فصل: الحديث الثَّانِي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّانِي عشر:

رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «سنوا بهم سنة أهل الْكتاب غير ناكحي نِسَائِهِم وآكلي ذَبَائِحهم».
هَذَا الحَدِيث غَرِيب عَلَى هَذِه الصُّورَة وَعَزاهُ بعض شُيُوخنَا إِلَى طَبَقَات ابْن سعد فِي كتاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى مجوس هجر، وَفِي الْأَمْوَال لأبي عبيد: عَن الْحسن بن مُحَمَّد: «كتب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى مجوس هجر يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام؛ فَمن أسلم قبل مِنْهُ، وَمن لَا ضربت عَلَيْهِ الْجِزْيَة فِي أَن لَا تُؤْكَل لَهُم ذَبِيحَة، وَلَا تنْكح لَهُم امْرَأَة» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه أخرجه من حَدِيث وَكِيع عَن سُفْيَان، عَن قيس، عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَلّي، قَالَ: «كتب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى مجوس هجر يعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَمن أسلم قبل، وَمن أَبَى ضربت عَلَيْهِ الْجِزْيَة عَلَى أَن لَا تُؤْكَل لَهُم ذَبِيحَة، وَلَا تنْكح لَهُم امْرَأَة».
قَالَ عبد الْحق: وَهَذَا مُرْسل.
قلت: ومعلول؛ فَإِن قيس بن الرّبيع مِمَّن سَاءَ حفظه بِالْقضَاءِ كشريك وَابْن أبي لَيْلَى، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِجْمَاع أَكثر الْمُسلمين عَلَيْهِ يؤكده.

.الحديث الثَّالِث عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عِكْرِمَة قَالَ: «أُتِي عَلّي رَضِي اللهُ عَنْهُ بزنادقة فأحرقهم، فَبلغ ذَلِكَ ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: لَو كنت أَنا لم أحرقهم؛ لنهي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ قَالَ: لَا تعذبوا بِعَذَاب الله، ولقتلتهم؛ لقَوْل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: من بدّل دينه فَاقْتُلُوهُ».
وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي: «... فَبلغ ذَلِكَ عليًّا، فَقَالَ: صدق ابْن عَبَّاس».
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه.

.وَأما آثاره:

فستة:

.أَحدهَا:

عَن الحكم بن عتيبة قَالَ: «أجمع أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أَن لَا ينْكح العَبْد أَكثر من اثْنَتَيْنِ».
وَهَذَا الْأَثر سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث لَيْث، عَن الحكم، قَالَ: «اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أَن الْمَمْلُوك لَا يجمع من النِّسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ» وَلَيْث هَذَا هُوَ ابْن أبي سليم، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ.
وَرَوَى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح، عَن عمر أَنه قَالَ: «ينْكح العَبْد امْرَأتَيْنِ» ثمَّ رَوَاهُ عَن عَلّي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، ثمَّ قَالَ: وَلَا يعرف لَهُم من الصَّحَابَة مُخَالف. وَهُوَ قَول الْأَكْثَر من الْمُفَسّرين بالبلدان.

.الْأَثر الثَّانِي:

عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «من وطئ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَلَا يطَأ الْأُخْرَى حَتَّى تخرج الْمَوْطُوءَة عَن ملكه».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن عَمه عَن عَلّي «أَنه سَأَلَهُ رجل لَهُ أمتان أختَان وطئ إِحْدَاهمَا ثمَّ أَرَادَ أَن يطَأ الْأُخْرَى، قَالَ: لَا؛ حَتَّى يُخرجهَا من ملكه».

.الْأَثر الثَّالِث:

عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات} أَن المُرَاد بالطول: الْفضل وَالسعَة وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} يَقُول: «من لم يكن لَهُ سَعَة أَن ينْكح الْحَرَائِر فَلْيَنْكِح من إِمَاء الْمُؤمنِينَ» و{ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت} وَهُوَ الْفُجُور، فَلَيْسَ لأحدٍ من الْأَحْرَار أَن ينْكح أمة إِلَّا أَن لَا يقدر عَلَى حرّة وَهُوَ يخْشَى الْعَنَت {وَأَن تصبروا} عَن نِكَاح الْأمة فَهُوَ {خير لكم} وَعلي بن أبي طَلْحَة هَذَا قَالَ أَحْمد لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات. قَالَ أَبُو حَاتِم: عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل؛ إِنَّمَا يروي عَن مُجَاهِد وَالقَاسِم.

.الْأَثر الرَّابِع:

«أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم تزوجوا الكتابيات وَلم يبحثوا».
هَذَا صَحِيح؛ فَفِي الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن عُثْمَان «أَنه نكح ابْنة الفرافصة الْكَلْبِيَّة- وَهِي نَصْرَانِيَّة- عَلَى نِسَائِهِ، ثمَّ أسلمت عَلَى يَدَيْهِ».
وَرَوَى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن- شيخ من بني الْأَشْهَل «أَن حُذَيْفَة نكح يَهُودِيَّة» وفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي وَائِل: «فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن يفارقها، قَالَ: إِنِّي أخْشَى أَن تدعوا المسلمات وتنكحوا المومسات!».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا من عمر عَلَى طَرِيق التَّنَزُّه وَالْكَرَاهَة؛ فَفِي رِوَايَة أُخْرَى «أَن حُذَيْفَة كتب إِلَيْهِ: أحرام هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَخَاف أَن تعاطوا المومسات مِنْهُنَّ».
وَقَالَ الشَّافِعِي: أبنا عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز، عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير «أَنه سمع جَابر بن عبد الله يسْأَل عَن نِكَاح الْمُسلم الْيَهُودِيَّة والنصرانية، فَقَالَ: تزوجناهن فِي زمن الْفَتْح بِالْكُوفَةِ مَعَ سعد بن أبي وَقاص وَنحن لَا نجد المسلمات كثيرا، فَلَمَّا رَجعْنَا طلقناهن. وَقَالَ: لَا يرثن مُسلما وَلَا يرثهن، وَنِسَاؤُهُمْ لنا حلّ وَنِسَاؤُنَا عَلَيْهِم حرَام».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ «أَن حُذَيْفَة تزوج مَجُوسِيَّة» وَهُوَ غير ثَابت عَنهُ يُقَال لَهَا: شاه بردخت، قَالَه عبد الْحق، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ عَنهُ أَنه تزوج يَهُودِيَّة.
قلت: وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير أَنَّهَا نَصْرَانِيَّة. وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هُبَيْرَة عَن عَلّي قَالَ: «تزوج طَلْحَة يَهُودِيَّة» وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَمْرو مولَى الْمطلب، عَن أبي الْحُوَيْرِث «أَن طَلْحَة نكح امْرَأَة من كلب نَصْرَانِيَّة حَتَّى وجهت حِين قدمت عَلَيْهِ» وَأما حَدِيث عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن كَعْب بن مَالك «أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام: لَا تتزوجها؛ فَإِنَّهَا لَا تحصنك». فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَمَعَ إرْسَاله فَهُوَ مُنْقَطع- فِيمَا بَين عَلّي وَكَعب- وَضَعِيف؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عَن عَلّي أَبُو سبأ عتبَة بن تَمِيم، وَلَا يعرف حَاله كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ عَنهُ بَقِيَّة، وَهُوَ مِمَّن قد علم حَاله.

.الْأَثر الْخَامِس:

عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَنه كَانَ للمجوس كتاب فَأَصْبحُوا وَقد أسرِي بِهِ».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن سعيد بن الْمَرْزُبَان، عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ: قَالَ فَرْوَة بن نَوْفَل: علام تُؤْخَذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَلَيْسوا بِأَهْل كتاب؟! فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْتَوْرد فَأخذ بلبته فَقَالَ: يَا عَدو الله، تطعن عَلَى أبي بكر وَعمر وَعلي أَمِير الْمُؤمنِينَ- يَعْنِي: عليًّا- وَقد أخذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة؟! فَذهب بِهِ إِلَى الْقصر، فَخرج عَلَيْهِمَا عَلّي فَقَالَ: ألبدا. فَجَلَسْنَا فِي ظلّ الْقصر، فَقَالَ عَلّي: أَنا أعلم النَّاس بالمجوس كَانَ لَهُم علم يعلمونه وَكتاب يدرسونه، وَإِن ملكهم سكر فَوَقع عَلَى ابْنَته أَو أُخْته فَاطلع عَلَيْهِ بعض أهل مَمْلَكَته، فَلَمَّا صَحا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَد فَامْتنعَ مِنْهُم، فَدَعَا أهل مَمْلَكَته، فَقَالَ: تعلمُونَ دينا خيرا من دين آدم؟ وَقد كَانَ آدم ينْكح بنِيه من بَنَاته، وَأَنا عَلَى دين آدم، وَمَا يرغب بكم عَن دينه؟ فتابعوه وقاتلوا الَّذين خالفوه حَتَّى قتلوهم وَأَصْبحُوا وَقد أسرِي عَلَى كِتَابهمْ، فَرفع من بَين أظهرهم وَذهب الْعلم الَّذِي فِي صدروهم وهم أهل كتاب، وَقد أَخذ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر مِنْهُم الْجِزْيَة.
وفروة مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ من الْخَوَارِج.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الْحَاكِم: قَالَ العاصمي: قَالَ ابْن خُزَيْمَة: وهم ابْن عُيَيْنَة فِي هَذَا الْإِسْنَاد، رَوَاهُ عَن أبي سعيد الْبَقَّال فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم وَنصر بن عَاصِم هُوَ اللَّيْثِيّ. وَإِنَّمَا هُوَ عِيسَى بن عَاصِم الْأَسدي كُوفِي.
قَالَ ابْن خُزَيْمَة: والغلط فِيهِ من ابْن عُيَيْنَة لَا من الشَّافِعِي، فقد رَوَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الشَّافِعِي، فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ الشَّافِعِي: وَحَدِيث نصْر بن عَاصِم هَذَا عَن عَلّي، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مُتَّصِل وَبِه نَأْخُذ.
قلت: لَكِن الْبَقَّال الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الْأَعْوَر الْمَجْرُوح، قَالَ يَحْيَى بن سعيد: لَا أستحل أروي عَنهُ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْوَهم فَاحش الْخَطَأ. فَلَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يرَاهُ ثِقَة، كَمَا قَالَ فِيهِ أَبُو أُسَامَة إِنَّه كَانَ ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق مُدَلّس. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وَأعله الْعقيلِيّ من وَجه آخر، وَقَالَ: نصْر بن عَاصِم هَذَا لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أَحسب هَذَا الْأَثر مَحْفُوظًا. قَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده: فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْمَجُوس «سنوا بهم سنة أهل الْكتاب» يَعْنِي فِي الْجِزْيَة. دَلِيله عَلَيْهِ: أَنهم لَيْسُوا أهل الْكتاب، وَعَلَى ذَلِك جُمْهُور الْفُقَهَاء.
وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي «أَنهم كَانُوا أهل كتاب فبدلوا» وَأَظنهُ ذهب فِي ذَلِك إِلَى شَيْء رُوِيَ عَن عَلّي من وَجه فِيهِ ضعف يَدُور عَلَى أبي سعيد الْبَقَّال، ثمَّ ذكر هَذَا الْأَثر، ثمَّ قَالَ: وَأكْثر أهل الْعلم يأبون ذَلِك وَلَا يصححون هَذَا الحَدِيث، فالحجة لَهُم قَوْله تَعَالَى: {أَن تَقول إِنَّمَا أنزل الْكتاب عَلَى طائفتين من قبلنَا} وَغير ذَلِك.

.الْأَثر السَّادِس:

«أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخذُوا الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب، وهم: تنوخ، وبَهراء، وتغلب». هَذَا صَحِيح عَنْهُم، وَقد ذكره الشَّافِعِي، وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي بَابه.
فَائِدَة:
تنوخ- بمثناة من فَوق ثمَّ نون ثمَّ وَاو ثمَّ خاء مُعْجمَة-:
قَبيلَة مَعْرُوفَة. وبَهراء- بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ هَاء سَاكِنة وبِالْمدِّ-: قَبيلَة مَعْرُوفَة من قضاعة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: بهراني، كصنعاني عَلَى غير قِيَاس، وَبَنُو تغلب بِكَسْر اللَّام قَبيلَة مَعْرُوفَة.

.باب نِكَاح الْمُشرك:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَبْعَة أَحَادِيث:

.أَحدهَا:

«أَن صَفْوَان بن أُميَّة وَعِكْرِمَة بن أبي جهل هربا كَافِرين إِلَى السَّاحِل حِين فتحت مَكَّة وَأسْلمت امرأتاهما بِمَكَّة، وأخذتا بالأمان لزوجيهما، فَقدما وأسلما فَرد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم امرأتيهما».
هَذَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب «أَنه بلغه أَن نسَاء كن فِي عهد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يسلمن بِغَيْر أرضهن وَهن غير مهاجرات وأزواجهن حِين أسلمن كفار، مِنْهُنَّ: بنت الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَكَانَت تَحت صَفْوَان بن أُميَّة، فَأسْلمت يَوْم الْفَتْح وهرب صَفْوَان بن أُميَّة من الْإِسْلَام، فَبعث النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِ ابْن عَمه وهب بن عُمَيْر برداء النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمَانًا لِصَفْوَان بن أُميَّة، وَدعَاهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْإِسْلَام وَأَن يقدم عَلَيْهِ، فَإِن رَضِي أمرا قبله وَإِلَّا سيره شَهْرَيْن، فَلَمَّا قدم صَفْوَان عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بردائه ناداه عَلَى رُءُوس النَّاس فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن هَذَا وهب بن عُمَيْر جَاءَنِي بردائك وَزعم أَنَّك دعوتني إِلَى الْقدوم عَلَيْك، فَإِن رضيت أمرا قبلته وَإِلَّا سيرتني شَهْرَيْن، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام، انْزِلْ أَبَا وهب. فَقَالَ: لَا وَالله لَا أنزل حَتَّى تبين لي، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: بل لَك تسير أَرْبَعَة أشهر. فَخرج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل هوَازن وحنين، فَأرْسل إِلَى صَفْوَان يستعير أَدَاة وسلاحًا عِنْده، فَقَالَ صَفْوَان: أطوعًا أم كرها؟ فَقَالَ: بل طَوْعًا. فأعاره الأداة والسِّلَاح الَّذِي عِنْده، ثمَّ خرج مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ كَافِر فَشهد حنينًا والطائف وَهُوَ كَافِر وَامْرَأَته مسلمة، وَلم يفرق النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينه وَبَين امْرَأَته حَتَّى أسلم صَفْوَان واستقرت عِنْده امْرَأَته». فَقَالَ ابْن شهَاب: كَانَ بَين إِسْلَام صَفْوَان وَإِسْلَام امْرَأَته نَحوا من شهر.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَفِيه: «أَن إِسْلَام زَوجته كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَأَن صَفْوَان شهد مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّائِف وحنينًا وَهُوَ كَافِر».
وَرَوَى مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا عَن ابْن شهَاب أَن أم حَكِيم بنت الْحَارِث بن هِشَام، وَكَانَت تَحت عِكْرِمَة بن أبي جهل، فَأسْلمت يَوْم الْفَتْح فهرب زَوجهَا عِكْرِمَة من الْإِسْلَام حَتَّى قدم الْيمن، فارتحلت أم حَكِيم حَتَّى قدمت عَلَيْهِ الْيمن فدعته إِلَى الْإِسْلَام، فَأسلم وَقدم عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفَتْح، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وثب إِلَيْهِ فَرحا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاء حَتَّى بَايعه فَثَبت عَلَى نِكَاحهمَا ذَلِك.
قَالَ ابْن شهَاب: وَلم يبلغنَا أَن امْرَأَة هَاجَرت إِلَى الله وَرَسُوله وَزوجهَا كَافِر مُقيم بدار الْحَرْب إِلَّا فرقت هجرتهَا بَينهَا وَبَين زَوجهَا إِلَّا أَن يقدم زَوجهَا بهَا مُهَاجرا قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا.

.الحديث الثَّانِي:

«أَن أَبَا سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام أسلما بمرّ الظهْرَان- وَهُوَ معسكر الْمُسلمين- وامرأتاهما بِمَكَّة وَهِي يَوْمئِذٍ دَار حَرْب ثمَّ أسلما بعد وَأقر النِّكَاح». هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي، أبنا جمَاعَة من أهل الْعلم من قُرَيْش وَأهل الْمَغَازِي وَغَيرهم عَن عدد مثلهم «أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أسلم بمر الظهْرَان وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَاهر عَلَيْهَا، فَكَانَت بظهوره وَإِسْلَام أَهلهَا دَار إِسْلَام وَامْرَأَته هِنْد بنت عتبَة كَافِرَة بِمَكَّة، وَمَكَّة يؤمئذ دَار حَرْب، ثمَّ قدم عَلَيْهَا يدعوها إِلَى الْإِسْلَام، فَأخذت بلحيته وَقَالَت: اقْتُلُوا الشَّيْخ الضال وأقامت أَيَّامًا قبل أَن تسلم، ثمَّ أسلمت وبايعت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فثبتا عَلَى النِّكَاح؛ لِأَن عدتهَا لم تنقض حَتَّى أسلمت، وَكَانَ كَذَلِك حَكِيم بن حزَام وإسلامه- يَعْنِي كَانَ إِسْلَامه بمر الظهْرَان- وَامْرَأَته بِمَكَّة ثمَّ أسلمت فِي عدتهَا».
ذكر ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته وَذكره فِي الْأُم بِغَيْر إِسْنَاد قَالَ: وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم بالمغازي، وَذكره فِي سير الْوَاقِدِيّ والْأُم أَيْضا وَقَالَ: فأقامت عَلَى الشّرك حَتَّى أسلمت بعد الْفَتْح بأيام فأقرها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى النِّكَاح، وَذَلِكَ أَن عدتهَا لم تنقض، وَفِي السّنَن الْمَجْمُوعَة من أَحَادِيث الشَّافِعِي: أبنا جمَاعَة فِي عدد أَن أَبَا سُفْيَان أسلم وَامْرَأَته هِنْد كَافِرَة ثمَّ أسلمت وثبتا عَلَى النِّكَاح، وَأسْلمت امْرَأَة عِكْرِمَة بن أبي جهل وامرأةُ صَفْوَان بن أُميَّة، ثمَّ أسلما، وكل ذَلِك وَنِسَاؤُهُمْ مَدْخُول بِهن لم تنقض عددهن.

.الحديث الثَّالِث:

«أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ لفيروز الديلمي- وَقد أسلم عَلَى أُخْتَيْنِ-: اختر أَحدهمَا».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي وهب دَيْلَم بن الهوشع كَمَا قَالَه خَ، ت أَو عَكسه، أَو عبيد بن شُرَحْبِيل، وَهُوَ مَا صَوبه ابْن يُونُس- الجيشاني من جيشان الْيمن عَن الضَّحَّاك بن فَيْرُوز عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أسلمت وتحتي أختَان؛ فَقَالَ: طلق أَيهمَا شِئْت» هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «اختر أَيَّتهمَا شِئْت» زَاد ابْن الْأَثِير فِي جامعه: «وطلق الْأُخْرَى».
وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة فِيهِ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: «إِذا رجعتَ فَطَلِّق إِحْدَاهُمَا».
وَفِي رِوَايَة لَهُ كَلَفْظِ أبي دَاوُد، وَلَفظ الشَّافِعِي «فَأمرنِي أَن أمسك أَيهمَا شِئْت وأفارق الْأُخْرَى».
وَلَفظ أَحْمد كَلَفْظِ أبي دَاوُد، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَفِي سَنَده: ابْن لَهِيعَة.
قلت: وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا بِلَفْظ أبي دَاوُد، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح.
قلت: ومداره عَلَى أبي وهب السالف، عداده فِي الْبَصرِيين، وَذكر الْعقيلِيّ لَهُ فِي الضُّعَفَاء هَذَا الحَدِيث وَقَالَ: لَا يحفظ إِلَّا عَنهُ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّه مَجْهُول.
قلت: قد وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان: تفرد بِهِ جرير بن حَازِم، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن يزِيد بن أبي حبيب عَنهُ.
قلت: لَا فقد أخرجه الشَّافِعِي، عَن ابْن أبي يَحْيَى، عَن إِسْحَاق عَنهُ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن إِسْحَاق عَنهُ، وَمن حَدِيث ابْن وهب، عَن ابْن لَهِيعَة، عَنهُ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جرير وَمن حَدِيث قُتَيْبَة، عَن ابْن لَهِيعَة عَنهُ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن يَحْيَى، عَن ابْن لَهِيعَة عَنهُ. وَقَالَ البُخَارِيّ: دَيْلَم بن فَيْرُوز الْحِمْيَرِي، رَوَى عَنهُ ابْنه عبد الله فِي إِسْنَاده نظر، وَهَذَا مَعْدُود فِي أَوْهَام البُخَارِيّ كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي؛ فَإِن ذَاك عبد الله بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِي وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالْعجلِي، وَأعله ابْن الْقطَّان بأمرين آخَرين، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد؛ لِأَن حَالَة الضَّحَّاك مَجْهُول، وَيَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي لَا يحْتَج بِهِ لسوء حفظه.
قلت: أما الضَّحَّاك فقد رَوَى عَن أَبِيه وَله صُحْبَة، وَرَوَى عَنهُ جمَاعَة: أَبُو وهب الْمَذْكُور، وَعُرْوَة بن غزيَّة، وَكثير الصَّنْعَانِيّ. وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأما يَحْيَى بن أَيُّوب فَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين، وَبَعض هَذَا كافٍ، وَإِن قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَحْمد: سيئ الْحِفْظ وَهُوَ دون حَيْوَة.
قلت: وَهُوَ أحد عُلَمَاء مصر.
فَائِدَة: فَيْرُوز هَذَا مَاتَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَهُوَ قَاتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب.

.الحديث الرَّابِع:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ولدت من نِكَاح لَا من سفاح». هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من طَرِيق ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي نعيم، ثَنَا هشيم، حَدثنِي الْمَدِينِيّ، عَن أبي الْحُوَيْرِث، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا «ولدني من سفاح أهل الْجَاهِلِيَّة شَيْء مَا ولدني إِلَّا نِكَاح كَنِكَاح الْإِسْلَام».
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير عَن عَلّي بن عبد الْعَزِيز ثمَّ قَالَ: الْمَدِينِيّ هُوَ عِنْدِي فليح بن سُلَيْمَان. كَذَا قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى الضَّعِيف، أَو عبد الله بن أبي جَعْفَر وَالِد عَلّي بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا، وَأبي الْحُوَيْرِث اسْمه: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، مُخْتَلف فِيهِ، قَالَ مَالك، وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة.
وَقَالَ يَحْيَى والرازي: لَا يحْتَج بحَديثه وَقَالَ مرّة: ثِقَة وَقَالَ أَحْمد: رَوَى عَنهُ: سُفْيَان، وَشعْبَة، وَأنكر قَول مَالك.
قلت: وَلم ينفردا بذلك، قَالَ أَبُو نعيم: ثَنَا هَارُون بن مُوسَى الْأَخْفَش الدِّمَشْقِي، ثَنَا سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي، أبنا وَرْقَاء بن عمر، عَن ابْن أبي نجيح، عَن عَطاء وَمُجاهد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «لم يلتق أبواي عَلَى سفاح، لم يزل الله عَزَّ وَجَلَّ- ينقلني من الأصلاب الطّيبَة إِلَى الْأَرْحَام الطاهرة مصفى مهذبًا، وَلَا يتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما».
قَالَ: وثنا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد الْمروزِي، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله، حَدَّثَني أنس بن مُحَمَّد، ثَنَا مُوسَى بن عِيسَى، ثَنَا يزِيد بن أبي حَكِيم عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «لم يلتق أبواي عَلَى سفاح، لم يزل الله ينقلني من أصلاب طيبَة إِلَى أَرْحَام طَاهِرَة صافيًا مهذبًا، لَا تتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما».
ثَانِيهَا: من طَرِيق عَائِشَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- رَوَاهُ ابْن سعد والْحَارث بن أبي أُسَامَة من هَذَا الْوَجْه الْمَذْكُور بِلَفْظ: «خرجت من نِكَاح لَا من سفاح» أسْندهُ عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَلم يعله، وَفِيه الْوَاقِدِيّ!.
ثَالِثهَا: من طَرِيق عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أبي جَعْفَر الباقر «فِي قَوْله تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} قَالَ: لم يصبهُ شَيْء من ولادَة الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنِّي خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح».
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْغفار بن الْقَاسِم، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيصٌ عليْكم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم} قَالَ: لم يصبهُ شَيْء من ولادَة الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: وَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «خرجت من نِكَاح غير سفاح».
قَالَ أَبُو نعيم: وَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة، عَن جَعْفَر، عَن أَبِيه مُرْسلا.
قلت: وَهَذَا الْمُرْسل قد وَصله ابْن عدي من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي عمر الْعَدنِي الْمَكِّيّ، ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَلّي بن الْحُسَيْن قَالَ: أشهد عَلَى أبي حَدثنِي عَن أَبِيه، عَن جده عَلّي بن أبي طَالب أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح، من لدن آدم إِلَى أَن ولدني أبي وَأمي، وَلم يُصِبْنِي من سفاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء».
رَابِعهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر، وَفِي إِسْنَاده ضعف.
خَامِسهَا: من طَرِيق أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن ربيعَة المصِّيصِي وَله عَن مَالك وَغَيره أَفْرَاد، وَلم يُتَابع عَلَيْهَا. وَذكره ابْن دحْيَة فِي تنويره من هَذَا الْوَجْه، وَفِيه انتساب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى نزار، وَلَفظه: «خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح» ثمَّ أعله بِعَبْد الله هَذَا، وَقَالَ: خرجه ابْن عدي وَابْن حبَان. ثمَّ ذكر عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه قَالَ: «كتبت للنَّبِي خَمْسمِائَة أمٍّ، فَمَا وجدت فِيهِنَّ سِفَاحًا وَلَا شَيْئا مِمَّا كَانَت عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة».

.الحديث الخَامِس:

«أَن غيلَان أسلم عَلَى عشر نسْوَة، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمسك أَرْبعا مِنْهُنَّ وَفَارق سائرهن».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله فَرَاجعه مِنْهُ.
تَنْبِيه: هَذَا الحَدِيث احْتَجُّوا بِهِ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه إِذا قَالَ لوَاحِدَة مِنْهُنَّ: فارقتك، يكون فسخا، وَلَا دلَالَة فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: «اختر أَرْبعا» فَإِذا اخْتَار اسْتَغنَى فِي المفارقات عَن لفظ فَتعين أَن يكون المُرَاد الْفِرَاق بِالْفِعْلِ لَا بالْقَوْل وَالْكَلَام، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا لم يتَقَدَّم اخْتِيَار المنكوحات، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِهَذَا اللَّفْظ.

.الحديث السَّادِس:

«أَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة أسلم وَعِنْده خمس نسْوَة، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَارق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَأمْسك أَرْبعا. قَالَ: فَقدمت إِلَى أقدمهن ففارقتها».
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه أَيْضا فِي الْبَاب قبله.

.الحديث السَّابِع:

رُوِيَ فِي قصَّة فَيْرُوز الديملي «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: طلق أَيَّتهمَا شِئْت».
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب أَنه أسلم خلق كثير وَلم يسألهم النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن شُرُوط أنكحتهم، وأقرهم عَلَيْهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَعَن إِجْمَاع الصَّحَابَة أَنهم علمُوا من حَال الْمَجُوس أَنهم ينْكحُونَ الْمَحَارِم، وَمَا تعرضوا لَهُم.

.باب مثبتات الْخِيَار:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث أَرْبَعَة: