فصل: تفسير الآيات (102- 107):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (102- 107):

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)}
قلت: {ذلك}: مبتدأ، و{من أنباء الغيب}: خبر. و{نوحيه}: حال.
يقول الحق جل جلاله: ذلك أي: خبر يوسف وقصته، هو {من أنباء} أخبار {الغيب} التي لم يكن لك بها علم، وإنما عَلِمْتَه بالوحي الذي {نُوحيه إليك} فأخبرتهم به. {وما كنت لديهم} أي: وما حضرت عندهم، {إذ أجمعوا أمرَهم}: حين عزموا أمرهم على أن يجعلوه في غَيَِابَةِ الجب، {وهم يمكرون} به، وبأبيه؛ ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً من الأحبار فتعلمت ذلك منه، فتحققوا أنه وحي من عند الله، ولكن جحدوا؛ {وما أكثرُ الناس ولو حرصْتَ} على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم، {بمؤمنين}؛ لعنادهم وتصميمهم على الكفر، {وما تسألُهم عليه} على تبليغ هذا النبأ، أو القرآن، {من أجرٍ}؛ كما يفعله حملة الأخبار من الأحْبار. {إن هو إلا ذِكْرٌ}: عظة من الله، {للعالمين} من الجن والإنس.
{وكأيّنَ}: كثيراً {من آية في السماوات والأرضِ} الدالة على وجود صانعها وتوحيده، وكمال قدرته وتمام حكمته، {يَمرُّونَ عليها} ويشاهدونها، {وهم عنها مُعْرِضُون}: لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. {وما يؤمن أكثرُهُم بالله} أي: وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزّاق المميت. {إلا وهم مشركون} بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل: نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك: وقيل: في أهل الكتاب. {أفأمنوا أن تأتيهم غاشيةٌ}: عقوبة تغشاهم وتشملهم، {من عذاب الله} المرسل على الأمم المتقدمة، {أو تأتيهم الساعةُ بغتهً}: فجأة، {وهم لا يشعرون} بإتيانها، غير مستعدين لها.
الإشارة: قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}: مثله يقال لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى مقام الخصوصية، وما أكثر الناس ولو حرصت على هدايتهم، بمهتدين إلى مقام الخصوصية؛ لأن أهل الخصوصية أفراد قليلون في كل زمان؛ قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور} [سبأ: 13]. وتقدم في سورة هود ما يتعلق بقوله: {وما تسألهم عليه من أجر}. وقوله تعالى: {وكأيِّن من آية...} إلخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار؛ فإن الحق جل جلاله ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن: فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها؛ تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها.
قال: ولنا في هذا المعنى:
ما أثبتَ لَكَ المعالم إلا ** لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا

فَارْقَ عَنهَا رُقِيَ منْ لَيْس يَرضَى ** حَالةً دُون أن يرى مَولاهَا

. اهـ.
وقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}: لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين.

.تفسير الآية رقم (108):

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}
قلت: {أدعوا}: حال من الياء. و{على بصيرة}: حال ثان، و{أنا ومن اتبعني}: الضمير تأكيد للمستكن في {أدعو}، أو في {على بصيرة}، أو مبتدأ خبره: {على بصيرة}، مقدم.
يقول الحق جل جلاله: {قل} يا محمد: {هذه سبيلي}: طريقي الذي جئتُ به من عند ربي؛ وهي الدعوة إلى التوحيد، والتاهب ليوم المعاد. ثم فسرها بقوله: {أدعو إلى الله}، أول حال كوني داعياً إلى الله، أي: إلى توحيده ومعرفته والأدب معه، {على بصيرة}: حجة واضحة، وبينة من ربي، لا عن تقليد أو عمى. أدعو إلى الله {أنا ومن اتبعني}؛ فمن كان على قدمي فهو يدعو أيضاً إلى الله علي بصيرة وبينة من ربه، {وسبحان الله}: وأنزهه عن الشركاء والأنداد، {وما أنا من المشركين} به شركاً جلياً ولا خفياً، بل مخلصاً موحداً.
الإشارة: لا يصلح العبد أن يكون داعياً إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا هم. والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام؛ وهم الدعاة إلى معرفة أحكام الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح. ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان، من طريق الذوق والوجدان؛ وهم العارفون بالله، أهل النور المخرق، بحيث كل من واجههم خرق النور إلى باطنه. وهذه الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعاً، وأنجح تأثيراً؛ في زمن يسير؛ يهدي الله على أيديهم الجم الغفير.
قال في نوادر الأصول: الداعي إلى الله على بصيرة أي معاينة هو الذي قلبه عند الله، وعلى بصيرة في الطريق، ومحل القلوب في تلك المراتب؛ ناطقاً بالله، عن الله، فلذلك يلج آذان المستمعين، مع الكسوة التي تخرق كل حجاب، وهو نورالله، لأنه خرج من قلب مشحون بالنور، فخرق كل حجاب قد تراكم على قلوب المخلطين، فخلصها إلى نور التوحيد فأنارها؛ بمنزلة جمرة وصلت النفخة إليها، فالتهبت ناراً، فاضاءت البيت. وهذا سبيل الناطق عن الله. ثم قال: وكيف يجوز الدعاء إلى الله لمن ليس عند الله، وهو لله، وإنما قلبه عند نفسه ولنفسه، مشغول بنهمته وشهواته وأحواله، وإنما هذا لمن تفرغ من نفسه، واشتغل بالله. اهـ.

.تفسير الآيات (109- 110):

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)}
قلت: {نوحى}: نعت لرجال، وكذا {من أهل القرى}: نعت ثان، و{حتى}: غاية لمحذوف، أي: وما أرسلنا إلا رجلاً يوحى إليهم فأوذوا مثلك، ودام عليهم، حتى إذا استيأسوا جاءهم نصرنا.
يقول الحق جل جلاله: {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد {إلا رجالاً} بشراً لا ملائكة، وهو رد لقولهم: {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} [فصلت: 14]، وقيل: معناه: نفي استنباء النساء. وصفة أولئك الرجال: {يوحَى إليهم} كما أوحي إليك، فتميزوا بالوحي عن غيرهم، وهم {من أهل القُرى}. وهم المدن والأمصار، والمداشر الكبار؛ لأنهم أحلم وأعلم، بخلاف أهل العمود فإنهم أهل جفاء وجهالة. قال الحسن: (لم يبعث الله نبياً من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن).
قال ابن عطية: والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يُفَرُّ بالدين، لحديث: «يُوشِكُ أن يَكونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِم غَنما يَتْبَعُ بها سَعَفَ الجِبَالِ...» الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع. اهـ.
قلت: والفتنة تتنوع بتنوع المقامات؛ ففتنة أهل الظاهر: تعذر إقامة الشريعة لكثرة الهرج والفتن، وفتنة أهل الباطن: تعذر جمع القلب بالله؛ لكثرة الحس، وتعرض الشواغل والعلائق. فمن وجد ذلك في الحواضر فلينتقل إلى البوادي، إن وجد من يعينه على الدين. والغالب أن الحواضر في هذا الزمان يغلب فيها العوائد والشهوات، وتعتري فيها الشواغل والشواغب، بخلاف البادية. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أذن لسَلَمة: خوف فتنة الظاهر، فأولى خوف فتنة الباطن؛ لأنه إذا فسد القلب فسد الجسد كله.
ثم قال ابن عطية: وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تعرب في الإسلام» وقال: «مَن بَدَا جَفَا» وعن معاذ بن جبل أنه قال: (الشَّيْطَانُ ذِئْبُ الإِنْسَانِ، كذِئبِ الغَنَمِ؛ يَأخُذُ الشَّاةَ القَاصية؛ فإِيَّاكُمْ والشِّعاب، وَعَليكم بالمَسَاجِدِ، والجَمَاعَاتِ، والعَامةَ).
ثم قال: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل العمود، بل بَتَقَرِّ في منازل وربوع، والثاني: إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر الصغار بَدْوٌ بالإضافة إلى الحواضر الكبار. اهـ.
قلت: فالتعرب المنهي عنه هو اعتزال الرجل وحده في جبل أو شِعْبٍ، وإما إن تقرر في جماعة يقيمون الدين، ويجتمعون عليه، فليس بتعرب ولا بدو. ويدل عليه جواب ابن عطية الأول عن يعقوب عليه السلام. والحاصل: أن أهل القلوب بفتشون على مصالح قلوبهم، فأينما وجدوها فهي حاضرتهم. وقد ظهر في البوادي أكابر من الأولياء، ربما لم يظهروا في الحواضر. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى: {أفلم يسيروا} أي: كفار مكة، {في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} من المكذبين لرسلهم: كيف هلكوا وتركوا آثارهم يشاهدونها خراباً دارسة، فيحذروا تكذيبك، ليؤمنوا ويتأهبوا للدار الآخرة؛ {ولَدَار الآخِرَةِ} أي: ولدار الحياة الآخرة {خير للذين اتقوا} الشرك والمعاصي، {أفلا تعقلون}، وتستعملون عقولكم لتعلموا أنها خير.
أو: أفلا يعقلون الذين يسيرون في الأرض ليعلموا أن الدنيا فانية، والدار الآخرة خير؛ لأنها باقية.
فإن أبيتم وكذبتم نبيكم فقد كذب من قبلكم رسلهم، وآذوهم، وتأخر نصرهم، {حتى إذا استيأس الرسل} من النصر، أو من إيمان قومهم؛ لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، {وظنوا} أي: تيقنوا {أنهم قد كذبوا} أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم. أو: ظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم؛ لطول البلاء وتأخر النصر. وأما قراءة {كُذِبُوا}؛ بالتخفيف؛ فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر.. وأنكرت عائشة رضي الله عنها هذه الرواية، وقالت: معاذ الله؛ لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري.
وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف. وسماه ظناً؛ مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: {ولقد همت به وهم بها}. وقال ابن جزي، على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر.
فلما يئسوا {جاءهم نصرنا فنُجَّي من نشاء} نجاته: وهو: النبي والمؤمنون. وإنما لم يعينهم؛ للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم، {ولا يُردُّ بأسُنا عن القوم المجرمين} إذا نزل بهم. وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين.
الإشارة: قد وجد كثير من الأولياء بالمدن والحواضر، وكثير منهم في القرى والمداشر. وفضل الله يؤتيه من يشاء، لا يختص بمكان ولا زمان، غير أن جلهم جمعوا بين علم المدن وتفرغ البوادي، يعني: جمعوا بين شريعة المدن وحقيقة البوادي؛ لأن أهل المدن شريعتهم قوية، وحقيقتهم ضعيفة. والبوادي بالعكس؛ لكثرة العلائق في المدن وخفتها في البوادي، والحقيقة تحتاج إلى تفرغ كبير وتفكر كثير، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {وظنوا أنهم قد كذبوا} بالتخفيف، معناه: أنهم لم يقفوا مع ظاهر الوعد؛ لسعة علمهم؛ لأن ذلك الوعد قد يكون في علم الغيب متوقفاً على شروط خفية لا يعلمها ذلك النبي أو الولي، ليتحقق انفراده تعالى بالعلم الحقيقي، والقهرية الغالبة. فلذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم.
وقال الورتجبي: إنهم استغرقوا في قلْزُوم الأزلية، وغابوا تحت بحار الديمومية، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق. فلما لم يروه ناداهم لسان غيْره قهر القدم: أين أنتم؟ غبتم عنه وعن الحقيقة، فتطُلع أنوار الحقيقة عليهم، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر.
وهذا دأب الحق مع الأنبياء والأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه، بل يفنوا به عن كل ماله إليهم. اهـ.
قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبةً في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيباً لوعده، بل ذلك احوالٌ غالبة آخذة عن الصفة، غيبةً في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية؛ فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائباً عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدَم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم.
وقد قال في الحِكم: (لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه). يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط؛ كما في قضية الجرْو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت؛ لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. اهـ.
والحاصل: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد؛ خوفاً أن يكون متوقفاً على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتاً فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليهم: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال: «إنما تَخلَّفْنَا عن الوقت؛ لأَنَّ الملائكة لا تَدخلُ بَيْتاً فيه كَلْبٌ» كما في الصحيح.

.تفسير الآية رقم (111):

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}
يقول الحق جل جلاله: {لقد كان في قصصهم} أي: في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته، {عبرةٌ لأولي الألباب}: لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة، ومن الركون إلى الحس؛ لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص. {ما كان حديثاً يُفترى} أي: ما كان القرآن حديثاً مُفترىً، {ولكن} كان {تصديقَ الذي بين يديه} من الكتب الإلهية، {وتفصيلَ كل شيء} يحتاج إليه في الدارين؛ إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط، أو بغير وسط. {وهُدى} من الضلال، {ورحمةً} ينال بها خير الدارين، {لقوم يؤمنون}: يصدقون به، ويتدبرون في معانيه.
الإشارة: تفكر الاعتبار يشد عُروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عُروة الإحسان. قال في الحِكَم: (الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى: لأهل التفكر والاعتبار، والثانية: لأهل الشهود والاستبصار). ومرجع الاعتبار إلى خمسة أمور:
الأول: التفكر في سرعة انصرام الدنيا وانقراضها، وذهاب أهلها. قرناً فقرنا، وجيلاً فجيلاً. فيوجب ذلك الزهد في الدنيا، والإعْراض عن زخرفها الغرارة، والتأهب للدار الباقية.
الثاني: التفكر في الدار الباقية، ودوام نعيمها، أو عذابها. وذلك مرتب على السَّعْي في هذه الدار، فيوجب ذلك انتهاز الفرصة في الأعمال، واغتنام الأوقات والساعات قبل الفوات.
الثالث: التفكر في النعم التي أنعم الحق تعالى بها على الإنسان؛ إما ظاهرة؛ كالعافية في البده، والزرق الحلال، وما يتبع ذلك مما لا يحصى؛ قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]. وإما باطنة: كنعمة الإسلام والإيمان، وصحيح العرفان، والاستقامة في الدين، ولاسيما إن رزقه الله من يأخذ بيده من شيخ عارف. فهذه نعمة عظمى قَلَّ من يسقط عليها. فيوجب له ذلك الشكر الذي هو أعلى المقامات، ومتكفِّل بالزيادات، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].. ولا يعرف العبد ما عليه من النعم إلا بالتفكر في أضدادها، والنظر إلى أهل البلاء.
الرابع: التفكر في عيوبه ومساوئه، لعله يسعى في تطهيرها، أو يشتغل بها عن عيوب غيره.
الخامس: التفكر فيما أظهر الله تعالى من أنواع المكونات، وضروب المصنوعات؛ فيعرف بذلك جلالة الصانع، وعظيم قدرته، وإحاطة علمه، وحكمته. فإن اتصل بشيخ عارف غيَّبه عنها بشهود مكونها.
وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.