فصل: تفسير الآيات رقم (175- 176)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


الجزء التاسع

تفسير الآيات رقم ‏[‏175- 176‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ‏(‏175‏)‏ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏176‏)‏‏}‏

‏{‏واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشيطان فَكَانَ مِنَ الغاوين وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض واتبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث‏}‏‏.‏

أعقب ما يُفيد أن التوحيد جعل في الفطرة بذكر حالة اهتداء بعض الناس إلى نبذ الشرك في مبدأ أمره ثم تعرّض وساوس الشيطان له بتحسين الشرك‏.‏

ومناسبتُها للتي قبلها إشارة العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله له الهدى المستمر‏.‏

وشأن القصص المفتتحة بقوله‏:‏ ‏{‏واتل عليهم‏}‏ أن يقصد منها وعظ المشركين بصاحب القصة بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏ذلك مثل القوم‏}‏ الخ، ويحصل من ذلك أيضاً تعليم مثل قوله‏:‏ ‏{‏واتل عليهم نبأ نوحٍ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 71‏]‏ ‏{‏واتل عليهم نبأ إبراهيم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 69‏]‏ ‏{‏نَتْلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 3‏]‏ ونظائر ذلك، فضمير ‏{‏عليهم‏}‏ راجع إلى المشركين الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة، وقصت عليهم قصص الأمم مع رسلهم، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع كثيرة من القرآن، كما قدّمناه غير مرة، فهذا من قبيل رد العجُز على الصدر‏.‏

ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوماً تغلب عليهم الأمية فأراد الله أن يبلّغ إليهم من التعليم ما يُساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة، فالضمير المجرور ب ‏(‏على‏)‏ عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون، وكثيراً ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مراداً به المشركون كقوله‏:‏ ‏{‏عم يتساءلون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1‏]‏‏.‏

والنبأ الخبر المروي‏.‏

وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معيّن، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممّن للعرب إلمام بمجمل خبره‏.‏

فقيل المعنى به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وروي هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، بأسانيد كثيرة عند الطبري، وعن زيد بن أسلم، وقال القرطبي في «التفسير» هو الأشهر، وهو قول الأكثر ذلك أن أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالباً دين الحق، ونظر في التوراة والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية، وتزهّد وتوخّى الحنيفية دينَ إبراهيم، وأخبر أن الله يبعث نبيّاً في العرب، فطمع أن يكونَه، ورفض عبادة الأصنام، وحرم الخمر، وذكر في شعره أخباراً من قصص التوراة، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول‏:‏

كُل دين يومَ القيامة عند *** اللَّه إلا دين الحنيفيةُ زُورُ

وله شعر كثير في أمورٍ إلآهية، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب، وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى مكة فوجد البعثة، وتردد في الإسلام، ثم خرج إلى الشام ورجع بعد وقعة بدر فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حسداً، ورثى من قُتل من المشركين يومَ بدر، وخرج إلى الطائف بلاد قومه فمات كافراً‏.‏

وكان يذكر في شعره الثواب والعقاب واسم الله وأسماء الأنبياء، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم ‏"‏ وروي عن أمية أنه قال لما مرِض مَرض موته «أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد»‏.‏

فمعنى ‏{‏آتيناه آياتنا‏}‏ أن الله ألهم أمية كراهية الشرك، وألقى في نفسه طلب الحق، ويسّر له قراءة كتب الأنبياء، وحّبب إليه الحنيفية، فلما انفتح له باب الهدى وأشرق نور الدعوة المحمدية كابَر وحسَد وأعرض عن الإسلام، فلا جرم أن كانت حاله أنه انسلخ عن جميع ما يُسر له، ولم ينتفع به عند إبان الانتفاع، فكان الشيطان هو الذي صرفه عن الهدى فكان من الغاوين، إذ مات على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم

وقال سعيد بن المسيب نزلت في أبي عامر بن صيفي الراهب، واسمه النعمان الخزرجي، وكان يلقب بالراهب في الجاهلية لأنه قد تنصّر في الجاهلية، ولبس المسوح وزعم أنه على الحنيفية، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «يا محمد ما الذي جئت به قال جئت بالحنيفية دين إبراهيم قال فإني عليها فقال النبي لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها» فكفر وخرج إلى مكة يحرّض المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج معهم، إلى أن قاتل في حُنين بعد فتح مكة، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج إلى الشام فمات هنالك‏.‏

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها نزلت في رجل من الكنعانيين، وكان في زمن موسى عليه السلام يقال له‏:‏ بلعام بن باعُور، وذكروا قصته فخلطوها وغيروها واختلفُوا فيها، والتحقيق أن بلعام هذا كان من صالحي أهل مَدْيَن وعرّافيهم في زمن مرور بني إسرائيل على أرض ‏(‏مُؤاب‏)‏ ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الاصحاحات 22 23 24 فلا ينبغي الإلتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه‏.‏

والإيتاء هنا مستعار للإطْلاَع وتيسير العلم مثل قوله ‏{‏وآتاه الله الملك والحكمة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 251‏]‏‏.‏

و«الآيات» دلائل الوحدانية التي كرّهت إليه الشرك وبعثته على تطلب الحنيفية بالنسبة لأمية بن أبي الصلت، أو دلائل الإنجيل على صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة للراهب أبي عامر بن صيفي‏.‏

والانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يُسلخ عنه جلده، والسلخ إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن العمل بما تقتضيه، وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية‏.‏

وأتْبعهُ بهمزة قطع وسكون المثناة الفوقيه بمعنى لحقة غير مُفلت كقوله‏:‏ ‏{‏فأتبعه شهابٌ ثاقب‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 10‏]‏ ‏{‏فأتبعهم فرعون بجنوده‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 78‏]‏ وهذا أخص من اتّبعه بتشديد المثناة ووصل الهمزة‏.‏

والمراد بالغاوين‏:‏ المتصفين بالغي وهو الضلال ‏{‏فكان من الغاوين‏}‏ أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال‏:‏ وغوى أو كان غاوياً، كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد ضَلَلْت إذاً وما أنا من المهتدين‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏56‏)‏‏.‏

ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله، فالانسلاخ على الآيات أثرٌ من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بأتبعه‏}‏ فصار بذلك في زُمرة الغواة المتمكنين من الغواية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شئنا لرَفَعْناه بها‏}‏ أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سبباً للهداية والتزكية، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فالمعنى‏:‏ ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرَفعه الله بعلمه‏.‏

والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها، لأن الصفات الحميدة تُخيل صاحبها مرتفعاً على من دونه، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلاً وزكاء وتميزاً بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرّنا له العمل بها الذي يشرُف به‏.‏

وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله‏:‏ ‏{‏ولو شئنا لرفعناه بها‏}‏ بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله فأخلد إلى الأرض، أي ركن ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعاً عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض عُلمَ أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد‏.‏

واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها‏.‏

وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيهاً بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه، فالكلام في قوة أن يقال‏:‏ ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شَقاء وعناد، كمثل الكلب إلخ‏.‏

واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة، وتقدم قوله تعالى؛

‏{‏مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏17‏)‏، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في التشبيه المركب، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في حينَ كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصباً وعناء، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة محمد تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديراً فيه بأن يستريح من عنائه؛ لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللّهث، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه في دعة ومسالمة، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله ‏{‏أو تَتْركه‏}‏‏.‏

وليس لشيء من الحيوان حالة تصلح للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث، لأنه يلهث إذا أتْعب وإذا كان في دعة، فاللهث في أصل خلقته‏.‏

وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وإن لم يكن لاضطراب باطنه، سبب آت من غيره فمعنى ‏{‏إن تحمل عليه‏}‏ إن تُطارده وتُهاجمه‏.‏ مشتق من الحَمل الذي هو الهجوم على أحد لقتاله، يقال حمل فلانٌ على القوم حملة شعواء أو حملة منكرة‏.‏ وقد أغفل المفسرون توضيحه، وأغفل الراغب في «مفردات القرآن» هذا المعنى لهذا الفعل‏.‏

فهذا تشبيهُ تمثيل مُركب منتزعةٌ فيه الحالة المشبهة والحالةُ المشبه بها من متعدد، ولما ذُكر ‏{‏تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏}‏ في شق الحالة المشبه بها، تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة، وتتقابل أجزاءُ هذا التمثيل بأن يشبّه الضال بالكلب، ويشبه شقاؤُه واضطرابُ أمره في مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة، تشبيهَ المعقول بالمحسوس، ويشبّه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس‏.‏ وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التشويه أو الخسة‏.‏ فيؤول إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه، كما درج عليه في «الكشاف»، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر ‏{‏إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏}‏ كبير جدوى، بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه بها، لتكتسب الحالةُ المشبهة تشويها، وذلك تقصير في حق التمثيل‏.‏

والكلب حيوان من ذوات الأربع ذو أنياب وأظفار كثير النبح في الليل قليل النوم فيه كثير النوم في النهار، يألف من يعاشره ويحرس مكانه من الطارقين الذين لا يألفهم، ويحرس الأنعام التي يعاشرها، ويعدو على الذئاب، ويقبل التعليم، لأنه ذكي‏.‏

ويلهث إذا أتعب أو اشتد عليه الحر، ويلهث بدون ذلك، لأن في خلقته ضيقاً في مجاري النفس يرتاح له باللهث‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏}‏ في موضع الحال من الكلب والخطاب في ‏{‏تَحْمل‏}‏ وتترك لمخاطب غير معيّن، والمعنى إن يحمل عليه حامل، أو يتركه تارك‏.‏

واللهث‏:‏ سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس، وفعله بفتح الهاء وبكسرها، ومضارعه بفتحها لا غير، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال اللهاث بضم اللام، لأنه من الأدواء، وليس بصوت‏.‏

جملة مبيّنة لجملة‏:‏ ‏{‏واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏}‏ الآيتين، والمثال الحال أي ذلك التمثيل مثل للمشركين المكذبين بالقرآن، تشبيه بليغ، لأن حالة الكلب المشتبه شبيهة بحال المكذبين وليست عينها‏.‏

