فصل: تفسير الآيات (48- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (48- 50):

{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقانَ وضياءً وذِكْرًا للمتقين}، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذِكْرًا، أي: شرفًا، أو وعظًا وتذكيرًا. وتوكيده بالقسم؛ لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيًا ساطعًا وكتابًا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل، وضياء يُستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا ينتفع به الناس، أو شرفًا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم المستضيئُون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً} [آل عِمرَان: 39]، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح.
ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: {الذين يخشَون ربهم}، حال كونهم {بالغيب} أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غيرُ مشاهَدٍ لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يُشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، {وهُمْ من الساعة مشفقون} أي: خائفون معتنون بالتأهي لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق؛ للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم.
{وهذا} أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا؛ إيذانًا بغاية وضوح أمره، {ذِكْرٌ} يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة؛ لموافقته له في الإنزال، ولما مرّ في صدر السورة من قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ} [الأنبيَاء: 2] إلخ، {مباركٌ}؛ كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصْفُه بالبركة هو إخبارٌ عن ثباته، من قولهم: بَرَكَ البعيرُ، وبَرَكَ الطائرُ على الماءِ، أي: داومَ. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفِه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. اهـ. {أنزلناه} على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب {أفأنتم له منكرون}؛ استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى: أبَعْدَ أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون؛ لكونه منزلاً من عندنا؛ فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلاً. وبالله التوفيق.
الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى: {تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] ٍ، وقال: {وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} [النِّساء: 174]، وقال هنا: {وهذا ذكر مبارك}، فزاده البركة؛ لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصًا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراقُ السريرة في أول الحضور، باستشعار الوَجَلِ من جريان سوء الأدب، والحذَرُ من أنْ يبدوَ من الغيبِ بَغَتَات التقدير، مما يوجِبُ حجبة العبد. اهـ.

.تفسير الآيات (51- 56):

{وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)}
قلت: {إذ قال}: ظرف لآتينا، أو لرُشْدَه.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا إِبراهيم رُشدَه} أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كُبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، {من قبلُ} أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، {وكُنا به عَالمين} أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برُشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. {إذ قال لأبيه وقومه} أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: {ما هذه التماثيلُ} أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم؛ تحقيرًا لها، مع علمه بتعظيمهم لها؛ توبيخًا لهم على إجلالها مع كونها خشبًا وأحجارًا لا تضر ولا تنفع، {التي أنتم لها عاكفون} أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم} الذين سنُّوا لكم هذه السُّنَّة الباطلة، {في ضلال مبين}: ظاهر بيِّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر؛ لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحَقِّية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد.
{قالوا أجئتنا بالحق} أي: بالجد، {أم أنت من اللاعبين}، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجادٌ أنتَ، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك؛ استعظامًا منهم لإنكاره، واستبعادًا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبًا من تضليله إياهم.
ثم أضرب عنهم؛ مخبرًا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: {بل ربُّكم ربُّ السماواتِ والأرض الذي فطرهنَّ}، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم؛ من اعتقاد كونها أربابًا لهم، كما يُفصح عنه قولهم: {نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشُّعَرَاء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفَه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن؛ تحقيقًا للحق، وتنبيهًا على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثالٍ يُحتَذِيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم؛ لِمَا فيه من التصريح المُغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: {وأنا على ذلكم} الذي ذكرتُ: من كون ربكم رَبَّ السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنًا ما كان، {من الشاهدين} أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: مَنْ تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأُبرهن عليه، والله تعالى أعلم.
الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدًا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن يُنكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجادٌّ أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يُفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين.

