فصل: تفسير الآيات (23- 31):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (23- 31):

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)}
يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا نحن نزَّلنا عليك القرآن تنزيلا} أي: مفرّقاً منجماً، شيئاً فشيئاً، لحِكَم بالغة مقتضية لتفريقه، لا غيرنا، كما يُعرب عنه تكرير الضمير مع إن، فهو تأكيد لاسم إن، أو: ضمير فصل لا محل له {فاصبر لِحُكم ربك} في تأخير نصرك، فإنّ له عاقبة حميدة، أو: اصبر لتبليغ الرسالة، وتحمل الأذى؛ فإن العاقبة لك، {ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً} أي: لا تُطع الآثم في إثمه، ولا الكافر في كفره، أي: لا تُطع كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو من الغَالي في الكفر الداعي إليه، و{أو} للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به، باعتبار ما يدعون إليه، فإنَّ ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما، فلابد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر.
وقيل: الآثم: عُتبة، فإنه كان ركّاباً متعاطياً لأنواع الفسوق، والكفور: الوليد، فإنه كان غالياً في الكفر شديد الشكيمة في العتو. والظاهر: أنّ المراد كل آثم وكافر، اي: لا تُطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معاً، ولو كان بالواو لجاز أن يُطيع أحدهما؛ لأن الواو للجمع، فيكون منهياً عن طاعتهما، لا عن طاعة أحدهما.
{واذكر اسمَ ربك بُكرةً وأصيلا} اي: دُم على ذكره في جميع الأوقات. وتخصيص الوقتين لشرفهما. قيل: لمّا نهى حبيبه عن طاعة الآثم والكفور، وحَثه على الصبر على آذاهم وإفراطهم في العداوة؛ عقّب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته في ذكره وعبادته، فهو كقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَكَ يَضِيقُ صَدْرَكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ...} [الحجر: 97، 98] الآية، وفي إقباله راحة له من وحشته؛ لجهلهم بأنسه بربه، وقرّة عينه به. وفي ذلك أمُره بالإفراد لربه بطاعته، دون مَن يدعوه، لخلاف ذلك من ألإثم والكفور. اهـ. من الحاشية. أو: بكرة: صلاة الفجر، وأصيلاً: الظهر والعصر، {ومن الليل فاسجدْ له}؛ وبعض الليل فصلِّ صلاة العشاءين، {وسبِّحه ليلاً طويلاً} أي: تهجّد له قِطْعاً من الليل طويلاً؛ ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وتقديم الظرف في {مِن الليل} لِما في صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص.
{إِنّ هؤلاء} الكفرة {يُحبون العاجلةَ} وينهمكون في لذاتها الفانية، ويؤثرونها على الآخرة، فلا يلتفتون إلى ذكرٍ ولا صلاة، {ويذرون وراءهم}؛ قدّامهم، فلا يستعدُّون له، أو: ينبذونه وراء ظهورهم، {يوماً ثقيلاً}؛ شديداً لا يعبؤون به، وهو يوم القيامة؛ لأنّ شدائده تثقل على الكفار. ووصفه بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح، وهو كالتعليل لِما أمر به ونَهَى عنه.
{نحن خلقناهم} لا غيرنا، {وشَدَدْنا أسْرَهُم} أي: قوّينا خِلقتهم حتى صاروا أقوياء يُقال: رجل حسن الأسر: الخلق، وفرس شديد الأسر، أي: الخلقة، ومنه قوله لبيد:
ساهِمُ الوجه شديدٌ أسْرُهُ ** مُشرِفُ الحاركِ محبوكُ الكَتَدْ

