فصل: الجزء السادس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


الجزء السادس

سورة الحشر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏2‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ‏(‏3‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ أي‏:‏ نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع‏.‏ وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح‏.‏ قال الكواشي‏:‏ فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، ‏{‏وهو العزيزُ الحكيم‏}‏، قال ابن عطية‏:‏ صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم‏.‏ ه‏.‏

رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا‏:‏ هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة‏:‏ لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها‏:‏ زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابهُمن المنافقين‏:‏ لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى‏:‏

‏{‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم‏}‏ بالمدينة، أي‏:‏ هو الذي تولّى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لأول الحشر‏}‏ متعلق بأخْرَج، وهو اللام في قوله‏:‏ ‏{‏قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 24‏]‏ أي‏:‏ أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر؛ لأنّ هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا مِن سبط لم يُصبهم جلاء قط، وهم أول مَن أُخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم‏:‏ إجلاء عُمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو‏:‏ آخر حشرهم‏:‏ حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ «مَن شك أنَّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية» فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني‏.‏ وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا خرجوا‏:‏ «امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر»

‏{‏ما ظننتم أن يخرجوا‏}‏، لشدة بأسهم، ومَنعَتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عَددهم وعُدتهم، ‏{‏وظنوا أنهم مانعتهم حُصُونُهم من الله‏}‏ أي‏:‏ ظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله‏.‏ والفريق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل‏:‏ أنّ في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وُثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسماً ل «أن»، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يُبالَى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك‏:‏ وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم‏.‏ ‏{‏فأتاهم اللهُ‏}‏ أي‏:‏ أمره وعقابه ‏{‏من حيث لم يحتسبوا‏}‏؛ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قُتل «كعب» رئيسهم على يد أخيه رضاعاً‏.‏

‏{‏وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ‏}‏؛ الخوف والجزع، ‏{‏يُخْربون بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين‏}‏، فكانوا يُخربون بواطنَها، والمسلمون ظواهرَها، لِمَا أراد الله مِن استئصال شأفتهم، وألاَّ تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم دَيَّار‏.‏ والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدُّوا بها أفواه الأزفَّة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيّد الخشب والساج، وأمّا المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة مُتحصّنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب‏.‏ ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين‏:‏ أنهم لما عرّضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه؛ فكأنهم أمروهم به، وكلّفوهم إياه‏.‏ ‏{‏فاعتبِروا يا أُولي الأبصارِ‏}‏ أي‏:‏ فاتعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجهٍ لا تهتدي إليه الأفكار، أو‏:‏ فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثَل فعلهم، فتُعاقََبوا مثل عقوبتهم‏.‏ قال البيضاوي‏:‏ اتعِظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله‏.‏ ه‏.‏ وهذا دليل على جواز القياس‏.‏

‏{‏ولولا أن كتب اللهُ عليهم الجلاء‏}‏؛ الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع ‏{‏لعذَّبهم في الدنيا‏}‏ بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، ‏{‏ولهم في الآخرة عذابُ النار‏}‏ الذي لا أشد منه، ‏{‏ذلك بأنهم‏}‏ أي‏:‏ إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم ‏{‏شاقُوا اللهَ‏}‏؛ خالَفوه ‏{‏ورسوله‏}‏ وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، ‏{‏ومَن يُشاقِّ اللهَ‏}‏، وقرئ‏:‏ «يشاقِق» على الأصل‏.‏

والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنَّ الله شديدُ العقاب‏}‏، والجملة‏:‏ إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي‏:‏ شديد العقاب له، أو‏:‏ تعليل للجزاء المحذوف، أي‏:‏ يُعاقبه لأنّ الله شديد العقاب‏.‏

الإشارة‏:‏ «سبِّح لله» نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير‏.‏ والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر‏.‏ وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته‏:‏

وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ *** وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ

أي‏:‏ لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي أخرج‏}‏ الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مزعجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي‏:‏ بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي‏:‏ بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏ما قطعتم من لِّينَةٍ‏}‏، قال القشيري‏:‏ هو نوع من النخل ما عَدا العجوة والبَرْنِيّ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعها من مال بني النضير، فقطع بعضها، فقالت اليهود‏:‏ أي فائدة في هذا‏؟‏ فبقي المسلمون في الجواب، فأنزل الله هذه الآية‏.‏ ه‏.‏ وأصلها‏:‏ لونة، من الألوان، فقلبت ياء، وقيل‏:‏ اللينة‏:‏ النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين، أي‏:‏ أيّ شيء قطعتم من لِينة ‏{‏أو تركتموها قائمةً على أصولها‏}‏ من غير أن تتعرضوا لها بشيء ‏{‏فبإذن الله‏}‏؛ فقطعها وتركها بإذن الله، ‏{‏وليُخزي الفاسقين‏}‏ أي‏:‏ وليذل اليهود ويغيظهم أذِنَ في قطعها وقلعها وفي تركها، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف شاؤوا‏.‏ واستُدل به على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم، وحرق زروعهم، إذا لم يُرج وكان فيه إنكاء للعدو‏.‏ وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد‏.‏

الإشارة‏:‏ قَطْعُ شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته، ولو أدّى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه، ارتكاباً لأخف الضررين، ومنه‏:‏ قضية الشبلي في إحراق ثوب وقلنسوته، في حكاية التلميذ، فإذا تمكن من المعرفة خُيِّر، وله يقال‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وقال القشيري بعد تفسير الظاهر‏:‏ وفيه دليل على أن الشرع غير مُعَلل، فإذا جاء الأمر الشرعي بَطَلَ طلب التعليل، وسكتَت الألسن عن المطالبة ب «لِمَ» وخُطورُ الاعتراض والاستقباحِ بالبال خروج عن حدّ العرفان، والشيوخ قالوا‏:‏ مَن قال لأستاذه‏:‏ «لِمَ» لا يفلح، وكل مريدٍ يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيءُ منه شيء، ومَن لم يتجرّد قلبُه عن طلب الإعلال، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكل ما يجري، واستحسانَ، كل ما يبدو من الغيب من الله سرّه وقلبَه فليس من الله في شيء‏.‏ ه‏.‏ ومثله قول الحِكَم‏:‏ «ما ترك مِن الجهل شيئاً مَن أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ جملة ‏{‏وما أفاء‏}‏‏:‏ شرطية معطوفة على مثلها، وهو‏:‏ ‏{‏ما قطعتم‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي‏:‏ اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يُعلم منه كيفية القسمة، فبيّنها بعدُ بقوله‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله على رسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، وقيل‏:‏ غير ذلك على ما سيأتي‏.‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏ أي‏:‏ ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقاً بأن يكون له صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فردّه الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخَلَقَ ما خَلَقَ ليتوسَلوا به إلى طاعته، فهو جديرٌ بأن يكون للمؤمنين‏.‏ ‏{‏فما أوجفتمْ عليه‏}‏ أي‏:‏ فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من‏:‏ الوجيف، وهو‏:‏ سرعة السير، و«مِن» في قوله‏:‏ ‏{‏مِن خَيْلَ ولا رِكابٍ‏}‏ زائدة لتأكيد النفي، أي‏:‏ فما أجريتم على تحصيله خيلاً ولا ركاباً، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أنَّ الراكب عندهم راكبها لا غير، وأمّا راكب الفرس فإنما يُسمونه فارساً، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها‏:‏ راحلة‏.‏ والمعنى‏:‏ ما قطعتم لها شقةً بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قُراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشياً، وما كان فيهم إلاَّ النبي صلى الله عليه وسلم فَفَتَحَها صُلحاً، كأنه قيل‏:‏ ما أفاء الله على رسوله فما حصَّلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، ‏{‏ولكنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رسلَه على مَن يشاء‏}‏ أي‏:‏ ولكن جرت سنّة الله أن يُسلّط رسلَه على مَن يشاء من أعدائهم، وقد سلّط رسولَه صلى الله عليه وسلم تسليطاً غير معتاد من غير أن تقتحموا الخطوب، وتُقاسموا شدائد الحروب، فلا حقّ لكم في أموالهم‏.‏ ‏{‏واللهُ على كل شيء قدير‏}‏ يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها‏.‏

