقال: أسود حلكوك، وأسود غربيب، ومن حق الواضح الغاية في ذلك اللون أن يكون تابعاً. فقال ابن عطية: قدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر، وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا. وقال الزمخشري: الغربيب تأكيد للاسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد، كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك؛ ووجهه أن يظهر المؤكد قبله، فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة:
والمؤمن العائذات الطير

وإنما يفعل لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريق الإظهار والإضمار جميعاً. انتهى. وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجيز حذف المؤكد. ومن النحاة من منع ذلك، وهو اختيار ابن مالك. وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي سود غرابيب. وقيل: سود بدل من غرابيب، وهذا أحسن، ويحسنه كون غرابيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً، ومنه ما جاء في الحديث: «أن الله يبغض الشيخ الغربيب»، يعني الذي يخضب بالسواد، وقال الشاعر:
العين طامحة واليد سابحة ** والرجل لائحة والوجه غربيب

وقال آخر:
ومن تعاجيب خلق الله غالية ** البعض منها ملاحيّ وغربيب

وقرأ الجمهور: {الدواب}، مشدد الباء؛ والزهري: بتخفيفها، كراهية التضعيف، إذ فيه التقاء الساكنين. كما همز بعضهم {ولا الظالين}، فراراً من التقاء الساكنين، فحذف هنا آخر المضعفين وحرك أول الساكنين. ومختلفة، صفة لمحذوف، أي خلق مختلف ألوانه كذلك، أي كاختلاف الثمرات والجبال؛ فهذا التشبيه من تمام الكلام قبله، والوقف عليه حسن. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب، كأنه قال: كما جاءت القدرة في هذا كله.
{إنما يخشى الله من عباده العلماء}: أي المخلصون لهذه العبر، الناظرون فيها. انتهى. وهذا الاحتمال لا يصح، لأن ما بعد إنما لا يمكن أن يتعلق بهذا المجرور قبلها، ولو خرج مخرج السبب، لكان التركيب: كذلك يخشى الله من عباده، أي لذلك الاعتبار، والنظر في مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى الله. ولكن التركيب جاء بإنما، وهي تقطع هذا المجرور عما بعدها، والعلماء هم الذين علموه بصفاته وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقل كان آمن، وقد وردت أحاديث وآثار في الخشية. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق، وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه. ومن ادعى أن إنما للحصر قال: المعنى ما يخشى الله إلا العلماء، فغيرهم لا يخشاه، وهو قول الزمخشري.
وقال ابن عطية: وإنما في هذه الآية تخصيص العلماء لا الحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضاً دونه، وإنما ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه. انتهى.
وجاءت هذه الجملة بعد قوله: {الم تر}، إذ ظاهره خطاب للرسول، حيث عدد آياته وأعلام قدرته وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته، فكأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته. وقرأ الجمهور: بنصب الجلالة ورفع العلماء. وروي عن عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة عكس ذلك، وتؤولت هذه القراءة على أن الخشية استعارة للتعظيم، لأن من خشي وهابه أجل وعظم من خشيه وهاب، ولعل ذلك لا يصح عنهما. وقد رأينا كتباً في الشواذ، ولم يذكروا هذه القراءة، وإنما ذكرها الزمخشري، وذكرها عن أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن جبارة في كتابه الكامل. {إن الله عزيز غفور}: تعليل للخشية، إذ العزة تدل على عقوبة العصاة وقهرهم، والمغفرة على إنابة الطائعين والعفو عنهم.
{إن الذين يلتون}: ظاهره يقرأون، {كتاب الله}: أي يداومون تلاوته. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، ويتبعون كتاب الله، فيعملون بما فيه؛ وعن الكلبي: يأخذون بما فيه. وقال السدي: هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم وقال: «عطاءهم المؤمنون». ولما ذكر تعالى وصفهم بالخشية، وهي عمل القلب، ذكر أنهم يتلون كتاب الله، وهو عمل اللسان. {وأقاموا الصلاة}: وهو عمل الجوارح، وينفقون: وهو العمل المالي. وإقامة الصلاة والإنفاق: يقصدون بذلك وجه الله، لا للرياء والسمعة. {تجارة لن تبور}: لن تكسد، ولا يتعذر الربح فيها، بل ينفق عند الله. {ليوفهم}: متعلق بيرجون، أو بلن تبور، أو بمضمر تقديره: فعلوا ذلك، أقوال. وقال الزمخشري: وإن شئت فقلت: يرجون في موضع الحال على وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلو جميع ذلك لهذا الغرض. وخبر إن قوله: {إنه غفور شكور} لأعمالهم، والشكر مجاز عن الإثابة. انتهى. وأجورهم هي التي رتبها تعالى على أعمالهم، وزيادته من فضله. قال أبو وائل: بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم. وقال الضحاك: بتفسيح القلوب، وفي الحديث: «بتضعيف حسناتهم» وقيل: بالنظر إلى وجهه. والكتاب: هو القرآن، ومن: للتبين أو الجنس أو التبعيض، تخريجات للزمخشري. {ومصدقاً}: حال مؤكدة لما {بين يديه} من الكتب الإلهية: التوراة والانجيل والزبور وغيره، وفيه إشارة إلى كونه وحياً، لأنه عليه السلام لم يكن قارئاً كاتباً، وأتى ببيان ما في كتب الله، ولا يكون ذلك إلا من الله تعالى. {إن الله بعباده لخبير بصير}: عالم بدقائق الأشياء وبواطنها، بصير بما ظهر منها، وحيث أهلك لوحيه، واختارك برسالته وكتابه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
{ثم أورثنا الكتاب}، وثم قيل: بمعنى الواو، وقيل: للمهلة، إما في الزمان، وإما في الإخبار على ما يأتي بيانه.
والكتاب فيه قولان، أحدهما: أن المعنى: أنزلنا الكتب الإلهية، والكتاب على هذا اسم جنس. والمصطفون، على ما يأتي بيانه أن المعنى: الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وقال ابن عباس: هم هذه الأمة، أورثت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كل كتاب أنزله الله. وقال ابن جرير: أورثهم الإيمان، فالكتب تأمر باتباع القرآن، فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها، يدل عليه: {والذين أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}، ثم أتبعه بقوله: {ثم أورثنا الكتاب}، فعلمنا أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان معنى الميراث: انتقال شيء من قوم إلى قوم، ولم تكن أمة انتقل إليها كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته. فإذا قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، كان المعنى: أورثنا كل كتاب أنزل على نبي، ذلك النبي وأتباعه. والقول الثاني: أن الكتاب هو القرآن، والمصطفون أمة الرسول، ومعنى أورثنا، قال مجاهد: أعطينا، لأن الميراث عطاء. ثم قسم الوارثين إلى هذه الأقسام الثلاثة، قال مكي: فقيل هم المذكرون في الواقعة. فالسابق بالخيرات هو المقرب، والمقتصد أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه أصحاب المشأمة، وهو قول يروى معناه عن عكرمة والحسن وقتادة، قالوا: الضمير في منهم عائد على العباد. فالظالم لنفسه الكافر والمنافق، والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق، وقالوا: هو نظير ما في الواقعة. والأكثرون على أن هؤلاء الثلاثة هم في أمة الرسول، ومن كان من أصحاب المشأمة مكذباً ضالاً لا يورث الكتاب ولا اصطفاه الله، وإنما الذي في الواقعة أصناف الخلق من الأولين والآخرين. قال عثمان ابن عفان: سابقنا أهل جهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جمعة ولا جماعة. وقال معاذ: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة لم يتب منها، والمقتصد: من مات على صغيرة ولم يصب كبيرة لم يتب منها، والسابق: من مات نائباً عن كبيرة أو صغيرة أو لم يصب ذلك. وقيل: الظالم لنفسه: العاصي المسرف، والمقتصد: متقي الكبائر، والسابق: المتقي على الإطلاق. وقال الحسن: الظالم: من خفت حسناته، والمقتصد: من استوت، والسابق: من رجحت. وقال الزمخشري: قسمهم إلى ظالم مجرم، وهو المرجأ لأمر الله، ومقتصد، وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ وسابق، من السابقين. انتهى. وذكر في التجريد ثلاثة وأربعين قولاً في هؤلاء الأصناف الثلاثة. وقرأ أبو عمران الحوفي، وعمر ابن أبي شجاع، ويعقوب في رواية، والقرآءة عن أبي عمر و: سباق؛ والجمهور. سابق، قيل: وقدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله. وقال الزمخشري: للإيذان بكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصد قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. انتهى. {بإذن الله}: بتيسيره وتمكنه، أي أن سبقه ليس من جهة ذاته، بل ذلك منه تعالى.
والظاهر أن الإشارة بذلك الى إيراث الكتاب واصطفاء هذه الأمة.