أو: أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، أو: أخذنا ميثاقهم على الإقرار، {وإِذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلاً} أي: إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدّلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع ولا يعصي. أو: بدلنا أمثالهم تبديلاً بديعاً لا ريب فيه، وهو البعث كما ينبئ عنه كلمة {إذا} لدلالتها على تحقُّق القدرة وقوة الداعية.
{إِنَّ هذه تَذْكِرةُ}، الإشارة إلى السورة، أو الآيات القريبة أي: هذه موعظة بليغة، {فمَن شاء اتخذ إِلى ربه سبيلاً} بالتقرُّب إليه بالطاعة واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، {وما تشاؤون} اتخاذَ السبيل إلى الله، أو: مايشاء الكفرة {إِلاّ أن يشاء الله}، وهو تحقيق للحق، ببيان أنَّ مجرد مشيئَتهم غير كافية في اتخاذ السبيل، ولا يقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات، إلاَّ وقت مشيئته في تحصيله لهم، إذ لا دخل لمشيئة العبد إلاّ في الكسب، وإنما التأثير لمشيئة الله تعالى، {إِنَّ الله كان عليماً حكيماً}؛ عليماً بما يكون منهم من الأحوال، حكيماً مصيباً في الأقوال والأفعال، وهو بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة، أي: هو تعالى مبالغ في العلم والحكمة، فيعلم ما يستأهله كل أحد، فلا يشاء لهم إلاّ ما يستدعيه علمه وتقضيه حكمته.
وقوله تعالى: {يُدخل من يشاء في رحمته}، بيان لأحكام مشيئته، المترتبة على علمه وحكمته، أي: يُدخل في رحمته مَن يشاء أن يدخله فيها، وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ سبيل الله تعالى، حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة. {والظالمين} وهم الذين صرفوا مشيئَتهم إلى خلاف ما ذكر {أعدَّ لهم عذاباً أليماً} متناهياً في الإيلام، و{الظالمين} منصوب بمضمر يُفسره معنى ما بعده، أي: أهان الظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً.
الإشارة: إنّا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن، أي: الجمع على ربك في قلبك وسرك تنزيلاً مترتباً شيئاً فشيئاً على حسب التهذيب والتدريب، فاصبرْ لحُكم ربك، أي: ما حَكَم به عليك من قهرية الجلال، وارتكاب الأهوال، ومقاسات الأحوال، فإنَّ العاقبةَ شهودُ الكبير المتعالي، وبذلُ المُهج والأرواح قليل في حقه، ولا تُطع في حال سيرك آثماً يريد أن يميلك عن قصد السبيل، أو كفوراً بطريق الخصوص يريد أن يصرفك عنها، واذكر اسم ربك، أي: استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد؛ الله الله، فتكثر منه بكرة وأصيلاً، وآناء الليل والنهار ومن الليل فاسجدْ له وسبَّحه ليلاً طويلاً، أي: ومن أجل ليل القطيعة اخضع وتضرَّع وسَبِّح في الأسحار، خوفاً من أن يقطعك عنه، فيظلم عليك ليل وجودك، فتحجب به عن ربك إنَّ هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظِ نفوسهم، يُحبون العاجلة، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم يُساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زُمراً، ويتخلّف أهل النفوس في موقف الحساب. إنَّ هذه تذكرة لمَن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق، حتى يردون به حضرة التحقُّق، لكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله، فمَن شاء عنايته أدخله في رحمة هدايته، ومَن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة، والعياذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

.سورة المرسلات:

.تفسير الآيات (1- 7):