والإشارة بذلك إلى ‏{‏الذي آتيناه آياتنا‏}‏، وهو صاحب القصة، هو مَثل المشركين، لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به، فكانت حالهم كحال ذلك المكذب، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثَل في قوله‏:‏ ‏{‏كمثل الكلب‏}‏ أي حالُ الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة دين إبراهيم، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل، فكانوا بذلك في عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء معاندته كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تقولوا لو أنا أنْزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 157‏]‏ وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية ‏{‏واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏}‏ إلى آخرها نزلت في قريش‏.‏

وفُرع على ذلك الأمرُ بقوله‏:‏ ‏{‏فاقْصص القصصَ لعلهم يتفكرون‏}‏ أي اقصص هذه القصة وغيرها، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكراً وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم، لأن للأمثال واستحضار النظائر شاناً عظيماً في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏177‏]‏

‏{‏سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذَم لهم، بأن كانوا في حالة شنيعة وظلموا أنفسهم‏.‏

والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلّوه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة‏.‏

وتقديم المفعول للاختصاص، أي ما ظلموا إلا أنفسهم، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ظناً منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين، وإنما يضُرون أنفسهم‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وأنفسهم كانوا يظلمون‏}‏ يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبي والمسلمين، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة‏:‏ ‏{‏ساء مثلاً القوم‏}‏ فتكون تذييلاً للجملة التي قبلها إخباراً عنهم بأنهم في تكذيبهم، وإنتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كانوا يظلمون‏}‏ أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال‏:‏ وظلموا أنفسهم، كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليكون من الموقنين‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏75‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏178‏]‏

‏{‏مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏178‏)‏‏}‏

هذه الجملة تذييل للقصة والمثل وما أعقبا به من وصف حال المشركين، فإن هذه الجملة تُحصل ذلك كله وتجري مجرى المثل، وذلك أعلى أنواع التذييل، وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال، أي فالذين لم يهتدوا إلى الحق بعد أن جاءهم دلت حالهم على أن الله غضب عليهم فحرمهم التوفيق‏.‏

والهداية حقيقتها إبانة الطريق، وتطلق على مطلق الإرشاد لما فيه النفع سواء اهتدى المهْدي إلى ما هُدي إليه أم لم يهتد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 3‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وأما ثمودُ فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 17‏]‏‏.‏

ثم قد علم أن الفعل الذي يسند إلى الله تعالى إنما يراد به اتقن أنواع تلك الماهية وأدوَمها، ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك، فقوله‏:‏ ‏{‏من يَهْد الله‏}‏ يُعنى به من يقدرِ الله اهتداءَه، وليس المعنى من يرشده الله بالأدلة أو بواسطة الرسل، وقد استفيد ذلك من القصة المُذَيلة فإنه قال فيها‏:‏ ‏{‏الذي آتيناه آياتنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 175‏]‏ فايتاءُ الآيات ضرب من الهداية بالمعنى الأصلي، ثم قال فيها ‏{‏فانسلخ منها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 175‏]‏ وقال ‏{‏ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 176‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ولو شئنا لرفعناه بها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 176‏]‏ فعلمنا أن الله أرشده، ولم يقدر له الاهتداء، فالحالة التي كان عليها قبل أن يخلد إلى الأرض ليست حالة هدى، ولكنها حالة تردد وتجربة، كما تكون حالة المنافق عند حضوره مع المسلمين إذ يكون متلبساً بمحاسن الإسلام في الظاهر، ولكنه غير مبطن لها كما قدمناه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏17‏)‏، فتعين أن يكون المعنى هنا‏:‏ من يقدر الله له أن يكون مهتدياً فهو المهتدي‏.‏

والقصر المستفاد من تعريف جزأى الجملة ‏{‏فهو المهتدي‏}‏ قصر حقيقي ادعائي باعتبار الكمال واستمرار الاهتداء إلى وفاة صاحبه، وهي مسألة الموافاة عند الأشاعرة، أي وأما غيره فهو وإن بان مهتدياً فليس بالمهتدي لينطبق هذا على حال الذي أوتي الآيات فانسلخ منها وكان الشأن أن يرفع بها‏.‏

وبهذا تعلم أن قوله ‏{‏من يهد الله فهو المهتدي‏}‏ ليس من باب قول أبي النجم‏:‏

وشعري شعري *** وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» لأن ذلك فيما ليس في مفاد الثاني منه شيء زائد على مفاد ما قبله بخلاف ما في الآية فإن فيها القصر‏.‏

وكذلك القول في ‏{‏ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون‏}‏ وزيد في جانب الخاسرين الفصل باسم الإشارة لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران تحذيراً منه، فالقصر فيه مؤكد‏.‏

وجُمع الوصف في الثاني مراعاة لمعنى ‏(‏مَن‏)‏ الشرطية، وإنما روعي معنى ‏(‏من‏)‏ الثانية دون الأولى؛ لرعاية الفاصلة ولتبين أن ليس المراد ب ‏(‏مَن‏)‏ الأولى مفرداً‏.‏

وقد عُلم من مقابلة الهداية بالإضلال، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن المهتدي فائز رابح فحذف ذكر ربحه إيجازاً‏.‏

والخسران استعير لتحصيل ضد المقصود من العمل كما يستعار الربح لحصول الخير من العمل كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم‏}‏ في هذه السورة ‏(‏9‏)‏، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فما ربحت تجارتهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏16‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏179‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏179‏)‏‏}‏

عطف على جملة‏:‏ ‏{‏واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 175‏]‏، والمناسبة أن صاحب القصة المعطوف عليها انتقل من صورة الهدى إلى الضلال، لأن الله لما خلقه خلقه ليكون من أهل جهنم، مع مالها من المناسبة للتذييل الذي ختمت به القصة وهو قوله‏:‏ ‏{‏من يهد الله فهو المهتدي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 178‏]‏ الآية‏.‏

وتأكيد الخبر بلام القسم وبقد؛ لقصد تحقيقه لأن غرابته تُنزل سامعه خالي الذهن منه منزلةَ المتردد في تأويله، ولأن المخبرَ عنهم قد وصفوا ب ‏{‏لهم قلوب لا يفقهون بها‏}‏ إلى قوله ‏{‏بل هم أضل‏}‏، والمعني بهم المشركون، وهم ينكرون أنهم في ضلال ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وكانوا يحسبون أنهم أصحاب أحلام وأفهام، ولذلك قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم في معرض التهكم ‏{‏قلوبنا في أكنةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وَقْرٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏‏.‏

والذرْء الخلق وقد تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وجعلوا لله مما ذَرَأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏136‏)‏‏.‏

واللام في لجهنم‏}‏ للتعليل، أي خلقنا كثيراً لأجل جهنم‏.‏

وجهنم مستعملة هنا في الأفعال الموجبة لها بعلاقة المسببية، لأنهم خلقوا لأعمال الضلالة المفضية إلى الكون في جهنم، ولم يُخلقوا لأجل جهنم، لأن جهنم لا يقصد إيجاد خلق لتعميرها، وليست اللام لام العاقبة؛ لعدم انطباق حقيقتها عليها، وفي «الكشاف» جعلهم لاغراقهم في الكفر، وأنهم لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار دلالة على تمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار اه، وهذا يقتضي أن تكون الاستعارة في ‏{‏ذرأنا‏}‏ وهو تكلف راعى به قواعد الاعتزال في خَلق أفعال العباد وفي نسبة ذلك إلى الله تعالى‏.‏

وتقديم المجرور على المفعول في قوله‏:‏ ‏{‏لجهنم كثيراً‏}‏ ليظهر تعلقه ب ‏{‏ذرَأنَا‏}‏‏.‏

ومعنى خلق الكثير لاعمال الشر المفضية إلى النار‏:‏ أن الله خلق كثيراً فجعل في نفوسهم قُوَى من شأنها إفساد ما أودعه في الناس من استقامة الفطرة المشار إليها في قوله‏:‏ ‏{‏وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ وهي قوى الشهوة والغضب فخلقها أشد سلطانا على نفوسهم من القوة الفطرية المسماة الحكمة، فجعلت الشهوةُ والغضب المسمّيْن بالهوى تغلب قوة الفطرة، وهي الحكمة والرشاد، فترجح نفوسهم دواعيَ الشهوة والغضب فتتبعها وتُعرض عن الفطرة، فدلائلُ الحق قائمة في نفوسهم، ولكنهم ينصرفون عنها؛ لغلبة الهوى عليهم فَبِحَسَب خلقة نفوسهم غير ذات عزيمة على مقاومة الشهوات‏:‏ جُعلوا كأنهم خلقوا لجهنم، وكأنهم لم تخلق فيهم دواعي الحق في الفطرة‏.‏

والجن خَلْق غير مَرْئي لنا، وظاهر القرآن أنهم عقلاء، وأنهم مطبوعون على ما خلقوا لأجله من نفع أو ضر، وخير أو شر، ومنهم الشياطين، وهذا الخلق لا قبل لنا بتفصيل نظامه ولا كيفيات تلقيه لمراد الله تعالى منه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لهم قلوب‏}‏ حال أو صفة لخصوص الإنس، لأنهم الذين لهم‏:‏ قلوب، وعقول، وعيون وآذان، ولم يعرف للجن مثلُ ذلك، وقد قدم الجن على الإنس في الذكر، ليتعين كون الصفات الواردة من بعدُ صفات للإنس وبقرينة قوله‏:‏ ‏{‏أولئك كالأنعام‏}‏‏.‏

و ‏{‏القلوب‏}‏ اسم لموقع العُقول في اللغة العربية، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختم الله على قلوبهم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏7‏)‏‏.‏

والفقه تقدم عند قوله‏:‏ ‏{‏لعلهم يفقهون‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏65‏)‏‏.‏

ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع عن آلالتها الكائنة فيهم أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له‏:‏ وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر الأبدي، لأن الآت الإدراك والعلم خلقها الله لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع ودفع أكبر المضار، نفي عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة، لأن الفعل في حيز النفي يعم، مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة لعدم الاعتداد بما يعلمون من غير هذا، فالنفي إستعارة بتشبيه بعض الموجود بالمعدوم كله‏.‏

وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر لتشريف السمع يتلقى ما أمر الله به كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7‏]‏ لأن الترتيب في آية سورة الأعراف هذه سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى الآت الإدراك الأعين ثم الآذان فللاذان المرتبة الأولى في الارتقاء‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏أولئك كالأنعام‏}‏ مستأنفة لابتداء كلام بتفظيع حالهم فجعل ابتداء كلام ليكون أدعى للسامعين‏.‏ وعرّفوا بالإشارة لزيادة تمييزهم بتلك الصفات، وللتنبيه على أنهم بسببها أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام أو جعلهم أضل من الأنعام، وتشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به العقلاء فكأن قلوبهم وأعينهم وآذانهم، قلوب الأنعام وأعينها وآذانها، في أنها لا تقيس الأشياء على أمثالها، ولا تنتفع ببعض للدلائل العقلية فلا تعرف كثيراً مما يفضي بها إلى سوء العاقبة‏.‏

و ‏(‏بل‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏بل هم أضل‏}‏ للانتقال والترقي في التشبيه في الضلال وعدم الانتفاع بما يمكن الانتفاع به، ولما كان وجه الشبه المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏كالأنعام‏}‏ يؤول إلى معنى الضلال، كان الارتقاء في التشبيه بطريقة اسم التفضيل في الضلال‏.‏

ووجه كونهم أضل من الأنعام‏:‏ أن الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي، لأن لها إلهاماً تتفصى به عن المهالك كالتردي من الجبال والسقوط في الهوّات، هذا إذا حمل التفضيل في الضلال على التفضيل في جنسه وهو الأظهر، وإن حمل على التفضيل في كيفية الضلال ومقارناته كان وجهه أن الأنعام قد خلق إدراكها محدوداً لا يتجاوز ما خلقت لأجله، فنقصان انتفاعها بمشاعرها ليس عن تقصير منها، فلا تكون بمحل الملامة، وأما أهل الضلالة فإنهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم، بتقصير منهم وإعراض عن النظر والاستدلال فهم أضل سبيلاً من الأنعام‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏أولئك هم الغافلون‏}‏ تعليل لكونهم أضل من الأنعام وهو بلوغهم حد النهاية في الغفلة، وبلوغهم هذا الحد أفيد بصيغة القصر الادعائي إذ ادُّعي انحصار صفة الغفلة فيهم بحيث لا يوجد غافل غيرهم لعدم الاعتداد بغفلة غيرهم كل غفلة في جانب غفلتهم كلا غفلة، لأن غفلة هؤلاء تعلقت بأجدر الأشياء بأن لا يغفل عنه، وهو ما تقضي الغفلة عنه بالغافل إلى الشقاء الأبدي، فهي غفلة لا تدارك منها، وعثرة لا لعى لها‏.‏

والغفلة عدم الشعور بما يحق الشعور به، وأطلق على ضلالهم لفظ الغفلة بناء على تشبيه الإيمان بأنه أمر بيّن واضح يعد عدم الشعور به غفلة، ففي قوله‏:‏ ‏{‏هم الغافلون‏}‏ استعارة مكنية ضمنية، والغفلة من روادف المشبه به، وفي وصف ‏{‏الغافلون‏}‏ استعارة مصرحة بأنهم جاهلون أو منكرون‏.‏

وقد وقع التدرج في وصفهم بهذه الأوصاف من نفي انتفاعهم، بمداركهم ثم تشبيههم بالأنعام، ثم الترقي إلى أنهم أضل من الأنعام، ثم قصر الغفلة عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏180‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏180‏)‏‏}‏

هذا خطاب للمسلمين، فتوسطه في خلال مذام المشركين؛ لمناسبة أن أفظع أحوال المعدودين لجنهم هو حال إشراكهم بالله غيره، لأن في ذلك إبطالاً لأخص الصفات بمعنى الإلهية‏:‏ وهي صفة الوحدانية وما في معناها من الصفات نحو الفرد، الصمد‏.‏ وينضوي تحت الشرك تعطيل صفات كثيرة مثل‏:‏ الباعث، الحسيب، والمُعيد، ونشأ عن عناد أهل الشرك إنكار صفة الرحمن‏.‏

فعقبت الآيات التي وصفت ضلال إشراكهم بتنبيه المسلمين للاقبال على دعاء الله بأسمائه الدالة على عظيم صفات الإلهية، والدوام على ذلك، وأن يُعرضوا عن شغب المشركين وجدالهم في أسماء الله تعالى‏.‏

وقد كان من جملة ما يتورك به المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أن أنكروا اسمه تعالى الرحمن، وهو إنكار لم يقدمهم عليه جهلهم بأن الله موصوف بما يدل عليه وصف ‏(‏رحمان‏)‏ من شدة الرحمة، وإنما أقدمهم عليه ما يقدم كل معاند من تطلب التغليظ والتخطئة للمخالف، ولو فيما يعرف أنه حق، وذكر ابن عطية، وغيره‏.‏ أنه روي في سبب نزول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها‏}‏ أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله في قراءته، ومرة يقرأ فيذكر الرحمان فقال أبو جهل «محمد يزعم أن الإله واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة» فنزلت هذه الآية‏.‏

فعطفُ هذه الآية على التي قبلها عطفُ الإخبار عن أحوال المشركين وضلالهم، والغرض منها قوله‏:‏ ‏{‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏}‏‏.‏

وتقديم المجرور المسند على المسند إليه؛ لمجرد الاهتمام المفيد تأكيد استحقاقه إياها، المستفاد من اللام، والمعنى أن اتسامه بها أمر ثابت، وذلك تمهيد لقوله‏:‏ ‏{‏فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏}‏، وقد التزم مثل هذا التقديم في جميع الآي التي في هذا الغرض مثل قوله في سورة الإسراء ‏(‏110‏)‏ ‏{‏فله الأسماء الحسنى‏}‏ وسورة طه ‏(‏8‏)‏ ‏{‏له الأسماء الحسنى‏}‏ وفي سورة الحشر ‏(‏24‏)‏ ‏{‏له الأسماء الحسنى‏}‏ وكل ذلك تأكيد للرد على المشركين أن يكون بعض الأسماء الواردة في القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم أسماء لله تعالى بتخييلهم أن تعدد الاسم تعدد للمسمى تمويهاً على الدهماء‏.‏

والأسماء هي الألفاظ المجعولة أعلاماً على الذات بالتخصيص أو بالغلبة فاسم الجلالة وهو ‏(‏الله‏)‏ علم على ذات الإله الحق بالتخصيص، شأن الأعلام، و‏(‏الرحمن‏)‏ و‏(‏الرحيم‏)‏ اسمان لله بالغلبة، وكذلك كل لفظ مفرد دل على صفة من صفات الله، وأطلق إطلاق الأعلام نحو الرب، والخالق، والعزيز، والحكيم، والغفور، ولا يدخل في هذا ما كان مركّباً إضافياً نحو‏:‏ ذو الجلال، ورب العرش، فإن ذلك بالأوصاف أشبه، وإن كان دالاً على معنى لا يليق إلا بالله نحو‏:‏ ‏{‏مَلك يوم الدين‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 4‏]‏‏.‏

والحسنى مؤنث الأحسن، وهو المتصف بالحسن الكامل في ذاته، المقبول لدى العقول السليمة المجردة عن الهوى، وليس المراد بالحسن الملاءمةَ لجميع الناس، لأن الملاءمة وصف إضافة نسبي، فقد يلائم زيداً ما لا يلائم عمراً، فلذلك فالحسنُ صفة ذاتية للشيء الحسن‏.‏

ووصف الأسماء ب ‏{‏الحسنى‏}‏‏:‏ لأنها دالة على ثبوت صفات كمال حقيقي، أما بعضها فلأن معانيها الكاملة لم تثبت إلا لله نحو الحي، والعزيز، والحكيم، والغني، وأما البعض الآخر فلأن معانيها مطلقاً لا يحسن الاتصاف بها إلا في جانب الله نحو المتكبر، والجبّار، لأن معاني هذه الصفات وأشباهها كانت نقصاً في المخلوق من حيث أن المتسم بها لم يكن مستحقاً لها لعجزه أو لحاجته، بخلاف الإله، لأنه الغني المُطلق، فكان اتصافُ المخلوق بها منشأ فساد في الأرض، وكان اتصاف الخالق بها منشأ صلاح، لأنها مصدر العدالة والجزاء القسطِ‏.‏

والتفريع في قوله‏:‏ ‏{‏فادعوه بها‏}‏ تفريع عن كونها أسماء له، وعن كونها حسنى، أي فلا حرج في دعائه بها؛ لأنها أسماء متعددة لمسمى واحد، لا كما يزعم المشركون، ولأنها حسنى فلا ضير في دعاء الله تعالى بها‏.‏ وذلك يشير إلى أن الله يُدعى بكل ما دل على صفاته وعلى أفعاله‏.‏

وقد دلت الآية على أن كل ما دل على صفة الله تعالى وشأن من شؤونه على وجه التقريب للأفهام بحسب المعتاد يسوغ أن يُطلق منه اسم لله تعالى ما لم يكن مجيئه على وجه المجاز نحو ‏{‏الله يستهزئ بهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ أو يُوهم معنى نقص في متعارف الناس نحو الماكر من قوله‏:‏ ‏{‏واللَّه خَيْرُ الماكرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏‏.‏

وليست أسماء الله الحسنى منحصرة في التسعه والتسعين الواردة في الحديث الصحيح عن الأعرج، وعن أبي رافع، وعن همام بن منبه، عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن لله تسعة وتسعين أسماً مَن أحصاها دخل الجنة ‏"‏ لأن الحديث الصحيح ليس فيه ما يقتضي حصر الأسماء في ذلك العدد، ولكن تلك الأسماءَ ذات العدد لها تلك المزية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا فقال يا حنّان يا منّان ولم يقع هذان الاسمان فيما روي من التسعة والتسعين، وليس في الحديث المروي بأسانيد صحية مشهورة تعيين الأسماء التسعة والتسعين، ووقع في «جامع الترمذي» من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الأعرج، عن أبي هريرة بعد قوله‏:‏ «دخل الجنة» هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمان الرحيم إلى آخرها، فعيّن صفات لله تعالى تسعاً وتسعين، وهي المشهورة بين الذين تصدوا لبيانها، قال الترمذي‏:‏ «هذا حديث غريب حدَثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم في شيء من الروايات لها إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث»‏.‏

وتعيين هذه الأسماء لا يقتضي أكثر من أن مزيتها أن مَن أحصاها وحفظها دخل الجنة، فلا يمنع أن تُعد لله أسماء أخرى‏.‏ وقد عد ابن بَرّحان الإشبيلي في كتابه «أسماء الله الحسنى» مائة واثنتين وثلاثين اسماً مستخرجة من القرآن والأحاديث المقبولة، وذكر القرطبي‏:‏ أن له كتاباً سماه «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» ذكر فيه من الأسماء ما يُنيف على مائتي اسم، وذكر أيضاً أن أبا بكر بن العربي ذكر عدة من أسمائه تعالى مثل مُتمّ نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيب، والمعلم إلخ‏.‏

ولا تخفى سماجة عد نحو رَابع ثلاثة، وسادس خمسة، فإنها وردت في القرآن في سياق المجاز الواضح ولا مناص من تحكيم الذوق السليم، وليس مجردَ الوقوف عند صورة ظاهرة من اللفظ، وذكر ابن كثير في «تفسيره» عن كتاب «الأحوذي في شرح الترمذي» لعله يعني «عارضة الأحوذي» «أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم» ولم أجده في نسخ «عارضة الأحواذي» لابن العربي، ولا ذكره القرطبي وهو من خاصة تلاميذ ابن العربي، والموجود في كتاب «أحكام القرآن» له أنه حضره منها مائة وستة وأربعون اسماً وساقها في كتاب «الأحكام»، وسقط واحد منها في المطبوعة، وذكر أنه أبلغها في كتابه «الآمد» ‏(‏أي «الامد الأقصى»‏)‏ في شرح الأسماء إلى مائة وستة وسبعين اسماً‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ واختلف في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً، ولا تتعلق به شبهة ولا اشتراك إلا أنه لم يَرد منصوصاً هل يطلق ويسمى الله به، فنصُ الباقلاني على جواز ذلك، ونص أبي الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاءُ والجمهور على المنع، والصواب‏:‏ أن لا يُسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، وأن يكون مدحاً خالصاً لا شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه، إلا الأقل من أهل العلوم، فإذا أبيح ذلك تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان، فادخل في أسماء الله ما لا يجوز إجماعاً‏.‏ واختلف في الأفعال التي في القرآن نحو ‏{‏الله يستهزئ بهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏ و‏{‏مكر اللَّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 54‏]‏ ونحو ذلك هل يطلق منها اسم الفاعل، فقالت فرقة‏:‏ لا يُطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيّداً بسببه نحو‏:‏ اللَّهَ ماكر بالذين يمكرون بالدين، وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع إجماعاً‏.‏

والمراد من ترك ‏{‏الذين يُلحدون في أسمائه‏}‏ الإمساكُ عن الاسترسال في محاجتهم لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق، أو تركُ الإصغاء لكلامهم؛ لئلا يفتنوا عامة المؤمنين بشبهاتهم، أي اتركوهم ولا تُغلّبوا أنفسكم في مجادلتهم، فإني سأجْزيهم وقد تقدم معنى «ذر» عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏70‏)‏‏.‏

والإلحاد‏:‏ الميل عن وسط الشيء إلى جانبه، وإلى هذا المعنى ترجع مشتقاته كلها، ولما كان وسط الشيء يشبّه به الحق والصواب، استتبع ذلك تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بالإلحاد، فأطلق الإلحاد على الكفر والإفساد، ويُعدى حينئذ ب ‏(‏في‏)‏ لتنزيل المجرور بها منزلة المكان للإلحاد، والأكثر أن يكون ذلك عن تعمد للإفساد، ويقال‏:‏ لحَد وألحد، والأشهر ألحد‏.‏

وقرأ من عدا حمزة يُلحدون‏}‏ بضم الياء وكسر الحاء من ألحد المهموز، وقرأه حمزة وحده‏:‏ بفتح الياء والحاء، من لحد المجرد‏.‏

وإضافة الأسماء إلى الله تؤذن بأن المقصود أسماؤه التي ورد في الشرع ما يقتضي تسميته بها‏.‏

ومعنى الإلحاد في أسماء الله جعلها مظهراً من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له، وهو الأحق بكمال مدلولها فإنهم أنكروا الرحمان، كما تقدم، وجعلوا تسميته به في القرآن وسيلة للتشنيع، ولمز النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عدد الآلهة، ولا أعظم من هذا البهتان والجور في الجدال، فحُق بأن يُسمى إلحاداً؛ لأنه عدول عن الحق بقصد المكابرة والحسد‏.‏

وهذا يناسب أن يكون حرف ‏(‏في‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏في أسمائه‏}‏ مستعملاً في معنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم «دَخلتْ امرأة النار في هرة» الحديث، وقول عُمر بن أبي ربيعة‏:‏

وعصيْتُ فيك أقاربي فتقطعت *** بيني وبينهم عُرى أسبابي

وقد جوّز المفسرون احتمالات أخرى في معنى الإلحاد في أسمائه‏:‏ منها ثلاثة ذكرها الفخر، وأنا لا أراها مُلاقية لإضافة الأسماء إلى ضميره تعالى، كما لا يخفى عن الناظر فيها‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏سيُجْزون ما كانوا يعملون‏}‏ تتنزل منزلة التعليل للأمر بترك الملحدين، فلذلك فصلت، أي لا تهتموا بإلحادهم ولا تحزنوا له، لأن الله سيجزيهم بسوء صنيعهم، وسمي إلحادهم عملاً؛ لأنه من أعمال قلوبهم وألسنتهم‏.‏

و ‏(‏ما‏)‏ موصولة عامة أي سيجزون بجميع ما يعملونه من الكفر، ومن جملة ذلك إلحادهم في أسمائه‏.‏

والسين للاستقبال، وهي تفيد تأكيد‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏ما كانوا يعملون‏}‏ دون ما عملوا أو ما يعملون للدلالة على أن ذلك العمل سنة لهم ومتجدد منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏181- 183‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏181‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏182‏)‏ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ‏(‏183‏)‏‏}‏

عطف على جملة‏:‏ ‏{‏ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 179‏]‏ الآية، والمقصود‏:‏ التنويه بالمسلمين في هديهم واهتدائهم، وذلك مقابلة لحال المشركين في ضلالهم، أي عرّض عن المشركين، فإن الله أغناك عنهم بالمسلمين، فما صْدَقُ «الأمة» هم المسلمون بقرينة السياق كما في قول لبيد‏:‏

ترَّاك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يعتلقُ بَعْضَ النفوس حِمامُها

يريد نفسه فإنها بعض النفوس‏.‏ روى الطبري عن قتادة قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية‏:‏ ‏"‏ هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون‏}‏ وبقية ألفاظ الآية عرف تفسيرها من نظره المتقدمة في هذه السورة‏.‏

والذين كذبوا بالآيات هم المشركون الذين كذبوا بالقرآن، وقد تقدم وجه تعدية فعل التكذيب بالباء؛ ليدل على معنى الإنكار عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إني على بينةٍ من ربي وكذبتم به‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏57‏)‏‏.‏

والاستدراج مشتق من الدّرَجة بفتحتين وهي طبقة من البناء مرتفعة من الأرض بقدر ما ترتفع الرِّجْل للارتقاء منها إلى ما فوقها تيسيراً للصعود في مثل العلو أو الصومعة أو البرج، وهي أيضاً واحدة الأعواد المصفوفة في السلم يرتقى منها إلى التي فوقها، وتسمى هذه الدرجة مرقاة، فالسين والتاء في فعل الاستدراج للطلب، أي طلب منه أن يتدرج، أي صاعداً أو نازلاً، والكلام تمثيل لحال القاصد إبدال حال أحد إلى غيرها بدون إشعاره، بحال من يطلب من غيره أن ينزل من درجة إلى أخرى بحيث ينتهي إلى المكان الذي لا يستطيع الوصول إليه بدون ذلك، وهو تمثيل بديع يشتمل على تشبيهات كثيرة، فإنه مبني على تشبيه حُسن الحال برفعة المكان وضده بسفالة المكان، والقرينة تعيّن المقصود من انتقال إلى حال أحسن أو أسوا‏.‏

ومما يشير إلى مراعاة هذا التمثيل في الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من حيث لا يعلمون‏}‏ ولما تضمن الاستدراج معنى الإيصال إلى المقصود علق بفعله مجرور بمن الابتدائية أي مبتدئاً استدراجهم من مكان لا يعلمون أنه مفض بهم إلى المبلغ الضار، ف ‏{‏حيث‏}‏ هنا للمكان على أصلها، أي من مكان لا يعلمون ما يفضي إليه، وحذف مفعول يعلمون لدلالة الاستدراج عليه، والتقدير‏:‏ لا يعلمون تدرجه، وهذا مؤذن بأنه استدراج عظيم لا يظن بالمفعول به أن يتفطن له‏.‏

والإملاء إفعال وهو الإمهال، وهمزة هذا المصدر منقلبة عن واو، مشتق من الملاوة مثلثة الميم، وهي مدة الحياة يقال أملاه وملاه إذا أمهله وأخّره، كلاهما بالألف دون همز فهو قريب من معنى عَمره، ولذلك يقال في الدعاء بالحياة ملاك الله‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ هي اللام التي تسمى‏:‏ لام التبيين، ولها استعمالات كثيرة فيها خفاء ومرجعها‏:‏ إلى أنها يقصد منها تبيين اتصال مدخولها بعامله لخفاء في ذلك الاتصال، فإن اشتقاق أملى من الملو اشتقاق غير مكين، لأن المشتق منه ليس فيه معنى الحدث، فلم يجيء منه فعل مجرد، فاحتيج إلى اللام، لتبيين تعلق المفعول بفعله‏.‏

وأما قولهم‏:‏ أملى للبعير بمعنى أطال له في طِوَله في المرعى، فهو جاء من هذا المعنى بضرب من المجاز أو الاستعارة‏.‏

فجملة‏:‏ ‏{‏إن كيدي متين‏}‏ في موضع العلة للجملتين قبلها، فإن الاستدراج والإملاء ضرب من الكيد، وكيد الله متين أي قوي لا انفلات منه للمكيد‏.‏

وموقع ‏(‏إن‏)‏ هنا موقع التفريع والتعليل، كما قال عبد القاهر‏:‏ إنها تغني في مثل هذا الموقع غَناء الفاء، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أول بيتتٍ وضع للناس‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏96‏)‏، أي‏:‏ يكون ذلك الاستدراج وذلك الاملاء بالغين ما أردناه بهم لأن كيدي قوي‏.‏

ولما كان ‏{‏أملي‏}‏ معطوفاً على ‏{‏سنستدرجهم‏}‏، فهو مشارك له في الدخول تحت حكم الاستبقال، أي‏:‏ وسأملي لهم‏.‏

والمغايرة بين فعلي ‏(‏نستدرج‏)‏ و‏(‏أملي‏)‏ في كون ثانيهما بهمزة المتكلم، وأولهما بنون العظمة مغايرة اقتضتها الفصاحة من جهة ثقل الهمزة بين حرفين متماثلين في النطق في ‏{‏سنستدرجهم‏}‏ وللتفنن والاكتفاء بحصول معنى التعظيم الأول‏.‏

و ‏(‏الكيد‏)‏ لم يضبط تحديد معناه في كتب اللغة، وظاهرها أنه يرادف المكر والحيلة، وقال الراغب‏:‏ «ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموماً وممدوحاً وإن كان يستعمل في المذموم أكثر وهو يقتضي أن الكيد أخص من الاحتيال وما ذلك إلا لأنه غلب استعماله في الاحتيال على تحصيل ما لو اطلع عليه المكيد لاحترز منه، فهو احتيال فيه مضرة ما على المفعول به، فمراد الراغب بالمذموم المذموم عند المكيد لا في نفس الأمر» وقال ابن كمال باشا‏:‏ الكيد الأخذ على خفاء، ولا يعتبر فيه إظهار الكائد خلاف ما يبطنه‏.‏

ويتحصل من هذه التدقيقات‏:‏ أن الكيد أخص من الحيلة ومن الاستدراج‏.‏

ووقوع جملة‏:‏ ‏{‏إن كيدي متين‏}‏ موقعَ التعليل يقتضي أن استدراجهم والإملاء لهم كيد، فيفيد أنه استدراج إلى ما يكرهونه، وتأجيل لهم إلى حلول ما يكرهونه، لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون الجملة السابقة مع زيادة الوصف، المتين، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه، فإن جملة‏:‏ إن كيدي متين لا تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون تلوين أخذه بما يغر المأخوذ، فكأنه قال‏:‏ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون كائدين لهم، إن كيدي متين‏.‏

وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه، بحال من يهيئ أخذاً لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة؛ ليزيد عدوه غروراً، وليكون وقوع ضر الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه‏.‏

و ‏(‏المتين‏)‏ القوي، وحقيقته القوي المتن أي الظهر، لأن قوة متنه تمكنه من الأعمال الشديدة، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏184‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏184‏)‏‏}‏

لما كان تكذيبهم بالآيات منبعثاً عن تكذيبهم من جاء بها، وناشئاً عن ظن أن آيات الله لا يجيء بها البشر، وأن مَن يدعي أنه مرسل من الله مجنون، عقب الإخبار عن المكذبين ووعيدهم بدعوتهم للنظر في حال الرسول، وأنه ليس بمجنون كما يزعمون‏.‏

واستعمال العرب همزة الاستفهام مع حروف العطف المشركة في الحكم استعمال عجيب تقدم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفكلما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم أستكبرتم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏87‏)‏‏.‏

والجملة مستأنفة، وهي ابتداء كلام في محاجتهم وتنبيههم بعد الإخبار عنهم بأنهم مستدرجون ومملى لهم‏.‏

والاستفهام للتعجيب من حالهم والانكار عليهم، و‏(‏ما‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ما بصاحبهم من جنة‏}‏ نافية كما يؤذن به دخول ‏(‏من‏)‏ على منفى ما، لتأكيد الاستغراق‏.‏

وفعل ‏{‏يتفكروا‏}‏ منزل منزلة اللازم، فلا يقدر له متعلق للاستغناء عن ذلك بما دل عليه النفي في قوله‏:‏ ‏{‏ما بصاحبهم من جنة‏}‏ أي ألم يكونوا من المفكرين أهل النظر، والفعل المعلق عن العمل لا يقدر له مفعول ولا متعلق‏.‏

والمقصود من تعليق الفعل هو الانتقال من علم الظان إلى تحقيق الخبر المظنون وجعله قضية مستقلة، فيصير الكلام بمنزلة خبرين خبر من جانب الظان ونحوه، وخبر من جانب المتكلم دخل في قسم الواقعات فنحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد علمت ما هؤلاء ينطقون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 65‏]‏ هو في قوة أن يقال‏:‏ لقد علمت لا ينطقون ما هؤلاء ينطقون، أي ذلك علمك وهذا علمي، وقوله هنا‏:‏ ‏{‏أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة‏}‏ في قوة‏:‏ أو لم يتفكروا صاحبهم غير مجنون، ما بصاحبهم من جنة‏.‏ فتعليق أفعال القلب ضرب من ضروب الإيجاز، وأحسب هذا هو الغرض من أسلوب التعليق لم يُنبه عليه علماء المعاني، وأن خصائص العربية لا تنحصر‏.‏

و«الصاحب» حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا صاحبي السجن‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 41‏]‏، وسميت الزوجة صاحبة، ويطلق مجازاً على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر، تنزيلاً لملازمة الذكر منزلة ملازمة الذات، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته، أم معبد، لما أخبرته بدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركتَه‏:‏ «هذا صاحب قريش»، وقولُ الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق «ألَسْتُم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتُم الكفر» يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم، وقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي‏:‏

كلُّ له نيّةٌ في بُغْض صاحبه *** بنعمة اللَّه نقليكم وتقلونا

فوصفُ الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات‏:‏ هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم بمجنونٍ‏}‏

‏[‏التكوير‏:‏ 22‏]‏‏.‏

والجنة بكسر الجيم اسم للجنون، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مسّ الجن إيّاه في عرف الناس، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر، بحرف الباء الدال على الملابسة‏.‏ وإنما أنكر عليهم وعُجّب من إعراضهم عن التفكر في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه غير مجنون، رداً عليهم وصفهم إياه بالجنون ‏{‏وقالوا يأيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 6‏]‏، ‏{‏وقالوا معلمٌ مجنونٌ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 14‏]‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم بمجنون‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إن هو إلا نذير مبين‏}‏ استئناف بياني لجواب سائِل منهم يقول‏:‏ فماذا شأنه، أو هي تقرير لحكم جملة‏:‏ ‏{‏ما بصاحبهم من جنة‏}‏ ففصلت لكمال الاتصال بينهما المغني عن العطف‏.‏

والنذير المحذر من شيء يضر، وأصله الذي يخبر القوم بقدوم عدوهم، ومنه المثل «أنا النذير العُريان» يقال أنذر نذارة بكسر النون مثل بشارة فهو منذر ونذير‏.‏

وهذا مما جاء فيه فعيل في موضع مُفْعل، مثل الحكيم، بمعنى المحكم، وقول عمرو بن معديكرب‏:‏

أمنْ رَيْحانةَ الداعي السميعُ *** أي المُسْمع‏.‏ والمبين اسم فاعل من أبان إذا أوضح، ووقع هذا الوصف عقب الإخبار ب ‏(‏نذير‏)‏ يقتضي أنه وصف للخبر، فالمعنى أنه النذير المبين لنذارته بحيث لا يغادر شكاً في صدقه، ولا في تصوير الحال المحذر منها، فالغرض من اتباع «النذير» بوصف «المبين» التعريض بالذين لم ينصاعوا لنذارته، ولم يأخذوا حذرهم من شر ما حذرهم منه، وذلك يقطع عذرهم‏.‏

ويجوز جعل ‏{‏مبين‏}‏ خبراً ثانياً عن ضمير صاحبهم، والمعنى أنه نذير وأنه مبين فيما يبلغه من نذارة وغيرها‏.‏

والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة، وهو يقتضي انحصار أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم في النذارة والبيان، وذلك قصر إضافي، هو قصر قلب، أي هو نذير مبين لا مجنون كما يزعمون، وفي هذا استغباء أو تسفيهٌ لهم بأن حاله لا يلتبس بحال المجنون للبون الواضح بين حال النذارة البينة وحال هذيان المجنون‏.‏ فدعواهم جنونه‏:‏ إما غباوة منهم بحيث التبست عليهم الحقائق المتمايزة، وإما مكابرة وعناد وافتراء على الرسول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏185‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ‏(‏185‏)‏‏}‏

ترق في الإنكار والتعجيب من حالهم في إعراضهم عن النظر في حال رسولهم‏.‏ إلى الإنكار والتعجيب من إعراضهم عن النظر فيما هو أوضح من ذلك وأعم، وهو ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء مما هو آيات من آيات وحدانية اللَّه تعالى التي دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بها‏.‏ والمناسبة بين الكلامين‏:‏ أن دعوة الرسول إلى التوحيد وإبطال الشرك هو من أكبر بواعثهم على تكذيبهِ ‏{‏أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عُجابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وعُدِّي فعل ‏(‏النظر‏)‏ إلى متعلِّقه بحرف الظرفية، لأن المراد التامل بتدبر، وهو التفكر كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏ وتقول نظرت في شأني، فدل بحرف الظرفية على أن هذا التفكر عميق متغلغل في أصناف الموجودات وهي ظرفية مجازية‏.‏

والملكوت المُلك العظيم، وقد مضى عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏75‏)‏‏.‏

وإضافته إلى السماء والأرض بيانية أي الملك الذي هو السماوات والأرض أي مُلك الله لهما، فالمراد السماء بمجموعها والأرض بمجموعها الدالين على عظم ملك الله تعالى‏.‏

وعطف ‏{‏وما خلق الله من شيء‏}‏ على ‏{‏ملكوت‏}‏ فقسّم النظر إلى نظر في عظيم مُلك الله تعالى، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم قدرة الله تعالى، فالنظر إلى عظمة السموات والأرض دليل على عظم ملك الله تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم قدرته تعالى، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية، فلو نظروا في ذلك نظر اعتبار؛ لعلموا أن صانع ذلك كله ليس إلا إله واحد، فلزال إنكارهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشرك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم‏}‏ معطوف على ‏{‏وما خلق الله من شيء‏}‏‏.‏

و ‏{‏أنْ‏}‏ هذه هي أن المفتوحه الهمزة المشددة النون خففت، فكان اسمها ضمير شأن مقدراً‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏عسى أن يكون‏}‏ إلخ خبر ضمير الشأن‏.‏

و ‏{‏أن‏}‏ التي بعد عسى مصدرية هي التي تزاد بعد عسى غالباً في الاستعمال‏.‏

واسمُ ‏{‏يكون‏}‏ ضمير شأن أيضاً محذوف، لأن ما بعد ‏(‏يكون‏)‏ غير صالح لأن يعتبر اسماً لكان، والمعنى ألم ينظروا في توقع قرب أجلهم‏.‏

وصيغ الكلامُ على هذا النظم؛ لإفادة تهويل الأمر عليهم وتخويفهم، بجعل متعلق النظر من معنى الإخبار للدلالة على أنه أمر من شأنه أن يخْطر في النفوس، وأن يتحدث به الناس، وأنه قد صار حديثاً وخبراً فكأنه أمر مسلم مقرر‏.‏

وهذا موقع ضمير الشان حيثما ورد، ولذلك يسمى‏:‏ ضميرَ القصة اعتداداً بأن جملة خبره قد صارت شيئاً مقرراً ومما يقصه الناس ويتحدثون به‏.‏

ومعنى النظر في توقع اقتراب الأجل، التخوفُ من ذلك‏.‏

والأجل المضاف إلى ضمير المكذبين هو أجل الأمة لا أجل الأفراد، لأن الكلام تهديد بأجل غير متعارف، نبههم إلى التفكر في توقع حلول الاستئصال بهم وإهلاكهم كما هلك المكذبون من قبلهم، لأنهم إذا تفكروا في أن صاحبهم ليس بمجنون حصل لهم العلم بأنه من العقلاء، فما كان العاقل بالذي يُحدث لقومه حادثاً عظيماً مثل هذا، ويحدث لنفسه عناء كهذا العناء لغير أمر عظيم جاء به، وما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وإذا نظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء علموا أن الله الملك الأعظم، وأنه خالق المخلوقات، فأيقنوا بأنه الإله الواحد، فآل ذلك إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام، وإبطال معتقدهم تعدد الآلهة أو آل في أقل الاحتمالات إلى الشك في ذلك، فلا جرم أن يفضي بهم إلى النظر في توقع مصير لهم مثل ما صار إليه المكذبون من قبلهم‏.‏

ويجوز أن يكون المراد بالأجل مجيء الساعة، وانقراض هذا العالم، فهو أجلهم وأجل غيرهم من الناس فيكون تخويفاً من يوم الجزاء‏.‏

ومن بديع نظم هذه الآيات‏:‏ أنه لما أريد التبصر والتفكر في ثبوت الحقائق والنِّسب في نفس الأمر جيء مع فعلى القلب بصيغة القضية والخبر في قوله‏:‏ ‏{‏أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 184‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم‏}‏ ولما أريد التبصر والتفكر في صفات الذات جعل فعل القلب متعلقاً بأسماء الذوات في قوله‏:‏ ‏{‏أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء‏}‏‏.‏

ثم فرع على التهديد والوعيد توبيخهم والإنكارُ عليهم بطريقة الاستفهام التعجيبي المفيد للاستبعاد بقوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديث بعده يؤمنون‏}‏ فهو تعجيب مشوب باستبعاد للإيمان بما أبلغ إليهم الله بلسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وما نصب لهم من الآيات في أصناف المخلوقات، فإن ذلك كله قد بلغ منتهى البيان قولاً ودلالة بحيث لا مطمع أن يكون غيره أدل منه‏.‏

و ‏(‏أي‏)‏ هنا اسم أُشربَ معنى الاستفهام، وأصله اسم مبهم يفسره ما يضاف هو إليه، وهو اسم لحصة متميزة عما يشاركها في نوع من جنس أو صفة، فإذا أُشرب ‏(‏أي‏)‏ معنى الاستفهام، كان للسؤال عن تعييننِ مشارك لغيره في الوصف المدلول عليه بما تضاف إليه ‏(‏أي‏)‏ طلباً لتعيينه، فالمسؤول عنه بها مُساو لمماثل له معروف فقوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديث‏}‏ سؤال عن الحديث المجهول المماثل للحديث المعروف بين السائل والمسؤول وسيأتي الكلام على ‏(‏أي‏)‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون‏}‏ في سورة القلم ‏(‏5، 6‏)‏‏.‏

والاستفهام هنا مستعمل في الإنكار، أي لا يؤمنون بشيء من الحديث بعد هذا الحديث‏.‏

وحقيقة الحديث أنه الخبر والقصة الحادثة ‏{‏هل أتاك حديثُ ضيف إبراهيم‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏ ويطلق مجازاً على الأمر الذي من شأنه أن يصير حديثاً وهو أعم من المعنى الحقيقي‏.‏

ف«الحديث» هنا إن حُمل على حقيقته جاز أن يراد به القرآن، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليأتوا بحديثثٍ مثله‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 34‏]‏ فيكون الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏بعده‏}‏ بمعنى بعد القرآن، أي بعدَ نزوله، وجاز أن يراد به دعوى محمد صلى الله عليه وسلم الرسالة من عند الله، وكلا الاحتمالين يناسب قوله‏:‏ ‏{‏أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 184‏]‏‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديث‏}‏ على هذا باء التعدية لتعدية فعل ‏{‏يؤمنون‏}‏، وإن حمل على المجاز شمل القرآن وغيره من دلائل المصنوعات باعتبار أنها من شأنها أن يتحدث الناس بها كما في قوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديثثٍ بعد الله وآياته يؤمنون‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 6‏]‏ فيكون الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏بعده‏}‏ عائداً على معنى المذكور أي ما ذُكر من ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وأفرد الضمير لتأويله بالمذكور كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفْساً‏}‏ في سورة النساء ‏(‏4‏)‏ أي فبأي شيء يستدل عليهم غير ما ذكر بعدَ أن لم ينتفعوا بدلالة ما ذكر، ولم يؤمنوا له فلا يرجى منهم إيمان بعد ذلك‏.‏

والباء على هذا الوجه للسببية متعلقة بيؤمنون‏}‏ و‏(‏بَعد‏)‏ هنا مستعارة لمعنى غير، لأن الظروف الدالة على المباعدة والمفارقة تستعمل استعمال المغاير قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يهديه من بعد الله‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 23‏]‏ وحمل ‏(‏بعد‏)‏ على حقيقتها هنا يحوج إلى تأويل، ويخرج الكلام عن سواء السبيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏186‏]‏

‏{‏مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏186‏)‏‏}‏

هذه الجملة تعليل للإنكار في قوله‏:‏ ‏{‏فبأي حديث بعده يؤمنون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 185‏]‏، لإفادة أن ضلالهم أمر قدر الله دوامَه، فلا طمع لأحد في هديهم، ولما كان هذا الحكم حاقاً على من اتصف بالتكذيب، وعدم التفكر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله، وفي توقع اقتراب استيصالهم، كان المحكوم عليهم بعدم الاهتداء فريقاً غير معروف للناس، وإنما ينفرد الله بعلمه ويُطْلع عليه رسوله عليه الصلاة والسلام، وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك، وهذه هي المسألة الملقبة بالموافاة عند علماء الكلام‏.‏

وعطف جملة‏:‏ ‏{‏ونذَرهم في طغيانهم يعمهون‏}‏ على جملة‏:‏ ‏{‏من يضلل الله فلا هادي له‏}‏ للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع في الماضي‏.‏

وتفسير‏:‏ ‏{‏نذرهم‏}‏ تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذَر الذين اتخذوا دينهم لعباً‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏70‏)‏ وتفسير «طغيان» و‏{‏يعمهون‏}‏ تقدم عند قوله‏:‏ ‏{‏في طغيانهم يعمهون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏15‏)‏‏.‏

وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر‏:‏ ‏{‏نَذرهم‏}‏ بالنون وبالرفع، على أنه عطف جملة على جملة‏:‏ ‏{‏من يضلل الله‏}‏ على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم‏.‏

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف‏:‏ بالياء التحتية والجزم، على أنه عطف على موضع ‏{‏فلا هادي له‏}‏ وهو جواب الشرط‏.‏

وقرأ أبو عَمرو، وعاصم، ويعقوب‏:‏ بالياء التحتية وبالرفع والوجه ظاهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏187‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي يذكر به شيء من ضلالهم ومحاولة تعجيزهم النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين وقت الساعة‏.‏

ومناسبة هذا الاستئناف هي التعرض لتوقع اقتراب أجلهم في قوله‏:‏ ‏{‏وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 185‏]‏ سواء أفسر الأجل بأجل إذهاب أهل الشرك من العرب في الدنيا، وهو الاستئصال، أم فسر بأجلهم وأجل بقية الناس وهو قيام الساعة، فإن الكلام على الساعة مناسبة لكلا الأجلين‏.‏

وقد عرف من شنشنة المشركين إنكارهم، البعثَ وتهكمهم بالرسول عليه الصلاة والسلام من أجل إخباره عن البعث ‏{‏وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزقتم كل مُمزققٍ إنكم لفي خلققٍ جديدٍ أفترى على الله كذباً أم به جنةٌ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 7، 8‏]‏، وقد جعلوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة ووقتها تعجيزاً له، لتوهمهم أنه لما أخبرهم بأمرها فهو يدعي العلم بوقتها ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوممٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 29، 30‏]‏‏.‏

فالسائلون هم المشركون، وروي ذلك عن قتادة، والضمير يعود إلى الذين كذبوا بآياتنا، وقد حكي عنهم مثل هذا السؤال في مواضع من القرآن، كقوله تعالى في سورة النازعات ‏(‏42‏)‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة أيّانَ مرساها‏}‏ وقوله ‏{‏عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1 3‏]‏ يعني البعثَ والساعة، ومن المفسرين من قال‏:‏ المعني بالسائلين اليهود أرادوا امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الساعة، وهذا لا يكون سبب نزول الآية، لأن هذه السورة مكية، قيل كلها، وقيل إن آيتين منها نزلتا بالمدينة، ولم يعُدوا هذه الآية، فيما اختُلف في مكان نزوله والسور التي حكي فيها مثل هذا السؤال مكية أيضاً نازلة قبل هذه السورة‏.‏

والساعة معرّفةً باللام علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي، وتسمى‏:‏ يومَ البعث، ويومَ القيامة‏.‏

و ‏{‏أيّان‏}‏ اسم يدل على السؤال عن الزمان وهو جامد غير متصرف مركب من ‏(‏أي‏)‏ الاستفهامية و‏(‏آنَ‏)‏ وهو الوقت، ثم خففت ‏(‏أي‏)‏ وقلبت همزة ‏(‏آن‏)‏ ياء ليتأتى الإدغام، فصارت ‏(‏أيّان‏)‏ بمعنى أي زمان، ويتعين الزمان المسؤول عنه بما بعد ‏(‏أيان‏)‏، ولذلك يتعين أن يكون اسمَ معنى لا اسمَ ذات، إذ لا يخبر بالزمان عن الذات، وأما استعمالها اسم شرط لعموم الأزمنة فذلك بالنقل من الاستفهام إلى الشرط كما نقلت ‏(‏متى‏)‏ من الاستفهام إلى الشرطية، وهي توسيعات في اللغة تَصيرُ معاني متجددة، وقد ذكروا في اشتقاق ‏(‏أيان‏)‏ احتمالات يرجعون بها إلى معاني أفعال، وكلها غير مرضية، وما ارتأيناه هنا أحسن منها‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏أيان‏}‏ خبر مقدم لصدارة الاستفهام، و‏{‏مرساها‏}‏ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل مضاف إليه آن إذ الأصل أي ‏(‏آن‏)‏ آن مُرسى الساعة‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏أيان مُرساها‏}‏ في موضع نصب بقول محذوف دل عليه فعل ‏{‏يسألونك‏}‏ والتقدير‏:‏ يقولون أيان مرساها، وهو حكاية لقولهم بالمعنى، ولذلك كانت الجملة في معنى البدل عن جملة‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة‏}‏‏.‏

والمُرْسَى مصدر ميمي من الإرساء وهو الإقرار يقال رَسَا الجبل ثُبت، وأرساه أثبته وأقره، والإرساء الاستقرار بعد السير كما قال الأخطل‏:‏

وقال رَائدُهم أرْسُوا نزاوِلُها *** ومرسى السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى‏:‏ ‏{‏بسم الله مجراها ومرساها‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيهاً لوقوع الأمر الذي كان مترقباً أو متردد فيه بوصول السائر في البر أو البحر إلى المكان الذي يريده‏.‏

وقد أمر الله رسوله بجوابهم جواب جد وإغضاء عن سوء قصدهم بالسؤال التهكْم، إظهاراً لنفي الوصمة عن وصف النبوءة من جراء عدم العلم بوقت الشاعة، وتعليماً للذين يترقبون أن يحصل من جواب الرسول عن سؤال المشركين علْم للجميع بتعيين وقت الساعة فإذا أمْر الساعة مما تتوجه النفوس إلى تطلبه‏.‏

فقد ورد في الصحيح أن رجلاً من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «يا رسول الله متى الساعة‏؟‏ فقال رسول الله ماذا أعْدَدْتَ لها‏؟‏ فقال ما أعددتُ لها كبيرَ عَمل إلاّ أني أحب الله ورسوله فقال أنتَ مع مَن أحببت»‏.‏

وعلْمُ الساعة هو علم تحديد وقتها كما يُنبئ عنه السؤال، وقوله‏:‏ ‏{‏لا يُجليها لوقتها إلاّ هو‏}‏، فإضافة علم إلى ضمير الساعة على تقدير مضاف بينهما أيْ علْم وقتها، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، وظرفية ‏(‏عند‏)‏ مجازية استعملت في تحقيق تعلق علم الله بوقتها‏.‏

والحصر حقيقي‏:‏ لأنه الأصل، ولما دل عليه توكيده بعَد في قوله‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند الله‏}‏، والقصر الحقيقي يشتمل على معنى الإضافي وزيادة، لأن علم الساعة بالتحديد مقصور على الله تعالى‏.‏

والتعريف بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم إيماءٌ إلى الاستدلال على استئثار الله تعالى بعلم وقت الساعة دون الرسول المسؤول ففيه إيماء إلى خطإهم وإلى شبهة خطإهم‏.‏

و ‏(‏التجلية‏)‏ الكشف، والمراد بها ما يشمل الكشف بالإخبار والتعيين، والكشفَ بالإيقاع، وكلاهما منفيُ الإسناد عن غير الله تعالى، فهو الذي يعلم وقْتها، وهو الذي يُظهرها إذا أراد، فإذا أظهرها فقد أجلاها‏.‏

واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لوقتها‏}‏ للتوقيت كالتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 78‏]‏‏.‏

ومعنى التوقيت، قريب من معنى ‏(‏عندَ‏)‏، والتحقيقُ‏:‏ أن معناه ناشئ عن معنى لام الاختصاص‏.‏

ومعنى اللام يناسب أحد معنيي الإجلاء، وهو الإظهار، لأنه الذي إذا حصل تَم كشف أمرها، وتحقق الناسُ أن القادر على إجلائها كان عالماً بوقت حلولها‏.‏

وفصلت جملة‏:‏ ‏{‏لا يجليها لوقتها إلاّ هو‏}‏ لأنها تتنزل من التي قبلها منزلة التأكيد والتقرير‏.‏

وقدم المجرور وهو ‏{‏لوقتها‏}‏ على فاعل ‏{‏يجليها‏}‏ الواقع استثناء مفرغاً للاهتمام به تنبيهاً على أن تجلية أمرها تكون عند وقت حلولها لأنها تأتي بغتة‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏ثقلت في السماوات والأرض‏}‏ معترضة لقصد الإفادة بهولها، والإيماء إلى حكمة إخفائها‏.‏

وفعل ‏{‏ثقلت‏}‏ يجوز أن يكون لمجرد الإخبار بشدة، أمرها كقوله‏:‏ ‏{‏ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً‏}‏‏.‏

ويجوز أن يكون تعجيباً بصيغة فعُل بضم العين فتقدر الضمة ضمة تحويل الفعل للتعجيب، وإن كانت هي ضمة أصلية في الفعل، فيكون من قبيل قوله‏:‏ ‏{‏كُبرت كلمة تخرُج من أفواههم‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 5‏]‏‏.‏

والثقل مستعار للمشقة كما يستعار العظم والكِبَر، لأن شدة وقع الشيء في النفوس ومشقته عليها تخيّل لمن خلت به أنه حامل شيئاً ثقيلاً، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 5‏]‏ أي شديداً تلقيه وهو القرآن، ووصف الساعة بالثقل باعتبار ما هو مظروف في وقتها من الحوادث، فوصفها بذلك مجاز عقلي، والقرينة واضحة، وهي كون الثقل بمعنى الشدة لا يكون وصفاً للزمان، ولكنه وصف للأحداث، فإذا أسند إلى الزمان، فإسناده إليه إنما هو باعتباره ظرفاً للأحداث، كقوله‏:‏ ‏{‏وقالَ هذا يومٌ عَصيبٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 77‏]‏‏.‏

وثقل الساعة أي شدتها هو عظم ما يحدث فيها من الحوادث المهولة في السماوات والأرض، من تصادم الكواكب، وانخرَام سيرها، ومن زلازل الأرض وفيضان البراكين، والبحار، وجفاف المياه، ونحو ذلك مما ينشأ عن اختلال النظام الذي مكان عليه سير العالم، وذلك كله يحدث شدة عظيمة على كل ذي إدراك من الموجودات‏.‏

ومن بديع الإيجاز تعدية فعل ‏{‏ثَقُلَت‏}‏ بحرف الظرفية الدال على مكان حلول الفعل، وحذفُ ما حقه أن يتعدى إليه وهو حرف ‏(‏إلى‏)‏ الذي يدل على ما يقع عليه الفعل، ليعم كل ما تحويه السماوات والأرض مما يقع عملية عملية الثقل بمعنى الشدة‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏لا تأتيكم إلاّ بغتة‏}‏ مستأنفة جاءت تكملة للإخبار عن وقت حلول الساعة، لأن الإتيان بغتة يحقق مضمون الإخبار عن وقتها بأنه غير معلوم إلاّ لله، وبأن الله غيرُ مُظهره لأحد، فدل قوله‏:‏ ‏{‏لا تأتيكم إلاّ بغتة‏}‏ على أن انتفاء إظهار وقتها انتفاءٌ متوغل في نوعه بحيث لا يحصل العلم لأحد بحلولها بالكنه ولا بالإجمال، وأما ما ذكر لها من أمارات في حديث سُؤال جبريل عن أماراتها فلا ينافي إتيانها بغتة، لأن تلك الأمارات ممتدةُ الأزمان بحيث لا يحصل معها تهيؤ للعلم بحلولها‏.‏

و«البغتة» مصدر على زنة المرّة من البغْت وهو المفاجأة أي الحصول بدون تهيؤ له، وقد مضى القول فيها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا جاءتهم الساعة بغتةً‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏31‏)‏‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏يسألونك كأنك حفي عنها‏}‏ مؤكدة لجملة‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة‏}‏ ومبينة لكيفية سؤالهم فلذيْنك فُصلت‏.‏

وحذف متعلق السؤال لعلمه من الجملة الأولى‏.‏

و ‏{‏حَفي‏}‏ فعيل فيجوز أن يكون بمعنى فاعل مشتقاً من حَفي به، مثل غَنيِ فهو غَني إذا أكثر السؤال عن حاله تلطفاً، ويكون المعنى كأنك أكثرتَ السؤال عن وقتها حتى علمته، فيكون وصف حَفي كناية عن العالم بالشيء، لأن كثرة السؤال تقتضي حصول العلم بالمسؤول عنه، وبهذا المعنى فسر في «الكشاف» فهو من الكناية بالسؤال عن طلب العلم، لأن السؤال سبب العلم، كقول السموْأل أوْ عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو غيرهما‏:‏

سَلي إنَ جهلت الناسَ عنا وعنهم *** فليسَ سواءً عَالم وجَهُول

وقول عامر بن الطُفيل‏:‏

طُلْقت إنَ لم تسألي أي فارس *** حَليلُك إذْ لاقى صُداء وخثْعها

وقول أُنَيْفٍ بن زَبّانَ النبهاني‏:‏

فلما التقيْنا بيْنَ السيفُ بيننا *** لسائلةٍ عنّا حَفِيٌّ سؤالها

ويجوز أن يكون مشتقاً من أحفاه إذا ألح عليه في فعل، فيكون فعيلاً بمعنى مُفعل مثل حَكيم، أي كأنك مُلح في السؤال عنها، أي ملح على الله في سؤال تعيين وقت الساعة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنْ يسألكموها فيُحْفكم تبخلوا‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 37‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كأنك حفي‏}‏ حال من ضمير المخاطب في قوله‏:‏ ‏{‏يسألونك‏}‏ معترضة بين ‏{‏يسألونك‏}‏ ومتعلقه‏.‏

ويتعلق قوله‏:‏ ‏{‏عنها‏}‏ على الوجهين بكل من ‏{‏يسألونك‏}‏ و‏{‏حفيّ‏}‏ على نحو من التنازع في التعليق‏.‏

ويجوز أن يكون ‏{‏حفيّ‏}‏ مشتقاً من حَفي به، كرضي بمعنى بَالغ في الإكرام، فيكون مستعملاً في صريح معناه، والتقدير‏:‏ كأنك حفي بهم أي مكرم لهم وملاطف فيكون تهكماً بالمشركين، أي يظهرون لك أنك كذلك ليستنزلوك للخوض معهم في تعيين وقت الساعة، روي عن ابن عباس‏:‏ كأنك صديق لهم، وقال قتادة‏:‏ قالت قريش لمحمد‏:‏ إن بيننا قرابة فأسِرَّ إليْنا متى الساعة فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك كأنك حَفي عنها‏}‏ وعلى هذا الوجه يتعلق ‏{‏عنها‏}‏ ب ‏{‏يسألونك‏}‏ وحذف متعلق ‏{‏حفي‏}‏ لظهوره‏.‏

وبهذا تعلم أن تأخير ‏{‏عنها‏}‏ للإيفاء بهذه الاعتبارات‏.‏

وفي الآية إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتعلق همته بتعيين وقت الساعة، إذ لا فائدة له في ذلك، ولأنه لو اهتم بذلك لكان في اهتمامه تطلباً لإبطال الحكمة في إخفائها، وفي هذا إشارة إلى أن انتفاء علمه بوقتها لا ينافي كرامته على الله تعالى بأن الله أعطاه كمالاً نفسياً يصرفه عن تطلب ذلك، ولو تطلبه لأعْلمه الله به، كما صرف موسى عليه السلام عن الاستمرار على كراهة الموت حين حل أجله كيلا ينزع روحه وهو كاره، وهذه سرائر عالية بين الله وبين الصالحين من عباده‏.‏

وأكدت جملة الجواب الأولى بقوله‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند الله‏}‏ تأكيداً لمعناها ليعلم أن ذلك الجواب لا يرجى غيره وأن الحصر المشتمل عليه قوله‏:‏ ‏{‏إنما علمها عند ربي‏}‏ حصر حقيقي ثم عطف على جملة الجواب استدراك عن الحصر في قوله‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند الله‏}‏ تأكيداً لكونه حصراً حقيقياً، وإبطالاً لظن الذين يحسبون أن شأن الرسل أن يكونوا عالمين بكل مجهول، ومن ذلك وقت الساعة بالنسبة إلى أوقاتهم يستطيعون إعلام الناس فيستدلون بعدم علم الساعة على عدم صدق مدعي الرسالة، وهذا الاعتقاد ضلالة ملازمة للعقول الأفنة، فإنها تتوهم الحقائق على غيْر ما هي عليه، وتوقن بما يخيل إليها، وتجعله أصولاً تبني عليها معارفها ومعاملاتها، وتجعلها حَكماً في الأمور إثباتاً ونفياً، وهذا فرط ضلالة، وإنه لَضغْث على إبَالة بتشديد الباء وتخفيفها، وقد حكي التاريخ القديم شاهداً مما قلناه وهو ما جاء في سفر دانيال من كتب الأنبياء الملحقة بالتوراة أن ‏(‏بُخْتَنَصَّر‏)‏ ملك بابل رأى رؤيا أزعجته وتطلب تعبيرها، فجمع العرافين والمنجمين والسحرة وأمرهم أن يخبروه بصورة ما رآه في حلمه من دون أن يحكيه لهم، فلما أجابوه بأن هذا ليس في طاقة أحد من البشر ولا يطلع على ما في ضمير الملك إلاّ الآلهة، غضب، واغتاظ، وأمر بقتلهم، وأنه أحضر دانيال النبي وكان من جملة أسرى بني إسرائيل في ‏(‏بابل‏)‏ وهدده بالقتل إن لم ينبئه بصورة رؤياه، ثم بتعبيرها، وأن دانيال استنظره مدة، وأنه التجأ إلى الله بالدعاء هو وأصحابه ‏(‏عزريا‏)‏ و‏(‏ميشاييل‏)‏ و‏(‏حننيا‏)‏ فدعوا الله لينقذ دانيال من القتل، وأن الله أوحى إلى دانيال بصورة ما رءاه الملك فأخبر دانيالُ الملكَ بذلك، ثم عبر له، فنال حظوة لديه انظر الإصحاح الثاني من سفر دانيال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

هذا ارتقاء في التبرُّؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادةٌ من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها‏.‏

والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله‏:‏ ‏{‏قل إنما علمها عند ربي‏.‏‏.‏‏.‏ قل إنما علمها عند الله‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏ للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهمَ ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلاناً للمشركين بالتزام أنه لا يَعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيْئسوا من تحديه بذلك، وإعلاماً للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة وما لا تقتضيه، ولذلك نفى عن نفسه معرفة أحواله المغيّبة، فضلاً على معرفة المغيبات من أحوال غيره إلاّ ما شاء الله‏.‏

في «تفسير البغوي»، عن ابن عباس‏:‏ أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يَغلو فتشتريَ عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تَجْدب فترتحل منها إلى التي قد أخصبتْ، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله‏}‏ فيكون هذا من جملة ما توركوا به مثل السؤال عن الساعة، وقد جمع رد القولين في قول‏.‏

ومعنى الملْك هنا الاستطاعة والتمكن، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً‏}‏ في سورة المائدة ‏(‏76‏)‏، والمقصود منه، هنا‏:‏ ما يشمل العلم بالنفع والضر، لأن المقام لنفي معرفة الغيب، ولأن العلم بالشيء هو موجب توجه النفس إلى عَمله‏.‏

وقُدم النفع في الذكر هنا على الضر‏:‏ لأن النفع أحب إلى الإنسان، وعُكس في آية المائدة؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم، وأنها لا يُخشى غضبها‏.‏

وإنما عطف قوله‏:‏ ‏{‏ولا ضَراً‏}‏ مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار، فصار ذكر هذين الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً‏}‏ في سورة الفرقان ‏(‏3‏)‏، وجُعل نفي أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً مقْدمة لنفي العلم بالغيب، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة الغيب هو الإسراع إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها، وإلى التجنب لمواقع الإضرار، فنفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب‏.‏

والاستثناء من مجموع النفع والضر، والأولى جعله متصلاً، أي إلاّ ما شاء الله أن يُملّكنيه بأن يُعْلمنيه ويُقدرَني عليه، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع، ومن أسباب اتقاء الضر، وحمْله على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب، فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذْ يريكهم الله في منامك‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ليقضي الله أمراً كان مفعولاً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولو كنتُ أعلم الغيب‏}‏ الخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب، سواء منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره‏.‏

فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، في عالم الشهادة وفي عالَم الغيب، وأنه لا يعلم شيئاً من الغيب، مما فيه نفعه وضره وما عداه‏.‏

والاستدلال على انتفاء علمه بالغيب بانتفاء الاستكثار من الخير، وتجنب السوء، استدلال بأخص ما لو عَلم المرء الغيبَ لَعلمه، أولَ ما يعلم وهو الغيب الذي يَهُم نفسه، ولأن الله لو أراد إطلاعه على الغيب؛ لكان القصد من ذلك إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون إطلاعه على ما فيه راحته أول ما ينبغي إطلاعه عليه، فإذا انتفى ذلك كان انتفاء غيره أوْلَى‏.‏

ودلي التالي، في هذه القضية الشرطية، هو المشاهدة من فوات خيرات دنيوية لم يتهيأ لتحصيلها وحصول أسواء دنيوية، وفيه تعريض لهم إذ كانوا يتعرضون له السوء‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إن أنا إلاّ نذير وبشير‏}‏ من تمام القول المأمور به وهي مستأنفة ستينافاً بيانياً، ناشئاً عن التبرُّؤِ من أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً لأن السامعين يتوهمون ما نفاه عن نفسه أخص صفات النبي فمن شأنهم أن يتعجبوا من نفيه ذلك عن نفسه وهو يقول إنه رسول الله إليهم، ويسألوا عن عمله ما هو بعد أن نفي عنه ما نفي، فبين لهم أن الرسالة منحصرة في النذارة على المفاسد وعواقبها والبشارة بعواقب الانتهاء عنها واكتساب الخيرات‏.‏

وإنما قدم وصف النذير على وصف البشير، هنا‏:‏ لأن المقام خطاب المكذبين المشركين، فالنذارة أعلق بهم من البشارة‏.‏

وتقدم الكلام على النذير البشير عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏119‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لقوم يؤمنون‏}‏ يتنازعُ تعلُّقَه كل من ‏{‏نذير‏}‏ و‏{‏بشير‏}‏‏:‏ لأن الانتفاع بالأمرين يختص بالذين تهيئوا إلى الإيمان بأن يتأملوا في الآيات وينهوا من أنفسهم ويقولوا الحق على آبائهم، دون الذين جعلوا دَيدنهم التكذيبَ والإعراضَ والمكابرة، فالمضارع مراد به الحال والاستقبال كما هو شأنه، ليشمل من تَهيأ للإيمان حالاً ومآلاً، وأما شموله لمن آمنوا فيما مضى فهو بدلالة فحوى الخطاب إذ هم أولى، وهذا على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما أنت منذر من يخشاها‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 45‏]‏‏.‏

وفي نظم الكلام على هذا الأسلوب من التنازع، وإيلاء وصف ‏(‏البشير‏)‏ ب ‏(‏قوم يؤمنون‏)‏، إيهام أن البشارة خاصة بالمؤمنين، وأن متعلق النذارة المتروك ذكره في النظم هو لأضداد المؤمنين، أي المشركين، وهذا المعنى مقصود على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 12‏]‏‏.‏

وهذه المعاني المستتبعات مقصودة من القرآن، وهي من وجوه إعجازه لأن فيها استفادة معان وافرة من ألفاظ وجيزة‏.‏