فصل: باب مَا جَاءَ فِي فَضله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث السَّابِع:

«كَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف فِي كتاب الصّيام.

.الحديث الثَّامِن:

«أَن أَبَا بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه تصدق بِجَمِيعِ مَاله وَقَبله النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُ».
هَذَا الحَدِيث وَقع فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي بَاب لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظَهْر غِنىً، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَن يتْلف أَمْوَال النَّاس قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها أتْلفه الله، إِلَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فيؤثر عَلَى نَفسه وَلَو كَانَ بِهِ خصَاصَة كفعْل أَبَى بكر حِين تصدَّق بِمَالِه كُله».
وَهُوَ حَدِيث صحيحٌ، أخرجه أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزَّكَاة، وَالتِّرْمِذِيّ فِي المناقب، وَالْبَزَّار فِي مُسْنده من رِوَايَة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نتصدَّق، فَوَافَقَ ذَلِك منيِّ مَالا، فَقلت: الْيَوْم أسبقُ أَبَا بكر إِن سبقته، قَالَ: فجئتُ بنصْف مَالِي، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أبقيتَ لأهْلك؟ فَقلت: مثله. فَأَتَى أَبُو بكر بكلِّ مَاله فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيتُ لَهُم الله وَرَسُوله. قلت: لَا أسبقه إِلَى شَيْء أبدا».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن هِشَام بن سعد، عَن زيد، عَن أَبِيه، عَن عمر إِلَّا أَبُو نعيم وَهِشَام بن سعد حدَّث عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَاللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن وهب والوليد بن مُسلم وجمَاعَة كَثِيرَة من أهل الْعلم، وَلم أر أحدا توقف عَن حَدِيثه بعلة توجب التَّوَقُّف عَنهُ.
قلت: لَا جرم أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ كَمَا سلف، وَكَذَا الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الزَّكَاة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم، فَخَالف. فَقَالَ فِي محلاه: فَإِن ذكرُوا صَدَقَة أبي بكر بِمَالِه كلِّه قُلْنَا: هَذَا لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف. ثمَّ سَاقه كَمَا تقدم، وَهِشَام قد احْتج بِهِ مُسلم، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ.
تَنْبِيهَانِ:
الأول: زَاد رُزين فِي كِتَابه فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة، وَهِي: «فَأَتَى أَبُو بكر بكلِّ مَاله وَقد تخَلّل العباءة». وَلم يعزها ابْن الْأَثِير فِي جامعه.
الثَّانِي: وَقع فِي وسيط الْغَزالِيّ زِيَادَة غَرِيبَة أَيْضا، وَهِي: أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي آخِرِه: «بَيْنكُمَا كَمَا بَين كلمتيكما».
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: وَهِي غَرِيبَة لَا تعرف.

.الحديث التَّاسِع:

«أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بصدقةٍ، بِمثل الْبَيْضَة من الذَّهَب، فَقَالَ للنَّبِي: خُذْهَا؛ فَهِيَ صَدَقَة، وَمَا أملك غَيرهَا. فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى أَن أعَاد عَلَيْهِ القَوْل ثَلَاث مراتٍ، ثمَّ أَخذهَا ورَمَاه بهَا رميةً، لَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ ثمَّ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك، فَيَقُول: هَذِه صَدَقَة، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف وُجُوه النَّاس، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غِنَىً».
هَذَا الحَدِيث حسن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد في سنَنه من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، عَن مَحْمُود بن لبيد، عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: كُنَّا عِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ جَاءَ رجل بِمثل بَيْضَة من ذهب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أصبتُ هَذِه من مَعْدن، فَخذهَا فَهِيَ صَدَقَة، مَا أملك غَيرهَا. فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أَتَاهُ من قِبَل رُكْنه الْأَيْمن؛ فَقَالَ مثل ذَلِك؛ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله. ثمَّ أَتَاهُ من قِبَل رُكْنه الْأَيْسَر، فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلفه؛ أَخذهَا النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَحَذَفه بهَا، فَلَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ أَو لَعَقَرته، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك، فَيَقُول: هَذِه صدقتي، ثمَّ يقْعد يَسْتَكِف النَّاس، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهرْ غِنىً».
وَإِسْنَاده جيد، لَوْلَا عنعنة ابْن إِسْحَاق.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقه، لِأَنَّهُ ذكر ابْن إِسْحَاق فِي ثقاته وانتصر لنَفسِهِ، كَمَا أسلفناه عَنهُ فِي الصَّلَاة، وَلَفظه فِي إِيرَاده عَن جَابر قَالَ: «إِنِّي لعِنْد رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، إذْ جَاءَهُ رجل بِمثل الْبَيْضَة من ذِهب قد أَصَابَهَا من بعض الْمَغَازِي، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، خُذ هَذِه منِّي صَدَقَة، فواللَّهِ مَا أصبح لي مَال غَيرهَا. قَالَ: فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجَاءَهُ مِنْ شِقِّه الآخر فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ جَاءَهُ من قِبَل وَجهه، فَأَخذهَا مِنْهُ فَحَذفهُ بهَا حَذْفَةً لَو أَصَابَهُ عقره أَو أوجعهُ ثمَّ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم إِلَى جَمِيع مَا يملك فَيتَصَدَّق بِهِ، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف الناسَ، إِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غِنَىً، خُذْ عَنَّا مَالك؛ لَا حَاجَة لنا بِهِ».
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا من جِهَته ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَمرَاده فِي المتابعات لَا فِي الْأُصُول، لَا جرم قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب: إِنَّه حَدِيث حسنٌ وَحَدِيث جَابر الْآتِي فِي كتاب الْعتْق «ابدأ بِنَفْسِك فتصدَّق عَلَيْهَا». فِي قصةٍ مَعَ الْمُدبر شاهدٌ لَهُ.
