فصل: تفسير الآيات (4- 9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (4- 9):

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)}
يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين كفروا} أي: تمردوا في الكفر والطغيان. قيل: هم النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ضاهاهم.
وقيل: النضر فقط، والجمع؛ لمشايعة الباقين له في ذلك. قالوا: {إنْ هذا}؛ ما هذا القرآن {إلا إفكٌ}؛ كذب مصروف عن وجهه {افتراه}؛ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه، {وأعانة عليه} أي: على اختلاقه {قومٌ آخرون}، يعنون: اليهود، بأن يلقوا إليه أخبار الأمم الدارسة، وهو يعبر عنها بعبارته. وقيل: هم عدَّاس، ويسار، وأبو فكيهة الرومي، كان لهم علم التوراة والإنجيل. ويحتمل: وأعانه على إظهاره وإشاعته قوم آخرون، ممن أسلم معه صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {فقد جاؤوا}، وأتوا {ظُلماً} أو: بظلم، فقد تستعمل (جاء) بمعنى فعل، فتتعدى تعديته، أو بحرف الجر، والتنوين للتفخيم، أي: جاؤوا ظلماً هائلاً عظيماً؛ حيث جعلوا الحق البيِّن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إفكاً مفترى من قول البشر، وجعلوا العربي الفصيح يتلقى من العجمي الرومي، وهو من جهة نظمه الفائق وطرازه الرائق؛ لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن مثل آية من آياته. ومن جهة اشتماله على الحكم العجيبة، المستتْبعة للسعادات الدينية والدنيوية، والأمور الغيبية، بحيث لا يناله عقول البشر، ولا تفي بفهمه الفهوم، ولو استعملوا غاية القوى والقدر. {و} أتوا أيضاً {زُوراً} أي: كذباً كثيراً، لا يُبْلَغُ غايتُه؛ حيث نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم ما هو بريء منه.
{وقالوا أساطيرُ الأولين} أي: هو أحاديث المتقدمين، وما سطروه من خرافاتهم؛ كرُستم وغيره. جمع أسطار، أو أسطورة، {اكتتبها}؛ كتبها لنفسه، أو: استكتبتها فكُتبت له، {فهي تُملى عليه} أي: تُلقى عليه من كتابه {بكرةً}: أول النهار {وأصيلاً}؛ آخره، فيحفظ ما يتلى ثم يتلوه علينا. انظر هذه الجرأة العظيمة، قاتلهم الله، أنى يؤفكون؟.
{قل} يا محمد: {أنزله الذي يعلم السرَّ في السمواتِ والأرضِ} أي: يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، يعني: أن القرآن، لما اشتمل على علم الغيوب، التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم من غير تعلم إلهي، دلَّ على أنه من عند علام الغيوب، أي: ليس ذلك مما يُفْتَرَى ويختلق، بإعانة قوم، وكتابة آخرين؛ من الاحاديث والأساطير المتقدمة، بل هو أمر سماوي، أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء، أودع فيه فنون الحِكَم والأحكام، على وجه بديع، لا تحوم حوله الأفهام، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته، وأخبركم بأمور مغيبات، وأسرار مكنونات، لا يهتدي إليها ولا يوقف عليها إلا بتوقيف العليم الخبير، ثم جعلتموه إفكاً مفترى، واستوجبتم بذلك أن يصبَّ عليكم العذاب صباً، لولا حِلمه ورحمته، {إنه كان غفوراً رحيماً}؛ فأمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة.
وهو تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة عنهم، أي: كان أزلاً وأبداً مستمراً على المغفرة والرحمة، فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله، مع كمال اقتداره.
ثم ذكر طعنهم فيمن نُزل عليه، فقال: {وقالوا مَالِ هذا الرسولِ} وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء، وخط المصحف سُنّة لا يغير. وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم، كأنهم قالوا: أي شيء لهذا الزاعم أنه رسول؛ يأكل الطعام كما تأكلون، ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما تمشون، أي: إن صح ما يدعيه فما له لم يخالف حالنا؟! {لولا أُنزل إليه ملَكَ} على صورته {فيكون معه نذيراً}، وهذا منهم تنزل عن اقتراح كونه صلى الله عليه وسلم ملكاً مستغنياً عن المادة الحسية، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يُصدقه، ويكون ردءاً له في الإنذار، ويُعبر عنه، ويفسر ما يقوله للعامة.
{أو يُلْقَى إليه كنزٌ} من السماء، يستغني به عن طلب المعاش معنا، {أو تكونُ له جنةٌ}؛ بستان {يأكل منها} كالأغنياء المياسير. والحاصل: أنهم أول مرة ادعوا أن الرسول لا يكون إلا كالملائكة، مستغنياً عن الطعام والشراب، وتعجبوا من كون الرسول بشراً، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك يُصدقه ويعينه على الإنذار، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون معه كنز، يستظهر به على نوائبه، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون رجلاً له بستان يأكل منه، كالمياسير، أو نأكل نحن منه، على قراءة حمزة والكسائي.
قال تعالى: {وقال الظالمون} وهم الكفرة القائلون ما تقدم، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. وهم كفار قريش، أي: قالوا للمؤمنين: {إن تتبعون}؛ ما تتبعون {إلا رجلاً مسحوراً}؛ قد سُحر فغلب على عقله، {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة، الخارجة عن العقول، الجارية؛ لغرابتها، مجرى الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة، البعيدة عن الوقوع؟! {فضلّوا} عن طريق الجادة {فلا يستطيعون سبيلاً}؛ فلا يجدون طريقاً إليه، أو: فلا يجدون سبيلاً إلى القدح في نبوتك، بأن يجدوا قولاً يستقرون عليه، أو: فضلّوا عن الحق ضلالاً مبيناً، فلا يجدون طريقاً موصلاً إليه، فإن من اعتاد استعمال هذه الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الموصلة إلى الرشد والصواب. وبالله التوفيق.
الإشارة: تكذيب الصادقين سُنَّة ماضية، فإن سمع أهل الإنكار منهم علوماً وأسراراً قالوا: ليست من فيضه، إنما نقلها عن غيره، وأعانه على إظهارها قومٌ آخرون، قل: أنزلها على قلوبهم الذي يعلم السر في السماوات والأرض، أنه كان غفوراً رحيماً، حيث ستر وصفهم بوصفه ونعتهم بنعته، فوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه. وقوله تعالى: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}، أنكروا وجود الخصوصية مع وصف البشرية، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، كما تقدم مراراً. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (10- 16):

{تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)}
قلت: {جنات}: بدل من خيراً، و{يجعل}، من جزمه عطفه على محل جواب الشرط، ومن رفعه فعلى الاستئناف، أي: وهو يجعل لك قصوراً، ويجوز عطفه على الجواب؛ لأن الشرط إذا كان ماضياً جاز في الجواب الرفع والجزم، كما هو مقرر في محله.
يقول الحق جل جلاله: {تبارك} أي: تكاثر وتزايد خيره {الذي إن شاء جَعَلَ لك} في الدنيا {خيراً} لك {من ذلك} الذي اقترحوه؛ من أن يكون لك جنة تأكل منها؛ بأن يجعل لك مثل ما وعدك في الجنة، {جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ}، فإنه خير من جنة واحدة من غير أنهار، كما اقترحوا، {ويجعل لك قصوراً}؛ وغرفاً في الدنيا، كقصور الآخرة، لكن لم يشأ ذلك؛ لأن الدنيا لا تسع ما يعطيه لخواص أحبابه في الآخرة؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان.
وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين، وهو إنزال الملك وإلقاء الكنز؛ لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية، وإنما الذي له وجه في الجملة وهو الاقتراح الأخير؛ فإنه غير مناف للحكمة بالكلية، فإن بعض الأنبياء- عليهم السلام- قد أُتوا مع النبوة مُلكاً عظيماً، لكنه نادر.
ثم أضرب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة، وانتقل إلى توبيخهم بحكاية جناية أخرى، فقال: {بل كذَّبوا بالساعة} أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة. ويحتمل أن يكون متصلاً بما قبله، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، وكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها؟ ثم تخلص إلى وبال من كذَّب بها فقال: {وأعتدنا لمن كَذَّبَ بالساعة سعيراً} أي: وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة الإسعار، أي: الاشتعال. ووضع الموصول موضع ضمير هم، أو لكل من كذب بها كائناً من كان، ويدخلون هم في زمرتهم دخولاً أولياً. ووضع الساعة موضع ضميرها؛ للمبالغة في التشنيع.
