فصل: تفسير الآيات رقم (65- 75)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 75‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏65‏)‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ‏(‏66‏)‏ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏67‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏68‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏69‏)‏ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ‏(‏70‏)‏ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏71‏)‏ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏72‏)‏ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏74‏)‏ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم‏}‏‏.‏ قيل‏:‏ المراد أسلافهم، ودخل فيها المعاصرون بالمعنى‏.‏ والغرض الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم، والذي يظهر أنهم معاصرو الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك ترغيب لهم في الدخول في الإسلام‏.‏ وذكر شيئين وهما‏:‏ الإيمان، والتقوى‏.‏ ورتب عليهم شيئين‏:‏ قابل الإيمان بتكفير السيئات إذ الإسلام يجبّ ما قبله، وترتب على التقوى وهي امتثال الأوامر واجتناب المناهي دخول جنة النعيم، وإضافة الجنة إلى النعيم تنبيهاً على ما كانوا يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا‏.‏ وقيل‏:‏ واتقوا أي‏:‏ الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبعيسى عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ المعاصي التي لعنوا بسببها‏.‏ وقيل‏:‏ الشرك‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ولو أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان، لكفرنا عنهم تلك السيئات، فلم نؤاخذهم بها، ولأدخلناهم مع المسلمين الجنة‏.‏ وفيه إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجى ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى كما قال الحسن‏:‏ هذا العمود فأين الأطناب‏؟‏ انتهى كلامه‏.‏ وفيه من الاعتزال‏.‏ وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان، وقوله‏:‏ وأن الإيمان لا ينجى ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى‏.‏

‏{‏ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏}‏ هذا استدعاء لإيمانهم، وتنبيه لهم على اتباع ما في كتبهم، وترغيب لهم في عاجل الدنيا وبسط الرزق عليهم فيها، إذ أكثر ما في التوراة من الموعود به على الطاعات هو الإحسان إليهم في الدنيا‏.‏ ولمّا رغبهم في الآية قبل في موعود الآخرة من تكفير السيئات وإدخالهم الجنة، رغبهم في هذه الآية في موعود الدنيا ليجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة، وكان تقديم موعود الآخرة أهمّ لأنه هو الدائم الباقي، والذي به النجاة السرمدية، والنعيم الذي لا ينقضي‏.‏ ومعنى إقامة التوراة والإنجيل‏:‏ هو إظهار ما انطوت عليه من الأحكام والتبشير بالرسول والأمر باتباعه كقولهم‏:‏ أقاموا السوق أي حركوها وأظهروها، وذلك تشبيه بالقائم من الناس إذ هي أظهر هيآته‏.‏ وفي قوله‏:‏ والإنجيل دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ وما أنزل إليهم من ربهم، العموم في الكتب الإلهية مثل‏:‏ كتاب أشعياء، وكتاب حزقيل، وكتاب دانيال، فإنها مملوءة من البشارة بمبعث الرسول‏.‏

وقيل‏:‏ ما أنزل إليهم من ربهم هو القرآن‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أنه استعارة عن سبوغ النعم عليهم، وتوسعة الرزق عليهم، كما يقال‏:‏ قد عمه الرزق من فرقه إلى قدمه ولا فوق ولا تحت حكاه الطبري والزجاج‏.‏ وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدّي‏:‏ لأعطتهم السماء مطرها وبركتها، والأرض نباتها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض‏}‏ وذكر النقاش من فوقهم من رزق الجنة، ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا إذ هو من نبات الأرض‏.‏ وقيل‏:‏ من فوقهم كثرة الأشجار المثمرة، ومن تحت أرجلهم الزرع المغلة‏.‏ وقيل‏:‏ من فوقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدّل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط منها على الأرض، وتحت أرجلهم‏.‏ وقال تاج القراء‏:‏ من فوقهم ما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم، ومن تحت أرجلهم ما يأتيهم من سفلتهم وعوامّهم، وعبر بالأكل عن الأخذ، لأنه أجل منافعه وأبلغ ما يحتاج إليه في ديمومة الحياة‏.‏

‏{‏منهم أمّة مقتصدة‏}‏ الضمير في منهم يعود على أهل الكتاب‏.‏ والأمة هنا يراد بها الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله‏:‏ وكثير منهم‏.‏ والاقتصاد من القصد وهو الاعتدال، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب أي‏:‏ كانت أولاً جائزة ثم اقتصدت‏.‏ قيل‏:‏ هم مؤمنو الفريقين عبد الله بن سلام وأصحابه، وثمانية وأربعون من النصارى‏.‏ واقتصادهم هو الإيمان بالله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً، ونحوه قول ابن زيد‏:‏ هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب‏.‏ وذكر الزجاج وغيره‏:‏ أنها الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتمرّدين المجاهدين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ مقتصدة حالها أمم في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الطبري‏:‏ من بني إسرائيل من يقتصد في عيسى فيقول‏:‏ هو عبد الله ورسوله وروح منه، والأكثر منهم غلافية فقال بعضهم‏:‏ هو الإله، وعلى هذا مشى الرّوم ومن دخل بآخره في ملة عيسى‏.‏ وقال بعضهم وهو الأكثر من بني إسرائيل‏:‏ هو آدمي كغيره لغير رشده، فتلخص في الاقتصاد أهو في حق عيسى‏؟‏ أو في المناصبة‏؟‏ أو في الإيمان‏؟‏ فإن كان في المناصبة فهل هو بالنسبة إلى الرسول وحده أم بالنسبة إلى الأنبياء‏؟‏ قولان‏.‏ وإن كان في الإيمان فهل هو في إيمان من آمن بالرسول من الفريقين أو من آمن قديماً وحديثاً‏؟‏ قولان‏.‏

‏{‏وكثير منهم ساء ما يعملون‏}‏ هذا تنويع في التفصيل‏.‏ فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة، جاء الخبر الجار والمجرور، والخبر الجملة من قوله‏:‏ ساء ما يعملون، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى‏.‏ وذلك أن الاقتصاد جعل وصفاً، والوصف ألزم للموصوف من الخبر، فأتى بالوصف اللازم في الطائفة الممدوحة، وأخبر عنها بقوله‏:‏ منهم، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولا سيما هنا، فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل، ثم قد تزول هذه النسبة بالإسلام فيكون التعبير عنهم والإخبار بأنهم منهم، باعتبار الحالة الماضية‏.‏

وأما في الجملة الثانية فإنهم منهم حقيقة لأنهم كفار، فجاء الوصف بالإلزام، ولم يجعل خبراً، وجعل خبر الجملة التي هي ساء ما يعملون، لأن الخبر ليس من شأنه اللزوم، فهم بصدد أن يسلم ناس منهم فيزول عنهم الإخبار بمضمون هذه الجملة، واختار الزمخشري في ساء أن تكون التي لا تنصرف، فإن فيه التعجب كأنه قيل‏:‏ ما أسوأ عملهم‏!‏ ولم يذكر غير هذا الوجه‏.‏ واختار ابن عطية أن تكون المتصرفة تقول‏:‏ ساء الأمر يسوء، وأجاز أن تكون غير المتصرفة فتستعمل استعمال نعم وبئس كقوله‏:‏ ساء مثلاً‏.‏ فالمتصرفة تحتاج إلى تقدير مفعول أي ساء ما كانوا يعملون بالمؤمنين، وغير المتصرفة تحتاج إلى تمييز أي‏:‏ ساء عملاً ما كانوا يعملون‏.‏

‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ هذا نداء بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الإنساني، وأمر بتليغ ما أنزل إليه وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أنزل إليه، فهو أمر بالديمومة‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ جميع ما أنزل إليك، وأي شيء أنزل غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ أمر من الله لرسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال، لأنه قد قال‏:‏ بلغ، فإنما أمر في هذه الآية أن لا يتوقف على شيء مخافة أحد، وذلك أنّ رسالته عليه السلام تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وفساد أحوالهم، فكان يلقى منهم عنتاً، وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية‏.‏ وعن ابن عباس عنه عليه السلام‏:‏ «لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية»‏.‏ وقيل‏:‏ هو أمر بتبليغ خاص أي‏:‏ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص الذي غيره اليهود في التوراة والنصارى في الإنجيل‏.‏ وقيل‏:‏ أمر بتبليغ أمر زينب بنت جحش ونكاحها‏.‏ وقيل‏:‏ بتبليغ الجهاد والحث عليه، وأن لا يتركه لأجل أحد‏.‏ وقيل‏:‏ أمر بتبليغ معائب آلهتهم، إذ كان قد سكت عند نزول قوله‏:‏ ‏{‏ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله‏}‏ الآية عن عيبها وكل واحد من هذا التبليغ الخاص‏.‏ قيل‏:‏ أنها نزلت بسببه، والذي يظهر أنه تعالى أمنه من مكر اليهود والنصارى، وأمره بتبليغ ما أنزل إليه في أمرهم وغيره من غير مبالاة بأحد، لأن الكلام قبل هذه الآية وبعدها هو معهم، فيبعد أن تكون هذه الآية أجنبية عما قبلها وعما بعدها‏.‏

‏{‏وإن لم تفعل فما بلغت رسالته‏}‏ أي وإن لم تفعل بتبليغ ما أنزل إليك، وظاهر هذا الجواب لا ينافي الشرط، إذ صار المعنى‏:‏ وإن لم تفعل لم تفعل، والجواب لا بد أن يغاير الشرط حتى يترتب عليه‏.‏

فقال الزمخشري‏:‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالة وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً، كان أمراً شنيعاً‏.‏ وقيل‏:‏ إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كلمة واحدة فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله‏:‏ ‏{‏فكأنما قتل الناس جميعاً‏}‏ والثاني‏:‏ أن يراد فإن لم تفعل ذلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب، فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه السلام‏:‏ «فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي لأعذبنك»‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ أي إن تركت شيئاً فكأنك قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتد به‏.‏ فمعنى‏:‏ وإن لم تفعل، وإن لم تستوف‏.‏ ونحو هذا قول الشاعر‏:‏

سئلت فلم تبخل ولم تعط نائلا *** فسيان لا ذمّ عليك ولا حمد

أي إن لم تعط ما يعد نائلاً وألا تتكاذب البيت‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ أجاب الجمهور بأنْ لم تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً‏.‏ وهذا ضعيف، لأنّ من أتى بالبعض وترك البعض‏.‏ فإن قيل‏:‏ إنه ترك الكل كان كاذباً، ولو قيل‏:‏ إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكل، فهذا هو المحلل الممتنع، فسقط هذا الجواب انتهى‏.‏ وما ضعف به جواب الجمهور لا يضعف به، لأنه قال‏:‏ فإنْ قيل أنه ترك الكل كان كاذباً، ولم يقولوا ذلك إنما قالوا‏:‏ إن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض، فإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداها جميعاً‏.‏ كما أنّ من لم يؤمن ببعضها كان كمن لا يؤمن بكلها لأداء كل منها بما يدلي به غيرها، وكونها لذلك في حكم شيء واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن، فصار ذلك التبليغ للبعض غير معتد به، وأما ما ذكر من أنّ مقدار الجرم في ترك البعض مثل الجرم في ترك الكل محال ممتنع، فلا استحالة فيه‏.‏ ولله تعالى أن يرتب على الذنب اليسير العذاب العظيم، وله تعالى أن يعفو عن الذنب العظيم، ويؤاخذ بالذنب الحقير‏:‏ ‏{‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏}‏ وقد ظهر ذلك في ترتيب العقوبات في الأحكام الشرعية، رتب على من أخذ شيئاً بالاختفاء والتستر، قطع اليد مع ردّ ما أخذه أو قيمته، ورتب على من أخذ شيئاً بالقهر والغلبة والغصب ردّ ذلك الشيء أو قيمته إن فقد دون قطع اليد‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ والأصح عندي أن يقال‏:‏ إن هذا خرج على قانون قوله‏:‏ أنا أبو النجم وشعري شعري، ومعناه‏:‏ أن شعرى بلغ في الكمال والفصاحة والمتانة بحيث متى قيل فيه انه شعرى فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها، وهذا الكلام مفيد المبالغة التامة من هذا الوجه، فكذا هاهنا‏.‏

قال‏:‏ فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، يعني‏:‏ أنه لا يمكن أن يصف البليغ بترك التهديد بأعظم من أنه ترك التعظيم، فكان ذلك تنبيهاً على التهديد والوعيد‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر‏:‏ رسالاته على الجمع‏.‏ وقرأ باقي السبعة‏:‏ على التوحيد‏.‏

‏{‏والله يعصمك من الناس‏}‏ أي لا تبال في التبليغ، فإن الله يعصمك فليس لهم تسليط على قتلك لا بمؤامرة، ولا باغتيال، ولا باسيتلاء عليك بأخذ وأسر‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ نزلت بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله انتهى، وهو غورث بن الحرث، وذلك في غزوة ذات الرقاع‏.‏

وروى المفسرون أنّ أبا طالب كان يرسل رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزل قوله‏:‏ والله يعصمك من الناس، فقال‏:‏ إن الله قد عصمني من الجن والإنس، فلا أحتاج إلى من يحرسني‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ كان يهاب قريشاً فلما نزلت استلقى وقال‏:‏»من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثاً«‏.‏ وروى أبو أمامة حديث ركانة من‏:‏ ولد هاشم مشركاً أفتك الناس وأشدهم، تصارع هو والرسول، فصرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ودعاه إلى الإسلام، فسأله آية، فدعا الشجرة فأقبلت إليه‏.‏ وقد انشقت نصفين، ثم سأله ردها إلى موضعها فالتأمت وعادت، فالتمسه أبو بكر وعمر فدلا عليه أنه خرج إلى واد أضم حيث ركانة، فسارا نحوه واجتمعا به، وذكرا أنهما خافا الفتك من ركانة، فأخبرهما خبره معه وضحك، وقرأ والله يعصمك من الناس‏.‏ وهذا ما قبله يدل على أنّ ذلك نزل بمكة أو في ذات الرقاع، والصحيح أنها نزلت بالمدينة والرسول بها مقيم شهراً، وحرسه سعد وحذيفة، فنام حتى غط، فنزلت، فأخرج إليهما رأسه من قبة أدم وقال‏:‏ ‏"‏ انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله لا أبالي من نصرني ومن خذلني ‏"‏ وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم‏:‏ وأما شج جبينه وكسر رباعيته يوم أحد فقيل‏:‏ الآية نزلت بعد أحد، فأما إن كانت قبله فلم تتضمن العصمة هذا الابتلاء ونحوه من أذى الكفار بالقول، بل تضمنت العصمة من القتل والأسر، وأما مثل هذه فيها الابتلاء الذي فيه رفع الدرجات واحتمال كل الأذى دون النفس في ذات الله، وابتلاء الأنبياء أشد، وما أعظم تكليفهم‏.‏ وأتى بلفظ يعصمك لأن المضارع يدل على الديمومة والاستمرار، والناس عام يراد به الكفار يدل عليه ما بعده‏.‏ وتضمنت هذه الجملة الإخبار بمغيب ووجد على ما أخبر به، فلم يصل إليه أحد بقتل ولا أسر مع قصداً لا عداء له مغالبة واغتيالاً‏.‏ وفيه دليل على صحة نبوّته، إذ لا يمكن أن يكون إخباره بذلك إلا من عند الله تعالى، وكذا جميع ما أخبر به‏.‏

‏{‏إن الله لا يهدي القوم الكافرين‏}‏ أي إنما عليك البلاغ لا الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والموافاة عليه لا يهتدي أبداً، فيكون خاصاً‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وأما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبيل كفره‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله، بل من الهلاك انتهى‏.‏ وهو قول بعضهم لا يعينهم على بلوغ غرضهم منك‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا يهديهم إلى الجنة‏.‏ والظاهر من الهداية إذا أطلقت ما فسرناها به أولاً‏.‏

‏{‏قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم‏}‏ قال رافع بن سلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة‏:‏ يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم، وإنك تؤمن بالتوراة ونبوة موسى، وأن ذلك حق‏؟‏ قال‏:‏ «بلى ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم» فقالوا‏:‏ إنا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق، ولا نصدقك، ولا نتبعك فنزلت‏.‏ وتقدم الكلام على إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل، فأغنى عن إعادته‏.‏ ونفى أن يكونوا على شيء جعل ما هم عليه عدماً صُرِفاً لفساده وبطلانه فنفاه من أصله، أو لا حظ فيه، صفة محذوفة أي‏:‏ على شيء يعتد به، فيتوجه النفي إلى الصفة دون الموصوف‏.‏

‏{‏وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً‏}‏ تقدم تفسير هذه الجملة‏.‏

‏{‏فلا تأس على القوم الكافرين‏}‏ أي لا تحزن عليهم‏.‏ فأقام الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على العلة الموجبة لعدم التأسف، أو هو عام فيندرجون فيه‏.‏ وقيل‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏حتى تقيموا التوراة‏}‏ جمع في الضمير، والمقصود التفصيل أي‏:‏ حتى يقيم أهل التوراة التوراة، ويقيم أهل الإنجيل الإنجيل، ولا يحتاج إلى ذلك إن أريد ما في الكتابين من التوحيد، فإنّ الشرائع فيه متساوية‏.‏

‏{‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ تقدم في البقرة تفسير مثل هذه الآية‏.‏ وقرأ عثمان، وأبي وعائشة، وابن جبير، والجحدري‏:‏ والصابئين‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وبها قرأ ابن كثير‏.‏ وقرأ الحسن، والزهري‏:‏ والصابئون بكسر الباء وضم الياء، وهو من تخفيف الهمز كقراءة‏:‏ يستهزئون‏.‏ وقرأ القراء السبعة‏:‏ والصابئون بالرفع، وعليه مصاحف الأمصار، والجمهور‏.‏ وفي توجيه هذه القراءة وجوه‏:‏ أحدها‏:‏ مذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة‏:‏ أنه مرفوع بالابتداء، وهو منوي به التأخير، ونظيره‏:‏ إنّ زيداً وعمرو قائم، التقدير‏:‏ إن زيداً قائم وعمرو قائم، فحذف خبر عمرو لدلالة خبر إنّ عليه، والنية بقوله‏:‏ وعمرو، التأخير‏.‏ ويكون عمرو قائم بخبره هذا المقدر معطوفاً على الجملة من أنّ زيداً قائم، وكلاهما لا موضع له من الإعراب‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أنه معطوف على موضع اسم إنّ لأنه قبل دخول إن كان في موضع رفع، وهذا مذهب الكسائي والفراء‏.‏ أما الكسائي فإنه أجاز رفع المعطوف على الموضع سواء كان الاسم مما خفي فيه الإعراب، أو مما ظهر فيه‏.‏ وأما الفراء فإنه أجاز ذلك بشرط خفاء الإعراب‏.‏ واسم إن هنا خفي فيه الإعراب‏.‏ الوجه الثالث‏:‏ أنه مرفوع معطوف على الضمير المرفوع في هادوا‏:‏ وروي هذا عن الكسائي‏.‏ ورد بأنّ العطف عليه يقتضي أنّ الصابئين تهودوا، وليس الأمر كذلك‏.‏ الوجه الرابع‏:‏ أن تكون إن بمعنى نعم حرف جواب، وما بعده مرفوع بالابتداء، فيكون والصابئون معطوفاً على ما قبله من المرفوع، وهذا ضعيف‏.‏ لأن ثبوت أن بمعنى نعم فيه خلاف بين النحويين، وعلى تقدير ثبوت ذلك من لسان العرب فتحتاج إلى شيء يتقدمها يكون تصديقاً له، ولا تجيء ابتدائية أول الكلام من غير أن تكون جواباً لكلام سابق‏.‏ وقد أطال الزمخشري في تقدير مذهب سيبويه ونصرته، وذلك مذكور في علم النحو، وأورد أسئلة وجوابات في الآية إعرابية تقدم نظيرها في البقرة‏.‏ وقرأ عبد الله‏:‏ يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون‏.‏

‏{‏لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً‏}‏ هذا إخبار بما صدر من أسلاف اليهود من نقض الميثاق الذي أخذه تعالى عليهم، وما اجترحوه من الجرائم العظام من تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم، والذين هم بحضرة الرسول هم أخلاف أولئك، فغير بدع ما يصدر منهم للرسول من الأذى والعصيان، إذ ذاك شنشنة من أسلافهم‏.‏

‏{‏كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون‏}‏ تقدم تفسير مثل هذا في البقرة‏.‏ وقال الزمخشري هنا‏:‏ ‏(‏فإن قلت‏)‏‏:‏ أين جواب الشرط‏؟‏ فإن قوله فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين، ولأنه لا يحسن أن تقول‏:‏ إن أكرمت أخي أخاك أكرمت‏.‏ ‏(‏قلت‏)‏‏:‏ هو محذوف يدل عليه قوله‏:‏ فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون، كأنه قيل‏:‏ كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه‏.‏ وقوله‏:‏ فريقاً كذبوا، جواب مستأنف لسؤال قاتل‏:‏ كيف فعلوا برسلهم‏؟‏ انتهى قوله‏:‏ فإن قلت‏:‏ أين جواب الشرط‏؟‏ سمي قوله كلما جاءهم رسول شرطاً وليس بشرط، بل كل منصوب على الظرف لإضافتها إلى المصدر المنسبك من ما المصدرية الظرفية، والعامل فيها هو ما يأتي بعدما المذكورة، وصلتها من الفعل كقوله‏:‏ ‏{‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم‏}‏ كلما ‏{‏ألقوا فيها‏}‏ وأجمعت العرب على أنه لا يجزم بكلما، وعلى تسليم تسميته شرطاً فذكر أن قوله‏:‏ فريقاً كذبوا ينبو عن الجواب لوجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ قوله‏:‏ لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين، وليس كما ذكر، لأن الرسول في هذا التركيب لا يراد به الواحد، بل المراد به الجنس‏.‏ وأي نجم طلع، وإذا كان المراد به الجنس انقسم إلى الفريقين‏:‏ فريق كذب، وفريق قتل‏.‏

والوجه الثاني قوله‏:‏ ولأنه لا يحسن أن تقول إن أكرمت أخي أخاك أكرمت، يعني أنه لا يجوز تقديم منصوب فعل للجواب عليه‏.‏ وليس كما ذكر، بل مذهب البصريين والكسائي إن ذاك جائز حسن، ولم يمنعه إلا الفراء وحده، وهذا كله على تقدير تسليم إن كلما شرط، وإلا فلا يلزم أن يعتذر بهذا، بل يجوز تقديم منصوب الفعل العامل في كلما عليه‏.‏ فتقول في كلما جئتني أخاك أكرمت، وعموم نصوص النحويين على ذلك، لأنهم حين حصر، وأما يجب تقديم المفعول به على العامل وما يجب تأخيره عنه قالوا‏:‏ وما سوى ذلك يجوز فيه التقديم على العامل والتأخير عنه، ولم يستثنوا هذه الصورة، ولا ذكروا فيها خلافاً‏.‏ فعلى هذا الذي قررناه يكون العامل في كلما قوله‏:‏ كذبوا، وما عطف عليه ولا يكون محذوفاً‏.‏ وقال الحوفي وابن عطية‏:‏ كلما ظرف، والعامل فيه كذبوا‏.‏ وقال أبو البقاء‏:‏ كذبوا جواب كلما انتهى‏.‏ وجاء بلفظ يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل، واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها قاله الزمخشري‏.‏ ويحسن مجيئه أيضاً كونه رأس آية، والمعنى‏:‏ أنهم يكذبون فريقاً فقط، وقتلوا فريقاً ولا يقتلونه إلا مع التكذيب، فاكتفى بذكر القتل عن ذكر التكذيب أي‏:‏ اقتصر ناس على كذيب فريق، وزاد ناس على التكذيب القتل‏.‏

‏{‏وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم‏}‏ قال ابن الأنباري‏:‏ نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل البعثة، فلما بعث الرسول كذبوه بغياً وحسداً، فعموا وصموا لمجانبة الحق، ثم تاب الله عليهم أي‏:‏ عرضهم للتوبة بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنْ لم يتوبوا ثم عموا وصموا كثير منهم لأنهم لم يجمعوا كلهم على خلافه انتهى‏.‏ والضمير في‏:‏ وحسبوا، عائد على بني إسرائيل، وحسبانهم سببه اغترارهم بإمهال الله حين كذبوا الرسل وقتلوا، أو وقوع كونهم أبناء الله وأحباءه في أنفسهم، وأنهم لا تمسهم النار إلا مقدار الزمان الذي عبدوا فيه العجل، وإمداد الله لهم بطول الأعمار وسعة الأرزاق، أو وقوع كون الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى في أنفسهم، واعتقادهم امتناع النسخ على شريعة موسى، فكل من جاءهم من رسول كذبوه وقتلوه خمسة أقوال‏.‏ والفتنة هنا‏:‏ الابتلاء والاختبار‏.‏ فقيل‏:‏ في الدّنيا بالقحط والوباء وهو الطاعون، أو القتل، أو العداوة، أو ضيق الحال، أو القمل، والضفادع، والدم، أو التيه، وقتال الجبارين، أو مجموع ما ذكر أقوال ثمانية‏.‏ وقيل‏:‏ في الآخرة بالافتضاح على رؤوس الأشهاد، أو هو يوم القيامة وشدته، أو العذاب بالنار والخلود ثلاثة أقوال‏.‏ وقيل‏:‏ الفتنة ما نالهم في الدنيا وفي الآخرة، وسدت أنْ وصلتها مسد مفعولي حسب على مذهب سيبويه‏.‏ وقرأ الحرميان وعاصم وابن عامر‏:‏ بنصب نون تكون بأنْ الناصبة للمضارع، وهو على الأصل إذ حسب من الأفعال التي في أصل الوضع لغير المتيقن‏.‏

وقرأ النحويان وحمزة برفع النون، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة المنفية في موضع الخبر‏.‏ نزل الحسبان في صدورهم منزلة العلم، وقد استعملت حسب في المتيقن قليلاً قال الشاعر‏:‏

حسبت التقى والجود خير تجارة *** رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً

وتكون هنا تامة‏.‏

‏{‏ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ‏}‏ قالت جماعة‏:‏ توبتهم هذه ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول وعماهم وصممهم‏.‏ قيل‏:‏ ولوجهم في شهواتهم فلم يبصروا الحق، ولم يسمعوا داعي الله‏.‏ وقالت جماعة‏:‏ توبتهم ببعث عيسى عليه السلام‏.‏ وقالت جماعة‏:‏ بعث محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الأول‏:‏ في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ولتوفيق كثير منهم للإيمان‏.‏ والثاني‏:‏ في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن جماعة به، وأقام الكثير منهم على كفرهم‏.‏ وقيل‏:‏ الأول عبادة العجل ثم التوبة عنه، ثم الثاني بطلب الرؤية وهي محال غير معقول في صفات الله قاله‏:‏ الزمخشري جرياً علي مذهبه الاعتزالي في إنكار رؤية الله تعالى‏.‏ وقال القفال في سورة بني إسرئيل؛ ما يجوز أن يكون تفسير لهذه الاية وقيل؛ الأول بعد موسى ثم تاب عليهم ببعث عيسى‏.‏ والثاني بالكفر بالرسول‏.‏ والذي يظهر أن المعنى حسب بنو إسرائيل حيث هم أبناء الرسل والأنبياء أن لا يبتلوا إذا عصوا الله، فعصوا الله تعالى وكنى عن العصيان بالعمى والصمم، ثم تاب الله عليهم إذ حلت بهم الفتنة برجوعهم عن المعصية إلى طاعة الله تعالى، وبدئ بالعمى لأنه أول ما يعرض للمعرض عن الشرائع أن لا يبصر من أتاه بها من عند الله، ثم لو أبصره لم يسمع كلامه، فعرض لهم الصمم عن كلامه‏.‏ ولما كانوا قبل ذلك على طريق الهداية، ثم عرض لهم الضلال، نسب الفعل إليهم وأسند لهم ولم يأت، فأعماهم الله وأصمهم كما جاء في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فأصمهم وأعمى أبصارهم‏}‏ إذ هذا فيمن لم تسبق له هداية، وأسند الفعل الشريف إلى الله تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏ثم تاب الله عليهم‏}‏ لم يأت، ثم تابوا إظهاراً للاعتناء بهم ولطفه تعالى بهم‏.‏ وفي العطف بالفاء دليل على أنهم يعقب الحسبان عصيانهم وضلالهم، وفي العطف بثمّ دليل على أنهم تمادوا في الضلال زماناً إلى أن تاب الله عليهم‏.‏ وقرأ النخعي وابن وثاب بضم العين والصاد وتخفيف الميم من عموا، جرت مجرى زكم الرجل وأزكمه، وحم وأحمه، ولا يقال‏:‏ زكمه الله ولا حمه الله، كما لا يقال‏:‏ عميته ولا صممته، وهي أفعال جاءت مبنية للمفعول الذي لم يسم فاعله وهي متعَدّية ثلاثية، فإذا بنيت للفاعل صارت قاصرة، فإذا أردت بناءها للفاعل متعدية أدخلت همزة التنقل وهي نوع غريب في الأفعال‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ وعموا وصموا بالضم على تقدير عماهم الله وصمهم أي‏:‏ رماهم بالعمى والصمم كما يقال‏:‏ نزكته إذا ضربته بالنيزك، وركبته إذا ضربته بركبتك انتهى‏.‏ وارتفاع كثير على البدل من المضمر‏.‏ وجوّزوا أن يرتفع على الفاعل، والواو علامة للجمع لا ضمير على لغة أكلوني البراغيث، ولا ينبغي ذلك لقلة هذه اللغة‏.‏ وقيل‏:‏ خبر مبتدأ محذوف تقديره هم أي‏:‏ العمى والصم كثير منهم‏.‏ وقيل‏:‏ مبتدأ والجملة قبله في موضع الخبر‏.‏ وضعف بأن الفعل قد وقع موقعه، فلا ينوي به التأخير‏.‏ والوجه هو الإعراب الأول‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ كثيراً منهم بالنصب‏.‏

‏{‏والله بصير بما يعملون‏}‏ هذا فيه تهديد شديد، وناسب ختم الآية بهذه الجملة المشتملة على بصير، إذ تقدّم قبله فعموا‏.‏

‏{‏لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ تقدم شرح هذه الجملة وقائلو ذلك‏:‏ هم اليعقوبية، زعموا أن الله تعالى تجلى في شخص عيسى عليه السلام‏.‏

‏{‏وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم‏}‏ ردّ الله تعالى مقالتهم بقول من يدعون إلهيته وهو عيسى، أنه لا فرق بينه وبينهم في أنهم كلهم مربوبون، وأمرهم بإخلاص العبادة، ونبه على الوصف الموجب للعبادة وهو الربوبية‏.‏ وفي ذلك ردّ عليهم في فساد دعواهم، وهو أن الذي يعظمونه ويرفعون قدره عما ليس له يردّ عليهم مقالتهم، وهذا الذي ذكره تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به، وهو قول المسيح‏:‏ يا معشر بني المعمودية‏.‏ وفي رواية‏:‏ يا معشر الشعوب قوموا بنا إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم، ومخلصي ومخلصكم‏.‏

‏{‏إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار‏}‏ الظاهر أنه كلام المسيح، فهو داخل تحت القول‏.‏ وفيه أعظم ردع منه عن عبادته، إذ أخبر أنه من عبد غير الله منعه الله دار من أفرده بالعبادة، وجعل مأواه النار‏.‏ ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به‏}‏ وقيل‏:‏ هو من كلام الله تعالى مستأنف، أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد‏.‏ وفي الحديث الصحيح من حديث عتبان بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» ‏{‏وما للظالمين من أنصار‏}‏ ظاهره أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنه من تجاوز ووضع الشيء غير موضعه فلا ناصر له، ولا مساعد فيما افترى وتقوّل، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقهم من دعوى أنه إله، وأنه ظلم إذا جعلوا ما هو مستحل في العقل واجباً وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي من عذاب الله في الآخرة‏.‏ ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى وتقوّلهم عليه، فلا ناصر لهم على ذلك‏.‏

‏{‏لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة‏}‏ هؤلاء هم الملكية من النصارى القائلون بالتثليث‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ ثالث ثلاثة، أحد آلهة ثلاثة‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أرادوا بذلك أن الله تعالى وعيسى وأمه آلهة ثلاثة، ويؤكده ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله‏}‏ ‏{‏ما اتخذ صاحبة ولا ولداً‏}‏ ‏{‏أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة‏}‏ ‏{‏ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله‏}‏ وحكى المتكلمون عن النصارى أنهم يقولون‏:‏ جوهر واحد ثلاثة أقانيم‏:‏ أب، وابن، وروح قدس‏.‏ وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة‏.‏ وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا‏:‏ إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالحمر، أو اختلاط اللبن بالماء، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد‏.‏ وهذا معلوم البطلان ببديهة العقل أن الثلاثة لا تكون واحداً، وأن الواحد لا يكون ثلاثة، ولا يجوز في العربية في ثالث ثلاثة إلا الإضافة، لأنك لا تقول ثلثت الثلاثة‏.‏ وأجاز النصب في الذي يلي اسم الفاعل الموافق له في اللفظ أحمد بن يحيى ثعلب، وردّوه عليه جعلوه كاسم الفاعل مع العدد المخالف نحو‏:‏ رابع ثلاثة، وليس مثله إذ تقول‏:‏ ربعت الثلاثة أي صيرتهم بك أربعة‏.‏

‏{‏وما من إله إلا إله واحد‏}‏ معناه لا يكون إله في الوجود إلا متصفاً بالوحدانية، وأكد ذلك بزيادة من الاستغراقية وحصر إلهيته في صفة الوحدانية‏.‏ وإله رفع على البدل من إله على الموضع‏.‏ وأجاز الكسائي اتباعه على اللفظ، لأنه يجيز زيادة من في الواجب، والتقدير‏:‏ وما إله في الوجود إلا إله واحد أي‏:‏ موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله تعالى‏.‏

‏{‏وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم‏}‏ أي عما يفترون ويعتقدون في عيسى من أنه هو الله، أو أنه ثالث ثلاثة، أوعدهم بإصابة العذاب الأليم لهم في الدنيا بالسبي والقتل، وفي الآخرة بالخلود في النار، وقدم الوعيد على الاستدلال بسمات الحدوث إبلاغاً في الزجر أي‏:‏ هذه المقالة في غاية الفساد، بحيث لا تختلف العقول في فسادها، فلذلك توعد أوّلاً عليها بالعذاب، ثم اتبع الوعيد بالاستدلال بسمات الحدوث على بطلانها‏.‏

وليمسنّ اللام فيه جواب قسم محذوف قبل أداة الشرط، وأكثر ما يجيء هذا التركيب وقد صحبت أن اللام المؤذنة بالقسم المحذوف كقوله‏:‏ ‏{‏لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم‏}‏ ونظير هذه الآية‏:‏ ‏{‏وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين‏}‏ ومثله‏:‏ ‏{‏وإن أطعتموهم إنكم لمشركون‏}‏ ومعنى مجيء إن بغير باء، دليل على أنه قبل إنْ قسم محذوف إذ لولا نية القسم لقال‏:‏ فإنكم لمشركون الذين كفروا أي‏:‏ الذين ثبتوا على هذا الاعتقاد‏.‏

وأقام الظاهر مقام المضمر، إذ كان الربط يحصل بقوله‏:‏ ليمسنهم، لتكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله‏:‏ لقد كفر وللإعلام بأنهم كانوا بمكان من الكفر، إذ جعل الفعل في صلة الذين وهي تقتضي كونها معلومة للسامع مفروغاً من ثبوتها، واستقرارها لهم ومن في منهم للتبعيض، أي كائناً منهم، والربط حاصل بالضمير، فكأنه قيل‏:‏ كافرهم وليسوا كلهم بقوا على الكفر، بل قد تاب كثير منهم من النصرانية‏.‏ ومن أثبت أنّ مَن تكون لبيان الجنس أجاز ذلك هنا، ونظره بقوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏}‏ ‏{‏أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه‏}‏ هذا لطف بهم واستدعاء إلى التنصل من تلك المقالة الشنعاء بعد أن كرّر عليهم الشهادة بالكفر‏.‏ والفاء في أفلا للعطف، حجزت بين الاستفهام ولا النافية، والتقدير‏:‏ فألا‏.‏ وعلى طريقة الزمخشري تكون قد عطفت فعلاً على فعل، كأن التقدير‏:‏ أيثبتون على الكفر فلا يتوبون، والمعنى على التعجب من انتفاء توبتهم وعدم استغفارهم، وهم أجدر الناس بذلك، لأن كفرهم أقبح الكفر، وأفضح في سوء الاعتقاد، فتعجب من كونهم لا يتوبون من هذا الجرم العظيم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو استهفام معناه الأمر كقوله‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ قال‏:‏ إنما كان بمعنى الأمر، لأنّ المفهوم من الصيغة طلب التوبة والحث عليها، فمعناه‏:‏ توبوا إلى الله واستغفروه من ذنبكم القولين المستحيلين انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة انتهى‏.‏ وما ذكروه من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى، لا من حيث مدلول اللفظ، لأن أفلا غير مدلول ألا التي للحض والحث‏.‏

‏{‏والله غفور رحيم‏}‏ نبه تعالى على هذين الوصفين اللذين بهما يحصل قبول التوبة والغفران للحوبة، والمعنى‏:‏ كيف لا توجد التوبة من هذا الذنب وطلب المغفرة والمسؤول منه ذلك متصف بالغفران التام والرحمة الواسعة لهؤلاء وغيرهم‏؟‏

‏{‏ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل‏}‏ لما رد على النصارى قولهم الأول بقول المسيح‏:‏ ‏{‏اعبدو الله ربي وربكم‏}‏ والثاني بقوله‏:‏ ‏{‏وما من إله إلا إله واحد‏}‏ أثبت له الرسالة بصورة الحصر، أي ما المسيح ابن مريم شيء مما تدعيه النصارى من كونه إلهاً وكونه أحد آلهة ثلاثة، بل هو رسول من جنس الرسل الذين خلوا وتقدموا، جاء بآيات من عند الله كما جاءوا، فإن أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق البحر، وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر وأنثى‏.‏ وفي قوله‏:‏ إلا رسول رد على اليهود حيث ادعوا كذبه في دعوى الرسالة، وحيث ادعوا أنه ليس لرشده‏.‏ وقرأ حطان‏:‏ من قبله رسل بالتنكير‏.‏

‏{‏وأمه صدِّيقة‏}‏ هذا البناء من أبنية المبالغة، والأظهر أنه من الثلاثي المجرد، إذ بناء هذا التركيب منه سكيت وسكير، وشريب وطبيخ، من سكت وسكر، وشرب وطبخ‏.‏

ولا يعمل ما كان مبنياً من الثلاثي المتعدي كما يعمل فعول وفعال ومفعال، فلا يقال‏:‏ زيد شريب الماء، كما تقول‏:‏ ضراب زيداً، والمعنى‏:‏ الإخبار عنها بكثرة الصدق‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يكون من التصديق، وبه سمي أبو بكر الصديق‏.‏ ولم يذكر الزمخشري غير أنه من التصديق‏.‏ وهذا القول خلاف الظاهر من هذا البناء‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وأمه صديقة أي وما أمه لا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين‏:‏ أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم‏؟‏ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه انتهى‏.‏ وفيه تحميل لفظ القرآن ما ليس فيه، من ذلك أن قوله‏:‏ وأمه صديقة ليس فيه إلا الإخبار عنها بصفة كثرة الصدق، وجعله هو من باب الحصر فقال‏:‏ وما أمه إلا كبعض النساء المصدقات إلى آخره، وهكذا عادته يحمل ألفاظ القرآن ما لا تدل عليه‏.‏ قال الحسن‏:‏ صدقت جبريل عليه السلام لما أتاها كما حكى تعالى عنها‏:‏ ‏{‏وصدقت بكلمات ربها وكتبه‏}‏ وقيل‏:‏ صدقت بآيات ربها، وبما أخبر به ولدها‏.‏ وقيل‏:‏ سميت بذلك لمبالغتها في صدق حالها مع الله، وصدقها في براءتها مما رمتها به اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ وصفها بصديقة لا يدل على أنها نبية، إذ هي رتبة لا تستلزم النبوة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين‏}‏ ومن ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولا يلزم من تكليم الملائكة بشراً نبوته فقد كلمت الملائكة قوماً ليسوا بأنبياء لحديث الثلاثة‏:‏ الأقرع، والأعمى، والأبرص‏.‏ فكذلك مريم‏.‏

‏{‏كانا يأكلان الطعام‏}‏ هذا تنبيه على سمة الحدوث، وتبعيد عما اعتقدته النصارى فيهما من الإلهية، لأنّ من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، وهو مما يدل على مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام، ولا حاجة تدعو إلى قولهم‏:‏ كانا يأكلان الطعام كناية عن خروجه، وإن كان قد قاله جماعة من المفسرين، وإنما ذلك تنبيه على سمات الحدوث‏.‏ والحاجة إلى التغذي المفتقر إليه الحيوان في قيامه المنزه عنه الإله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو يطعِم ولا يطعَم‏}‏ وإن كان يلزم من الاحتياج إلى أكل الطعام خروجه، فليس مقصوداً من اللفظ مستعاراً له ذلك‏.‏ وهذه الجملة استئناف إخبار عن المسيح وأمه منبهة كما ذكرنا على سمات الحدوث، وأنهما مشاركان للناس في ذلك، ولا موضع لهذه من الجملة من الإعراب‏.‏

‏{‏انظر كيف نبين لهم الآيات‏}‏ أي الاعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان ما اعتقدوه، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي ضمن ذلك الأمر لأمته في ضلال هؤلاء وبعدهم عن قبول ما نبهوا عليه‏.‏

‏{‏ثم انظر أنى يؤفكون‏}‏ كرر الأمر بالنظر لاختلاف المتعلق، لأن الأول‏:‏ أثر بالنظر في كونه تعالى أوضح لهم الآيات وبينها بحيث لا يقع معها لبس، والأمر الثاني‏:‏ هو بالنظر في كونهم يصرفون عن استماع الحق وتأمله، أو في كونهم يقلبون ما بين لهم إلى الضد منه، وهذان أمرا تعجيب‏.‏ ودخلت ثم لتراخي ما بين العجبين، وكأنه يقتضي العجب من توضيح الآيات وتبيينها، ثم ينظر في حال من بينت له فيرى إعراضهم عن الآيات أعجب من توضيحها، لأنه يلزم من تبيينها تبينها لهم والرجوع إليها، فكونهم أفكوا عنها أعجب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 81‏]‏

‏{‏قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏76‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ‏(‏77‏)‏ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏78‏)‏ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏79‏)‏ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏80‏)‏ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

‏{‏قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً‏}‏ لما بين تعالى بدليل النقل والعقل انتفاء الإلهية عن عيسى، وكان قد توعدهم ثم استدعاهم للتوبة وطلب الغفران، أنكر عليهم ووبخهم من وجه آخر وهو عجزه وعدم اقتداره على دفع ضرر وجلب نفع، وأنّ مَن كان لا يدفع عن نفسه حريّ أن لا يدفع عنكم‏.‏ والخطاب للنصارى، نهاهم عن عبادة عيسى وغيره، وأن ما يعبدون من دون الله مساويهم في العجز وعدم القدرة‏.‏ والمعنى‏:‏ ما لا يملك لكم إيصال خير ولا نفع‏.‏ قيل‏:‏ وعبر بما تنبيهاً على أول أحواله، إذْ مرّت عليه أزمان حالة الحمل لا يوصف بالعقل فيها، ومن هذه صفته فكيف يكون إلهاً، أو لأنها مبهمة كما قال سيبويه‏.‏ وما‏:‏ مبهمة تقع على كل شيء، أو أريد به ما عبد من دون الله ممن يعقل، وما لا يعقل‏.‏ وعبر بما تغليباً لغير العاقل، إذ أكثر ما عبد من دون الله هو ما لا يعقل كالأصنام والأوثان، أو أريد النوع أي‏:‏ النوع الذي لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً كقوله‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ أي النوع الطيب، ولما كان إشراكهم بالله تضمن القول والاعتقاد جاء الختم بقوله‏:‏

‏{‏والله هو السميع العليم‏}‏ أي السميع لأقوالكم، العليم باعتقادكم وما انطوت عليه نياتكم‏.‏ وفي الإخبار عنه بهاتين الصفتين تهديد ووعيد على ما يقولونه ويعتقدونه، وتضمنت الآية الإنكار عليهم حيث عبدوا من دونه من هو متصف بالعجز عن دفع ضرر أو جلب نفع‏.‏ قيل‏:‏ ومن مرّت عليه مدد لا يسمع فيها ولا يعلم، وتركوا القادر على الإطلاق السميع للأصوات العليم بالنيات‏.‏

‏{‏قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق‏}‏ ظاهره نداء أهل الكتاب الحاضرين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول من جاء بعدهم‏.‏ ولما سبق القول في أباطيل اليهود وأباطيل النصارى، جمع الفريقان في النهي عن الغلوّ في الدين‏.‏ وانتصب غير الحق وهو الغلو الباطل، وليس المراد بالدين هنا ما هم عليه، بل المراد الدين الحق الذي جاء به موسى وعيسى‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ الغلو في الدين غلوان‏:‏ غلو حق، وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد، وغلو باطل وهو أن يجاوز الحق ويتعداه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه كما يفعل أهل الأهواء والبدع انتهى‏.‏ وأهل العدل والتوحيد هم أئمة المعتزلة، وأهل الأهواء والبدع عنده هم أهل السنة، ومن عدا المعتزلة‏.‏ ومن غلو اليهود إنكار نبوة عيسى، وادعاؤهم فيه أنه الله‏.‏ ومن غلوّ النصارى ما تقدّم من اعتقاد بعضهم فيه أنه الله، وبعضهم أنه أحد آلهة ثلاثة‏.‏

وانتصاب غير هنا على الصفة أي‏:‏ غلوّاً غير الحق‏.‏ وأبعد مَن ذهب إلى أنها استثناء متصل، ومن ذهب إلى أنها استثناء ويقدره‏:‏ لكن الحق فاتبعوه‏.‏

‏{‏ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل‏}‏ هؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم كثيراً، ثم عين ما ضلوا عنه وهو السبيل السوي الذي هو وسط في الدين وهو خيرها فلا إفراط ولا تفريط، بل هو سواء معتدل خيار‏.‏ وقيل‏:‏ الخطاب للنصارى، وهو ظاهر كلام الزمخشري قال‏:‏ قد ضلوا من قبل هم أئمتهم في النصرانية كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأضلوا كثيراً ممن شايعهم على التثليث، وضلوا لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سواء السبيل حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ هذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهى النصارى عن اتباع أهوائهم والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل، بل هم في الضد بالأقوال، وإنما اجتمعوا في اتباع موضع الهوى‏.‏ فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عوج‏:‏ هذه الطريقة طريقة فلان تمثله بآخر قد اعوج نوعاً من الاعوجاج وإن اختلفت نوازله‏.‏ ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله‏:‏ وضلوا عن سواء السبيل‏.‏ وذهب بعض المتأولين إلى أنّ المعنى‏:‏ يا أهل الكتاب من النصارى لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلوا من قبل أي‏:‏ ضل أسلافهم، وهم قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأضلوا كثيراً من المنافقين، وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق انتهى‏.‏ ولا حاجة لإخراج الكلام عن ظاهره من أنه نداء لأهل الكتاب طائفتي‏:‏ اليهود، والنصارى‏.‏ وأن قوله‏:‏ ولا تتبعوا أهواء قوم، هم أسلافهم‏.‏ فإن الزائغ عن الحق كثيراً ما يعتذر أنه على دين أبيه وطريقته، كما قالوا‏:‏ ‏{‏إنا وجدنا آباءنا على أمة‏}‏ فنهوا عن اتباع أسلافهم، وكان في تنكير قوم تحقير لهم‏.‏ وما ذهب إليه الزمخشري تخصيص لعموم من غير داعية إليه‏.‏ وما ذهب إليه ابن عطية أيضاً تخصيص وتأويل بعيد في قوله‏:‏ ولا تتبعوا أهواء قوم أن المراد بهم اليهود، وأن المعنى‏:‏ لا تكونوا على هوى كما كان اليهود على هوى، لأن الظاهر النهي عن اتباع أهواء أولئك القوم‏.‏ وأبعد من ذهب إلى أنّ الضلال الأول عن الدّين، والثاني عن طريق الجنة‏.‏

‏{‏لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لعنوا بكل لسان‏.‏ لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد محمد في القرآن‏.‏

وروى ابن جريج‏:‏ أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود مرّ على نفر وهم في بيت فقال‏:‏ من في البيت‏؟‏ قالوا‏:‏ خنازير على معنى الاحتجاب، قال‏:‏ اللهم خنازير، فكانوا خنازير‏.‏ ثم دعا عيسى على من افترى عليه وعلى أمه ولعنهم‏.‏ وروي عن ابن عباس‏:‏ لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة‏.‏ وقال أكثر المفسرين‏:‏ إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود‏:‏ اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة‏.‏ ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى‏:‏ اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي‏.‏ وقال الأصم وغيره‏:‏ بشّر داود وعيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولعنا من كذبه‏.‏ وقيل‏:‏ دعوا على من عصاهما ولعناه‏.‏ وروي أن داود قال‏:‏ اللهم ليلبسوا اللعنة مثل الرّداء ومثل منطقة الحقوين، اللهم اجعلهم آية ومثالاً لخلقك‏.‏

والظاهر من الآية الإخبار عن أسلاف اليهود والنصارى أنهم ملعونون‏.‏ وبناء الفعل للمفعول يحتمل أن يكون الله تعالى هو اللاعن لهم على لسان داود وعيسى، ويحتمل أن يكونا هما اللاعنان لهم‏.‏ ولما كانوا يتبجحون بأسلافهم وأنهم أولاد الأنبياء، أخبروا أنّ الكفار منهم ملعونون على لسان أنبيائهم‏.‏ واللعنة هي الطرد من رحمة الله، ولا تدل الآية على اقتران اللعنة بمسخ‏.‏ والأفصح أنه إذا فرق منضماً الجزئين اختير الإفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع، فكذلك جاء على لسان مفرداً ولم يأت على لساني داود وعيسى، ولا على ألسنة داود وعيسى‏.‏ فلو كان المنضمان غير متفرّقين اختير لفظ الجمع على لفظ التثنية وعلى الإفراد نحو قوله‏:‏ ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة، أي الناطق بلعنتهم هو داود وعيسى‏.‏

‏{‏ذلك بما عصوا‏}‏ أي ذلك اللعن كان بسبب عصيانهم، وذكر هذا على سبيل التوكيد، وإلا فقد فهم سبب اللعنة بإسنادها إلى من تعلق به الوصف الدال على العلية، وهو الذين كفروا‏.‏ كما تقول‏:‏ رجم الزاني، فيعلم أنّ سببه الزنا‏.‏ كذلك اللعن سببه الكفر، ولكن أكد بذكره ثانية في قوله‏:‏ ذلك بما عصوا‏.‏

‏{‏وكانوا يعتدون‏}‏ يحتمل أن يكون معطوفاً على عصوا، فيتقدر بالمصدر أي‏:‏ وبكونهم يعتدون، يتجاوزون الحد في العصيان والكفر، وينتهون إلى أقصى غاياته‏.‏ ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء، ويقوي هذا ما جاء بعده كالشرح وهو قوله‏:‏

‏{‏كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه‏}‏ ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك أي‏:‏ لا ينهى بعضهم بعضاً، وذلك أنهم جمعوا بن فعل المنكر والتجاهر به، وعدم النهي عنه‏.‏

والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد ينبغي أن يستتر بها من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر، فإذا فعلت جهاراً وتواطؤاً على عدم الإنكار كان ذلك تحريضاً على فعلها وسبباً مثيراً لإفشائها وكثرتها‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ‏(‏فإن قلت‏)‏‏:‏ كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية‏؟‏ ‏(‏قلت‏)‏‏:‏ من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهي حسماً للفساد‏.‏ وفي حديث عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول‏:‏ يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك‏.‏ ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قرأ لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية إلى قوله فاسقون ثم قال‏:‏ والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن به على يد الظالم ولتأطرنه عن الحق اطراً، أو ليضرب الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعنهم» أخرجه الترمذي‏.‏ ومعنى لتأطرنه لتردنه‏.‏ وقيل‏:‏ التفاعل هنا بمعنى الافتعال يُقال‏:‏ انتهى عن الأمر وتناهى عنه إذا كف عنه، كما تقول‏:‏ تجاوزوا واجتوزوا‏.‏ والمعنى‏:‏ كانوا لا يمتنعون عن منكر‏.‏ وظاهر المنكر أنه غير معين، فيصلح إطلاقه على أيّ منكر فعلوه‏.‏ وقيل‏:‏ صيد السمك يوم السبت‏.‏ وقيل‏:‏ أخذ الرشا في الحكم‏.‏ وقيل‏:‏ أكل الربا وأثمان الشحوم‏.‏ ولا يصح التناهي عما فعل، فإما أن يكون المعنى أرادوا فعله كما ترى آلات أمارات الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فينكر، وإما أن يكون على حذف مضاف أي‏:‏ معاودة منكر أو مثل منكر‏.‏

‏{‏لبئس ما كانوا يفعلون‏}‏ ذم لما صدر عنهم من فعل المنكر وعدم تناهيهم عنه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ تعجيب من سوء فعلهم، مؤكداً لذلك بالقسم، فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر وقلة عنايتهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه من المبالغات في هذا الباب انتهى‏.‏ وقال حذّاق أهل العلم‏:‏ ليس من شروط الناهي أن يكون سليماً من المعصية، بل ينهي العصاة بعضهم بعضاً‏.‏ وقال بعض الأصوليين‏:‏ فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهي بعضهم بعضاً، واستدل بهذه الآية لأن قوله‏:‏ لا يتناهون وفعلوه، يقتضي اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «لا يزال العذاب مكفوف عن العباد ما استتروا بمعاصي الله، فإذا أعلنوها فلم ينكروها استحقوا عقاب الله تعالى»‏.‏ ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا‏}‏ الظاهر عود الضمير في‏:‏ منهم، على بني إسرائيل فقال مقاتل‏:‏ كثيراً منهم هو من كان بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم يتولون الكفار وعبدة الأوثان، والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه الذين استجلبوا المشركين على الرسول، وعلى هذا يكون ترى بصرية، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، فيحتمل أن يراد أسلافهم أي‏:‏ ترى الآن إذ أخبرناك‏.‏

وقيل‏:‏ كثيراً منهم منافقو أهل الكتاب كانوا يتولون المشركين‏.‏ وقيل‏:‏ هو كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل عني به المنافقون تولوا اليهود روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد‏.‏

‏{‏لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم‏}‏ تقدّم الكلام على إعراب ما قال الزمخشري في قوله‏:‏ أن سخط الله، أنه هو المخصوص بالذم ومحله الرفع كأنه قيل‏:‏ لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم، والمعنى موجب سخط الله عليهم انتهى‏.‏ ولا يصح هذا الإعراب إلا على مذهب الفرّاء، والفارسي في أنّ ما موصولة، أو على مذهب من جعل في بئس ضميراً، وجعل ما تمييزاً بمعنى شيئاً، وقدّمت صفة التمييز‏.‏ وأما على مذهب سيبويه فلا يستوي ذلك، لأن ما عنده اسم تام معرفة بمعنى الشيء، والجملة بعده صفة للمخصوص المحذوف، والتقدير‏:‏ لبئس الشيء قدّمت لهم أنفسهم، فيكون على هذا أن سخط الله في موضع رفع بدل من ما انتهى‏.‏ ولا يصح هذا سواء كانت موصولة، أم تامة، لأن البدل يحل محل المبدل منه، وأن سخط لا يجوز أن يكون فاعلاً لبئس، لأن فاعل نعم وبئس لا يكون أن والفعل‏.‏ وقيل‏:‏ إن سخط في موضع نصب بدلاً من الضمير المحذوف في قدّمت، أي‏:‏ قدّمته كما تقول‏:‏ الذي ضربت زيداً أخوك تريد ضربته زيداً‏.‏ وقيل‏:‏ على إسقاط اللام أي‏:‏ لأن سخط‏.‏

‏{‏وفي العذاب هم خالدون‏}‏ لما ذكر ما قدّموا إلى الآخرة زاداً، وذمّه بأبلغ الذم، ذكر ما صاروا إليه وهو العذاب وأنهم خالدون فيه، وأنه ثمرة سخط الله، كما أن السخط ثمرة العصيان‏.‏

‏{‏ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء‏}‏ إن كان المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ترى كثيراً منهم‏}‏ أسلافهم، فالنبي داود وعيسى أو معاصري الرسول، فالنبي هو محمد صلى الله عليه وسلم، والذين كفروا عبدة الأوثان‏.‏ والمعنى‏:‏ لو كانوا يؤمنون إيماناً خالصاً غير نفاق، إذ موالاة الكفار دليل على النفاق‏.‏ والظاهر في ضمير كانوا وضمير الفاعل في ما اتخذوهم أنه يعود على كثيراً منهم، وفي ضمير المفعول أنه يعود على الذين كفروا‏.‏ وقال القفال وجهاً آخر وهو‏:‏ أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء‏.‏ والوجه الأول أولى، لأن الحديث إنما هو عن قوله كثيراً منهم، فعود الضمائر على نسق واحد أولى من اختلافها‏.‏ وجاء جواب لو منفياً بما بغير لام، وهو الأفصح، ودخول اللام عليه قليل نحو قوله‏:‏

لو أن بالعلم تعطى ما تعيش به *** لما ظفرت من الدنيا بنقرون

‏{‏ولكن كثيراً منهم فاسقون‏}‏ خص الكثير بالفسق، إذ فيهم قليل قد آمن‏.‏

والمخبر عنهم أولاً هو الكثير، والضمائر بعده له، وليس المعنى‏.‏ ولكنّ كثيراً من ذلك الكثير‏.‏ ولكنه لما طال أعيد بلفظه، وكان من وضع الظاهر بلفظه موضع الضمير، إذ كان السياق يكون‏:‏ ما اتخذوهم أولياء، ولكنهم فاسقون‏.‏ فوضع الظاهر موضع هذا الضمير‏.‏