{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)}
يقول الحق جلّ جلاله: {والمُرسلاتِ} أي: والملائكة المرسلات {عُرْفاً} أي: بالمعروف من الأمر والنهي، وانتصابه بإسقاط الخافض، أو: فضلاً وإنعاماً، فيكون نقيض المنكر، وانتصابه على العلة، أي: أرسلهن للإنعام والإحسان، أو: متتابعة، وانتصابه على الحال، أي: يتلو بعضها بعضاً، وفي القاموس: عُرفاً، أي: بعضٌ خلف بعض. اهـ. {فالعاصفاتِ عَصْفاً} أي: تعصفن في مُضِيهنّ عصف الرياح، {والناشراتِ} أجنحتها في الجو {نَشْراً} عند انحطاطها بالوحي، أو: الناشرات للشرائع نشراً في الأقطار، أون: الناشرات للنفوس الميتة بالكفر والجهل بما أوحين من الإيمان والعلم. {فالفارقات} بين الحق والباطل {فرقاً}، {فالملقيات}، إلى الأنبياء {ذِكْراً عُذْراً} للمحقّين {أو نُذْراً} للمبطلين، ولعل تقديم النشر على الإلقاء؛ للإيذان بكونه غاية للإلقاء، فهو حقيق بالاعتناء به.
أو: والرياح المرسلات متتابعة، فتعصف عصفاً، وتنشر السحاب في الجو نشراً، وتفرّق السحاب فرقاً على المواضع التي أراد الله إن يُمطر عليها، فيلقين ذكراً، أي: موعظة وخوفاً عند مشاهدة آثار قدرته تعالى، إمّا عذراً للمعتذرين إلى الله تعالى برهبتهم وتوبتهم، وإمّا نُذراً للذين يكفرونها وينسبونها إلى الأنواء. أو يكون تعالى أقسم بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصفن سائر الكتب بالنسخ، ونشرن آثار الهدى في مشارق الأرض ومغاربها وفرقن بين الحق والباطل، فألقين الحق في أكناف العالمين، عذراً للمؤمنين، ونُذراً للكافرين. قال ابن جزي: والأظهر في المرسلات والعاصفات: أنها الرياح؛ لأنَّ وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات: أنها الملائكة؛ لأنَّ الوصف بالفارقات أليق بهم، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، ثم عطف ما ليس من جنسهما بالواو. ه مختصراً.
ثم ذكر المُقْسَم عليه، فقال: {إِنَّ ما تُوعدون} أي: إن الذي تُوعدونه من مجيء يوم القيامة ونزول العذاب بكم {لواقع} لا محالة.
الإشارة: أقسم تعالى بنفوس العارفين، المرسَلة إلى كل عصر، بما يُعرف ويُستحس شرعاً وطبعاً، من التطهير من الرذائل والتحلية بالفضائل، فعصفت البدعَ والغفلة من أقطار الأرض عصفاً، ونشرت الهداية في أقطار البلاد، وحييت بهم العباد، ففرقت بين الحق والباطل، وبين أهل الغفلة واليقظة، وبين أهل الحجاب وأهل العيان، فألقت في قلوب مَن صَحبها ذكراً حتى سرى في جميع أركانها، فأظهرت عُذراً للمنتسبين الذاكرين، ونُذراً للمنكرين، الغافلين. قال البيضاوي: أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته، والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكاً إلاّ وجهه، وألقين ذكراً، بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلاّ ذكر الله تعالى. اهـ.

.تفسير الآيات (8- 15):

{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)}
يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا النجومُ طُمِستْ}؛ مُحيت ومُحقت، أو ذُهب بنورها. وجواب {إذا} محذوف، وهو العامل فيها، أي: وقع الفصل ونحوه، أو: وقع ما وُعدتم به. و{النجوم}: فاعل بمحذوف يُفسره ما بعده، {وإِذا السماءُ فُرِجَتْ}؛ فُتحت فكانت أبواباً لنزول الملائكة، {وإِذا الجبال نُسِفَتْ}؛ قُطعت من أماكنها، وأُخذت من مقارها بسرعة، فكانت هباءً منبثاً، {وإِذا الرُسل أُقِتَتْ} أي: وُقتت وعُين لهم الوقت الذي يحضرون للشهادة على أممهم، فَفَجَأن ذلك الوقت، وجُمعت للشهادة على أممهم، أي: وإذا الرسل عاينت الوقت الذي كانت تنتظره، {لأيَّ يوم أُجِّلَتْ} أي: ليوم عظيم أخّرت وأُمهلت، وفيه تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت.
ثم بيّن ذلك اليوم، فقال: {ليوم الفصْلِ} أي: أُجِّلت ليوم يفصل فيه بين الخلائق، وقال ابن عطاء: هو اليوم الذي يفصل فيه بين المرء وقرنائه وإخوانه وخِلاّنه، إلاّ ما كان منها للّه وفي الله. اهـ. وهو داخل في الفصل بين الخلائق، وجزء من جزئياته، {وما أدراك ما يومُ الفصل} أي: أيّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الفصل، فوضع الظاهر موضع الضمير، تهويل وتفظيع لشأنه، {ويل يومئذٍ للمكذِّبين} بذلك اليوم، أي: ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، و{ويل} أصله: مصدر منصوب بفعل سدّ مسده، لكن عدل به إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه، و{يومئذ} ظرف له، و{للمكذِّبين} خبره، أي: الويل في ذلك اليوم حاصل لهم. قال ابن عطية: وأمّا تكرير قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذِّبين} في هذه السورة، فقيل: لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك. اهـ. وهذا الآخر هو الصواب وسيأتي التنبيه عليه في كل آية.
الإشارة: إذا أشرقت شموس العرفان، وبدت أسرارُ الذات للعيان، انطمس نور نجوم علم الفروقات الكونية، والفروعات الوهمية، ولم يبقَ إلاّ علم الوحدة الذاتية ومعنى انطماسها: الغيبة عنها والفناء عنها بما هو أمتع وأحلى منها، من شهود الذات الأقدس، والاستغراق في شهود أنوارها وأسرارها. وإذا السماء، أي: سماء الأرواح فُرجت عنها ظُلمة الحس، فظهرت للعيان. واعلم أنَّ أرض الأشباح وسماء الأرواح محلهما واحد، وإنما تختلف باختلاف النظرة، فَمَن نَظَر الأشياءَ بعين الفرق في محل الحدوث تُسمى في حقه عالم الأشباح، ومَن رآها بعين الجمع في مقام القِدَم تسمى في حقه عالم الأرواح، والمظهر واحد. وإذا الجبال؛ جبال الوهم والخيالات، أو: جبال العقل الأصغر، نُسفت، أي: تلاشت وذهبت، وإذا الرسل أي: الدعاة إلى الله من أهل التربية، أُقتت: عُين لها وقت وقوع ذلك، وهو يوم الفتح الأكبر بالاستشراف على الفناء في الذات، وأي يوم ذلك، وهو يوم لقاء العبد ربه في دار الدنيا، وهو يوم الفصل، يفصل فيه بين الخصوص والعموم، بين المقربين وأهل اليمين، بين أهل الشهود والعيان وأهل الدليل والبرهان، ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا السر العظيم.

.تفسير الآيات (16- 28):

{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)}
يقول الحق جلّ جلاله: {ألم نُهلِكِ الأولينَ} كقوم نوح وعاد وثمود، لتكذيبهم بذلك اليوم، وقرئ بفتح النون، من: هلكه بمعنى أهلكه، {ثم نُتبِعُهم الآخِرِين} أي: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بهم، لأنهم كذّبوا مثل تكذيبهم. و{ثم} وما بعده: استئناف، تهديد لأهل مكة، وقرئ بالجزم عطف على {نُهلك} فيكون المراد بالآخرين المتأخرين هلاكاً من المذكورين، كقوم لوط وشعيب وموسى عليه السلام {كذلك} أي: مثل ذلك الفعل الفظيع {نفعل بالمجرمين} أي: بكل مَن أجرم من كل أمة، {ويل يومئذٍ} أي: يوم وقوع الهلاك بهم {للمكذِّبين} بما أوعدنا.
{ألم نَخْلُقْكُمْ من ماءٍ مهينٍ}؛ حقير، وهو النطفة، {فجعلناه في قرارٍ مكينٍ} أي: مقرّ يتمكّن فيه، وهو الرحم، {إِلى قَدَرٍ معلوم}؛ إلى مقدار معلوم من الوقت، قدّره اللهُ تعالى في أزله، لا يتقدّم عليه ولا يتأخر عنه، وهو تسعة أشهر في الغالب، أو أكثر أو أقل على حسب المشيئة، {فقدّرنا} ذلك تقديراً لا يتبدل أو: فَقَدرْنا على ذلك {فَنِعْمَ القادرون} أي: المقدِّرون له نحن، أو: فنعم القادرون على أمثال ذلك، {ويل يومئذ للمُكذِّبين} لقدرتنا على ذلك، أو: على الإعادة، أو: بنعمة الفطرة من النشأة الدالة على صدق الوعيد بالبعث.
{ألم نجعل الأرضَ كِفَاتاً}؛... وجامعة، والكِفَات: اسم ما يَجمع ويضم، من: كَفَتَ شعره: إذا ضمه بخرقة، كالضمام والجماع لما يَضُمّ ويجمع، أي: ألم نجعلها كفاتاً تكفت {أحياءً} كثيرة في ظهرها {وأمواتاً} غير محصورة في بطنها. ونظر الشعبي إلى الجبانة فقال: هذه كِفَاتُ الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كِفَات الأحياء. اهـ. ولمّا كان القبر كفاتاً كالبيت قُطع مَن سَرق منه. و{أحياء وأمواتاً} منصوبان ب {كِفاتاً} لأنه في معنى اسم الفاعل، أي: كافتة أحياء وأمواتاً، أو: بفعل محذوف، أي: تكفت على الحال، أي: تكفتهم في حال حياتهم ومماتهم.
{وجعلنا فيها رواسيَ}، أي: جبالاً ثوابت {شامخاتٍ}؛ طوالاً شواهق، ووصْفُ جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد، وتنكيرها للتفخيم، وللإشعار بأنَّ فيها ما لم يُعرف، {وأسقيانكم ماءً} بأن خلقنا فيها أنهاراً ومنابع {فُراتاً}؛ عذباً صافياً {ويل يومئذ للمُكذِّبين} بأمثال هذه النِعم العظيمة.
الإشارة: ألم نُهلك الجبابرة الأولين، المتكبرين على الضعفاء والمساكين، ثم نُتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين في كل زمان، أو: ألم نُهلك الغافلين المتقدمين والمتأخرين، بموت قلوبهم وأرواحهم، بالانهماك في الشهوات، كذلك نفعل بالطغاة المتكبرين، ويل يومئذ للمكذِّبين الشاكّين في وقوع هذا الوعيد. ألم نخلقكم من ماء مهين حقير؟ فكيف تتكبّرون وأصلكم حقير، وآخركم لحم منتن عقير؟ ولعليّ كرّم الله وجهه: ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة. اهـ.
هذا في الصورة البشرية وأمّا الروح السارية فيها، فأصلها عز وشرف، فمَن غلبت روحُه على بشريته، وعقله على هواه، التحق بالملائكة الكرام في الشرف والنزاهة، ومَن غلبت بشريتُه على روحانيته، وهواه على عقله، التحق بالبهائم في الخسة والدناءة.
ألم نجعل أرض البشرية جامعة للقلوب والأرواح والأحياء بالعلم والمعرفة، حين غلبت الروح والعقل على البشرية والهوى، وللنفوس والقلوب الميتة، حين غلب الهوى. وجعلنا فيها رواسي من العقول الثابتة، لتميز بين النافع الضار، وأسقيانكم من ماء العلوم التي تحيا به القلوب والأرواح، ماءً عذباً لمَن وفّقه اللهُ لشُربه على أيدي الرجال. ويل يومئذ للمكذِّبين بها، فإنه يعيش ظمآناً، ويموت عطشاناً، والعياذ بالله.