ثم بيّن قسمة الفيء، فقال‏:‏ ‏{‏ما أفاء اللهُ على رسوله من أهل القُرى‏}‏، فلم يدخل العاطف؛ لأنَّ الجملة بيان للأولى، وقيل‏:‏ الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يُعط الأنصارَ منها، إلاّ لثلاثة، لفقرهم، أبو دُجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية‏:‏ نزلت في كل قريةٍ فُتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء‏:‏ ‏{‏فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏‏.‏ واختلف في قسمته، فقيل‏:‏ يُسدس لظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل‏:‏ يُخمس، وذكر الله للتعظيم، ويُصرف سهم الرسول للإمام على قولٍ، وإلى العساكر والثغور على قولٍ، وإلى مصالح المسلمين على قولٍ‏.‏

وقد تقدّم في سورة الأنفال تحقيقه‏.‏ وإنما بيّنا قسمته، ‏{‏كي لا يكون دُولَة‏}‏ أي‏:‏ كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به ‏{‏دُولة بين الأغنياء منكم‏}‏ أي‏:‏ يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصُّون به‏.‏ والدولة‏:‏ ما يدول للإنسان، أي‏:‏ ما يدور له من الغنى والجدّ والغلبة وغيرها، وقيل‏:‏ الدولة- بالفتح- من المُلك، وبالضم من المِلك- بالكسر-‏.‏

‏{‏وما آتاكم الرسولُ‏}‏ أي‏:‏ ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، ‏{‏فَخُذوه‏}‏ فاقبلوه، أو‏:‏ افعلوه، فإنه واجب، ‏{‏وما نهاكم عنه‏}‏ أي‏:‏ عن أخذه، أو عن تعاطيه ‏{‏فانتهوا‏}‏ عنه، ولا تطلبوه، أو‏:‏ لا تفعلوه، لَمَّا خصّ عليه السلام المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار‏:‏ لنا معهم سهم، فنزلت ‏{‏واتقوا الله‏}‏ في مخالفته عليه السلام، ‏{‏إنَّ الله شديدُ العقاب‏}‏ لمَن خالف رسولَه صلى الله عليه وسلم، والأحسن‏:‏ أن يكون عاماً في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم‏.‏

الإشارة‏:‏ العلم على قسمين؛ علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلاّ مَن بذل نفسه له، وإليه تُشير الآية الأولى‏.‏ وعلم كسبي، يُكتسب بالجد والتشمير في تعلُّمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية‏.‏ وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دُولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيُبتذل ويُشتهر، وهو فساد نظام العالم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسولُ فخُذوه‏}‏ قال القشيري‏:‏ هذا أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله‏.‏ والواجبُ على العبد عَرْضُ ما وقع له من الخواطر، ويُكاشَفُ به من الأحوالِ، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنّة فهو ضلال‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ «للفقراء» يتعلق بمحذوف، أي‏:‏ يعطي، أو‏:‏ اعْجَبوا، على أنه استئناف، وقيل‏:‏ بدل من «ذي القربى»‏.‏ و«وتبوؤوا الدارَ والإيمان» أي‏:‏ وأَلِفوا الإيمان، ولا يصح العطف؛ لئلا يلزم أنّ الإيمان متبوأ، وإنما يُتبوأ المنزل؛ إذ التبوء‏:‏ التهيؤ، يقال‏:‏ بوأت له منزلاً، أي‏:‏ هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران‏:‏ يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها‏.‏ ه‏.‏ فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عاملٍ آخر‏.‏ قال ابن هشام‏:‏ ولا يجوز كون الإيمان مفعولاً معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان إذ هو أمر معلوم‏.‏ ه‏.‏ وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى‏:‏ أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال‏:‏ فيكون الإيمان على هذا مفعولاً معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله‏:‏ ‏{‏مِن قبلهم‏}‏ فتأمله‏.‏ انظر الحاشية‏.‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏للفقراءِ‏}‏ أي‏:‏ يعطى الفيء للفقراء ‏{‏المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالِهم‏}‏ حيث اضطرهم كفارُ مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل‏.‏ وفيه دليل على أنّ الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا ‏{‏يبتغون فضلاً من الله ورضواناً‏}‏ أي‏:‏ طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو‏:‏ يطلبون الجنة ورضوان الله أو‏:‏ زيادة في الإيمان والرضوان، ‏{‏وينصرون اللهَ ورسولَه‏}‏ أي‏:‏ ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، ‏{‏أولئك‏}‏ الموصوفون بما فصّل من الصفات الحميدة ‏{‏هُم الصادقون‏}‏؛ الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان‏.‏

‏{‏والذين تبوؤوا الدارَ والإِيمانَ‏}‏، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها‏:‏ محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي‏:‏ اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكناً وتمكّنوا فيهما أشد تمكين، ‏{‏مِن قبلهم‏}‏ أي‏:‏ من قبل هجرة المهاجرين أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه‏:‏ إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدُّم الأنصار في ذلك على المهاجرين؛ لأنّ المهاجرين لم يتأتَّ لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك‏.‏

‏{‏يُحبون مَنْ هاجر إليهم‏}‏ حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل مَن كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، ‏{‏ولا يجدون في صُدورهم‏}‏؛ في نفوسهم ‏{‏حاجةً‏}‏ أي‏:‏ شيئاً محتاجاً إليه، يقال‏:‏ خذ منه حاجتك، أي‏:‏ ما تحتاج إليه، يعني‏:‏ أنّ نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل‏:‏ حاجة‏:‏ حسداً أو كزازة، مما أُعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصّهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم به‏.‏

‏{‏ويُؤثرون على أنفسهم‏}‏ أي‏:‏ يُقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، ‏{‏ولو كان بهم خصاصةٌ‏}‏ أي‏:‏ حاجة وخلّة، وأصلها‏:‏ خُصاص البيت، أي‏:‏ فروجه‏.‏ والجملة‏:‏ حال، أي‏:‏ يُؤثرون في حال خصاصتهم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لما ظفر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار‏:‏ إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالت الأنصار‏:‏ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نُشاركهم فيها، فنزلت‏.‏ وهذا صريح في أنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤوا الدار‏}‏ استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُحبون‏}‏ وما عطف عليه استئنافاً مقرراً لصدقهم، أو حال‏.‏ قاله أبو السعود‏.‏

قلت‏:‏ إذا جعلنا قولَه تعالى‏:‏ ‏{‏ما أفاء اللهُ على رسوله مِن أهل القُرى‏}‏ استئنافاً غير مُبيّنِ لِما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صحّ عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله‏:‏ ‏{‏والذين جاؤوا مِن بعدهم‏}‏ عطف عليهم، فيكون المعنى‏:‏ يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا مِن بعدهم‏.‏ ويؤيد هذا ما رُوي أنّ عمر رضي الله عنه لمّا قرأ هذه الآية إلى آخرها قال‏:‏ هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلاَّ وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيْمَانهم‏.‏ ه‏.‏

وقيل‏:‏ نزلت في ضيفٍ نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَن يُضيف هذا‏؟‏» فقال‏:‏ رجلٌ من الأنصار- قيل‏:‏ أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلاّ ما يكفي الصبية، فقال لامرأته‏:‏ نوّمي الصبيان، وأطِفئي السراج، وقرّبي الطعام، فنظهر للضيف أنَّا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل‏:‏ «إنَّ الله ضحك مِن فعلكما» عن أنس‏:‏ أُهدي لبعضهم رأس مشويّ، وهو مجهود، فَوَجَّهه إلى جارِه، وجارُه وَجَّهَه إلى جارِه، فتداولته تسعةُ أنْفُس، حتى عاد إلى الأول‏.‏

‏{‏ومَن يُوق شُحَّ نفسه‏}‏ أي‏:‏ مَن يقيه الله شحَّ نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، مِن حب المال وبُغضَ الإنفاق، ‏{‏فأولئك هم المفلحون‏}‏؛ الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب‏.‏ والشح- بالضم والكسر-‏:‏ اللُّؤم، وأن تكون نفس الرجل كزّةً حريصة على المنع‏.‏ وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل‏:‏ الشُح‏:‏ أكل مال أخيك ظلماً، والبخل‏:‏ منع مالك، وقيل‏:‏ الشُح‏:‏ منع ما عندك والطمع في غيرك، والبُخل‏:‏ منع مالك من غير طمع، فالشُح أقبح من البخل‏.‏

والجملة‏:‏ اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار‏.‏ وجميع الإشارة باعتبار «مَن» لأنها واقعة على الجمع‏.‏

