فصل: تفسير الآيات (49- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (49- 50):

{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)}
يقول الحق جل جلاله: {نبِّئْ}: أخبر، {عبادي أني أنا الغفور الرحيم} لمن آمن بي، وصدق رسلي، {وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليم} لمن كفر بي، وجحد رسلي، أو بعضهم. قال البيضاوي: هي فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد، وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين متقى الذنوب بأسرها، كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب أي: لم يقل وأنا المعذب المؤلم ترجيح الوعد. اهـ.
وذكر ابن عطية ان سبب نزولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه، عند باب بني شَيْبَةَ في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم، ثم ولى، فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتُقَنِّط عبادي؟ وتلى عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم. اهـ. ثم قال: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها؛ إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة، فأكّد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. اهـ.
قيل: وهذه الآية أبلغ ما في القرآن في إثارة الخوف والرجاء من الآي التي لا تشبهها في الإجمال؛ لما فيها من التصريح، ثم الرجاء فيها أغلب؛ لأجل التقديم، مع ذكره في آية الرجاء، لصفاته العلية وأسمائه الحسنى، وذلك يؤذن بالتهمم به وترجيحه، وهو مذهب الصوفية في حال الحياة والممات.
الإشارة: الخوف والرجاء يتعاقبان على الإنسان، فتاره يغلب عليه الخوف، وتارة يغلب عليه الرجاء. هذا قبل الوصول، وأما بعد الوصول فالغالب عليهم الاعتدال، قال في التنبيه: أما العارفون الموحدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة، ناظرون إلى ربهم، فانون عن أنفسهم، فإذا وقعوا في ذلة، أو أصابتهم غفلة، شهدوا تصريف الحق تعالى لهم، وجريان قضائه عليهم. كما أنهم إذا صدرت منهم طاعة، أو لاح منهم لائح من يقظة، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم، ولم يروا فيها حولهم ولا قوتهم؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربهم، فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره. وقلوبهم ساكنة بما لاح لهم من أنواره، ولا فرق عندهم بين الحالين؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد، قد استوى خوفهم ورجاؤهم، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان، ولا يزيد في رجائهم ما يأتون من الإحسان. اهـ. قلت: بل طرق الرجاء عندهم أرجح كما تقدم؛ لأن الرجاء ناشئ عن غلبة المحبة، وهي غالبة. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (51- 60):

{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)}
قلت: {سلاماً}: مفعول بمحذوف، أي: سلمنا سلاماً، أو نسلم عليكم سلاماً. والضيف يطلق على الواحد والجماعة، والمراد هنا: جماعة من الملائكة، و{تُبشرون}: قرئ بشد النون؛ بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وبالتخفيف؛ بحذف إحدى النونين، وبالفتح على أنها نون الرفع. و{يقنط}: بالفتح والكسر، يقال: قنط كضرِب وعلم.
يقول الحق جل جلاله: {ونَبَّئهم} أي: وأخبر عبادي {عن ضيف إبراهيمَ} حين بشروه بالولد، وأعلموه بعذاب قوم لوط، لعلهم يعتبرون فيرجون رحمته ويخافون عذابه. أو: ونبئهم أن من اعتمد منهم على كفره وغوايته، فالعذاب لاحق به في الدنيا، كحال قوم لوط. ثم ذكر قصتهم من أولها فقال: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم}، وذلك حين {دخلوا عليه}، وهم أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، {فقالوا سلاماً} أي: نُسلم عليكم سلاماً، قال: سلام، ثم أتاهم بعجل حنيذ، فلما قربه إليهم، قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال إبراهيم: إن له ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا ان يتخذه ربه خليلاً، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق آخر: أن جبريل مسح بجناحه العجْل، فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار. اهـ. هكذ ذكر القصة المحشي الفاسي عن ابن حجر.
فلما أحس إبراهيم عليه السلام بالخوف منهم {قال إنكم منكم وَجِلُون}: خائفون؛ إما لامتناعهم من أكل طعامه، أو لأنهم دخلوا بغير إذن، أو في غير وقت الدخول. والوجل: اضطراب النفس لتوقع مكروه. {قالوا لا تَوْجَلْ}: لا تخف، ثم عللوا نهيه عن الخوف فقالوا: {إنا نبشِّرك بغلام} وهو إسحاق، لقوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 71]، {عليمٍ} إذا بلغ أوان العلم. {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر} أي: أبشرتموني بالولد مع أني قد كبر سني، وكان حينئذٍ من مائة سنة وأكثر، {فبِمَ تُبَشِّرونِ}؟ أي: فبأي أعجوبة تبشرون؟ أو فبأي شيء تبشرون؟ فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء. قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كِبَرهِ.
{قالوا بشرناك بالحق}: باليقين الثابت الذي لا محالة في وقوعه، فلا تستبعده، ولا تشك فيه، {فلا تكن من القانطين}: من الآيسين، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقرٍ. وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة، دون القدرة؛ ولذلك {قال ومن يَقْنَطُ من رحمة ربه} أي: لا ييأس من رحمة ربه {إلا الضالون}: أي: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى، وكمال قدرته، قال القشيري: أي: من الذي يقنط من رحمة الله إلا من كان ضالاً، فكيف أخطأ ظنكم بي، فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟ اهـ.
وفيه دليل على تحريم القنوط؛ قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} [يوسف: 87].
{قال فما خَطْبُكم أيها المرسلون} أي: ما شانكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة؟ ولعله علم ان كمال المقصود ليس هو البشارة فقط، لأنهم كانوا عدداً، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم. أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال؛ لأزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدروه بها. ثم أجابوه: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين}؛ يعني: قوم لوط؛ لأن شأنهم الإجرام بفعل الفاحشة، {إلا آل لوطٍ} أي: لكن آل لوط لم نُرْسَل إلى عذابهم؛ إذ ليسوا مجرمين: أو أرسلنا إلى قوم أجرموا كلهم، إلا آل لوط، لنهلك المجرمين وننجي آل لوط، ويدل عليه قوله: {إنا لمنجُّوهم أجمعين} من العذاب الذي يهلك به قوم لوط.
قال ابن جزي: قوله: {إلا آل لوط}: يحتمل أن يكون استثناء من قومه، فيكون منقطعاً؛ لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين. ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في {مجرمين}؛ فيكون متصلاً، كأنه قال: إلى قوم أجرموا كلهم آل لوط فلم يجرموا، قوله: {إلا امرأته}؛ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. قيل: وفيه دليل على أن الأزواج من الآل؛ لأنه استثنى امرأته من آله. وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله: {إنا لمنجوهم}، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى. اهـ. أي: إنا لمنجوهم من العذاب {إلا امرأته قدَّرنا إنها لمن الغابرين}؛ الباقين في العذاب مع الكفرة؛ لتهلك معهم، وقرأ أبو بكر عن عاصم: {قدرنا} بالتخفيف، وهما لغتان، يقال: قدّر الله وكذا وقدره، قال البيضاوي: وإنما علق، والتعليق من خواص أفعال القلوب؛ لتضمنه معنى العلم، ويجوز أن يكون {قدرنا}: أجرى مجرى قلنا؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله: جعل الشيء على مقدار غيره، وإسناد التقدير إلى إنفسهم، وهو فعل الله تعالى؛ لما لهم من القرب والاختصاص. اهـ.
قلت: وفيه إشارة إلى حذف الوسائط، كما هو توحيد المحققين. والله تعالى أعلم.
الإشارة: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، فالوجل والخوف والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة، كل ذلك من وصف البشر، يقع من الخصوص وغيرهم، لكن فرق بين خاطر وساكن، فالخصوص تهجم عليهم ولا تثبت، بخلاف العموم.
