فصل: (فرع: السهو في النوافل)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة:محل سجود السهو]

قال الشافعي: (فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد.. سجد سجدتي السهو).
واختلف الناس في محل سجود السهو: فذهب الشافعي في عامة كتبه إلى: (أن محلَّه قبل السلام) سواءٌ كان لزيادة، أو نقصان، وروي ذلك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والزهري، وربيعة، والليث، والأوزاعي.
ومن أصحابنا من حكى للشافعي قولاً في القديم: (أنه إن كان السهو لنقصان.. كان محل سجود السهو قبل السلام، وإن كان لزيادة.. فمحله بعد السلام). وهو مذهب مالك، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والمزني.
وحكى الطبري في "العدة": أن من أصحابنا من حكى أن الشافعي أشار في القديم: (أنه مخير بين أن يسجد قبل السلام، أو بعده). والمشهور من المذهب هو الأول.
وقال الحسن البصري، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: (محله بعد السلام، سواءٌ كان لزيادة، أو نقصان)، وروي ذلك عن عليٍّ، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار.
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري في أول الباب، وروي عن عبد الله ابن بحينة: أنه قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحدى صلاتي العشاء، فقام من اثنتين، فقام الناس معه، فلما جلس.. انتظر الناس تسليمه، فسجد قبل أن يسلم».
وكذلك: رواه عمر، وابن عباس.
وروي عن أبي هريرة: أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السجود قبل السلام».
ولأنه يفعل لتكمل الصلاة به، فكان محله قبل السلام، كما لو نسي سجدة من صلب الصلاة.
فإذا قلنا: محله قبل السلام، فسلم قبل سجود السهو عامدًا، وأراد السجود من قريب.. ففيه وجهان، حكاهما بعض أصحابنا المتأخرين:
أحدهما: لا يسجد؛ لأنه قد قطع الصلاة بالتسليم.
والثاني: حكمه حكم ما لو سلَّم ناسيًا، فيسجد.
فإن سلَّم ناسيًا لسجود السهو، ثم ذكر من قريب.. سجد للسهو؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الظهر خمسًا وسلّم، فقيل له في ذلك، فسجد بعد السلام».
وما حكم سلامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وإليه ذهب أبو زيد المروزي، والجويني -: أنه يسقط، كما لو سلَّم ناسيًا في غير موضعه.
فعلى هذا: لا يحتاج إلى إعادة التشهد؛ لأنه قد عاد إلى أصل صلاته، فلو أحدث في هذه الحالة.. بطلت صلاته.
والثاني: أن السلام قد وقع موقعه، وتحلل من الصلاة.
فعلى هذا: إذا أحدث في هذه الحالة.. لم تبطل صلاته؛ لأن السلام لو لم يقع موقعه، لزمه الرجوع إليه.
فعلى هذا: هل يعيد التشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يتشهد ويسلم، وهو ظاهر كلام الشافعي، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأن هذا أشبه بأفعال الصلاة؛ لأن من حكم الصلاة أن يكون السلام عقيب التشهد.
والثاني - وهو اختيار ابن الصباغ، والطبري في "العدة" -: أنه لا يتشهد؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى الظهر خمسًا، فقيل له في ذلك، فسجد سجدتين بعدما سلَّم». ولم يذكروا أنه تشهد.
ولأنه إنما ترك السجود وحده، فلا يعيد ما قبله، كما إذا نسي شيئًا من صلب الصلاة، فإنه لا يعيد ما قبله.
قال الطبري: فإذا قلنا يتشهد.. ففيه وجهان.
أحدهما: أنه يسجد للسهو، ثم يتشهد، ثم يسلم، وبه قال أبو حنيفة؛ ليكون السلام عقيب التشهد.
والثاني: يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم يسلم، وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراييني؛ لأن سنَّة سجود السهو أن يكون عقيب التشهد.
وإن سلم ناسيًا لسجود السهو، ثم ذكر بعد تطاول الفصل.. فيه قولان:
الأول: قال في القديم (يسجد)؛ لأنه جبران للعبادة، فجاز الإتيان به بعد تطاول الفصل، كالجبران في الحج.
فعلى هذا: حكمه حكم ما لو لم يتطاول الفصل.
والثاني: قال في الجديد: (لا يسجد)، وهو الأصح؛ لأنه يفعل لتكميل الصلاة، فلم يفعله بعد تطاول الفصل، كما لو ترك سجدة من الصلاة، فذكرها بعد السلام، وبعد تطاول الفصل.
وأما حد القرب والبعد في ذلك: فحكى المحاملي فيه قولين:
الأول: قال في الجديد: (المرجع فيه إلى العرف والعادة).
والثاني: قال في القديم: (القرب: ما لم يقم من مجلسه، والبعد هو: إذا قام من مجلسه).
وقال الحسن البصري، وابن سيرين: يسجد، ما لم يلتفت من محرابه.
وقال أبو حنيفة: (يسجد ما لم يتكلم أو يخرج من المسجد).
دليلنا للأول - وهو الأصح -: أنه لا حد لهذا في لغة، ولا في الشرع، فرجع فيه إلى العرف والعادة، كالقبض، والحرز.
وأما إذا قلنا: إن محل سجود السهو بعد السلام للزيادة.. قال الشيخ أبو حامد والمحاملي: فإنه يكبر، ويسجد سجدتي السهو، ويتشهد، ويسلم، بلا خلاف، على المذهب؛ لما روي عن عمران بن الحصين: أنه قال: «صلَّى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة، فسها فيها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم»، ولأن هذا أشبه بترتيب الصلاة.