فَائِدَة: قَوْله: «حذفه»: اخْتُلِفَ فِي ضَبطه؛ هَل هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَو بِالْمُعْجَمَةِ، فقيده النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب فِي هَذَا الْبَاب بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَكَذَا ابْن معن فِي تنقيبه قَالَ: وَهُوَ الْإِلْقَاء بباطن الْكَفّ، قَالَ: ويُرْوى بِالْخَاءِ- يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ- قَالَ: وَهُوَ الْإِلْقَاء بأطرف الْأَصَابِع. وَقَالَ صَاحب المستعذب عَلَى الْمُهَذّب: حذفه: رَمَاه بهَا وأصل الْحَذف الرَّمْي بالعصا والخذف: الرَّمْي بالحصا. وَكَذَا قَالَ القلعي: «حذفه» بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ: وَلَو رُوي: «فقذفه بهَا قذفة» لَكَانَ أصوب؛ لِأَن الْقَذْف بِالْحجرِ، والحذف بالعصا، وَأما الْخذف- بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة-: فَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بالحصاة وَنَحْوهَا، وتُجعل بَين السبَّابتين ويرمى بهَا. وَقَالَ الْحَافِظ محب الدَّين فِي أَحْكَامه: إِنَّه لَا يبعد أَن تكون الرِّوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِر. وَفِي حَوَاشِي السّنَن لِلْمُنْذِرِيِّ فِي بَاب عَطِيَّة من سَأَلَ بِاللَّه- عَزَّ وَجَلَّ- من كتاب الزَّكَاة الْخذف- بِالْخَاءِ والذال المعجمتين- الرَّمْي بالحصا، والحذف- بِالْحَاء الْمُهْملَة- الرمى بالعصا، و«الْعقر»: الْجرْح هَاهُنَا، وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي الْقَتْل والهلاك، و«رُكْنه» جَانِبه وَفِي «يَتَكَفَّف» تأويلات: أَحدهَا: يمد كَفه للسؤال، أَي: يتَعَرَّض لَهَا وَيَأْخُذ الصَّدَقَة بكفه، ثَانِيهَا: يَأْتِيهم من كففهم أَي من جوانبهم ونواحيهم. ثَالِثهَا: أَن يسألهم كفًّا من طَعَام. رَابِعهَا: يطْلب مَا يكف بِهِ الجوعة. حكاهن صَاحب المستعذب عَلَى المهذَّب وَمن الْأَخير: «يَتَكَفَّفُونَ النَّاس» ووقعَ فِي بعض كتب الْفُقَهَاء: «يَتَكَفَّف» بدل «يَسْتَكِف»، وَهُوَ مَا فِي صَحِيح ابْن حبَان كَمَا أسلفته، وهما صَحِيحَانِ، قَالَ أهل اللُّغَة: يُقَال فِيهِ: تكفف واستكف وَقَوله: «عَن ظهر غِنىً»: قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: عَن غِنىً يعتمده ويستظهر بِهِ عَلَى النوائب. وَذكر الْمَاوَرْدِيّ- من أَصْحَابنَا- لَهُ مَعْنيين، أَحدهمَا: هَذَا، وَثَانِيهمَا: أَن مَعْنَاهُ: الِاسْتِغْنَاء عَن أَدَاء الْوَاجِبَات. قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب: وَالأَصَح مَا قَالَه غَيرهمَا: أَن المُرَاد غِنى النَّفس، أَي: إِنَّمَا تَصلح الصَّدَقَة لمن قويت نَفسه واستغنت بِاللَّه، وثبَّت نَفسه وصبر عَلَى الْفقر.
وَالْقَاضِي حُسَيْن قَالَ: مَعْنَى قَوْله: «عَن ظهْر غِنىً» أَي: وَرَاء الغِنى، قَالَ ابْن دَاوُد- من أَصْحَابنَا-: قيل: لم يسْبق الرَّسُول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى هَذِه اللَّفْظَة.
وَذكر الرافعيُّ فِي الْبَاب أثرا وَاحِدًا، وَهُوَ: عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: «أَنه كَانَ يشرب من سقايات بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، فَقيل لَهُ: أتشرب من الصَّدَقَة؟ فَقَالَ: إِنَّمَا حرم الله علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة».
وَهَذَا الْأَثر بَيَّض لَهُ المنذريُّ ثمَّ النوويُّ، وَهُوَ فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ والْمعرفَة، قبل اللّقطَة: قَالَ الشافعيُّ: أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه: «أَنه كَانَ يشرب من سقايات كَانَ يَضَعهَا النَّاس بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، فَقلت لَهُ- أَو: قيل لَهُ-: أتشرب من الصَّدَقَة؟ فَقَالَ: إِنَّمَا حرمت علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة».
وَقَالَ فِي الْمعرفَة قبيل النِّكَاح: رُوي عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ، وَهُوَ فِي الْأُم أَيْضا، قَالَ ابْن دَاوُد: وَقَول جَعْفَر بن مُحَمَّد ذَلِك لين لِأَن المَاء الْمَوْضُوع عَلَى الطَّرِيق صَدَقَة تطوع، بل طَرِيقه طَرِيق الْإِبَاحَة، إِذْ الصَّدَقَة يملكهَا المتصدَّق عَلَيْهِ ملكا مُفِيدا للتَّصَرُّف، وَلَكِن اسْتعْمل جَعْفَر فِي الْجَواب مَا هُوَ أظهر وَأبين، هَذَا كَلَامه، لَكِن سُؤال السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك لأجل الْخَبَر يدل عَلَى أَنه من الصَّدَقَة، وَإِلَّا لما كَانَ للسؤال عَن ذَلِك مَعْنَى.
آخِرُ رُبْع الْمُعَامَلَات.

.كتاب النِّكَاح:

كتاب النِّكَاح:

.باب مَا جَاءَ فِي فَضله:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ حديثين:

.أَحدهمَا:

قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «تنكاحوا تكثروا».
وَهُوَ حَدِيث ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن الشَّافِعِي بلاغًا، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وبلغنا أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «تنكاحوا تكثروا؛ فَإِنِّي أُبَاهي بكم الأُمم، حَتَّى بِالسقطِ».
وَكَذَا هُوَ فِي الْأُم والْمُخْتَصر وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه مُسْندًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «انْكَحُوا؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم».
وَفِي إِسْنَاده: طَلْحَة بن عَمرو، وَقد ضَعَّفُوهُ، ويغني عَنهُ حديثُ أنسٍ الْآتِي، وأحاديثُ أُخر صَحِيحَة فِي مَعْنَاهُ:
مِنْهَا: حَدِيث معقل بن يسَار- رَفعه:- «تزوَّجوا الْوَلُود الْوَدُود؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم».
أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وسيأتى فِي صفة المخطوبة- إِن شَاءَ الله.
وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة- رَفعه-: «تزوجوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم، وَلَا تَكُونُوا كرهبانية النَّصَارَى».
وَفِي إِسْنَاده: مُحَمَّد بن ثَابت الْعَبْدي، وَقد وثَّقه لوين وَضَعفه غَيره.
وَفِي سنَنه أَيْضا من حَدِيث أنس- رَفعه-: «تزوجوا الْوَلُود الْوَدُود؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأَنْبِيَاء يَوْم الْقِيَامَة».
وَفِي إِسْنَاده: ابْن إِسْحَاق، وَقد صرَّح بِالتَّحْدِيثِ، وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
وَفِي مُعْجم الصَّحَابَة لِابْنِ قَانِع من حَدِيث عَاصِم بن عَلّي، ثَنَا مُحَمَّد بن الْفضل، ثَنَا مُحَمَّد بن سوقة، عَن مَيْمُون بن أبي شبيب، عَن حَرْمَلَة بن النُّعْمَان- رَفعه-: «امْرَأَة ولود أحب إِلَى الله من امْرَأَة حسناء لَا تَلد؛ إِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة».

.الحديث الثَّانِي:

عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «النِّكَاح سُنَّتي؛ فَمَنْ رغب عَن سنتي فَلَيْسَ منيِّ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عِيسَى بن مَيْمُون، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «النِّكَاح من سُنَّتي؛ فَمَنْ لم يعْمل بسُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ، وَتَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم، ومَنْ كَانَ ذَا طول فَلْيَنْكِح، ومَنْ لم يجد فَعَلَيهِ بالصيام؛ فَإِن الصَّوْم وجاءٌ لَهُ».
وَعِيسَى هَذَا ضَعِيف.
ويغني عَنهُ حديثِ أنسٍ الثابتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَعضهم: لَا أتزوجُ، وَقَالَ بَعضهم: أصلِّي وَلَا أَنَام، وَقَالَ بَعضهم: أصومُ وَلَا أفطر، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا وَكَذَا! لكني أَصوم وَأفْطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النِّسَاء؛ فَمَنْ رغب عَن سُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ».
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَورد فِيهِ غير ذَلِك من الْأَخْبَار، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فلنذكَر عشرَة مِنْهَا:
أَحدهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمرو بن العَاصِي رَفعه-: «الدُّنْيَا مَتَاع، وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة».
رَوَاهُ مُسلم.
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه:
«الدُّنْيَا مَتَاع، وَخير متاعها الزَّوْج الصَّالح».
ثَانِيهَا: حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ: «قَالَ لي ابْن عَبَّاس: تزوَّجت؟ قلت: لَا، قَالَ: تزوَّجْ؛ فَإِن خير هَذِه الأُمة كَانَ أَكْثَرهم نسَاء- يَعْنِي: رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثَالِثهَا: حَدِيث الْحسن، عَن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نهَى عَن التبتل» وَقَرَأَ قَتَادَة {وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أزاوجًا وذرية} رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَائِشَة، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَيُقَال أَنه حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ النَّسَائِيّ: إِنَّه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث سَمُرَة.
رَابِعهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه-: «أَربع من سنَن الْمُرْسلين: الْحيَاء، والتعطر، والسواك، وَالنِّكَاح».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقد أسلفنا الكلامَ عَلَيْهِ وَاضحا فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك فِي أول الْكتاب.
خَامِسهَا: حَدِيث ابْن جريج، عَن عمر بن عَطاء، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صرورة فِي الْإِسْلَام». رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رِجَاله كلهم ثِقَات. وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه. وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ: بعضه عَلَى شَرط مُسلم، وَبَاقِيه عَلَى شَرط البُخَارِيّ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي الإِمَام: وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَن عُمرَ بن عَطاء هُوَ ابْن أبي الخوار، وَلَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لَكَانَ الْأَمر عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم وَالْمُنْذِرِي-
أَي: وَالنَّوَوِيّ- وَلَكِن ابْن عدي ذكر لعمر بن عَطاء بن وراز تَرْجَمَة أورد لَهُ فِيهَا هَذَا الحَدِيث من جِهَة عِيسَى بن يُونُس، عَن ابْن جريج، وَمن جِهَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن ابْن جريج وَقَالَ فِي آخر التَّرْجَمَة: ولعُمر بن عَطاء غير مَا ذكرتُ من الحَدِيث، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث، وَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير ابْن جريج، وَذكر عَن عَبَّاس الدوري، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: عمر بن عَطاء الَّذِي يروي عَنهُ ابْن جريج، يحدِّث عَن عِكْرِمَة؛ لَيْسَ هُوَ بِشَيْء، وَهُوَ ابْن وراز، وهُمْ يضعّفونه فِي كلَّ شَيْء عَن عِكْرِمَة، هُوَ عمر بن عَطاء بن وراز، وَعمر بن عَطاء بن أبي الخوار ثِقَة وهُوَ الَّذِي يحدِّث عَنهُ أَيْضا ابْن جريج. وَقَالَ النَّسَائِيّ: عمر بن عَطاء بن وراز ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بالقويّ فِي الحَدِيث.
قلت: وَكَذَا فهم مَا فهمه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، وَذكر فِي أَطْرَافه عقب هَذَا الحَدِيث قولة يَحْيَى بن معِين السالفة، وغلَّط ابْن طَاهِر، الْحَاكِم فِي دَعْوَاهُ السالفة فِي تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب ثمَّ تبيَّن- بِفضل الله ومَنِّه- أَن مَا قَالَه الْحَاكِم هُوَ الصَّوَاب.
قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه: ثَنَا أَبُو يزِيد القراطيسي، ثَنَا حجاج بن إِبْرَاهِيم الْأَزْرَق- وَهُوَ من الثِّقَات- ثَنَا عِيسَى بن يُونُس، عَن ابْن جريج، عَن عمر بن عَطاء بن أبي الخوار، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا صرورة فِي الْإِسْلَام».
