فصل: (فرع: يرقى إلى الصفا بعد ركعتي الطواف)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: يرقى إلى الصفا بعد ركعتي الطواف]

فإذا فرغ الطائف من ركعتي المقام.. فالمستحب له: أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده، ويمسح بها وجهه. وإن أراد السعي.. خرج من باب الصفا؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك لما فرغ من ركعتي المقام».

.[مسألة:وجوب السعي بين الصفا والمروة]

ثم يسعى بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج والعمرة، إذا تركه.. لم يحل من إحرامه، ولم ينجبر بالدم. وبه قال من الصحابة عائشة. ومن الفقهاء: أحمد، ومالك.
وقال أبو حنيفة: (هو واجب وليس بركن، فإن تركه.. جبره بالدم). وروي ذلك: عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وأنس.
دليلنا: ما روي «عن صفية بنت شيبة، عن جدتها حبيبة ـ إحدى نساء بني عبد الدارـ: أنها قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين لأنظر إلى رسول الله وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي». وهذه اللفظة أبلغ لفظة في كون السعي فرضا.
وأما قول الله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} الآية [البقرة: 158]
وقيل: إن أصل السعي بينهما: أن أم إسماعيل بن إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - سعت من ناحية الصفا إلى ناحية المروة، في طلب الماء لإسماعيل سبع مرات، حتى أنبع الله ماء زمزم، ثم جعل الله تعالى ذلك شرعا.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن السعي لا يصح إلا بعد طواف؛ لـ: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم مكة.. طاف للقدوم، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة».
قال الشيخ أبو نصر: ويجوز لمن أحرم بالحج من مكة، إذا طاف للوداع لخروجه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: (لا يجوز تقديم السعي لمن أحرم بالحج من مكة، وإنما يجوز ذلك للقادم).
دليلنا: ما روي: (أن ابن عمر كان يفعل ذلك، إذا أحرم من مكة). وروي: (أن ابن الزبير لما أهل هلال ذي الحجة.. أهل وطاف وسعى وخرج). وأجاز ذلك القاسم بن محمد. ولأنه: إذا جاز ذلك لمن أحرم من غير مكة.. جاز ذلك لمن أحرم منها. والمستحب: أن يوالي بين الطواف والسعي.
قال الشيخ أبو حامد: فإن فرق بينهما بيوم أو شهر أو سنة.. أجزأه؛ لأنهما ركنان في الحج، فلم تجب الموالاة بينهما، كالوقوف والطواف.
وهكذا قال القفال، إلا أنه قال: يجوز الفصل بينهما بما شاء من الزمان إلا أن يتخللهما ركن، مثل: أن يطوف للقدوم، ثم يقف بعرفة، ثم يسعى بين الصفا والمروة.. فإنه لا يحتسب له بذلك، لا لوقوع الفصل بينهما؛ ولكن لأن السعي يجب أن يكون تبعا للطواف وهاهنا يكون السعي تبعا للوقوف، فلم يجز. هذا مذهبنا.
وقال عطاء وبعض أصحاب الحديث: إذا قدم السعي على الطواف.. جاز.
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر.

.[فرع: ترتيب السعي وحسابه]

الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة.
وقال عطاء: إن بدأ بالمروة وكان جاهلا.. أجزأه.
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما خرج إلى السعي.. تلا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]. ثم قال: «ابدءوا بما بدأ الله تعالى به " وبدأ بالصفا، حتى فرغ من آخر سعيه على المروة».
فإذا مشى من الصفا إلى المروة.. احتسب له بذلك مرة، فإذا مشى من المروة إلى الصفا.. احتسب له بذلك مرة ثانية، حتى يستوفي المشي بينهما سبع مرات، ويحصل له الوقوف على كل واحد من الصفا والمروة أربع مرات.
وحكي: أن أبا بكر الصيرفي وابن خيران قالا: لا يحتسب له بمرة حتى يمشي من الصفا إلى المروة، ثم يرجع إلى الصفا، كالطواف بالبيت لا يحتسب له بمرة حتى يعود إلى الموضع الذي بدأ منه. وهو قول ابن جرير الطبري.
والمذهب الأول؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدأ بالصفا، وفرغ من آخر سعيه بالمروة». وهذا لا يكون إلا على ما ذكرناه، وما ذكروه من الطواف.. فهو الحجة عليهم؛ لأن الطواف بالبيت لا يمكنه استيفاء الطوفة الواحدة حتى يبلغ من الحجر إلى الحجر، وفي السعي بين الصفا والمروة، إذا مشى من الصفا إلى المروة.. فقد استوفى السعي بينهما، فاحتسب بذلك مرة، كالطواف بالبيت.

