فصل: تفسير الآيات (45- 47):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (45- 47):

{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)}
قلت: {مكروا السيئات}: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوّف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئًا فشيئًا. رُوي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدَاً ** كَمَا تَخوَّفَ عُودَ النَّبَْعةِ السفَنُ

فقال عمر: عليكم بديوانكم؛ لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. اهـ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفأمِنَ الذين مَكروا} المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا ردّ دينه، وصدوا الناس عن طريقه، {أن يَخْسِفَ اللهُ بهم الأرض} كما خسف بقارون، {أو يأتيهُم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، {أو يَأخذهم في تقلبهم}؛ في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، {فما هم بمعجزين}؛ بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، {أو يأخذهم على تَخوُّفٍ}: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئًا فشيئًا، حتى يهلكوا جميعًا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قومًا قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: {وهم لا يشعرون}، وقوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يُخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارًا.

.تفسير الآيات (48- 50):

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)}
قلت: الاستفهام للإنكار، و{من شيء}: بيان ل {ما}. والضمير في {ظلاله} يعود على {ما}، أو على {شيء}. و{سُجَّدًا}: حال من الظلال، وكذا جملة: {وهم داخرون}، وجمعه بالواو؛ لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري: هما حالان من الضمير في {ظلاله}؛ إذ هو بمعنى الجمع؛ لأنه يعود على قوله: {من شيء}، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام. و{من دابة}: يحتمل أن يكون بيانًا ل {ما في السماوات وما في الأرض} معًا؛ لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانًا ل {ما في الأرض} خاصة، فعلى الأولى: يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام؛ تشريفًا لهم، وعلى الثاني: من عطف المباين.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَلَمْ يرَوا} أي: أهل المكر والخدع بالرسل والمؤمنين، {إلى ما خلق الله من شيء}؛ من الأجرام والأشكال؛ كالجبال والأشجار والبحار؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا سطوته وبطشه، حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام {يتفيّؤا} أي: يميل {ظلالُه عن اليمين والشمائل} أي: يرجع الظل من جانب إلى حانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس. والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رُؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيءٌ، ولا يقال قبله إلا ظل. ففي لفظ يتفيأ، هنا، تجوز.
وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال؛ وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئًا؛ لأنه لا مُذهِبَ له، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. اهـ. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز؛ فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. اهـ.
حال كون تلك الأجرام، أو الظلال {سُجَّدًا لله}، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سَجد كل شيء قبلَ القبلة، من نباتٍ أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد: إنما تسجد الظلال، لا الأشخاص. وقيل: هو عبارة عن الخضوع والطاعة، وميلان الظلال ودورانها بالسجود، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض، على جهة الخضوع: ساجدًا، ثم استشهد لذلك. اهـ.
قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والمتَّجَهُ: أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد، لا حقيقة؛ لأنه لا يقال فيه، كذلك: أو لم يروا، وإنما يُرَى الانقياد. وخص الظل؛ لأنه مشهود ذلك فيه، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده، لم يستطع، بخلاف الأفعال الاختيارية، فإن الجبر فيها غير محسوس، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. اهـ.
قال البيضاوي: المراد من السجود: الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير، إذا طأطأ رأسه ليركب. أو {سُجّدًا}: حال من الظلال {وهم داخرون}: حال من الضمير، والمعنى: ترجع الظلال، بارتفاع الشمس وانحدارها، بتقدير الله تعالى، من جانب إلى جانب، منقادة إلى ما قُدِّر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض، ملتصقة بها، على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضًا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله. اهـ.
{ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض} أي: ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته؛ طبعًا، ولتكليفه وأمره؛ طوعًا؛ ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله: {من دابة}: بيان لهما؛ لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، {والملائكةُ}؛ عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت: وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة: أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل؛ لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبَّر الحق تعالى ب (ما)؛ ليشمل العقلاء وغيرهم.
ثم قال تعالى في وصف الملائكة: {وهم لا يستكبرون} عن عبادته، {يخافون ربهم من فوقهم}؛ هو تقرير وبيان؛ لنفي الاستكبار عنهم، أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم؛ إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة أو: يخافون عذاب ربهم أن يُرْسَل عليهم من فوقهم، أو: يخافون ربهم وهو من فوقهم بالقهر والغلبة. والجملة: حال من الضمير في {يستكبرون}، أو بيان له وتقرير؛ لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته، {ويفعلون ما يُؤمرون} من الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي.
الإشارة: كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلابد من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها؛ فاستحقوا البُعد من حضرة الحق؛ إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (51- 55):

{وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)}
قلت: {إلهين اثنين}، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية؛ تنبيهًا على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: {إنما هو إله واحد}؛ إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية- أعني: الإلهية- ومعنى العدد- أعني: الإثنينية- وكذا لفظ {الله} حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله؛ لا إثبات جنسه، فَوَصَفَ الإلهين باثنين وإله بواحد؛ إيضاحًا لهذا الغرض وتفسيرًا له. اهـ. ويحتمل أن يكون {اثنين} مفعولاً أولاً، و{إلهين} مفعولاً ثانيًا.
وقوله: {فإياي}: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه (ارهبون)؛ لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و{واصبًا}: حال من {الدين}. و{ما بكم}: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط؛ باعتبار الإخبار دون الحصول؛ فإن استقرار النعمة بهم يكون سببًا للإخبار بأنها من الله، لا سببًا لحصولها منه؛ لأن جواب الشرط يكون مسببًا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببًا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في {ليكفروا}: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعدُ: {فتمتعوا} فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها؛ لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين}، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، {إنما هو إله واحد} لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، {فإياي فارهبون}، عَدَلَ من الغيبة إلى التكلم؛ مبالغةً في الترهيب، وتصريحًا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، {وله ما في السماوات والأرض}؛ خلقًا وملكًا وعبيدًا، {وله الدين} أي: الطاعة والانقياد {واصباً}: لازماً، أو: واجباً وثابتاً؛ لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهَبَ منه فلا يُدَان لأحد إلا هو. وقيل: {وله الدِّينُ} أي: الجزاء {واصِبًا} أي: دائمًا، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. {أفغير الله تتقون} مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟!
كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} أيْ: وأيّ شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، {ثم إذا مسكم الضرُّ فإليه تجأرون} أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريقٌ منكم بربهم يشركون} وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك؛ {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدًا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: {فتمتعوا} بكفركم {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم.
الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله؛ لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. اهـ. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه؛ إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه.
فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (56- 60):

{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)}
قلت: الضمير في {يجعلون} للكفار، وفي {يعملون} لهم، أو للأصنام. و{لهم ما يشتهون}: يجوز أن يكون {ما يشتهون} مبتدأ، وخبره: {لهم}، وأن يكون مفعولاً بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفًا على البنات، وهذا منعه البصريون؛ لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويجعلون} أي: كفار العرب {لما لا يعلمون} إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لِمَا لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، {نصيبًا مما رزقناهم} من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، {تالله لتُسألُنَّ}؛ سؤال توبيخ وعتاب {عما كنتم تفترون} من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أَمَرَكم بذلك.
{ويجعلون لله البنات}؛ من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. {سبحانه}؛ تنزيهًا له عن ذلك، {ولهم ما يشتهون} أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها- وهو منزه عن الولد-، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. {وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالأنثى} أي: أُخبر بولادتها عنده، {ظلّ} أي صار {وجههُ مُسودًّا}: متغيرًا تغير مغتم؛ من الكآبة والحياء من الناس، {وهو كظيم}: ممتلئ غيظًا، {يتوارى}؛ يختفي {من القوم} أي: من قومه؛ حياء منهم، {من سوء ما بُشِّرَ به}؛ من قُبِح المبشر به، متفكرًا في نفسه، {أيُمسكُه على هُونٍ} أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، {أم يَدُسه في التراب} أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير؛ للفظ ما، {ألاَ ساءَ}: بئس {ما يحكمُون} حكمهم هذا؛ حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل.
{للذين لا يؤمنون بالآخرة مَثَلُ السَّوْءِ} أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور؛ استظهارًا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، {ولله المثَلُ الأعلى} أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويتَرجم عن هذا كله بقول: لا إله إلا الله. اهـ. {وهو العزيز} في ملكه، {الحكيم} في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مُظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدًا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبًا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد؛ إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: {وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى...} الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن؛ لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابًا من الذكور، وفي الحديث: «مَنِ ابْتُلِيَ بهذه البَنَاتِ، فأحْسَنَ إليْهِنَّ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّار» إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة تُرغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم.