فصل: تفسير الآية رقم (59):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (59):

{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}
قلت: {مفَاتِح}: جمعِ مفتح بكسر الميم مقصور، من مفتاح، وهو آلة الفتح، وهو مستعار لما يتوصل به إلى الغيوب، أو يفتحها، وهو المخزن.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وعنده مفاتح الغيب} أي: علم المغيبات، لا يعلمها غيره، إلا من ارتضى من خلقه، أو: عنده خزائن علم الغيوب لا يعلمها غيره، والمراد بها الخمسة التي ذكرها الحق تعالى في سورة لقمان: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمَان: 34] الآية؛ لأنها تعم جميع الأشياء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، فقد اختص سبحانه بعلم المغيبات {لا يعلمها إلا هو}؛ فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحِكَم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، وهو أمر ضروري.
{ويعلم ما في البر والبحر} من عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات؛ على اختلاف أجناسها وأنواعها، حيها وجامدها، فيعلم عددها وصفتها وأماكنها، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} كيف تسقط، على ظهرها أو بطنها، وما يصل منها إلى الأرض وما يتعلق في الهواء، وهو مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات، كما تعلق بالكليات، {ولا حبة في ظلمات الأرض} من حبوب الثمار وبذور سائر النبات، والرمل، وغير ذلك من دقائق الأشياء وجلائلها، {ولا رطب ولا يابس} من الأشجار والنبات والحيوانات التي فيها الحياة والتي فارقتها، فهي من جنس اليابس، {إلا في كتاب مبين} أي: علم الله القديم، أو اللوح المحفوظ، فعلى الأول، يكون بدلاً من الاستثناء الأول، بدل الكل من الكل، وعلى الثاني: بدل اشتمال. وقرئت بالرفع، على العطف على محل: {من ورقة}، أو على الابتداء، والخبر: {في كتاب مبين}.
الإشارة: مفاتح الغيب هي أسرار الذات وأنوار الصفات، أو أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، لا يعلمها إلا هو، فما دام العبد محجوبًا بوجود نفسه، محصورًا في هيكل ذاته، لا يذوق شيئًا من هذه الغيوب، فإذا أراد الحق جل جلاله أن يفتح على عبده شيئًا من هذه الغيوب، غطى وصف عبده بوصفه، ونعته بنعته، فغيَّبه عن وجود نفسه، فصار هو سمعه وبصره وقلبه وروحه، فيعلم تلك الأسرار به، لا بنفسه، فما علم تلك الأسرار غيره، ويحيط بأسرار الأشياء كلها، برها وبحرها؛ لأنه يصير خليفة الله في أرضه. وقال الورتجبي: غَيبُه ذاته القدسية، وهي خزانة أسرار الأزل والأباد، ومفاتحها: صفاتها الأزلية، لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه، فَنَفى الغير عن البين، حيث لا حيث ولا بين. انظر تمامه فيه.

.تفسير الآيات (60- 62):

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي يتوفاكم} أي: يقبض أرواحكم {بالليل} إذ نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي، {ويعلم ما جَرَحتم} أي: ما كسبتم من الأعمال {بالنهار}، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريًا على المعتاد، {ثم إذا} توفاكم بالليل {يبعثكم فيه} أي: في النهار، {ليُقضى أجل مُسمى} أي: ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا، وهو أجل الموت، {ثم إليه مرجعكم} بالموت {ثم يُنبئُكم بما كنتم تعملون} فيعاتب المسيء ويكرم المحسن.
رُوِي: أن العبد إذا قُبض عَرجت الملائكة برُوحه إلى سِدرة المنتهَى، فيُوقف به هناك، فيُعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يَرفَضَّ عرقًا، ثم يقول له: قد غفرتُ لك، اذهبوا به ليرى مقعدَه في الجنة، ثم يُردّ إلى السؤال.
{وهو القاهر فوق عباده} بالقهر والغلبة، {ويُرسل عليكم حفظةً}؛ ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه: أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتُعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله {حتى إذا جاء أحدَكُم الموتُ توفتهُ رسُلنا} أي: ملك الموت وأعوانه، {وهم لا يٌفرطون} بالتواني التأخير، ولا يجازون ما حد لهم بالتقديم والتأخير. {ثم رُدّوا إلى الله} أي: إلى حُكمه وجزائه، أو مشاهدته وقربه، {مولاهم} الذي يتولى أمرهم، {الحقِّ} أي: المتحقق وجوده، وما سواه باطل، {ألا له الحُكم} يومئذٍ، لا حكم لغيره فيه، {وهو أسرع الحاسبين}؛ يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن، سبحانه لا إله إلا هو.
الإشارة: وهو الذي يتوفاكم، أي: يخلصكم بليل القبض، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط، وهكذا؛ ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما؛ لتكونوا لله لا شيء دونه، وفي الحكم: (بسطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما، كي لا تكون لشيء دونه).
وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولاً ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط؛ لأن القبض والبسط يقعان في الوجود؛ أي؛ في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. اهـ. أي: فلا قبض ولا بسط؛ لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال؛ لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم.
ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره؛ لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، (وهو القاهر فوق عباده)، وإنما المحجوب: العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد.

.تفسير الآيات (63- 64):

{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل من ينجيكم} أي: يُخلصكم {من ظلمات البر والبحر} أي: من شدائدهما، استعير الظلمة للشدة، لمشاركتهما في الهول، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم، أو: من الخسف في البر والغرق في البحر، حال كونكم {تدعونه تضرعًا وخُفية} أي: جهرًا وسرًا، قائلين: {لئن أنجيتنا من هذه} الظلمة، أي: الشدة، {لنكونن من الشاكرين} بإقرارنا بوحدانيتك، {قل الله يُنجيكم منها ومن كل كرب} أي: غم سواها، {ثم أنتم تُشركون} أي: تعودون إلى الشرك ولا تُوفون بالعهد، وهذا شأن النفس اللئيمة؛ في وقت الشدة ترجع إلى الحق وتوحده، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مًّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الرُّوم: 33].
الإشارة: ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه؛ من أجل ما يدخل عليه من حس الظاهر، الذي هو بر الشريعة، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من أجل ما يدهمها من علم الحقائق، عند الاستشراف عليها، أو ما يشكل عليها في علم التوحيد، فإذا رجع إلى الله فيهما، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق أنجاه الله منهما، فإذا شكر الله وأفرد النعمة إليه دامت نجاته، وإن التفت إلى غيره خيف عليه العوُد إلى ما كان عليه. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (65- 67):

{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم}، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل، {أو من تحت أرجُلِكُم}، كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم: بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم، ومن تحت أرجلكم: سفلتكم وعبيدكم، {أو يَلبسكم} أي: يَخلطكم {شيعًا} أي: فِرَقًا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم، {ويُذيق بعضكم بأس بعض}، بقتال بعضكم بعضًا.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزلت: {أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم} قال: «أعُوذُ بِوَجهِكَ»، ولما نزلت: {أو من تحت أرجلكم} قال أيضًا: «أعُوذُ بِوَجهِكَ» ولما نزلت: {أو يلبسكم شيعًا} قال: «هذَا أهوَنُ»، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة، نعوذ بالله من الفتن.
قال تعالى: {انظر كيف نُصرف الآيات} أي: نُقبلها بورود الوعد والوعيد {لعلهم يفقهون} ما نزل إليهم.
{وكذَّب به قومك} أي: بالعذاب، أو بالقرآن، {وهو الحق} أي: الواقع لا محالة، أو الصدق في أخباره وأحكامه، {قل لست عليكم بوكيل} أي: وكُل إليَّ أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ. {لكل نبأ} أي: خبرٍ بعذاب أو إيعاد به، {مستقر} أي: وقت استقراره ووقوعه، يعرف عند انقضائه صدقة من كذبه، {وسوف تعلمون} ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة.
الإشارة: الخطاب للمريدين السائرين، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السُّفل، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعًا، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبًا، والعياذ بالله، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع، قال تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [سَبَأ: 26]. قال القشيري: فيه إشارة إلى أن الجمع مُؤذِن بالفتح. اهـ. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع، ويتودد إلى الجميع، حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (68- 70):

{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)}
{وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا...}
قلت: {ولكن ذكرى}: مفعول بمحذوف، أي: يذكرونهم ذكرى، أو مبتدأ، أي: عليهم ذِكرَى.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا} أي: القرآن؛ بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها {فأعرض عنهم} ولا تجالسهم، بل قُم عنهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: غير القرآن، {وإما يُنسينكَ الشيطانُ} النهيَ عن مجالستهم، وجلست نسيانًا، {فلا تقعد بعد الذكرى} أي: بعد أن تذكر النهي، {مع القوم الظالمين}، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبًا مع الحضرة، {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ} [النِّساء: 78]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي: معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم.
{وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي: ما على المتقين الذين يجالسونهم شيء من حسابهم، بل عقابهم على الخوض خاصٌّ بهم، {ولكن} عليهم {ذِكرَى} أي: تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا، وكراهية ذلك إن لم يقدروا، فيعظونهم {لعلهم يتقون}، فَيجتَنِبُون ذلك الخوض؛ حياء أو كراهية مُساءتهم، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم؛ لأن ذلك يشق عليهم، إذ لابد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف، وغير ذلك بخلافه عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله أغناه عنهم به، فنهاه عن مخالطة أهل الخوض مطلقًا.
ثم قال له: {وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا} أي: بنوا أمر دينهم على التشهِّي، وتدَّينوا بما لا يعود عليهم بنفع، عاجلاً وآجلاً، كعبادة الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه لعبًا ولهوًا، حيث سخروا به، أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ومن جعله منسوخًا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم، وترك التعرض لهم، {وغرتهم الحياةُ الدينا} وزخرفها، حتى نسُوا البعث وأنكروه، والعياذ بالله.
الإشارة: قد تقدم مرارًا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام، وكل من ليس من جنس أهل النسبة، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم فليُذكرهم، ويعظهم، ويُنهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق.
ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير، فقال: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أولئك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}
قلت: {تُبسل}: تُحبس وتُسلم للهلكة، وفي البخاري:تُسبلَ: تُفضح، أُبلسوا: فُضِحُوا وأُسلموا.
يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وذكِّر} بالقرآن الناس؛ مخافة {أن تُسبل نفس بما كسبت} أي: لئلا تُحبس كل نفس وتُرتهن بما كسبت أو تُسلم للهلكة، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت، {ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع} يدفع عنها العذاب، {وإن تَعدل كل عَدلٍ} أي: وإن تفد كل فداء {لا يُؤخذ منها} أي: لا يُقبل منها.
{أولئك الذين أُبسلوا بما كسبوا} أي: أُسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة، أو افتضحوا بما كسبوا {لهم شراب من حميم} وهو الماء الحار، {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}، والمعنى: هم بين ماء مغَلى يتَجَرجر في بطونهم، ونار تُشعل بأبدانهم بسبب كفرهم، والعياذ بالله.
الإشارة: لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ، أو أَظهرت له من الاستقامة ما أظهرت، قال تعالى: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}.
قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: من لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه؛ والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يقول: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]. وقال أيضًا: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إليَّ نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا تسكن إلى نفسك، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (ما رضيت عن نفسي طرفة عين). إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي آظهرت.
ويُحكى عن القطب بن مشيش؛ أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية، تواجد وأخذه حالٌ عظيم اقتطعه عن حسه، حتى كان يتمايل، فيميل الجبل معه يمينًا وشمالاً. نفعنا الله بذكرهم آمين.
فإن قلت: العارف لم تبق له نفس يتهمها؛ لفنائه في شهوده وانطوائه في وجوده؟ قلت: العارف الكامل هو الذي لا يحجبه جمعه عن فرقة، ولا فرقة عن جمعه، فإذا رجع إلى شهود فرقه، رأى نفسه عبدًا متصفًا بنقائص العبودية التي لا نهاية لها، ولذلك قالوا: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات. فلو تطهرت كل التطهير لم يقبل منها، وإذا نظر إلى نعت جمعه رأى نفسه مجموعًا في الحضرة، متصفًا بالكمالات التي لا نهاية لها، فيغيب عن شهود عبوديته في عظمة ربوبيته، لكنه لا يحجب بجمعه عن فرقه؛ لكماله، وإلى هذا المعنى أشار في الحكم بقوله: لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. وبالله التوفيق.