ويؤخذ من الآية: أن صحبة الخصوص لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم، فإنَّ امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حساً، ومصاحبة له، ولم ينفعها ذلك، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم. وكذلك صحبة الأولياء: لا تنفع إلا مع صدق والتعظيم. وقول ابن عطاء الله: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه. ولم يوصل إليهم إلا من اراد أن يوصله إليه: مقيد بوصول التعظيم والاعتقاد، والاستماع والاتباع. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (61- 77):

{فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77)}
قلت: {وقضينا إليه ذلك الأمر}، القضاء هنا بمعنى القدر السابق، وضمَّنه معنى أوحينا، فعداه بإلى. و{أنَّ دابر}: بدل من الأمر، وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له، و{مُصبحِين}: حال من {هؤلاء}، أو من ضمير مقطوع، وجمعه؛ للحمل على المعنى؛ لأن دابر بمعنى دوابر، أي: قطعنا دوابرهم حال كونهم داخلين في وقت الصباح. و{لعمركَ}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، قال ابن عزيز: عَمْرٌ وعُمْرٌ واحد، ولا يقال في القسم إلا مفتوحاً، وإنما فتح في القسم فقط؛ لكثرة الاستعمال.
يقول الحق جل جلاله: {فلما جاء آلَ لوطٍ المرسلين}، وهم أضياف إبراهيم، فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم، {قال إنكم قومٌ منكرون} لا نعرفهم. أو تنكركم نفسي؛ مخافة أن تطرقوني بشيء، {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرك، وهو: قطع الفاحشة من بلدك، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم، فكانوا يمترون فيه ويشكون في إتيانه، {وأتيناك بالحق}؛ باليقين الثابت، وهو إتيان العذاب لا محالة، {وإنَّا لصادقون} فيما أخبرناك به.
{فأسرِ بأهلك}: فاذهب بهم {بقطْعٍ من الليل} أي: فاخرح بهم في طائفة من الليل، قيل: آخره، {واتَّبع أدبارَهم} أي: كن خلفهم في ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، أو: أمره بالتأخر عنهم؛ ليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه؛ لخوفه عليهم، أي: ليسرع بهم، ويطلع على أحوالهم. {ولا يلتفت منكم أحدٌ} خلفه، لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو: ولا ينصرف أحد منكم، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل: نهوا عن الالتفاف ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. {وامضوا حيث تُؤمرون} أي: إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، وقال بعضهم: «ما من نبي هلك إلا لحق بمكة، وجاور بها حتى مات».
{وقضينا}: أوحينا {إليه ذلك الأمر}، وهو هلاك قومه، ذكره مبهماً ثمَّ فسره بقوله: {أنَّ دابر هؤلاء مقطوع} وهو كناية عن استئصالهم، والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، حال كونهم وقت العذاب {مُصْبِحين}: داخلين في الصباح.
{وجاء أهلُ المدينة}، وهي سدوم، {يستبشرون} بأضياف لوط؛ طمعاً فيهم في فعل الفاحشة، والظاهر: أن هذا المجيء إليه، وما جرى له معهم من المحاورة، كان قبل الإعلام بهلاكهم، كما تقدم في هود. وانظر ابن عطية: فلما جاؤوه يراودونه عن ضيفه {قال إنَّ هؤلاء ضيفي فلا تَفْضَحُون}؛ بهتك حرمة ضيفي، فإنَّ من فُضح ضيفه فقد فُضح هو، ومن أًسِيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، {واتقوا الله} في ركوب الفاحشة، {ولا تُخزُون}: ولا تهينوني بإهانتهم. والخزي هو الهوان، أو: ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهو الحياء.
{قالوا أو لم ننْهكَ عن العالمين}؛ عن أن تجير منهم أحداً، أو تحول بيننا وبينهم، وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط عليه السلام يمنعهم ويزجرهم عنه بقدر وسعه. وذكر السدي: إنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء، ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق. اهـ. أو: أَوْ لم ننهك عن ضيافة العالمين وإنزالهم؟ {قال هؤلاء بناتي} تُزَوِّجُوهُنَّ إياكم، وقد كان يمنعهم قبل ذلك لكفرهم، فأراد أن يقي أضيافه بهن. ولعله لم يكن حراماً في شريعته، أو يريد بالبنات نساء القوم؛ فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، {إن كنتم فاعلين} قضاء الوطر، أو: ما أقول لكم من التزويج، فابوا، ولجوا في عملهم.
قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَعَمْرُكَ}: لحياتك يا محمد، أقسم بحياته عليه الصلاة والسلام لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال: {لَعَمْرُكَ إنهم لَفِي سَكْرتهم يَعمهون} قال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نخلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم: ينعقد به يمينه، وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكون النبي صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذا إذ استدل من جوّز الحلف به عليه الصلاة والسلام، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى الله عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له: احلف لي بما حوى هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.
قلت: ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله، وصفاته، وأسمائه. وقيل: إن قوله تعالى: {لعمركَ}: هو من قول الملائكة للوط، أو لحياتك يا لوط، {إنهم لَفَي سَكْرتهم يَعمهون} أي: لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب، يتحيرون. والغلمة: شهوة الوقاع. والعمه: الحيرة، أي: إنهم لفي عماهم يتحيرون، فكيف يسمعون نصح من نصحهم؟ والضمائر لقوم لوط، وقيل: لقريش، والجملة: اعتراض.
قال تعالى: {فأخذتهم الصيحةُ}، يعني: صيحة هائلة مهلكة. قال ابن عطية: هذه الصيحة صيحة الرجعة، وليست كصيحة ثمود. اهـ. وقيل: صاح بهم جبريل فأهلكتهم الصيحة، {مُشْرِقينَ}: داخلين في وقت شروق الشمس؛ فاتبدئ هلاكهم بعد الفجر مصبحين، واستوفى هلاكهم مشرقين. {فجعلنا عاليَها} أي: عالي المدينة، أو قراها، {سافِلَها}، فصارت منقلبة بهم.
رُوي أن جبريل عليه السلام اقتلعَ المدينة بجناحيه ورفعها، حتى سمعت الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها وأرسل الكل فمن كان داخل المدينة أو القرى مات، ومن كان خارجاً عنها أرسلت عليه الحجارة، كما قال تعالى: {وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل}: من طين متحجر مطبوخ بالنار.
وقد تقدم في سورة هود مزيد بيان لهذا. {إنَّ في ذلك لآيات للمتوسِّمِين}: المتفكرين المعتبرين المتفرسين في الأمور، الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته، {وإنَّها} أي: المدينة أو القرى، {لَبِسبِيلٍ مُقيم}: لفي طريق ثابت يسلكه الناس، ويمرون به، ويرون آثارها. {إنَّ في ذلك لآيةٌ}: لعبرة {للمؤمنين} بالله ورسله؛ فإنهم هم المهتدون للتفكر والاعتبار، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار، كحال الكفار والفجار. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ما بعث الله داعياً يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه بعد الإيمان، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها، وعدم الخروج عنها، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. وكذلك في طريق الخصوصية: ما بعث الله ولياً مربياً إلا وكان أول ما يأمر: بخرق العوايد؛ لاكتساب الفوائد، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي الحكم: (كيف تخرق لك العوائد، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد). فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها، فلابد من الزهد فيها والخروج عنها، وكذلك سائر العوائد النفسانية، والحظوظ الجسمانية، فمن جاور قوماً منهمكين فيها، ولم يجد من يساعده على خرقها، فليهاجر منها، ويقال له: فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى، ولميض حيث يجد من ينهض معه إلى الله في نقل عوائدها وعوائقها.
وقوله تعالى: {وجاء أهل المدينة يستبشرون}: هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}. وبالله التوفيق.