{إذا رَأَتْهُم} أي: النار، أي: قابلتهم {من مكان بعيد}؛ بأن كانت منهم بمرأى للناظرين في البُعد، كقوله صلى الله عليه وسلم في شأن المؤمن والكافر: «لا تترآءى نَاراهُما»، أي: لا يتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى. {سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً} أي: سمعوا صوت غليانها. شُبه ذلك بصوت المتغيظ والزفير، وهو صوت من جوفه. ولا يبعد أن يخلق الله فيها الإدراك فتتغيظ وتزفر. وقيل: إن ذلك من زبانيتها، نُسب إليها، وهو بعيد.
{وإذا أُلْقُوا منها}؛ من النار {مكاناً ضَيِّقاً} أي: في مكان ضيق؛ لأن الكرب يعظم مع الضيق، كما أن الروح يعظم مع السعة، وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وعن ابن عباس وابن عمر- رضي الله عنهما-: (تضيق جهنم عليهم، كما يضيق الزجُّ على الرمح).
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم ليُستكرهون في النار كما يُستكره الوتد في الحائط» حال كونهم {مُقرّنين} أي: مسلسلين، أي: مقرونين في السلاسل، قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. أو: يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسة، وفي أرجلهم الأصفاد. فإذا أُلقوا في الضيق، على هذا الوصف، {دَعَوا هنالك} أي: في ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة، {ثُبُوراً} أي: هلاكاً، بأن يقولوا: واثبوراه؛ هذا حينُك فتعال، فيتمنون الهلاك ليستريحوا، فيقال لهم: {لا تدعوا اليوم ثُبوراً واحداً وادعوا ثُبوراً كثيراً} أي: لا تدعوا بالهلاك على أنفسكم مرة واحدة، ودعاءً واحداً، بل ادعوا دعاء متعدداً بأدعية كثيرة، فإن ما أنتم عليه من العذاب لغاية شدته وطول مدته، مستوجب لتكرر الدعاء في كل أوان. وهو يدل على فظاعة العذاب وهوله.
وأما ما قيل من أن المعنى: إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، وإنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع منها ثبور؛ لشدته وفظاعته، أو: لأنهم كلما نضجت جلودهم بُدلوا غيرها، فلا غاية لها، فلا يلائم المقام. انظر أبا السعود. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولُ من يُكْسَى حُلَّةً من النار إبليسُ، فيضعُها على حاجبيه، ويسحبُها من خلفه، وذُريتُهُ من بعده، وهو يقول: يا ثُبُوراه، وهم يجاوبونه: يا ثُبُورهم، حتى يَقِفُوا على النار، فيقال لهم: لا تدعوا ثبوراً واحداً...».
{قل} لهم يا محمد؛ تقريعاً لهم وتهكماً بهم، وتحسراً على ما فاتهم: {أذلك خيرٌ}، والإشارة إلى السعير، باعتبار اتصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البُعد؛ لكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة. أي: قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير، التي أعدت لمن كذب بالساعة، وشأنها كيت وكيت؛ خير {أم جنةُ الخُلد التي وُعِدَ المتقون} أي: وعدها الله المتقين؟ وإنما قال: {أذلك خير}، ولا خير في النار؛ تهكماً بهم. كما تقدم، وإضافة الجنة إلى الخلد؛ للمدح، وقيل: للتميز عن جنات الدنيا. والمراد بالمتقين: المتصفون بمطلق التقوى، لا بغايتها. {كانت} تلك الجنة {لهم} في علم الله تعالى، أو في اللوح، {جزاءً} على أعمالهم، {ومصيراً} يصيرون إليه بعد الموت.
{لهم فيها ما يشاؤون} من فنون الملاذ والمشتهيات، وأنواع النعيم والخيرات، كقوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} [الزخرف: 71]، ولعل كل فريق منهم يقنع بما أتيح له من درجات النعيم، ولا تمتد أعناق همهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية. فلا يلزم الحرمان، ولا تساوى أهل الجنان. حال كونهم {خالدين} لا يفنون، ولا يفنى ما هم فيه، {كان على ربك وعداً مسؤولاً} أي: موعوداً حقيقياً بأن يُسْأَلَ ويُطلب؛ لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، أو: مسؤولاً لا يسأله الناس في دعائهم، بقولهم: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} [آل عمرآن: 194] أو: تسأله الملائكة بقولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ} [غافر: 8] وما في {على} من معنى الوجوب، لامتناع الخُلْفِ في عده تعالى، فكأنه أوجبه على نفسه؛ تفضيلاً وإحساناً. وفي التعرض لعنوان الربوبية؛ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم؛ من تشريفه والإشعار بأنه صلى الله عليه وسلم هو أول الفائزين بمغانم هذا الوعد الكريم ما لا يخفى. قاله أبو السعود.
الإشارة: تبارك الذي إن شاء جعل ذلك خيراً من ذلك، وهي جنة المعارف المعجلة، تجري من تحتها أنهار العلوم وفيض المواهب، ويجعل لك قصوراً تنزل فيها، ثم ترحل عنها، وهي منازل السائرين ومقامات المقربين، إلى أن تسكن في محل الشهود والعيان، وهو العكوف في حضرة الإحسان. بل كذَّبوا بالساعة، أي: من تنكب عن هذا الخير الجسيم، إنما سببه أنه فعل فِعْل من يُكذب بالساعة؛ من الانهماك في الدنيا، والاشتغال بها عن زاد الآخرة. وأَعتدنا لمن فعل ذلك سعيراً، أي: إحراقاً للقلب بالتعب، والحرص، والجزع والهلع، والإقبال على الدنيا، إذا قابلتهم من مكان بعيد سمعوا لها تَغَيُّظاً وزفيراً؛ غيظاً على طلابها، حيث آثروها على ما فيه رضا مولاها، وإذا ألقوا في أشغالها، وضاق عليهم الزمان في إداركها، دعَوا بالويل والثبور، وذلك عند معاينة أعلام الموت، والرحيل إلى القبور، ولا ينفعهم ذلك. قل: أذلك خير أم جنة الخلد؟ وهي جنة المعارف التي وُعد المتقون لكل ما سوى الله كانت لهم جزاء على مجاهدتهم وصَبْرهم، ومصيراً يصيرون إليها بأرواحهم وأسرارهم. لهم فيها ما يشاؤون؛ لكونهم حينئذٍ أمرهم بأمر الله، كان على ربك وعداً مسؤولاً، أي: مطلوباً للعارفين والسائرين. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (17- 19):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)}
قلت: {اتخذ} قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله: {أَمِ اْتَّخَذُوا ءَالِهَةً} [الأنبياء: 8]، وقد يتعدى إلى مفعولين، كقوله: {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125] فقرأ الجمهور: {أن نَتَّخِذَ}؛ بالبناء لفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر بالبناء للمفعول. فالقراءة الأولى على تعديته لواحد، والثانية على تعديته لاثنين. فالأول: الضمير في {نتخذ}، والثاني: {من أولياء}. و{مِن}: للتبعيض، أي: ما ينبغي لنا أن نتخذ بعضَ أولياءٍ من دونك؛ لأن {من} لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، تقول: ما اتخذت من أحد وليّاً، ولا تقول: ما اتخذت أحداً من ولي. وأنكر القراءة أبو عمرُو بن العلاء وغيره، وهو محجوج؛ لأن قراءة أبي جعفر من المتواتر.
يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يوم نحشرهم}، أو: يوم يحشرهم الله جميعاً للبعث والحساب، يكون ما لا تفي به العبارة من الأهوال الفظيعة والأحوال الغريبة، فيحشرهم {وما يعبدون من دون الله}؛ من الملائكة والمسيح وعزير. وعن الكلبي: الأصنام؛ يُنطقها الله، وقيل: عام في الجميع. و{ما}: يتناول العقلاء وغيرهم؛ لأنه أريد به الوصف، كأنه قيل: ومعبودهم. {فيقول} الحق جل جلاله للمعبودين، إثر حشر الكل؛ تقريعاً للعَبَدة وتبكيتاً: {أأنتم أَضْلَلْتُمْ عبادِي هؤلاء}، بأن دعوتموهم إلى عبادتكم، {أم هم ضلُّوا السبيل} أي: عن السبيل بأنفسهم؛ بإخلالهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن الرشد.
وتقديم الضميريْن على الفعلين بحيث لم يقل: أضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؛ لأن السؤال ليس عن نفس الفعل، وإنما هو عن متوليه والمتصدي له، فلابد من ذكره، وإيلائه حرف الاستفهام؛ ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة سؤالهم، مع علمه تعالى بالمسؤول عنه؛ لأن يجيبوا بما أجابوا به؛ حتى يُبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فتزيد حسرتهم.
{قالوا} في الجواب: {سبحانك}؛ تعجيباً مما قيل، لأنهم إما ملائكة معصومون، أو جمادات لا تنطق ولا قدرة لها على شيء، أو: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، ثم قالوا: {ما كان ينبغي لنا} أي: ما صح وما استقام لنا {أن نتخذ من دونك} أي: متجاوزين إياك، {من أولياء} نعبدهم؛ لِمَا قام بنا من الحالة المنافية له، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ أن نحمل غيرنا على أن يتخذوا غيرك، فضلاً أن يتخذونا أولياء، أو: ما كان يصح لنا أن نتولى أحداً دونك فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك حتى يتخذونا أرباباً من دونك، {ولكن متَّعتهم وآباءهم} بالأموال والأولاد وطول العمر، فاستغرقوا في الشهوات، وانهمكوا فيها {حتى نَسُوا الذّكر} أي: غفلوا عن ذكرك، وعن الإيمان بك، واتباع شرائعك فجعلوا أسباب الهداية؛ من النعم والعوافي ذريعة إلى الغواية. {وكانوا} في قضائك وعلمك الأزلي، {قوماً بوراً}؛ هالكين، جمع: بائر، كعائذ وعوذ.
ثم يقال للكافر بطريق الالتفات: {فقد كَذَّبوكم بما تقولون}، وهو احتجاج من الله تعالى على العبدة؛ مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم؛ على تقدير قول مرتب على الجواب، أي: فقال الله جل جلاله عند ذلك للعبدة: فقد كذبكم المعبودون أيها الكفرة، {بما تقولون} أي: في قولكم: هؤلاء أضلونا. والباء بمعنى في، وعن قنبل: بالياء، والمعنى: فقد كذبوكم بقولهم: {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}، والباء حينئذٍ كقولك: كتبت بالقلم.
{فما يستطيعون}؛ فما يملكون {صَرْفاً}؛ دفعاً للعذاب عنكم {ولا نصراً} أي: فرداً من أفراد النصر. والمعنى: فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم. وعن حفص بالتاء، أي: فما تستطيعون أنتم أيها الكفرة صرفاً للعذاب عنكم، ولا نصر أنفسكم.
ثم خاطب المكلَّفين على العموم فقال: {ومن يَظْلِمْ منكم}؛ يشرك؛ بدليل قوله: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] لأن الظلم: وضع الشيء في غير محله، ومن جعل المخلوق شريكاً لخالقه فقد ظلم ظلماً عظيماً. أي: ومن يظلم منكم أيها المكلفون، كدأب هؤلاء الكفرة، حيث ركبوا متن المكابرة والعناد، واستمروا على الملاججة والفساد، {نُذقْهُ} في الآخرة {عذاباً كبيراً} لا يقادر قدره، وهو الخلود في النار، والعياذ بالله.
الإشارة: كل من عشق شيئاً وأحبه من دون الله فهو عابد له، فرداً أو متعدداً، فيُحشر معه يوم القيامة، فيقال لهم: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل؟ فيتبرؤون منهم، ويقولون: بل متعتهم بالدنيا، وألهيتهم عن الذكر والتفكر والاعتبار، أو عن الشهود والاستبصار، حتى نسوا ذكر الله وكانوا قوماً بوراً. وقد ورد: (أن الدنيا تُبعث يوم القيامة على هيئة عجوز شمطاء زرقاء، فتنادي: أين أولادي؟ فيجمعون لها كرهاً، فتقدمهم، فتوردهم النار). وقوله تعالى: {ومن يظلم منكم} أي: يخرج عن حد الاستقامة في العبودية، وشهود عظمة الربوبية، نُذقه عذاباً كبيراً، وهو ضرب الحجاب على سبيل الدوام، إلا وقتاً مخصوصاً مع العوام. وبالله التوفيق.