ثم ذكر التابعين، فقال‏:‏ ‏{‏والذين جاؤوا مِن بعدهم‏}‏ هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل‏:‏ هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان‏}‏، وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها‏:‏ «أُمِرُوا بأن يستغفروا لهم، فسبُّوهم» ‏{‏ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ‏}‏ أي‏:‏ حقداً وعداوة ‏{‏للذين آمنوا‏}‏ على الإطلاق، ‏{‏ربنا إِنك رؤوف رحيم‏}‏؛ مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك‏.‏

الإشارة‏:‏ الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول‏:‏ الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم؛ طلباً لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني‏:‏ القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث‏:‏ مَن جاء بعدهم طلباً لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ‏.‏ قال الورتجبي‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤوا الدارَ والإيمان‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصَفَهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لِصدقهم في غناهم، ووصَفَهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضِهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبُغض وحب الدنيا، ثم وَصَفَهم بالسخاء والإيثار، فلم يبقَ في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة‏.‏ ومَنْ سجيتُه مقدسة مِن حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ كأنه يشير إلى أنَّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين تبوؤوا الدار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ هو الواصلون العارفون، أي‏:‏ تبوؤوا دارَ المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وأَلفِوا الإيمان وذاقوا حلاوته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويُؤثرون على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، بعد أن وَصَفَهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله‏:‏ ‏{‏ولا يجدون في صدورهم حاجة‏}‏ وَصَفَهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يُمسك ما وجد منها، بل يُؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة- رضي الله عنهم- وبهذين الخصلتين فاقوا جميعَ الناس، وهي أخلاق الصوفية- رضي الله عنهم- قال الشيخ أبو يزيد‏:‏ ما غلبني أحد غير شاب من بَلْخ، قَدِمَ حاجًّا، فقال‏:‏ يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم‏؟‏ فقلت‏:‏ إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال‏:‏ هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت‏:‏ وما الزهد عندكم‏؟‏ فقال‏:‏ إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا‏.‏ ه‏.‏ وسُئل ذو النون‏:‏ ما حد الزاهد المشروح صدره‏؟‏ فقال‏:‏ ثلاثة؛ تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 14‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ألم تَرَ إلى الذين نافقوا‏}‏ أي‏:‏ ألم ترَ يا محمد، أو‏:‏ يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه‏؟‏ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون‏}‏ استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو‏:‏ لاستحضار صورته‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ للتبليغ، والمراد بالأخوة‏:‏ أخوة الكفر، واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لئن أُخرجتم‏}‏ موطئة للقسم، و‏{‏لنَخَرُجَنَّ‏}‏ جوابه، أي‏:‏ والله لئن أُخرجتم من دياركم ‏{‏لنَخْرُجَنَّ معكم‏}‏، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، ‏{‏ولا نُطيعُ فيكم‏}‏؛ في قتالكم ‏{‏أحداً أبداً‏}‏، يعني رسول الله والمسلمين، أو‏:‏ لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، ‏{‏وإن قُوتلتم لننصرنكم‏}‏، قال تعالى في تكذيبهم‏:‏ ‏{‏واللهُ يشهد إنهم لكاذبون‏}‏ في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة‏.‏

‏{‏لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قُوتلوا لا ينصرونهم‏}‏، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، ‏{‏ولئن نصروهم‏}‏ على الفرض والتقدير، ‏{‏ليُوَلُّنَّ الأدبارَ‏}‏ فراراً ‏{‏ثم لا يُنصرون‏}‏ أبداً، إما المنافقون أو اليهود، أي‏:‏ لا تكون لهم شوكة أبداً‏.‏ وإنما قال‏:‏ ‏{‏ولئن نصروهم‏}‏ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي‏:‏ على الفرض والتقدير كقوله‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون‏.‏

‏{‏لأنتم أشدُّ رهبةً‏}‏ أي‏:‏ أشد مرهوبية، مصدر‏:‏ رُهِبَ، المبني للمفعول، أي‏:‏ أنتم أشد خوفاً ‏{‏في صُدورهم من الله‏}‏ دلالة على نفاقهم، يعني‏:‏ إنهم يُظهرون لكم في العلانية خوفَ الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، ‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله ‏{‏بأنهم قوم لا يفقهون‏}‏ شيئاً حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته‏.‏

‏{‏لا يُقاتلونكم‏}‏ أي‏:‏ اليهود والمنافقون، أي‏:‏ لا يقدرون على قتالكم ‏{‏جميعاً‏}‏؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، ‏{‏إلاّ في قُرىً محصنةٍ‏}‏، بالدُّروب والخنادق، ‏{‏أو مِن وراء جُدُر‏}‏ دون أن يصحروا ويبارزوكم؛ لفرط رهبتهم‏.‏ وقرأ المكي‏:‏ «جدار» بالإفراد‏.‏ ‏{‏بأسُهم بينهم شديدٌ‏}‏، بيان لِما ذكر من أنَّ رهبتهم ليس لضعفهم وجُبنهم في أنفسهم، فإنّ بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفُهم وجبنهُم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب‏.‏

‏{‏تَحْسَبُهم‏}‏ أي‏:‏ المنافقين واليهود ‏{‏جميعاً‏}‏ أي‏:‏ مجتمعين ذوي أُلفة واتحاد، ‏{‏وقلوبُهم شَتَّى‏}‏؛ متفرقة لا أُلفة بينها‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ وهذه حالة الجماعة المتخاذلة‏.‏ ه‏.‏ يعني‏:‏ أنّ بينهم إحناً وعداوات، فلا يتعاضدون حقَّ التناصر ولا ينصرون أبداً‏.‏ قال القشيري‏:‏ اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصلِ كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمّة، والتساوي في القصد، يُوجب كلٍّ ظفرٍ وسعادة‏.‏ ه‏.‏ وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ التفرُّق ‏{‏بأنهم قوم لا يعقلون‏}‏ شيئاً، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويَرمُوا عن قوس واحدة، لكن لّمَّا جهلوا الحق تشتتت طُرُقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتُّت الطُرق، وأما ما قيل من أنّ المعنى‏:‏ لا يعقلون أنّ تشتيت القلوب مما يُوهن قلوبهم، فبعيد‏.‏

الإشارة‏:‏ إذا حاصر المريدُ قريةَ القلب ليُخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية‏:‏ لا تخرجوا، فنحن نُعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، ولا نُطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة؛ لننصرنكم بالتخاذل والتثُّبط، والله يشهد أنهم لكاذبون؛ إذ لا قدرة لشيء إلاّ بإذن الله‏.‏ ‏{‏لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ لا يقاتلونكم جميعاً، أي‏:‏ لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلاّ في قلوب غافلة شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق أو‏:‏ تُوَسْوِس من وراء جُدُر الإيمان وأما القلوب الفارغة من الشواغل المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها‏.‏ بأسهم بينهم شديد، أي‏:‏ الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النورُ على ظلمة النفس، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي‏:‏ تظنون أنَّ مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة وقلوبهم شتى فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعاً لما جئتُ به»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏15‏)‏ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ مَثَلهم، أي‏:‏ مثل اليهود في حلول البأس بهم ‏{‏كَمَثَلِ الذين مِن قبلهم‏}‏ وهم أهل بدر ‏{‏قريبًا‏}‏ أي‏:‏ استقر مِن قبلهم زمنًا قريبًا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري‏.‏ ثم قال‏:‏ وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأُحد‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وهو الموافق لِما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، ‏{‏ذاقوا وبالَ أمرِهم‏}‏ أي‏:‏ ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، ‏{‏ولهم‏}‏ مع ذلك في الآخرة ‏{‏عذابٌ أليمٌ‏}‏‏.‏

ومَثَل المنافقين ‏{‏كَمَثَلِ الشيطانِ إِذ قال للإِنسان اكْفُرْ فلما كفر قال إِني بريء منك إِني أخاف اللهَ ربَّ العالمين‏}‏ أي‏:‏ مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرّأ منه في العاقبة‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ استغواؤه قريشًا يوم بدر، وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 48‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي برياء مِّنْكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 48‏]‏‏.‏ قال أبو السعود‏:‏ وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كُلاًّ من الخبرين إلى المقدّر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقةً بأنّ السامع يَرُد كُلاًّ مِن المثالين إلى ما يُماثله، كأنه قيل‏:‏ مَثَل اليهود في حلول العذاب، كمَثَل الذين من قبلهم‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدّم عنهم كمثل الشيطان‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏فكان عَاقِبتهما‏}‏ أي‏:‏ عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، ‏{‏أنهما في النار خالِدَيْن فيها‏}‏، ف «عاقبتهما»‏:‏ خبر كان، و«أنهما» اسمها، و«خالِدَين»‏:‏ حال‏.‏ ‏{‏وذلك جزاءُ الظالمين‏}‏ أي‏:‏ الخلود في النار جزاء كل ظالم‏.‏ وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل‏:‏ فيه نزلت الآية‏.‏

الإشارة‏:‏ مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود؛ كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدّهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمّارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدَين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏19‏)‏ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله‏}‏ في كل ما تأتون وتذرون، ‏{‏ولتنظرْ نَفْس ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ‏}‏ أي‏:‏ أيّ شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة‏.‏ سمّاه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، أو عبّر عن الآخرة بالغد، كأنّ الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل‏:‏ لغد لا يعرف كنهه لغاية عِظمه‏.‏ وعن مالك بن دينار‏:‏ مكتوب على باب الجنة‏:‏ وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا، خسرنا ما خلفنا‏.‏ ‏{‏واتقوا اللهَ‏}‏، كرر تأكيدًا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله خبير بما تعملون‏}‏ أي‏:‏ من المعاصي‏.‏

‏{‏ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ‏}‏ أي‏:‏ نسوا حقوقه تعالى أو‏:‏ تركوا ذكره، ‏{‏فأنساهم أنفسهم‏}‏؛ فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيقِ ولا هداية، أو‏:‏ جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو‏:‏ أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، ‏{‏أولئك هم الفاسقون‏}‏؛ الكاملون في الفسق‏.‏

‏{‏لا يستوي أصحابُ النار‏}‏ الذي نسوا الله فاستحقُّوا الخلود في النار ‏{‏وأصحابُ الجنة‏}‏ الذين اتقوا الله، فاستحقُّوا الخلود في الجنة، ‏{‏أصحابُ الجنة هم الفائزون‏}‏، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبَوْن العظيم بين أصحابها، وأنَّ الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمِن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمَن يعق أباه‏:‏ هو أبوك، تجعله بمنزلة مَن لا يعرفه؛ لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطُّف‏.‏ واستدل بالآية على أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر، وأنَّ الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورُدَّ بأنَّ عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله‏}‏، أن تشهدوا معه سواه ‏{‏ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ‏}‏ من المعرفة، فإنّ الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، «واتقوا الله» فلا تؤثروا عليه سواه، ‏{‏ولا تكونوا كالذين نسوا الله‏}‏ أي‏:‏ ذكره والتوجه إليه، «فأنساهم أنفسهم» أي‏:‏ غيّبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، «أولئك هم الفاسقون» الخارجون عن الحضرة المقدسة‏.‏ «لا يستوي أصحاب النار» أي‏:‏ نار القطيعة والحجاب «وأصحاب الجنة» أي‏:‏ جنة المعارف «أصحاب الجنة هم الفائزون» بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏لو أنزلنا هذا القرآن‏}‏ العظيم الشأن، المنطوي على فنون القوارع، ‏{‏على جبلٍ‏}‏ من الجبال، مع كونه علَماً في القسوة وعدم التأثير بما يُصادمه، ‏{‏لَرَأيته خاشعًا‏}‏؛ خاضعًا متصدِّعًا متشققًا ‏{‏من خشية الله‏}‏ أي‏:‏ من شأن القرآن وعظمته أنه لو جُعل في الجبل تمييز، ونزل عليه، لخضع وتطأطأ وتشقق من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، كما ينطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتلك الأمثالُ نضربها للناس لعلهم يتفكرون‏}‏، وهي إشارة إلى هذا المثل، وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل‏.‏ والمراد‏:‏ توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشُّعه عند تلاوة القرآن، وتدبُّر قوارعه وزواجره‏.‏

الإشارة‏:‏ قال ابن عطاء‏:‏ أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته، أنَّ شيئًا من الأشياء لا يقوم لصفاته، ولا يبقى مع تجلَّيه، إِلاّ مَن قوّاه الله على ذلك، وهو قلوب العارفين‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وهذا في تجلِّي الصفات، فما بالك بتجلِّي الذات‏؟‏‏!‏ فلا يطيقه إلاّ قلوب الراسخين المقربين، وقال العارف الورتجبي‏:‏ لو كانت الجبالُ مقامَ الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال، وتذرّرت، وانفلتت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات، في سطوات أنواره، وهجوم سنا أقداره، وذلك بأنها عرفت حقيقةً، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 72‏]‏‏.‏ قلت‏:‏ وكأنه يُشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها، وهذه الأمانة هي تجلِّي الذات وتجلِّي الصفات، فلم يطق حملها إلاَّ الإنسان الكامل، وهو العارف الحقيقي، أما عن تجلِّي الذات فقد أشفقت مِن حمله السمواتُ والأرضُ والجبالُ، حسبما تقدّم‏.‏ أما تجلِّي الصفات؛ فذكر هنا أنه لو تجلّت للجبل لخضع وتشقّق ولم يطق حملها، فلو زالت حُجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلِّي صفة كلامه وخطابه تعالى، إلاَّ أنَّ الله تعالى قَوَّى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته، وسماع خطابه، بعد انقشاع الحُجب عن قلوبهم‏.‏ ثم قال الورتجبي‏:‏ ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أنَّ الجبال ليس لها عقل، فإِنَّ هناك أرواحًا وعقولاً لا يعلمها إلا الله ‏{‏يَآجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 10‏]‏ ولو لا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها، فإنَّ ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 74‏]‏ والخشية‏:‏ مكان العلم بالله وبخطابه‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات وغيرها، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 24‏]‏

‏{‏هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏22‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏23‏)‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏24‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏هو اللهُ الذي لا إِله إِلاّ هو‏}‏ وحده ‏{‏عَالِمُ الغيبِ والشهادة‏}‏ أي‏:‏ ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية‏.‏ قال الورتجبي‏:‏ أي‏:‏ عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب‏.‏ ه‏.‏ وتقديم الغيب على الشهادة لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّق العلم القديم به، أو‏:‏ المراد بالغيب‏:‏ المعدوم، وبالشهادة‏:‏ الموجود، أو السر والعلانية، ‏{‏هو الرحمنُ الرحيم‏}‏ أي‏:‏ الرحمن بجلائل النِعم، والرحيم بدقائقها، أو‏:‏ الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بنعمة الإمداد‏.‏

‏{‏هو اللهُ الذي لا إله إلاّ هو‏}‏، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، ‏{‏الملكُ‏}‏؛ المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول مُلكه أبدًا، ‏{‏القدوسُ‏}‏؛ البليغ في النزاهة عما لا يليق به‏.‏ وقُرىء بالفتح وهي لغة فيه، ‏{‏السلام‏}‏ ذو السلامة من كل نقص، أو‏:‏ الذي يَسلم الخلق من ظلمه، أو‏:‏ ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، ‏{‏المؤمنُ‏}‏؛ واهب الأمْن، أو‏:‏ المؤمن مِن عذابه مَن أطاعه، أو المصدِّق لعباده إذا وحّدوه أو‏:‏ المصدِّق للرسل بالمعجزات، ‏{‏المهيمِنُ‏}‏؛ الرقيب الحافظ لكل شيء مُفَيْعِل، من‏:‏ الأمن، بقلب همزته هاء، ‏{‏العزيزُ‏}‏، الغالب الذي لا يُغلب، ‏{‏الجبَّارُ‏}‏ الذي جَبَرَ خلقه على ما أراد، أو‏:‏ جبر أحوالهم، أي‏:‏ أصلحها، ‏{‏المتكبّر‏}‏ الذي تكبّر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصًا، أو‏:‏ البليغ الكبرياء والعظمة‏.‏ ‏{‏سبحان الله عما يشركون‏}‏، نزَّه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يُشارَك في شيءٍ منها أصلاً‏.‏

‏{‏هو اللهُ الخالقُ‏}‏؛ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته، ‏{‏البارىء‏}‏؛ الموجد لها بريةً من التفاوت؛ وقيل‏:‏ المميِز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، ‏{‏المُصَوِّر‏}‏؛ الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد‏.‏ قال الغزالي‏:‏ الخالق من حيث إنه مُقدِّر، البارىء من حيث إنه مُوجد، المصوِّر، مِن حيث أنه مُصَوِّر صور المخترعات أحسن ترتيب، ومُزيّنها أحسن تزيين‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وحاصل كلامه‏:‏ أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمُصَوِّر للحكمة، والأحسن‏:‏ أن يُقال‏:‏ إنّ الخالق‏:‏ المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء‏:‏ المهيىء كلَّ ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة؛ إذ متعلّقه التخصيص، المُصَوِّر‏:‏ المُعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه «الحكيم»‏.‏

‏{‏له الأسماءُ الحسنى‏}‏ لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء‏.‏ ‏{‏يُسبح له ما في السمواتِ والإرض‏}‏؛ ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيهًا ظاهرًا، ‏{‏وهو العزيزُ‏}‏ لا يُغلب، ‏{‏الحكيمُ‏}‏ الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته‏.‏ ختم السورة بما بدأ به من التسبيح‏.‏

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال‏:‏ سألت حبيبي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم‏؟‏ فقال‏:‏

«عليك بآخر الحشر، فأَكْثِر قراءته»، فأعدتُ عليه، فأعاد عليّ فأعدت عليه، فأعاد عليّ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَن قال حين يُصبح ثلاث مرات‏:‏ أعوذ بالله السيمع العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّلَ اللهُ سبعين ألف ملك يُصلُّون عليه حتى يُمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومَن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة» رواه الترمذي‏.‏ وأسند ابن جزي حديثًا إلى عبد الله بن مسعود‏:‏ أنه قال‏:‏ قرأتُ على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال‏:‏ «ضع يدك على رأسك» قلت‏:‏ ولِمَ ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «أقرأني جبريلُ القرآنَ، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال‏:‏ ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت‏:‏ ولمَ ذاك‏؟‏ قال‏:‏ إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت‏:‏ يا ربنا ولِمَ ذلك‏؟‏ قال‏:‏ لأنه شفاء من كل داء إلا السام» وسمعتُ من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بهذه الأسماء‏.‏ وقال الورتجبي‏:‏ بيّن بقوله‏:‏ «الأسماء» أنَّ لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث فسبّحه الكلُّ بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله‏:‏ ‏{‏يُسبح له‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قلت‏:‏ أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت‏.‏ قال‏:‏ ثم بيّن أنه منزّه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله‏:‏ ‏{‏وهو العزيز الحكيم‏}‏ العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار‏.‏ تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني‏.‏ ه‏.‏

سورة الممتحنة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏1‏)‏ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ‏(‏2‏)‏ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء‏}‏ أي‏:‏ أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لمّا تجهز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرديكم، فخُذوا حِذركم‏.‏ وفي رواية‏:‏ كتب‏:‏ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يسير إليكم بجيشٍ كالليل، يسيل كالسيل، فالحذرَ الحذرَ، وأرسله مع «ساره» مولاة بني المطلب، وقيل‏:‏ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، فنزل جبريلُ عليه السلام بالخبر، فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وعمّاراً، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال‏:‏ «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلُوها، فإن أبتْ فاضربوا عنقها» فأدركوها ثمة، فجحدت، فسلّ عليٌّ سيفه، فأخرجته من عِقاصِها‏.‏ زاد النسفي‏:‏ أنه عليه السلام أمَّن يوم الفتح جميعَ الناس إلاّ أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، وقال‏:‏ «ما حملك على هذا» ‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتُ منذ نصحتُ، ولكني كنتُ امرءاً مُلْصَقًا في قريش، ليس لي فيهم مَن يحمي أهلي، فأردتُ أن أتخذ عندهم يداً، وعملتُ أن كتابي لا يُغني شيئاً، فصدّقه صلى الله عليه وسلم، وقَبِلَ عُذره، فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم‏:‏ «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال لهم‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» ففاضت عينا عمر رضي الله عنه، أي‏:‏ من بكاء الفرح‏.‏ والعَدُو‏:‏ فَعُول، من‏:‏ عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد‏.‏ وفي الآية دليل على أنّ الكبيرة لا تسلب الإيمان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تُلْقٌونَ إِليهم بالمودةِ‏}‏‏:‏ حال، أي‏:‏ لا تتخذوهم أولياء مُلقين إليهم، أو‏:‏ استئناف، أو‏:‏ صفة لأولياء، أي‏:‏ توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 195‏]‏، أو‏:‏ تُلقون إليهم أخبارَ النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية‏.‏ ‏{‏وقد كفروا بما جاءكم من الحق‏}‏‏:‏ حال من فاعل «تتخذوا» أو «تُلقون»، أي‏:‏ لا تتولوهم، أو‏:‏ لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون ‏{‏بما جاءكم من الحق‏}‏؛ الإسلام، أو‏:‏ القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر‏.‏ ‏{‏يُخرجون الرسولَ وإِياكم‏}‏ من مكة، وهواستئناف مُبيَّن لكفرهم وعتوهم، أو حال من «كفروا»‏.‏ وصيغة المضارع لاستحضار الصورة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أن تؤمنوا بالله ربِّكم‏}‏ تعليل للإخراج، أي‏:‏ يُخرجونكم لإيمانكم، ‏{‏إِن كنتم خرجتمْ جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي‏}‏، هو متعلق ب «لاتتخذوا» كأنه قيل‏:‏ لا تودُّوا أعدائي إن كنتم أوليائي‏.‏

‏{‏تُسِرُّون إِليهم بالمودةِ‏}‏ أي‏:‏ تُفضون إليهم بمودتكم سرًّا، أو تُسِرُّون إليهم أسرارَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ‏.‏ ‏{‏وأنا أعلمُ‏}‏ أي‏:‏ والحال أني أعلم منكم ‏{‏بما أخفيتم وما أعلنتم‏}‏ ومُطلِع رسولي على ما تُسِرُّون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل‏:‏ الباء زائدة، و«أعلم» مضارع و«ما» موصولة، أو مصدرية‏.‏ ‏{‏ومَن يَفْعله منكم‏}‏ أي‏:‏ الاتخاذ ‏{‏فقد ضَلَّ سواء السبيل‏}‏؛ فقد أخطأ طريق الحق والصواب‏.‏

‏{‏إِن يَثْقفوكم‏}‏ أي‏:‏ يظفروا بكم ‏{‏يكونوا لكم أعداءً‏}‏ أي‏:‏ يُظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويُرتبوا عليها أحكامها، ‏{‏ويبسُطُوا إِليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء‏}‏؛ بما يسوؤكم من القتل والأسر‏.‏ ‏{‏ووَدُّوا لو تكفرون‏}‏ أي‏:‏ تمنُّوا ارتدادكم‏.‏ وصيغة الماضي لتحقُّق ودادهم قبل أن يثقفوكم‏.‏

‏{‏لن تنفَعَكُم أرحامُكُم‏}‏؛ قراباتكم ‏{‏ولا أولادُكم‏}‏ الذين تُوالون المشركين لأجلهم، وتتقرّبون إليهم محاماةً عليهم، ‏{‏يومَ القِيامة يَفْصِلُ بينكم‏}‏ وبين أقاربكم وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 34-36‏]‏ الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفًا ل «تنفعكم»، أي‏:‏ لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله‏:‏ ‏{‏يفصل بينكم‏}‏ لبيان عدم نفعهم‏.‏ وهنا قراءات بيّنّاها في غير هذا‏.‏ ‏{‏والله بما تعملون بصير‏}‏ فيجازيكم على أعمالكم‏.‏

الإشارة‏:‏ أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه؛ لأنها أمّارة بالسوء، ويُضاف إليها جنودها، فيقال ‏{‏يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏}‏، من النفس وجنودها، تُلقون إليهم بالمودّة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يُخرجون الرسول‏:‏ الوارد الحقيقي أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويُخرجونكم من الحضرة كراهةَ أن تُؤمنوا بالله ربكم إيماناً حقيقيًّا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تُسِرُّون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومَن يفعله أي‏:‏ الميل عن طريق المجاهدة فقد ضلّ سواء السبيل؛ طريق الوصول، فقد قيل‏:‏ «مَن رأيته يتبع الرُخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء»‏.‏ لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلاً من الله شيئًا «ماذا وجَدَ من فقدك»، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة‏.‏ يوم القيامة يفصلُ بينكم وبينها؛ لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصير، فيُجازي على قدر الكدّ والتعب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ‏(‏4‏)‏ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏5‏)‏ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏6‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قد كانت لكم أُسوةٌ‏}‏ أي‏:‏ قدوة ‏{‏حسنةٌ‏}‏ أو‏:‏ خصلة حميدة، حقيقة بأن يُرتقى بها ويُقتدى، كائنة ‏{‏في إِبراهيمَ والذين معه‏}‏ من أصحابه المؤمنين، أو‏:‏ الأنبياء المعاصرين له، وقريبًا من عصره، ورجّحه الطبري وغيره؛ لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودًا‏.‏ وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام‏:‏ «ليس على وجه الأرض مَن يعبد الله غيري وغيرك»‏.‏ ‏{‏إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ‏}‏، جمْع بريء، كظريف وظرفاء، أي‏:‏ نتبرأ منكم ‏{‏ومما تعبدون من دون الله‏}‏ من الأصنام، ‏{‏كَفَرنا بكم‏}‏ أي‏:‏ بدينكم، أو‏:‏ معبودكم، أو‏:‏ بكم وبأصنامكم، فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، ‏{‏وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاءُ أبداً‏}‏ أي‏:‏ هذا دأبنا أبداً ‏{‏حتى تُؤمنوا بالله وَحْدَه‏}‏ وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة‏.‏

وحاصل الآية‏:‏ أنّ الحق تعالى يقول‏:‏ إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأَظْهِروا البغضاء لهم والمقت، وصَرِّحوا أنّ سبب العداوة ليس إلاّ كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائمًا كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوةُ مولاةً، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفارَ بالعداوة، وتوكّلوا على الله‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ هذه الأسوة مقيّدة بالتبرِّي من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع‏.‏ ه‏.‏

فلكم أسوة فيمن تقدّم‏.‏ ‏{‏إِلاَّ قولَ إِبراهيمَ لأبيه لأَستغفرنَّ لك‏}‏، وذلك لموعدةٍ وعدها إياه، أي‏:‏ اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر‏.‏ واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلاً وشرعاً قبل النهي، لوقوعه قبل تبيُّن أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يُؤتسى به أصلاً‏.‏ ‏{‏وما أَمْلِكُ لك من الله من شيءٍ‏}‏ أي‏:‏ من هداية ومغفرة وتوفيق‏.‏ وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال‏:‏ أستغفرُ لك وما في طاقتي إلاّ الاستغفار، إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر‏.‏ ‏{‏ربنا عليك توكلنا وإِليك أَنَبْنا‏}‏ أي‏:‏ أَقبلنا، ‏{‏وإِليك المصيرُ‏}‏؛ المرجع وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومَن معه مِن الأسوة الحسنة، وهو راجع لِما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ قولوا، فيكون أبتداء كلام خطاباً لهذه الأمة، وضعّفه أبو السعود‏.‏ وتقديم المعمول لقصر التوكُّل والإنابة والمصير عليه تعالى‏.‏

‏{‏ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا‏}‏ بأن تُسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نُطيقه، ‏{‏واغفر لنا‏}‏ ما فرط منا، ‏{‏ربنا إِنك أنت العزيزُ‏}‏ الذي لا يذلّ مَن التجأ إليه، ولا يخيب رجاء مَن توكل عليه، ‏{‏الحكيمُ‏}‏ الذي لا يفعل إلاَّ ما فيه حكمة بالغة‏.‏

وتكرير النداء للمبالغة في التضرُّع والالتجاء‏.‏

‏{‏لقد كان لكم فيهم‏}‏؛ في إبراهيم ومَن معه ‏{‏أُسوةٌ حسنةً‏}‏، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدّره بالقسم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخر‏}‏ بدل من «لكم»، وحكمته‏:‏ الإيذان بأن مَن يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأنّ تركه مخلّ بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومَن يتولَّ فإِنَّ اللهَ هو الغنيُّ الحميدُ‏}‏، فإنه إنما يُوعَد بأمثاله الكفرة، أي‏:‏ هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده‏.‏

الإشارة‏:‏ ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميًّا، يتبرأ من كل ما يشغله عن الله، أيًّا مَن كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل مَن يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلاّ على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلاً لذلك، فيُذكِّر مَن خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مُقرًّا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصّن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة‏.‏ والله غالب على أمره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏عسى اللهُ أن يجعلَ بينكم وبين الذين عادَيْتم منهم‏}‏؛ من أقاربكم المشركين، ‏{‏مودةً‏}‏ بأن يُوافقوكم في الدين‏.‏ وَعَدهم بذلك لما رأى منهم من التصلُّب في الدين، والتشديد في معاداة أقربائهم، تطييباً لقلوبهم، ولقد أنجز وَعْدَه الكريم، فأسْلَم كثير منهم يوم فتح مكة، فتصافوا، وتوادوا وصاروا أولياء وإخواناً، وخالَطوهم وناكَحوهم‏.‏ و«عسى» من الله واجبة الوقوع‏.‏ ‏{‏واللهُ قديرٌ‏}‏ أي‏:‏ مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، ‏{‏واللهُ غفور رحيم‏}‏، فيغفر لمَن أسلم من المؤمنين ويرحمهم، أو‏:‏ غفور لما فَرَط منكم من مولاتهم قبلُ، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى الرحم بعدُ، رحيم لمَن لم تبقَ فيه بقية‏.‏

الإشارة‏:‏ عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم، التي عاديتموها وخالفتموها، وقطعتم مواد هواها، مودةً، حين تتهذّب وتتأدّب وترتاض بالمجاهدة، فالواجب حينئذ البرور بها، والإحسان إليها، لأنها انقلبت روحانية، تصطاد بها العلوم اللدنية، والمعارف الربانية، وفيها يقول شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه‏:‏

سايس من النفس جهدك *** صبّح ومس عليها

لعلها تدخل في يدك *** تعود تصطاد بها

فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين؛ فإنّ المجاهدة لا تكون إلاّ قبل المشاهدة، أو‏:‏ تكون تسلية لهم عند مقاطعة أقاربهم وعشائرهم، حين فرُّوا عنهم لله، بأن يهديهم الله، حتى يوافقوهم على طريقهم‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبروهم‏}‏ أي‏:‏ لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، ف «أن تبروهم»‏:‏ بدل من الموصول، ‏{‏وتُقْسِطوا إِليهم‏}‏ أي‏:‏ تقضوا إليهم بالقسط، أي‏:‏ بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم‏؟‏ ‏{‏إِن اللهَ يُحب المُقسِطين‏}‏؛ الحاكمين بالعدل، رُوِي أن «قُتَيلةَ بنت عبد العزى» قَدِمَتْ مشركة على بنتها «أسماء بنت أبي بكر» رضي الله عنه، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل منها، وتُكرمها، وتُحسن إليها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألاّ يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه‏.‏ قال المحلي‏:‏ وهذا قبل الأمر بجهادهم‏.‏ ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال‏:‏ وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال‏.‏ ه‏.‏

قال الكواشي‏:‏ نزلت رخصة في صلة الذين لم يُعادوا المؤمنين ولم يُقاتلوهم‏.‏ ثم قال‏:‏ وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبِرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم‏.‏ ه‏.‏ قال القشيري‏:‏ مَن كان فيهم حُسن خُلق، أو للمسلمين منهم رِفْق، أُمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة‏:‏ «إنَّ الله يُحب الرِّفق في الأمر كله»‏.‏ ه‏.‏ المحشي‏.‏ وهذا‏:‏ فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك‏:‏ حكى الدارقطني أنَّ عبدَ وزيرِ المعتضد دخل على القاضي إسماعيل وكان نصرانيّاً فقام له ورحّب به فرأى إنكار مَن عنده فقال‏:‏ علمت إنكاركم، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا ينهاكم الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا مَن البر، فسكت الجماعةُ عند ذلك‏.‏ ه‏.‏ قال البرزلي‏:‏ ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنّس بظاهر الآية، وخاف مِن أذاه إن لم يفعل ذلك‏.‏ ه‏.‏

وفي حديث الجامع‏:‏ «بُعثتُ بمداراة الناس»، قيل‏:‏ والفرق بينها وبين المداهنة‏:‏ أنَّ المداهنة‏:‏ إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة‏:‏ هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 44‏]‏، وقيل‏:‏ المداهنة‏:‏ ترك الدين بالدنيا، والمداراة‏:‏ بيع الدنيا بحفظ الدين‏.‏

وقد عَدّ السهروردي في «الآداب» مِن رُخص الصوفية‏:‏ التكلُّف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك‏:‏ إلاّ يكون طمعاً في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم يدخل عليه سادات قريش فيُكرمهم، ويُجلهم، ويُحسن مجالستهم، وقال‏:‏ «إذا أتاكم كريم قوم فأكرِموه»

ه‏.‏ وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه‏:‏ أن العاقل عن الله يُعاشر الناس على ما دبَّر الله لهم، فالغَنِيّ قد أكرمه الله كرامةَ ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تُنزله المنزلةَ التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقّرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركتَ موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمتَه، وكذلك معاملة الملوك والوُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض‏؟‏ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم‏.‏

ثم ذكر أنّ ضد ما ذكر مِن ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلُّص من النفس، فلم تكن لقوتِهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة بِرهم، فتخلط قلوبُهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسَهم مِن ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم‏.‏ وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جَوْرهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومَن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويَقبلُون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويُظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم‏.‏

ثم وَجَّه حديثَ ابن عباس‏:‏ «ملعون مَن أكرم بالغنى وأهان بالفقر» فإنَّ معناه‏:‏ مَن عظَّم الدنيا وعظَّم أهلها، فأمّا مَن دقت الدنيا في عينه، يرى أهلَها مُبْتَلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حِسَابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عَوّده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يَفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه» فهو إنما يُكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونًا، ثم ذكر حديث‏:‏ «مَن أُعطي حظه من الرفق أُعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة، من حُرمه حُرم كذلك»، ثم ذكر قصة نسْطُور صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطُّفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيْه حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملكَ وجميعَ الناس في قضية عجيبة، فعليك بها‏.‏

‏{‏إِنما ينهاكم اللهُ عن‏}‏ موالاة ‏{‏الذي قاتلوكم في الدين وأَخْرَجوكم من دياركم‏}‏، وهم عتاة أهل مكة، ‏{‏وظاهَرُوا‏}‏ أي‏:‏ عاوَنُوا ‏{‏على إِخراجكم‏}‏ وهم سائر أهلها، ‏{‏أن تَوَلَّوْهم‏}‏‏:‏ بدل اشتمال من الموصول، والمعنى‏:‏ لا ينهاكم عن مبرة مَن لم يتعرّض لكم، إنما ينهاكم عمّن أذاكم ‏{‏أن تَولَّوهُم ومَن يتولهمْ فأولئك هم الظالمون‏}‏ حيث وضعوا التولي في غير موضعه‏.‏

الإشارة‏:‏ لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبرُّوا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدّتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومَن يتولها، وبقي في رِقَّها؛ فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيمَ الحضرة‏.‏ أو‏:‏ لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتُقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم؛ فإنَّ مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومَن يتولهم لا يُفلح أبدًا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏إذا جاءكم المؤمناتُ‏}‏ إنما حُذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول، ورُدّ بأنّ الحذف مع الفصل بغير «إلاّ» مرجوح، والصواب‏:‏ أنه على حذف الموصوف، أي‏:‏ النساء المؤمنات، وهو اسم جمع، يجوز في الأمران، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ نِسْوَةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 30‏]‏‏.‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ‏}‏ أي‏:‏ مُشْرِفات على الإيمان ونَطَقْن بالشهادة، وإنما ظهر بعد الامتحان، ‏{‏مُهاجراتٍ‏}‏ من بين الكفار، ‏{‏فامْتَحِنُوهن‏}‏؛ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن‏.‏ كان صلى الله عليه وسلم يستحلفهن‏:‏ ما خرجن من بُغض زوْج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماسَ دُنيا، ولا عشقًا لرجل منا بل حبًّا لله ورسوله‏.‏ وقد كان صلى الله عليه وسلم صالح أهلَ مكة على أنَّ مَنْ أسلم منهم يَرُده إليهم، فجاءت «سُبيْعَةُ بنت الحارث» مُسْلِمةً بعد الفراغ من الكتاب، فقال زوجها‏:‏ اردد عليّ امرأتي، فنزلت، فاستحلفها صلى الله عليه وسلم بما تقدّم، فحلفت، فلم يردها عليه، وأعطى مهرها زوجَها، فتزوجها عمرُ، فكان صلى الله عليه وسلم يَرُد مَن جاء من الرجال، ولا يَرُد النساء‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ امتحانها‏:‏ أن تقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله‏.‏

‏{‏اللهُ أعلم بإِيمانهن‏}‏، لأنه المُطّلع على قلوبهن‏.‏ وفيه إشارة إلى التخفيف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب غايته لتصلوا إلى العلم، بل ما يحصل به الظن القوي، وأما العلم فخاص بالله تعالى‏.‏ ‏{‏فإِن عَلِمْتُموهن مؤمناتٍ‏}‏، العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن القوي، بظهور الأمارات‏.‏ وتسمية الظن علمًا يُؤذن بأنَّ الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جارٍ مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله‏:‏ ‏{‏وَلآ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏‏.‏ قاله النسفي‏.‏ ‏{‏فلا تَرْجِعُوهنَّ إِلى الكفار‏}‏ أي‏:‏ إلى أزواجهن الكفرة، ‏{‏لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلُّونَ لهن‏}‏، تعليل للنهي أي‏:‏ حيث خرجت مسلمة حَرُمت على المشرك‏.‏ والتكرير إما لتأكيد الحرمة، أو الأول‏:‏ لبيان زوال النكاح الأول، والثاني‏:‏ لبيان امتناع النكاح الجديد، ما دام مشركاً، فإنْ أسلم في عِدتها كان أولى بها‏.‏

‏{‏وآتوهم ما أنفقوا‏}‏ أي‏:‏ أعطوا أزواجَهن مثلَ ما دفعوا من المهور، ‏{‏ولا جُناحَ عليكم أن تَنكحوهن‏}‏، فإنَّ إسلامهن حالَ بينهن وبين أزواجهن الكفار، ‏{‏إِذا آتيتموهن أُجورهنَّ‏}‏؛ مهورهن؛ لأنّ المهر أجر البُضْع، وبه احتجّ أبو حنيفة على ألاّ عِدَّة على المهاجِرة‏.‏ قال الكواشي‏:‏ أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب؛ لأنَّ الإسلام فرّق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد، خلافًاً لأبي حنيفة في غير الحامل‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏ولا تُمسكوا بِعِصَم الكوافرٍ‏}‏، العصمة‏:‏ ما يعتصم به من عقدٍ وسبب‏.‏

والكوافر‏:‏ جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب أو‏:‏ لحقت بدار الحرب مرتدةً، أي‏:‏ لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر عصمة ولا عُلقة زوجية‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ مَن كانت له امراة كافرة بمكة فلا يعتَدنَّ بها من نسائه؛ لأنَّ اختلاف الدارين قطع عصمتها منه‏.‏ ولمّا نزلت الآية طلَّق عمرُ رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة، قُرَيْبَة بنت أبي أمية، وأم كلثوم الخزاعية‏.‏

‏{‏واسألوا ما أنفقتم‏}‏ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، أي‏:‏ اطلبوه من الكفرة، ‏{‏وَلْيَسْألوا ما أنفقوا‏}‏ من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا‏.‏ ‏{‏ذلكم حُكْمُ الله‏}‏ أي‏:‏ جميع ما ذكر في هذا الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يحكم بينكم‏}‏‏:‏ كلام مستأنف أو‏:‏ حال من «حُكم الله» على حذف الضمير، أي‏:‏ يحكمه الله، وجعل الحُكْم حاكماً على المبالغة وقال‏:‏ «يحكم» مستقبلاً، مع أن الحكم ماضٍ باعتبار ظهور متعلقة ‏{‏واللهُ عليم حكيمٌ‏}‏ يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة‏.‏

رُوي أنه لمّا نزلت الآية أدّى المؤمنون ما أُمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن من المشركين، وأبى المشركون أن يردُّوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن فاتكم‏}‏ أي‏:‏ سبقكم وانفلت منكم ‏{‏شيءٌ من أزواجكم إِلى الكفار‏}‏ أي‏:‏ أحَدٌ من أزواجكم، وقرىء به‏.‏ وإيقاع «شيء» موقعه للتحقير والتعميم، ‏{‏فعاقبتم‏}‏، من المعاقبة، لا من العقوبة، أي‏:‏ صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، شبّه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره‏.‏ ‏{‏فآتوا الذين ذهبتْ أزواجُهم‏}‏ منكم إلى الكفار ‏{‏مثلَ ما أنفقوا‏}‏، تُعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تؤتوا زوجها الكافر شيئًا، أي‏:‏ ما كنتم تُعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه لمَن فاتت زوجته ولحقت بالكفار، فأزال الله دفعها إليهم، حين لم يرضوا بحُكمه، على أنّ هذا حكم قد نُسخ‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها‏.‏ ه‏.‏ وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه، وأنَّ رد المال مستمر، وذكر الخلاف في أنَّ الإنفاق كان على الوجوب أو الندب‏.‏ ه‏.‏

وقيل‏:‏ معنى «فعاقبتم» من العقوبة، أي‏:‏ فأصبتموهم في القتال، حتى غنمتم، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم، ولحقْن بدار الحرب مهورَ زوجاتهم من هذه الغنيمة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ خمس نسوة رجعن عن الإسلام، ولحقن بالمشركين، من نساء المهاجرين‏:‏ أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت عند عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، وعزةُ بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر أيضًا، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة‏.‏

ه‏.‏ ‏{‏واتقوا اللهَ الذي أنتم به مؤمنون‏}‏ أي‏:‏ احذروا أن تتعدُّوا ما أُمرتم به؛ فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه‏.‏

الإشارة‏:‏ يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، وهم المشايخ العارفون؛ إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم، وأرادوا الانخراط في سلككم، فامتحنونهن هل هي صادقة الطلب، أو تريد حرفًا من حروف الهوى، فإن علمتم صدقهن، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة، سيما أهل الإنكار؛ إذ لا يحل مخالطتهم في طريق الخصوص، وآتوهم من العلوم والمعارف عِوض ما أنفقوا من أنفسهم وأموالهم، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة، التي هي كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من السر، قدر ما يطيقون، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تُمسكوا بعصمته، وأطلقوه مع نفسه، فإن سألكم شيئًا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من العلم، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه من العلم ما آتيتم مَن فرّ منكم، واتقوا الله الذي توجهتم إليه، فلا تُعطوا السر مَن لا يستحقه، ولا تمنعوه من مستحقه‏.‏ والله تعالى أعلم بأسرار كتابه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي إِذا جاءك المؤمناتُ‏}‏ حال كونهن ‏{‏يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُن‏}‏، يريد‏:‏ وأد البنات، ‏{‏وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ‏}‏، كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها‏:‏ هو ولدي منك‏.‏ كنَّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً؛ لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلد منه بين الرِجلْين‏.‏ ‏{‏ولا يَعْصِينَكَ في معروفٍ‏}‏ أي‏:‏ فيما تأمرهن من معروف، وتنهاهن عن منكر‏.‏ والتعبير بالمعروف مع أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلاّ به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق‏.‏ وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن؛ لكثرة وقوعها فيهن‏.‏ ‏{‏فبايعْهُنَّ‏}‏ على ما ذكر وما لم يذكر؛ لوضوح أمره، ‏{‏واسْتَغفِرْ لهنَّ اللهَ‏}‏ فيما مضى، ‏{‏إِنَّ الله غفور رحيمٌ‏}‏ أي‏:‏ مبالغ في المغفرة والرحمة، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وَفَّيْن بما بايعن عليه‏.‏

رُوي‏:‏ أنه صلى الله عليه وسلم لمّا فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعُمرُ قاعد أسفل منه، يُبايعهنّ عنه بأمره، وهند بنت عتبة امراة أبي سفيان متقنّعه متنكّرة مع النساء، خوفًا من النبي صلى الله عليه سلم أن يعرفها، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أبايعكن على ألا تُشركن بالله شيئًا» فقالت هند‏:‏ والله إنك لتأخذ علينا شيئًا ما رأيتك أخذته على الرجال لأنه عليه السلام بايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ولا تسرقن» فقالت هند‏:‏ إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصَبتُ منم ماله هَنَاتٍ، فقال أبو سفيان‏:‏ هو لك حلال، فقال‏:‏ «ولا تزنين» فقالت هند‏:‏ أَوَتزني الحُرّة‏؟‏ فقال‏:‏ «ولا تقتلن أولادكنّ»، فقالت هند‏:‏ رَبيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، وكان ابنها قُتل يوم بدر، فقال‏:‏ «ولا تأتين ببهتان‏.‏‏.‏‏.‏» الخ، فقالت هند‏:‏ والله إنّ البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلاّ بالرشد ومكارم الأخلاق‏!‏ فقال‏:‏ «ولا تعصين في معروف» فقالت‏:‏ وما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسان أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوةُ بما أخذ عليهن‏.‏

وقالت أميمة‏:‏ يا رسول الله، صافحْنا‏؟‏ فقال‏:‏ «إني لا أُصافح النساء، إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائة امرأة»، قالت عائشة‏:‏ ما مست يدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط، إنما بايعهن كلامًا، وقيل‏:‏ لفّ على يده ثوبًا، وقيل‏:‏ غمس يده في قدح، فغمسْن أيديهن فيه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ الشيخ في قومه كالنبي في أمته، فيُقال له‏:‏ إذا جاءك النفوسُ المؤمنةُ يُبايعنك على ألا ترى مع الله شيئاً، ولا تميل إلى الدنيا، ولا إلى الهوى، ولا تهمل ما تنتج أفكارُها من الواردات، ولا تأتي ببهتان تفتريه؛ بأن تنسب فعلاً إلى غير الله، أو بأن تكذب في أحوالها وأقوالها، ولا تعصي فيما تأمرها وتنهاها، فإن جاءت على ما ذكر فبايعها واستغفِر لها الله فيما فرّطت فيه، إنّ الله غفور رحيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

يقول الحق جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تَتَولوا قومًا غَضِبَ اللهُ عليهم‏}‏، وهم اليهود‏.‏ رُوِي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين، كانوا يُواصلون اليهود، ليُصيبوا من ثمارهم‏.‏ وقيل‏:‏ عامة الكفرة؛ إذ كلهم في الغضب‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ كيف نهى عن مطلق الموالاة بعد قوله‏:‏ ‏{‏لا ينهاكم الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏؟‏ قلنا‏:‏ المراد بتلك المسالمة والمتاركة، لا الموالاة‏.‏ ه‏.‏

‏{‏قد يَئِسُوا من الآخرة‏}‏ أي‏:‏ مِن ثوابها؛ لعلمهم بأنهم لا خلاق لهم فيها، لِعنادهم الرسول المنعوت في التوراة، المؤيَّد بالمعجزات، أو‏:‏ لفعلهم فعل مَن يئس مِن الآخرة، فحالهم حال اليائس، وإذا قلنا‏:‏ هم الكفرة فيأسهم ظاهر، لإنكارهم البعث‏.‏ والأول أظهر؛ لقوله؛ ‏{‏كما يئس الكفارُ‏}‏ أي‏:‏ المشركون ‏{‏من أصحاب القبور‏}‏ أن يرجعوا إليهم‏.‏ أو‏:‏ كما يئس منها الذين ماتوا منهم؛ لأنهم وقفوا على حقيقة الحال، وشاهدوا حرمانهم من نعيمها المقيم، وابتلاءهم بعذابها الأليم‏.‏ والمراد‏:‏ وصفهم بكمال اليأس منها، وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ كما يئسوا من موتاهم أن يُبعثوا أو يرجعوا أحياء‏.‏ وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بعلّة يأسهم، وهو الكفر‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ إنْ أُريد المشركون فهم يئسوا منها حقيقة، أي‏:‏ مِن وجودها، وإنْ أُريد اليهود، فهم يئسوا من نعيمها‏.‏ فأن قلت‏:‏ كيف وهم يزعمون أنّ نعيمها خاص بهم‏؟‏ قُلتُ‏:‏ كفرهم عناد‏.‏ وإسناد الإياس إليهم مجاز، فإذا أراد اليهود، فيكون التشبيه بالكفار حقيقة، وإنْ أُريد العموم فالتشبيه باعتبار اختلاف الصفة والحال، كقولك‏:‏ هذا بسْراً أطيب منه رطباً‏.‏ أي‏:‏ كما يئسوا من أصحاب القبور أن يرجعوا إلى الدنيا، أو يتنعّموا بالجنة‏.‏ ه‏.‏ وعلى كل حالٍ، فقد ختم السورة بما افتتحها به، تأكيداً لِما نهى عنه‏.‏

الإشارة‏:‏ قد تقدّم مراراً النهي عن مخالطة العامة للمريد، حتى يتمكن من الشهود، فيفعل ما يشاء‏.‏ وكل مَن حُجب عن الله فله قسط من الغضب، وكل مَن لم يتزوّد للآخرة التزوُّد الكامل، فقد نسيها نسيان اليائس‏.‏ وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه‏.‏