فَثَبت بِهَذَا أَن عمر بن عَطاء بن أبي الخوار يرويهِ أَيْضا- وَللَّه الْحَمد- وَهُوَ لم يَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم مَنْسُوبا.
فَائِدَة: الصرورة- بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة-: الَّذِي لم يتَزَوَّج، وَالَّذِي لم يحجّ أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الصرورة فِي الْجَاهِلِيَّة: مَنْ لم يتزوَّج، وَفِي الْإِسْلَام: مَنْ لم يحجّ، حَكَاهُ الْمُطَرز.
سادسها: حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لم يُر للمتحابين مِثْلَ التَّزَوُّج».
رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ؛ لِأَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر بن رَاشد أوقفاه عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، عَن ابْن عَبَّاس. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا، وَقَالَ الْعقيلِيّ: وقْفه أوْلى.
قلت: وَفِي إِسْنَاده: مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي، وَفِيه مقَال، وَمُسلم أخرج لَهُ؛ فَصَحَّ قَول الْحَاكِم أَنه عَلَى شَرطه.
سابعها: حَدِيث عَائِشَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها-:
أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «تزوَّجوا النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ يأتيَنكم بِالْمَالِ».
رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي كِتَابه وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، وَلم يخرجَاهُ؛ لِتَفَرُّد سلم بن جُنَادَة بِسَنَدِهِ، وسلم ثِقَة مَأْمُون.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن الرّبيع بن نَافِع عَن حَمَّاد، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه عُرْوَة أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «انْكَحُوا النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ».
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: وَهُوَ أصح من الْمسند.
ثامنها: من حَدِيث ابْن جريج، عَن مَيْمُون أبي الْمُغلس، عَن أبي نجيح وهُوَ أَبُو عبد الله بن أبي نجيح قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «مَنْ كَانَ مُوسِرًا لِأَن ينْكح فَلم ينْكح؛ فَلَيْسَ منا».
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: هُوَ مُرْسل. وَكَذَا قَالَ الدولابي فِي كُنَاه أَنه مُرْسل. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه: يُشك فِي صحبته.
ثمَّ رَوَى لَهُ مَعَ هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر، وَذكره ابْن عبد الْبر فِي استيعابه فِي جملَة الصَّحَابَة وَقَالَ: لَهُ حَدِيث وَاحِد فِي النِّكَاح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَهُوَ يُقَوي مَا تقدم عَن الْبَيْهَقِيّ ومَنْ وَافقه.
تاسعها: حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ثَلَاثَة حق عَلَى الله أَن يعينهم: الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله، والناكح يُرِيد أَن يستعفف، وَالْمكَاتب يُرِيد الْأَدَاء».
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. وَالْحَاكِم فِي موضِعين من مُسْتَدْركه فِي هَذَا الْبَاب، وَبَاب الْكِتَابَة، وَقَالَ فيهمَا: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله: اخْتلف فِي رفْعِهِ وَوَقفه، ورفْعُهُ صَحِيح.
عَاشرهَا: حَدِيث أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «مَنْ رزقه الله امْرَأَة صَالِحَة فقد أَعَانَهُ عَلَى شطر دينه، فليَتَّق الله فِي الشّطْر الثَّانِي».
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن الْأَصَم، ثَنَا أَحْمد بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، ثَنَا عمر بن أبي سَلمَة التنيسِي، ثَنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد، أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد، عَن أنس بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن عقبَة الْأَزْدِيّ مدنِي ثِقَة مَأْمُون.
وَفِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه من حَدِيث أنس أَيْضا مَرْفُوعا: «مَنْ تزوج امْرَأَة فقد أُعْطِي نصف الْعِبَادَة» وَفِي إِسْنَاده: زيد العمِّي، وَهُوَ ضَعِيف.
وَفِي سنَن أبي دَاوُد ومُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لمَّا نزلت هَذِه الْآيَة: وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة كَبُر ذَلِك عَلَى الْمُسلمين، قَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أَنا أُفَرِّج عَنْكُم؛ فَانْطَلقُوا، فَقَالَ: يَا نَبِي الله؛ إِنَّه كبُر عَلَى أَصْحَابك هَذِه الْآيَة! فَقَالَ: إِنَّه مَا فرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب مَا بَقِي من أَمْوَالكُم، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَوَارِيث لتَكون لمن بعدكم. قَالَ: فَكبر عُمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقَالَ: أَلا أخْبركُم بِخَير مَا يكنز: الْمَرْأَة الصَّالِحَة؛ إِذا نظر إِلَيْهَا سرَّته، وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته، وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته».
قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّيْن فِي الإِمَام فِي كتاب الزَّكَاة: اخْتلف فِي إِسْنَاده. ثمَّ ذكره مُبينًا وَالْحَمْد لله حق حَمده.

.باب فِي خَصَائِص رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تِسْعَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

رُوي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «كُتِب عليَّ رَكعَتَا الضُّحَى، وهما لَكمَا سُنَّة».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بمرَّة، تقدم بَيَانه فِي صَلَاة النَّفْل وَاضحا بِكَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ.
وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث جَابر الْجعْفِيّ، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس- رَفعه-: «أُمرت بركعتي الضُّحَى، وَلم تُؤمروا بهَا، وأُمرت بالأضحى وَلم يُكتب عَلَيْكُم».
وَفِي لفظ لَهُ: «كُتب عليَّ النَّحْر، وَلم يُكتب عَلَيْكُم، وَأمرت بركعتي الضُّحَى، وَلم تؤمروا بهَا».
وَجَابِر عرفتَ حالَه فِي غير مَا موضعٍ، وَقد سلف فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَيْضا.

.الحديث الثَّانِي:

رُوي: أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ثَلَاث كُتبت عليَّ وَلم تُكتب عَلَيْكُم: السِّوَاك، وَالْوتر وَالْأُضْحِيَّة».
هَذَا الحَدِيث هُوَ الَّذِي قبله، وَإِن غاير الرَّافِعِيّ بَينهمَا، وَلم أر فِيهِ السِّوَاك. وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أم سَلمَة مَرْفُوعا: «مازال جِبْرِيل يوصيني بِالسِّوَاكِ، حَتَّى خشيتُ أَن يدردرني».
قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رَوَى عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمِرَ بِالْوضُوءِ لكل صلاةٍ، طَاهِرا وَغير طَاهِر، فلمَّا شَقَّ ذَلِك عَلَيْهِ: أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لكلِّ صلاةٍ».
قلت: وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب السِّوَاك.

.الحديث الثَّالِث:

عَن عَائِشَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «ثلاثٌ هِيَ عليَّ فَرِيضَة، وَهِي لكم سُنَّة: الْوتر، والسواك، وَقيام اللَّيْل».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ البيهقيُّ فِي خلافياته وسنَنه من حَدِيث مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- قَالَت: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «ثَلَاثَة عليَّ فَرِيضَة، وَهِي لكم سُنَّة...» الحَدِيث.
ثمَّ قَالَ: مُوسَى هَذَا: ضَعِيف جدًّا، وَلم يثبت فِي هَذَا إِسْنَاد. وَقَالَ ابْن حبَان: مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: دجَّالٌ وضع عَلَى ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس كتابا فِي التَّفْسِير، وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث.

.الحديث الرَّابِع:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرَّ نِسَاءَهُ». هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن «أَن عَائِشَة أخْبرته أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءها حِين أمره الله تَعَالَى أَن يُخَيّر أَزوَاجه قَالَت: فَبَدَأَ بِي فَقَالَ: إِنِّي ذاكرٌ لكِ أمْرًا؛ فَلَا عليكِ أَن لَا تَسْتَعْجِلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، وَقد عَلِمَ أَن أَبَوي لم يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الله قَالَ: يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِلَى تَمام الْآيَتَيْنِ، فَقلت لَهُ: فِي هَذَا أَستَأْمر أَبَوي؟ فَإِنِّي أُرِيد اللَّهَ ورسولَهُ والدارَ الْآخِرَة».
وَفِي رِوَايَة لَهما: «وفَعَلَ أَزوَاج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَا فعلت».
وَفِي رِوَايَة لَهما: «خيَّرنا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يعدهَا شَيْئا».
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْمعْنَى فِي إِيجَاب الله عَلَى رسولِهِ تَخْيِير نِسَائِهِ بَين مُفَارقَته وَاخْتِيَار زِينَة الدُّنْيَا وَبَين اخْتِيَاره، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك الْآيَة، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام: آثَرَ لنَفسِهِ الْفقر وَالصَّبْر عَلَيْهِ فَأمر بتخييرهن لِئَلَّا يكون مكْرها لَهُنَّ عَلَى الْفقر وَالصَّبْر.
قلت: فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: حَدثنِي عُمرُ بْنُ الْخطاب، وَذكر الحديثَ فِي اعتزال النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نِسَاءَهُ، قَالَ: «فدخلتُ عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مُضْطَجع عَلَى حَصِير قد أثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فجلستُ فبكيتُ، فَقَالَ: مَا يبكيك يَا عمر؟! فَقلت: يَا رَسُول الله-- إِن كسْرَى وَقَيْصَر فِيمَا هما فِيهِ وَأَنت رَسُول الله! فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما ترْضَى أَن تكون لَهُم الدُّنْيَا، وَلنَا الْآخِرَة؟».
مختصرٌ مِنْهُمَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «اللَّهُمَّ اجْعَل رزْقَ آل محمدٍ قُوتًا».

.الحديث الخَامِس:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يجب عَلَيْهِ إِذا رَأَى مُنْكرا أَن يُنكر عَلَيْهِ ويغيِّره».
هَذَا صَحِيح، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- قَالَت: «مَا خُيرِّ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أَمريْن إِلَّا أَخذ أيْسَرَهما مَا لم يكن إِثْمًا، فَإِذا كَانَ إِثْمًا كَانَ أبْعَدَ النَّاس مِنْهُ، وَمَا انتقم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لنَفسِهِ إِلَّا أَن تُنْتَهَكَ حُرْمَة الله؛ فينتقم للَّهِ».