.[فرع: السهو في النوافل]

إذا سها في صلاة النفل.. سجد للسهو، ومن أصحابنا من حكى فيه قولاً آخر: أنه لا يسجد للسهو في صلاة النفل. وبه قال ابن سيرين.
والمذهب الأول؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لكل سهو سجدتان». ولم يفرق بين الفرض والنفل.
ولأنها عبادة يدخل الجبران في فرضها، فدخل في نفلها، كالحج، ويسلم بعد سجود السهو تسليمتين.
وقال النخعي: لا يسلم فيه إلا تسليمة واحدة. وكذلك قال في صلاة الجنازة.
دليلنا: أنه سجود مشروع، فشرع فيه تسليمتان، كسجود التلاوة. وبالله التوفيق.

.[باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها]

وهي خمس ساعات: ثلاث منها نهي عن الصلاة فيها لأجل الوقت، وهي: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح أو رمحين، وعند استواء الشمس في كبد السماء، حتى نزول، وعند ابتدائها في المغيب حتى تغرب.
وساعتان منها نهي عن الصلاة فيهما لأجل الفعل، وهما: بعد الصبح، وبعد العصر، فمن صلَّى صلاة الصبح في وقتها.. لا يجوز له التنفل بعدها إلى أن ترتفع الشمس، ومن صلَّى صلاة العصر في وقتها.. لا يجوز له التنفل بعدها إلى أن تغرب الشمس، وروي عن عليَّ: (أنه دخل فسطاطه بعد العصر، فصلَّى ركعتين).
وقال ابن المنذر: لا يكره فعل النوافل بعد العصر، ما لم تصفر الشمس.
وقال داود: (يجوز فعل النوافل إلى غروب الشمس).
دليلنا: ما روي «عن ابن عباس: أنه قال:شهد عندي رجالٌ مرضيون أرضاهم عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس».
وروي عن عقبة بن عامر: أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهانا أن نصلّي فيها، أو نقبر أمواتنا: إذا طلعت الشمس، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب».
وقوله: (تضيف) أي: تميل، ومنه قولهم: ضفت فلانًا: إذا ملت إليه.
وروى الشافعي بإسناده، عن الصنابحي، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها». فنهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة في تلك الأوقات.
وقد اختلف في تأويل هذا الحديث، فقيل: معناه أن قرن الشيطان ناحية رأسه، والعرب تسمِّي ناحيتي رأس الإنسان: قرنين.
وقيل: يحتمل أنه أراد: أن الكفار كانوا يعبدونها في تلك الأوقات، وسمَّاهم قرن الشيطان، كما قال الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} [مريم: 74].
وحُكي عن إبراهيم الحربي، أن معنى ذلك: أن في تلك الأوقات يتحرك الشيطان، ويتسلَّط، فيكون كالمعين لهم.
وكذلك الحديث الآخر: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم». أي: يقويه على المعاصي.
وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح، حتى تطلع الشمس».
وإذا ثبت هذا: فإن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ليس بعام عندنا، وإنما يختص ببعض الصلوات وبعض الأزمان وبعض البلدان.
فأما الصلوات: فإنما ينصرف النهي إلى إنشاء صلاة نافلة لا سبب لها، فأما الصلاة التي لها سبب: فيجوز فعلها في هذه الأوقات، كقضاء الفائتة من الفرائض، والسنن، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة.
وقال مالك: (يقضي الفرائض في هذه الأوقات، ولا يقضي فيها السنن).
وبه قال أحمد، إلا أنه أجاز فيها ركعتي الطواف، وصلاة الجماعة مع إمام الحيِّ. ووافقنا أبو حنيفة على جواز فعل الصلاة التي لها سبب بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
وأما الأوقات الثلاثة: فقال: (لا يجوز فعل جميع الصلوات فيها، إلا عصر يومه)؛ لما روي عن عقبة بن عامر: أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ينهانا أن نصلي فيها، وان نقبر فيها أمواتنا: إذا طلعت الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب».
قال: (والنهي عن القبران في هذه الأوقات، إنما هو نهيٌ عن صلاة الجنازة فيها، لا عن نفس القبران).
ودليلنا: ما روي عن قيس بن قهد: أنه قال: «رآني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان؟ قلت: لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الرَّكعتان».
وروي عن أم سلمة: أنها قالت: «دخل عليَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد العصر، فصلَّى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت هاتين الرَّكعتين في وقت ما كنت تصليهما فيه؟ فقال: ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فقدم عليَّ وفد بني تميم، فشغلوني عنهما، فصليتهما بعد العصر. قالت: ثم داوم عليهما».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها: فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها». ولم يفرق.
وأما الجواب عن حديث عقبة بن عامر: فظاهر الإقبار أنه: الدفن، وذلك جائز بالإجماع بيننا وبينهم، فلا يجوز حمله على الصلاة.
فإن عقد نافلة لا سبب لها في هذه الأوقات.. فهل تنعقد؟ فيه وجهان، حكاهما صاحب "الإبانة" [ق 78] وكذلك الوجهان في عقد نذر الصلاة في هذه الأوقات.
واختار ابن الصباغ: أنه لا يصح نذره.
فأما إذا قال: إن شفاني الله من المرض، أو رزقني ولدًا.. فعليَّ لله أن أصلي ركعتين، فشفاه الله، أو رزقه الولد في تلك الأوقات.. جاز له أن يصلي فيها؛ لأنه قد كان يجوز أن يشفيه الله، أو يرزقه في غير تلك الأوقات.
وهل يجوز أن يصلي الاستسقاء في هذه الأوقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوزُ؛ لأنها صلاة لها سبب.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يخاف فوتها.
قال في "الإبانة" [ق 78] ولا يجوز أن يصلي ركعتي الإحرام في هذه الأوقات؛ لأن سببها متأخر عنها.
وأما تحية المسجد في هذه الأوقات: فاختلف أصحابنا فيها:
فذكر الشيخ أبو حامد، وأصحابنا البغداديون: أنه ينظر فيه: فإن دخل المسجد في هذه الأوقات ليعتكف فيه، أو ليدرس العلم فيه، أو يقرأ، أو غير ذلك من الأغراض.. جاز له أن يصلي تحية المسجد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دخل أحدكم المسجد.. فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين». ولم يفرق.
وإن دخل المسجد، لا لحاجة، ولكن ليصلي التحية لا غير.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يصلي التحية؛ لما ذكرناه من الخبر، ولأن سبب الصلاة الدخول، وقد وجد.
والثاني: لا يجوز؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتحرى أحدكم بصلاته طلوع الشمس وغروبها»، وهذا تحرى بصلاته طلوع الشمس وغروبها، والتحري: التعمد.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، من غير تفصيل:
أحدهما: يجوز.
والثاني - وهو قول أبي عبد الله الترمذي -: أنه لا يجوز.
فأما إذا كانت له نافلة يداوم على فعلها في وقت يجوز فيه فعل الصلاة، فنسيها أو شغل عنها.. جاز له أن يقضيها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لما ذكرناه من حديث أم سلمة. وهل له أن يداوم على فعلها في ذلك الوقت الذي قضاها فيه بعد ذلك؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: يجوز؛ لما ذكرناه في حديث أم سلمة: أنها قالت: «ثم داوم على فعلهما».
وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «ما دخل عليَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد العصر قط إلا صلَّى ركعتين».
والثاني: لا يجوز له المداومة على ذلك؛ لأنا لو جوَّزنا له ذلك، لصارت صلاة لغير سبب.
وأما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإنه كان ملتزمًا للمداومة على أفعاله، فصار مخصوصًا بذلك.
وهل يكره التنفل بعد طلوع الفجر بغير ركعتي الفجر؟
اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: وهل يكره ذلك صلَّى ركعتي الفجر، فيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليبلغ الشاهد الغائب، ألا لا تصلُّوا بعد الفجر إلا سجدتين».
والثاني: لا يكره؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينه إلا بعد الصبح، حتى تطلع الشمس).
وظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق: أنه لا يكره التنفل بعد طلوع الفجر لمن لم يصل ركعتي الفجر.
وذكر ابن الصباغ: أن الوجهين في كراهية التنفل بعد طلوع الفجر من غير تفصيل:
أحدهما: وهو ظاهر مذهب الشافعي -: أنه يكره، وبه قال ابن عمر، وعبد الله بن عمر، وابن المسيب، والنخعي، وأبو حنيفة.
والثاني قال بعض أصحابنا: لا يكره. وبه قال مالك، والأوزاعي، والأوَّل أصحُّ؛ لما روي: أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر».
وصحَّ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يصلي بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر).

.[مسألة:تخصيص بعض الأزمان بعدم الكراهة]

وأما اختصاص النهي في بعض الزمان: فإنه لا يكره التنفل بما لا سبب لها يوم الجمعة، عند استواء الشمس لمن حضر الجامع.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: (يكره).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة».
ولأن الناس ينتظرون الجمعة، ويشق عليهم مراعاة الشمس، وربما غلبهم النوم إن قعدوا، فجوَّز لهم النفل لذلك.
وهل يكره التنفل بما لا سبب له في سائر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها في يوم الجمعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لأنَّ الرخصة إنما وردت في نصف النهار.
والثاني: أنه لا يكره، وهو قول أبي عليٍّ الطبري؛ لأنه قد روي في بعض الأخبار: (أن جهنم تُسْجَرُ في الأوقات الثلاثة في سائر الأيام إلا في يوم الجمعة). والأول أصحُّ.
فإذا قلنا بهذا، لم يكره التنفل يوم الجمعة نصف النهار لمن كان في الجامع وغيره.
وإذا قلنا بالأول.. فهل يكره التنفل يوم الجمعة نصف النهار، لمن لم يحضر الجامع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لأن الرخصة إنما وردت فيمن يحضر الجامع؛ لئلا يغلبه النوم إن قعد، وعليه مشقة في مراعاة الشمس، وهذا المعنى لا يوجد في غيره.
والثاني: لا يكره؛ لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلا يوم الجمعة».

.[مسألة:النهي في بعض البلدان]

وأما اختصاص النهي في بعض البلدان: فإنه لا يكره أن يصلي صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات بمكة.
ومن أصحابنا من قال: إنما الرخصة فيها في ركعتي الطواف؛ لئلا ينقطع الطواف، فأما غير ركعتي الطواف مما لا سبب لها: فيكره.
وقال أبو حنيفة: (يكره الجميع). والأول أصحُّ.
والدليل عنه: ما روي أبو ذرٍّ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة بعد صلاة الصبح، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس، إلا بمكة». ولم يفرق بين ركعتي الطواف وغيرهما.
وروى جبير بن مطعم: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا بني عبد مناف: مَنْ ولي منكم مِنْ أمور الناس شيئًا.. فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلَّى، أية ساعة شاء من ليل أو نهار». وهذا عام.
قال أصحابنا: ولا فرق بمكة بين مسجدها، وبيوتها؛ لعموم الخبر.

.[مسألة:من أدرك ركعة قبل طلوع الشمس]

فإن صلَّى ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس.. لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (تبطل)؛ لأنه نُهيَ عن الصلاة في هذا الوقت.
ودليلنا ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صلَّى ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس.. فقد أدرك الصبح - وروي: فليتم صلاته - ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس.. فقد أدرك العصر».
ولأن أبا حنيفة وافقنا إذا اصفرت الشمس هو في صلاة العصر.. أن صلاته لا تبطل، فكذلك هذا مثله.
وبالله التوفيق.

.[باب صلاة الجماعة]

الجماعة في الجمعة فرض على الأعيان، فيمن وجدت فيه شرائط، نذكرها في الجمعة، إن شاء الله تعالى.
وحكى ابن الصباغ عن بعض أصحابنا: أنها فرض على الكفاية. وليس بشيء.
وأما الجماعة في سائر الصلوات: فإنها ليست بواجبة على الأعيان، ولا شرط فيها، بلا خلاف على المذهب.
واختلف أصحابنا: هل هي فرض على الكفاية، أو سُنَّة:
فذهب أبو إسحاق، وأبو عباس، وأكثر أصحابنا إلى أنها فرض على الكفاية، وهو المنصوص للشافعي في (الإمامة).
ومن أصحابنا من قال: إنها سُنَّة؛ لأن الصلاة لا تفسد بعدمها، فكانت سُنَّة فيها، كالتكبيرات والتسبيحات، والأوَّل أصحُّ؛ لما روى أبو الدرداء: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما من ثلاثة في قرية أو بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، عليك بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم».
واستحواذ الشيطان لا يكون إلا على ترك شيء واجب، هذا مذهبنا، وبه قال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وداود، وأبو ثور، وابن المنذر: (الجماعة فرض على الأعيان).
وقال بعض أهل الظاهر: الجماعة شرط في الصلاة، ولا تصحُّ صلاة المنفرد.
ودليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة». وروي: «بسبع وعشرين درجة»،
ففاضل بين صلاة من صلَّى في جماعة، وبين صلاة المنفرد، والمفاضلة بينهما تدل على كونهما صحيحتين فاضلتين، إلا أن إحداهما أفضل من الأخرى.
ولأنها صلاة تؤدى جماعة وفرادى، فلم تكن الجماعة شرطًا في صحتها، كصلاة العيدين.
فإذا قلنا: إنها سُنَّة، فأطبق أهل بلد أو قرية على تركها.. فإنهم لا يأثمون، ولا يقاتلون، ولكنهم تركوا سُنَّة مؤكدة، وضيَّعوا حظ أنفسهم.
وإذا قلنا: إنَّها فرضٌ على الكفاية، فأطبقوا على تركها.. أثموا، وقوتلوا على تركها، كما لو أطبقوا على ترك الصلاة على الجنازة.
وإن ظهرت فيهم.. سقط الفرض عنهم.
قال الشيخ أبو حامد: وحدُّ ظهورها: إن كان في قرية عشرون رجلاً، أو ثلاثون، فأقيمت الجماعة في مسجد واحد في القرية.. فإن ذلك يظهر في العادة، ويعلم به أهل القرية كلهم، فيسقط الفرض عن الباقين.
وإن كانت القرية كبيرة، فأقيمت في طرفٍ منها.. لم يسقط عنهم الفرض؛ لأنها لا تظهر فيهم، وإنما يسقط الفرض بأن تقام في كل طرفٍ، وكذلك أهل البلد العظيم، كبغداد لا يسقط الفرض عنهم، حتى يقام في كلّ محلَّة في مسجد، حتى يظهر إقامتها في المحلة.
قال أبو إسحاق المروزي: ولو أن كل واحد من أهل البلد أقام الجماعة في بيته.. لم يسقط الفرض عنهم؛ لأنها لا تظهر في البلد.
وقال ابن الصباغ: إذا أقامها في بيته، بحيث يظهر ذلك في الأسواق.. سقط الفرض بذلك.