.[فرع: الصعود على الصفا والمروة]

والدعاء وصفة السعي بينهماويرقى على الصفا، حتى يرى البيت ويستقبله، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولوكره الكافرون. ويقول ذلك ثلاثا؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ذلك على الصفا والمروة». ثم يدعو لنفسه بما أحب من أمر الدين والدنيا؛ لما روي: (أن ابن عمر كان يدعو لنفسه على الصفا والمروة).
فإذا فرغ.. نزل ومشى حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد نحو من ستة أذرع، ثم يسعى سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، فيقطع السعي الشديد، ويمشي على سجية مشيه حتى يصعد المروة ويستقبل البيت، ويدعو عليها بمثل ما دعا على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع المشي، ويسعى في موضع السعي؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نزل من الصفا.. مشى، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي.. سعى سعيا شديدا» وإنما فعل ذلك؛ لأنه كان بحذاء السوق، وقد كانت قريش قعدت له لتنظر إليه كيف يسعى؟ فسعى سعيا شديدا إلى الموضع الذي غاب عنهم، يقصد بذلك تكذيبهم بقولهم: إن محمدا وأصحابنا قد نهكتهم حمى يثرب. فإن ترك السعي الشديد ومشى في الجميع.. جاز؛ لما روي: «أن ابن عمر كان يمشي بينهما، وقال: قد رأيت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمشي بينهما».
قال الشيخ أبو إسحاق: ويستحب أن يقول في سعيه: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم؛ لما روي: «أن امرأة من بني نوفل قالت سمعت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ذلك في سعيه».
وأما الشيخ أبو حامد: فذكر: أنه يقول ذلك في الطواف، ولم يذكر في حال السعي ذكرا.
فإن سعى راكبا.. جاز، سواء كان لعذر أو لغير عذر، غير أن المستحب: أن يسعى ماشيا.
وقال عروة بن الزبير وعائشة: (يكره له أن يسعى راكبا).
وقال أبو ثور: (لا يجزئه، وتلزمه إعادته).
وقال أبو حنيفة: (يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى بلده.. أجزأه، وعليه دم)
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طاف بالبيت على راحلته، وبين الصفا والمروة».
وعن أنس: (أنه كان يطوف بينهما على حمار).
فإن لم يرق على الصفا والمروة.. أجزأه.
وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يجزئه؛ لأنه لا يمكنه استيفاء ما بينهما إلا بأن يرقى عليهما.
والمذهب الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، والمراد: السعي بينهما. وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه كان يقف في حوض في أسفل الصفا، ولا يرقى عليه) ولا مخالف له.
وأما استيفاء ما بينهما: فيمكنه ذلك بأن يلصق عقبه بهما، فإن أخل أحد بشيء مما بينهما وإن قل.. لم يجزه.

.[فرع: استحباب الطهارة للسعي وقطعه وسعي المرأة]

والمستحب إذا سعى: أن يكون على طهارة؛ لأنه قربة وعبادة، فاستحب أن يكون فيها على طهارة.
فإن سعى محدثا أو جنبا أو كانت المرأة حائضا أو نفساء.. صح؛ «لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة وقد حاضت: «اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» فخص الطواف بالنهي، فدل على أن فعل الباقي جائز.
فإن عرض له عارض في السعي فقطعه وطال الزمان.. استحب له أن يستأنف، فإن بنى عليه.. جاز قولا واحدا، بخلاف الطواف؛ لأنه لا يفتقر إلى الطهارة، فلم يقطعه الفصل الطويل، كالوقوف والرمي.
وإن كانت امرأة ذات جمال.. سعت ليلا، خوف الافتتان بها، وتمشي في الجميع، كما قلنا في الطواف.

.[مسألة:خطب الحج أربع والتعريف بيوم التروية]

قال الشافعي: (ويخطب الإمام يوم السابع من ذي الحجة بعد الظهر].
وجملة ذلك: أن الخطب في الحج أربع:
خطبة يوم السابع بمكة، وخطبة بعرفة، وخطبة بمنى يوم النحر، وخطبة بمنى يوم النفر الأول، وكلها بعد الصلاة إلا خطبة عرفة.. فإنها قبل الصلاة.
وقال أحمد: (لا تسن الخطبة يوم السابع).
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الظهر بمكة يوم السابع وخطب».
إذا ثبت هذا: فإنه يعلمهم المناسك.
قال الشافعي: (وإن كان فقيها.. قال: هل من سائل؟ ويأمرهم بالخروج في يوم التروية ـ وهو اليوم الثامن ـ إلى منى).
قال الصيمري وسمي يوم التروية؛ لأن جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أرى إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مناسكه في هذا اليوم.
وقيل: لأن آدم ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى حواء فيه عندما أهبط إلى الأرض.
وقيل: لأن الناس يتروون الماء ويحملونه في الروايا إلى منى. وهذا هو المشهور.
قال ابن الصباغ: فإن وافق يوم السابع يوم الجمعة.. صلى، ثم خطب بعد الصلاة؛ لما ذكرناه. وإن وافق يوم التروية يوم الجمعة.. أمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر؛ لأن الفجر إذا طلع.. لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة في أحد القولين.
قال الشافعي: (ولا تصلى الجمعة بمنى، ولا بعرفات إلا أن تحدث فيهما قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلا).

.[فرع: الرواح إلى منى وما يصنع الإمام والناس حتى وصولهم عرفة]

قال الشافعي: (ويأمرهم بالغدو بكرة إلى منى). وقال في موضع آخر (يروحون إلى منى).
وليست على قولين، بل هم مخيرون: بين أن يغدوا بكرة، وبين أن يروحوا بعد الزوال، وهذا أولى؛ لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه: «إذا توجهتم إلى منى رائحين.. فأهلوا». فندبهم إلى الرواح.
ويصلون الظهر والعصر والمغرب والعشاء بمنى، ويبيتون بها.
قال الشيخ أبو حامد: وهذه البيتوتة بمنى ليست بواجبة ولا بسنة، وإنما هي هيئة إن فعلها.. فقد أحسن، وإن تركها.. فلا شيء عليه.
فإذا صلى الإمام الصبح بمنى.. وقف، فإذا طلعت الشمس على ثبير ـ وهو أعلى جبل بمنى ـ سار إلى عرفة، فإذا بلغ إلى وادي عرنة.. نزل بنمرة ـ وهي بعرفة، وليست من عرفة ـ فإذا زالت الشمس سار إلى مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الصبح بمنى، فلما بزغت الشمس.. رحل في أول بزوغها إلى عرفات، فلما بلغ إلى عرفة.. أمر فضربت له قبة من شعر».
وروي: «من أدم حمراء بنمرة، فنزل بها حتى زالت الشمس.. ثم سار إلى المسجد، فجمع بين الظهر والعصر».
فإذا بلغ الإمام مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.. صعد المنبر، فخطب الخطبة الأولى وأوجز، ثم يجلس بعدها بقدر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، ويبدأ المؤذن بالأذان، ويكون فراغ الإمام من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن من الأذان.
وقال أبو حنيفة: (يأمر المؤذن بالأذان، ثم يخطب بعده كالجمعة).
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما زالت الشمس.. صعد المنبر وخطب الخطبة الأولى، ثم جلس وأمر المؤذن بالأذان، ثم قام فخطب الخطبة الثانية، ثم أمره فأقام الصلاة».
فأخبر: أنه أمر بالأذان بين الخطبتين، فدل على أن هذا هو السنة، هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وذكر ابن الصباغ: أنه يأمر بالأذان عند قيامه في الخطبة الثانية، فإذا فرغ الإمام من الخطبتين، فإن كان مسافرا.. فله أن يقصر الظهر والعصر، ويجمع بينهما، وكذلك من بعده من المسافرين.
قال الشافعي: (وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعا.. أتموا الصلاة ولم يقصروا، فإذا خرجوا يوم التروية، ونووا الرواح إلى بلدهم عند الفراغ من نسكهم.. كان لهم أن يقصروا الصلاة؛ لأنهم قد أنشئوا سفرا تقصر فيه الصلاة. وأما أهل مكة ومن فيها من المقيمين: فلا يجوز لهم القصر، وكذلك لا يجوز للإمام إذا كان مقيما القصر، ويتم من خلفه من المسافرين).
وقال مالك: (يجوز القصر للمسافرين بعرفة وأهل مكة ومن بها من المقيمين)
واحتج بـ: (أن ابن عمر أتم الصلاة بمكة، وقصر بعرفة).
وأيضا فـ: «إن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصر بعرفة وكان معه أهل مكة وغيرهم، فلم ينههم عن ذلك».
دليلنا: قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد» وذلك: بين
مكة إلى عسفان والطائف. وهذا نص، في أنه قد نهاهم عن القصر فيما دون ذلك. وأما ابن عمر: قال الشافعي: (فإنه أتم بمكة؛ لأنه كان مقيما بها، ولما خرج إلى عرفة.. صار على السفر، ونوى أن ينفر إلى المدينة عند الفراغ من نسكه، فلذلك قصر الصلاة).
وأما الجمع بعرفة لأهل مكة ومن كان مقيما بها: فقال الشيخ أبو حامد: إن قلنا: يجوز الجمع في السفر القصير.. جاز لهم الجمع، وإن قلنا: لا يجوز لهم الجمع إلا في السفر الطويل.. لم يجز لهم الجمع، بل يصلون الظهر في وقتها، والعصر في وقتها.
قال المسعودي [في "الإبانة" ق\203] هل الجمع بعرفة لأجل النسك أو لأجل السفر؟ فيه وجهان.
وهذا إنما يكون على القول الجديد، الذي يقول: (لا يجوز الجمع في السفر القصير).
فإذا قلنا: إنه للنسك جاز الجمع فيها لأهل مكة وغيرهم، وهو قول القاضي أبي القاسم الصيمري..
وإذا قلنا: إنه للسفر.. اختص بأهل السفر الطويل.
وقال أبو حنيفة: (إن صلوا مع الإمام.. جاز لهم الجمع، وإن صلوا منفردين... لم يجز لهم الجمع). وهذا غلط؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما مع الإمام
وجب أن يجوز الجمع بينهما منفردا، كالصلاتين بالمزدلفة؛ فإن أبا حنيفة وافقنا عليهما.

.[مسألة:دخول النبي صلى الله عليه وسلم عرفة والتعريف بها]

فإذا فرغ من الصلاة في مسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.. راح إلى الموقف لما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فرغ من الصلاة.. ركب ناقته القصواء، وراح إلى الموقف، ووقف».
و(الوقوف بعرفة): ركن من أركان الحج، وهو من أعظم أركانه؛ لأن فوات الحج وإدراكه يتعلق به.
والدليل عليه: قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحج عرفة، فمن أدرك عرفة.. فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة.. فقد فاته الحج»
وروي: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف بعرفة»، وقال: «خذوا عني مناسككم»
قال الصيمري: وسميت عرفة؛ لتعريف جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فيها مناسكه.
وقيل: لأن آدم عرف فيها حواء.
وقيل: لحصول الناس في موضع عال، والعرب تسمي العالي: عرفة وأعرافا.
ويستحب الاغتسال للوقوف؛ لأنه موضع يجتمع فيه الناس للعبادة، فسن فيه الاغتسال كالجمعة.
و(حد عرفة): ما بين الجبل المشرف على بطن عرفة إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا.
وأما وادي عرنة، والمسجد: فليس من عرفة.
وقال مالك: (هو من عرفة).
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة». وروي: «عرفة كلها موقف إلا وادي عرنة» ".
والأفضل أن يقف عند الصخرات السود عند جبل الرحمة؛ لأن آدم ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن بعده والنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة وقفوا عندها، وإن وقف في أي موضع شاء من عرفة.. صح.
قال الشافعي: (وأي موضع خلا بنفسه... كان أفضل؛ ليتوفر على الدعاء والذكر). ويستحب أن يكون مستقبل القبلة، لـ: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف مستقبلا القبلة) وقال ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»
ويستحب للإنسان يوم عرفة أن يكثر من قراءة القرآن والذكر، والصلاة، ويكثر في دعائه قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ لما روى طلحة بن عبيد الله: أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له». وروي: «أنه كان يكثر في دعائه عشية يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير».
وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقيل له: هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما سمعت بقول الشاعر:
إذا أثنى عليك المرء يوما ** كفاه من تعرضه الثناء

ويستحب أن يرفع يديه في الدعاء؛ لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ترفع الأيدي عند الموقفين - يعني - عند عرفة، والمشعر الحرام».
وهل الأفضل أن يكون راكبا؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أن الراكب والنازل سواء.
والثاني: أن الراكب أفضل، وهو الأصح لـ: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف راكبا»، ولأنه أقوى على الدعاء، ولهذا: كان الإفطار بعرفة أفضل؛ لأنه أقوى على الدعاء.

.[فرع: زمن الوقوف بعرفة وصفة الواقف بها]

وأول وقت الوقوف: إذا زالت الشمس يوم عرفة، وآخره: إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال أحمد: (جميع يوم عرفة وقت للوقوف).
وقال مالك: (الاعتماد في الوقوف هو الليل، والنهار تبع له، والأفضل أن يجمع بينهما، فإن وقف بالليل دون النهار.. أجزأه، وإن وقف بالنهار دون الليل.. لم يجزه).
دليلنا ـ على أحمد ـ: ما روي في حديث جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما صلى الصبح بمنى يوم عرفة.. مكث حتى طلعت الشمس، ثم سار إلى نمرة، فضربت له بها قبة من أدم، فنزل بها حتى زالت الشمس، فسار إلى المسجد فخطب وصلى، ثم راح إلى الموقف» ولو كان ما قبل الزوال وقتا للوقوف.. لكان يغدو إليها؛ لأن حصوله في موضع الطاعة والقربة أفضل وأكثر للثواب من نزوله في غيرها.
والدليل ـ على مالك ـ: ما روي «عن الحارث بن مضرس: أنه قال: أتيت النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله أتيت من جبل طيئ أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، ولم أدع حبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف معنا بعرفة ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه، وقضى تفثه». قال ابن الصباغ: و(الحبل): هو الواحد من حبال الرمل.
وأيضا فـ: (إن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف الكثير من النهار، والجزء اليسير من الليل)، فلو كان الليل هو الاعتماد في الوقوف.. لكان يقف أكثر الليل وأقل النهار.
وأما قدر الإجزاء: فإذا حصل بعرفة ـ من حين الزوال إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر ـ لحظة: إما قاعدا أو قائما أو راكبا أو سائرا.. فإنه يجزئه؛ لحديث الحارث بن مضرس.
قال الشيخ أبو حامد: وليس مسيره فيها بأكثر من مشي المعتكف في المسجد.
ولو اعتكف الرجل في المسجد فلم يجلس، بل لا يزال يمشي في المسجد من أحد طرفيه إلى الآخر.. أجزأه؛ لأن (الاعتكاف): هو اللبث في المسجد، وقد وجد منه ذلك، فكذلك هذا مثله.
وإن وقف بعرفة وهو نائم.. أجزأه؛ لأنه كالمستيقظ في الحكم.
وحكى ابن القطان في النائم وجها آخر: أنه لا يصح، وليس بشيء.
وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون.. فالمشهور: أنه لا يجزئه؛ لأنه لو أغمي عليه أو جن جميع نهار يوم من رمضان.. لم يصح صومه، ولو نام جميع نهار رمضان.. صح صومه.
وحكى ابن القطان وجها آخر: أنه يصح، وليس بشيء.
فإن وقف بعرفة سكران من غير معصية.. فهو كالمغمى عليه، وإن كان سكران بمعصية.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري:
أحدهما: لا يجزئه؛ تغليظا عليه.
والثاني: يجزئه: لأنه في حكم الصاحي.
وإن وقف بعرفة وهو لا يعلم أنها عرفة.. فالمشهور: أنه يصح؛ لحديث الحارث بن مضرس؛ لأنه قال: لم أدع حبلا إلا وقد وقفت عليه ـ فلو كان يعلم عرفة.. لم يحتج إلى الوقوف بغيرها ـ فقال له النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف معنا بعرفة ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه». ولم يفرق بين أن يكون عرفها أم لا.
وحكى ابن القطان وجها آخر عن ابن الوكيل: أنه لا يجزئه ـ وهو قول أبي ثور ـ وليس بشيء.
إذا ثبت هذا: فإن الأفضل أن يقف من حين الزوال إلى أن تغرب الشمس من ليلة النحر، ثم يدفع من عرفة؛ لما روى علي: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف بها حتى غابت الشمس، ثم دفع منها».
وروى المسور بن مخرمة: أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفة إذا صارت الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لندفع بعد غروب الشمس مخالفة لأهل الشرك والأوثان».
فإن دفع منها قبل غروب الشمس ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من يوم النحر أراق دما، وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه واجب، ـ وبه قال أبو حنيفة ـ لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف بعرفة إلى أن غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وقد قال النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك نسكا.. فعليه دم» ولأن الوقوف ركن، فإذا لم يأت به على الوجه المشروع، بل أخل ببعضه.. أجزأه، ولزمه الدم، كما لو أحرم دون الميقات.
والثاني: أنه مستحب؛ لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحارث بن مضرس: «وكان قد وقف معنا ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه» وتمامه يقتضي: أن لا دم عليه؛ لأن الدم يراد لجبر النقص. ولأنه وقف في أحد زماني الوقوف، فلم يجب عليه الدم، كما لو وقف بالليل دون النهار.
وإن رجع إليها بعد الغروب.. سقط عنه الدم.
وقال أبو حنيفة: (لا يسقط)، وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين.
دليلنا: أنه جمع في وقوفه بين الليل والنهار، فسقط عنا الدم، كما لو رجع قبل الغروب ووقف حتى غربت، ثم دفع.