{وجنات} على هذا مبتدأ، و{يدخلونها} الخبر. وجنات، قرأءة الجمهور جمعاً بالرفع، ويكون ذلك إخباراً بمقدار أولئك المصطفين. وقال الزمخشري، وابن عطية: {جنات} بدل من {الفضل}. قال الزمخشري: فإن قلت: فكيف جعلت {جنات عدن} بدلاً من {الفضل الكبير} الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن. انتهى. ويدل على أنه مبتدأ قراءة الجحدري وهارون، عن عاصم. جنات، منصوباً على الاشتغال، أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وقرأ رزين، وحبيش، والزهري: جنة على الأفراد. وقرأ أبو عمرو: ويدخلونها مبنياً للمفعول، ورويت عن ابن كثير والجمهور مبنياً للفاعل. والظاهر أن الضمير المرفوع في يدخلونها عائداً على الأصناف الثلاثة، وهو يقول عبد الله بن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبي الدرداء، وعقبة بن عامر، وأبي سعيد، وعائشة، ومحمد بن الحنيفة، وجعفر الصادق، وأبي إسحاق السبيعي، وكعب الأحبار. وقرأ عمر هذه الآية، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» ومن جعل ثلاثة الأصناف هي التي في الواقعة، لأن الضمير في يدخلونها عائد عنده على المقتصد والسابق. وقال الزمخشري: هو عائد على السابق فقط، ولذلك جعل ذلك إشارة إلى السبق بعد التقسيم، فذكر ثوابهم. والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظالم لنفسه حذراً، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغتر بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له»، فإن شرط ذلك صحة التوبة، عسى الله أن يتوب عليهم. وقوله: إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخداع. انتهى، وهو على طريق المعتزلة. وقرأ الجمهور: {يحلون} بضم الياء وفتح الحاء وشد اللام، مبنياً للمفعول. وقرئ: بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام، من حليت المرأة فهي حال، إذا لبست الحلى. ويقال: جيد حال، إذا كان فيه الحلى، وتقدم في سورة الحج الكلام على {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير}.
وقرأ الجمهور: {الحزن} بفتحتين؛ وقرئ: بضم الحاء وسكون الزاي، ذكره جناح بن حبيش، والحزن يعم جميع الأحزان، وقد خص المفسرون هنا وأكثروا، وينبغي أن يحمل ذلك على التمثيل لا على التعيين، فقال أبو الدرداء: حزن: أهوال يوم القيامة، وما يصيب هنالك من ظلم نفسه من الغم والحزن. وقال سمرة بن جندب: معيشة الدنيا الخير ونحوه.
وقال قتادة: حزن الدنيا في الحوفة أن لا يتقبل أعمالهم. وقال مقاتل: حزن الانتقال، يقولونها إذا استقروا فيها. وقال الكلبي: خوف الشيطان. وقال ابن زيد: حزن: تظالم الآخرة، والوقوف عن قبول الطاعات وردها، وطول المكث على الصراط. وقال القاسم بن محمد: حزن: زوال الغم وتقلب القلب وخوف العاقبة، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه أنه يعم كل حزن من أحزان الدين والدنيا حتى هذا. {إن ربنا لغفور شكور}، لغفور: فيه إشارة إلى دخول الظالم لنفسه الجنة، وشكور: فيه إلى السابق وأنه كثير الحسنات. والمقامة: هي أي الجنة، لأنها دار إقامة دائماً لا يرحل عنها. {من فضله}: من عطائه.
{لا يسمنا فيها نصب}: أي تعب بدن، {ولا يسمنا فيها لغوب}: أي تعب نفس، وهو لازم عن تعب البدن. وقال قتادة: اللغوب: الوضع. وقال الزمخشري: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المنتصب المزاول له، وأما اللغوب: فما يلحقه من الفتور بسبب النصب. فالنصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب نتيجته، وما يحدث منه من الكلال والفترة. انتهى. فإن قلت: إذا انتفى السبب انتفى مسببه، فما حكمه إذا نفي السبب وانتفى مسببه؟ وأنت تقول: ما شبعت ولا أكلت، ولا يحسن ما أكلت ولا شبعت، لأنه يلزم من انتفاء الأكل انتفاء الشبع، ولا ينعكس، فلو جاء على هذا الأسلوب لكان التركيب لا يمسنا فيها إعياء ولا مشقة؟ فالجواب: أنه تعالى بين مخالفة الجنة لدار الدنيا، فإن أماكنها على قسمين: موضع يمس فيه المشاق والمتاعب كالبراري والصحاري، وموضع يمس فيه الأعياء كالبيوت والمنازل التي فيها الصغار، فقال: {لا يمسنا في نصب}، لأنها ليست مظان المتاعب لدار الدنيا؛ {ولا يمسنا فيها لغوب}: أي ولا نخرج منها إلى موضع نصب ونرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء. وقرأ الجمهور: لغوب، بضم اللام، وعلي بن أبي طالب والسلمي: بفتحها. قال الفراء: هو ما يلغب به، كالفطور والسحور، وجاز أن يكون صفة للمصدر المحذوف، كأنه لغوب، كقولهم: موت مائت. وقال صاحب اللوامح: يجوز أن يكون مصدراً كالقبول، وإن شئت جعلته صفة لمضمر، أي أمر لغوب، واللغوب أيضاً في غير هذا للأحمق. قال أعرابي أن فلاناً لغوب جاءت كتابي فاحتقرها، أي أحمق، فقيل له: لم أنثته؟ فقال: أليس صحيفة؟