.تفسير الآيات (57- 67):

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)}
قلت: {مَن فَعَلَ}: استفهام، وقيل: موصولة، و{إنه}: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و{يذْكُرهم}: إما مفعول ثان لسمع؛ لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و{يُقال}: صفة أخرى لفتى. و{إبراهيم}: نائب فاعل يُقال.
يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا عن خليله عليه السلام: {وتالله لأكيدنّ أصنامكم} أي: لأمكرنّ بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد {بعد أن تُولُّوا مُدبرين}؛ بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرًا، ولم يسمعه إلا رجلٌ فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمعٌ وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أَشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم- وقد بقي ضعفاء الناس-: {تالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُولُّوا مدبرين} فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاماً كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: {ألا تأكلون}؟ استهزاءً بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون {فَرَاغَ}؛ مال {عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} [الصَّافات: 93].
{فجعلهم جُذاذًا} أي: قطعًا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخِفاف، والضم؛ كحطيم وحُطام. رُوي أنها كانت سبعين صنمًا مصطفة. وثَمَّ صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يُبق إلا الكبير، علّق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: {إِلا كبيرًا لهم} أي: للأصنام {لعلهم إِليه} أي: إلى إبراهيم عليه السلام {يرجعون}؛ فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه؛ إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر؛ لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم.
فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صُنِع بآلهتهم، {قالوا مَن فعلَ هذا بآلهتنا}، على طريق الإنكار والتوبيخ، {إِنه لَمِنَ الظالمين} أي: لشديد الظلم؛ لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لَمِنَ الظالمين حيث عَرَّض نفسه للهلكة، {قالوا} أي: بعضٌ منهم، وهو من سمع مقالته: {سمعنا فتى يذكرهم} أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، {يُقال له إِبراهيم} أي: يقال له هذا الاسم. {قالوا} أي: السائلون: {فأْتُوا به على أعين الناس} أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصبَ أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، {لعلهم يشهدون} عليه بما سُمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يَحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه {قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إِبراهيم}؟ واختصر إحضاره؛ للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان {قال} إبراهيم عليه السلام: {بل فعله كبيرُهُم هذا}، غار أن يُعبدوا معه، مشيرًا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على {بل فعله} أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يُخبركم فسلوه... إلخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و{هذا}: بدل، أو وصف، ونسبَ الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي؛ تبكيتًا لهم، وإلزامًا للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح عَلِموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابًا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أُميّ، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أُميّ لا يُحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه.
قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أَذِنَ الله تعالى له في ذلك كما أَذِنَ ليوسف حين نادى على إخوته: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يُوسُف: 70]، ولم يكونوا سارقين؛ لِمَا في ذلك من المصلحة؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا عَلِمُوا أن كبيرهم لم يفعل شيئًا، وأنه عاجز عن النطق، فضلاً عن الفعل، فلا يجوز أن يُعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. اهـ.
وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم؛ لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يُعظَّم أكثر منها، ويُعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد؛ إذ لو كان كذلك لكسره أولاً، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبًا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي.
ثم قال لهم: {فاسْألوهم} عن حالهم، {إِن كانوا ينطقون} فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، {فَرَجعوا إِلى أنفسهم} أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أنَّ ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودًا؟ {فقالوا} أي: قال بعضهم لبعض: {إِنكم أنتم الظالمون} على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع؛ لأنَّ من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها؛ لا من ظلمتموه بقولكم: {إنه لمن الظالمين}. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، {ثم نُكِسُوا على رؤوسهم}، وردّوا إلى أسفل سافلين، أُجري الحقُّ على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شَبَّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: {لقد علمتَ} يا إبراهيم {ما هؤلاء ينطقون}، فكيف تأمرنا بسؤالها؟
{قال}؛ مبكتًا لهم وتوبيخًا: {أفتعبدون من دون الله} أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى {ما لا ينفعكم شيئًا} من النفع، {ولا يضُركُم} إن لم تعبدوه، فإنَّ العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يُوجب اجتناب عبادته، {أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله}، أُفّ: اسم صوت تدل على التضجر، تَضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفَّف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، {أفلا تعقلون} أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلهًا.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميًا حنيفيًا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقًا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوتَ السماواتِ والأرض، ويكون من الموقنين.، وأمُّ الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وُجودُكَ ذَنْبٌ لاَ يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ

فإن غبتَ عنه، وكسرته، غابت عنك جميعُ العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ ** وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ

فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ ** وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتَامُهُ

فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ وَطَنَّبَتْ ** عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ

وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ ** شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ

إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا ** وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غَرامُهُ

فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يَرجعون} أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإنَّ هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم.