فصل: تفسير الآيات (112- 113):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (112- 113):

{وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)}.
التفسير:
{وكذلك} أي ممّا قضت به مشيئة الخالق جل وعلا، أن جعل لكل نبىّ عدوا من شياطين الإنس والجنّ، أي من فسقة الإنس والجنّ، وأهل الفساد منهم، فهؤلاء هم الظلام الذي يتصدى لنور النبوّة، ويزحمها، ويقيم في وجه الذين يتجهون إليها ستارا من دخان الضلال، يحجب الرؤية عنهم، ويعمّى سبل الهداية والإيمان عليهم، إلا من عصمه اللّه، وثبّت قدمه على طريق الحق.
وهكذا الحق دائما، لا تخلص طريقه من المزالق والعثرات التي يقيمها الضّلال على مسالكه، وهذا مما يزيد الحق قوة في تمرّسه مع الضلال وصراعه معه، ثم صرعه له آخر الأمر.
وفى قوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} إشارة إلى التفاهم والتلاحم القائم بين شياطين الإنس وشياطين الجن، وإن كانا من عالمين مختلفين.. إلا أنهما يجتمعان على الباطل، ويغتذيان من الضلال.
والإيحاء هو الوسوسة من شياطين الجن، والقبول لهذه الإيحاءات من شياطين الإنس.
و{زخرف القول} باطله، وزائفه.. إذ الباطل قبيح المنظر، شائه الوجه، كريه الريح، لا يقبل أحد عليه إلا إذا موّه ببريق خادع، وطلى بطلاء لامع زائف، يخدع به الأغرار، ويغوى به السّفهاء.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} الضمير في قوله تعالى: {ما فعلوه} يعود إلى هذا الزخرف من القول الذي يوحى به شياطين الإنس والجن بعضهم إلى بعض، وهو محض باطل وزور وافتراء.
وقوله تعالى: {وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ} إشارة إلى أن هذا الباطل الذي يوحى به شياطين الإنس بعضهم إلى بعض- إنما زخرفه هؤلاء الشياطين، وزينوه، وألبسوه تلك الصورة المموهة، لتصفى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، أي لتميل إليه قلوبهم بما استهواها به بريقه ولمعانه {وليرضوه} ويقبلوا عليه، ويأنسوا به {وليقترفوا} بهذا الباطل {ما هم مقترفون} من شرك وكفر، وما يزيّن لهم به الشرك والكفر.

.تفسير الآيات (114- 117):

{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}.
التفسير:
قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا} هو مما أمر اللّه سبحانه وتعالى النبيّ أن يلقى به الكافرين والمشركين، منكرا أن يتخذ غير اللّه حكما يتلقّى منه الهدى والإيمان، على حين أنهم يتلقون الكفر والضلال مما يوحى به إليهم شياطين الانس والجنّ.
فهؤلاء الشياطين هم الحكم الذي يحتكمون إليه.
ويلاحظ هنا أن هذا القول الذي يقوله النبيّ في هذا المقام لم يصدّر بأمر اللّه قل الذي اعتاد النبيّ أن يؤمر به في كلّ قول يقوله من قبل اللّه سبحانه وتعالى.. فما السرّ في أن جاء مقول القول هنا مجردا عن القول؟.
والجواب- واللّه أعلم- أن هذا القول- وإن كان من عند اللّه سبحانه وتعالى، هو جدير بكل إنسان عاقل أن يقوله، فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أمر سماوى به، يلفت إليه، وينبّه له.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} أي أن أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، يعلمون أن هذا القرآن هو من عند اللّه، وأنه هو حق منزّل من رب العالمين.
وقوله تعالى: {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} استبعاد للنبى الكريم أن يكون من هؤلاء الذين يشكّون في آيات اللّه فيجادلون فيها، ولا ينزلون على أحكامها. والمراء، والامتراء: الجدل العقيم، القائم على الهوى.
قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا}.
كلمة اللّه هي كلمات اللّه، وآياته المنزلة على النبيّ، وتمت، أي استوفت غاية الكمال والتمام من الصدق والعدل.. أي أن آيات اللّه التي تلقاها النبيّ من ربّه، هي الغاية فيما هو صدق، وفيما هو عدل.. فكل ما جاءت به كلمات اللّه هو الصدق المطلق، الذي لا يشوبه كذب أبدا، ولا يأتيه باطل أبدا، وكل ما جاءت به كلمات اللّه هو العدل.. العدل المطلق، الذي لا يخالطه ظلم، ولا يعلق به جور.. وهى إذ استوفت الحقّ كله، واستولت على العدل جميعه، فلن يلحقها تبديل، ولا يصيبها عارض من عوارض التحريف، لأن تلك العوارض إنما تجد لها طريقا إلى ما كان في أصله نقص أو خلل، أما ما على الصحة التامة، والسلامة المطلقة، فلن تسكن إليه آفة، أو تمسه علّة.. وإذا كانت آيات اللّه على هذا التمام والكمال، فهى قائمة بسلطانها على الحياة، لا تنقضها المعارف التي تجدّ، ولا تنسخها الكشوف العلمية التي تقع.
قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي الذي يسمع كل ما يقول المتقوّلون على كلمات اللّه، في سر أو جهر، ويعلم ما يخفون وما يعلنون من المآثم والمنكرات.
وقوله سبحانه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}.
هو إشارة إلى أن أكثر الناس في هذه الدنيا تغلب عليهم أهواؤهم، وتستولى عليهم نزعات الشر والضلال، وأن أصحاب الهدى وأهل التقوى، هم قلة في هذه الدنيا، وأنهم لو اتبعوا الكثرة لكثرتها لهلكوا مع الهالكين، وضلّوا مع الضالين.. وهكذا الخير قليل في أهله، كثير في مضمونه، وأن الشرّ كثير في أهله، قليل في محتواه.. وكذلك كل نفيس أو كريم، هو قليل الكمّ كثير الكيف، وكل خبيث وتافه، هو كثير الكمّ قليل القدر، بخس القيمة، وإلى هذا يشير اللّه سبحانه وتعالى بقوله: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [103: المائدة].
فهذه الكثرة الغالبة من الضالين، لا يقوم ضلالهم إلا على أوهام وترّهات، ولا يستند إلا على أهواء ونزوات: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} والخرص، والتخرص: هو الحكم على الشيء بلا علم، والأخذ به بلا برهان ولا دليل، ومنه خرص النحلة، وهو تقدير ما تعطى من ثمر قبل أن ينضج ويكتمل، وهو ضرب من المقامرة، قد نهى الشرع عنه.. وفى هذا يقول سبحانه وتعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ} [10: الذاريات] قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} بيان لما ينكشف عنه حال الناس عند اللّه، وأنهم ضالون ومهتدون، وعند اللّه علم من يضل ومن يهتدى.. ولكل حسابه وجزاؤه عند اللّه.

.تفسير الآيات (118- 121):

{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)}.
التفسير:
لما كانت المطاعم هي الأمر المتحكم في حياة الناس، وكانت حياتهم لا تقوم أبدا بغير طعام، وكان سعيهم قائما في أساسه على تحصيل الطعام- فقد جاءت دعوة الإسلام لتلقى بالناس على هذا المورد الذي يتزاحمون عليه، ولتدعوهم إلى اللّه عن هذا الطريق.
فالمؤمنون باللّه مأمورون بأن يأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه.. وبغير هذا لا يكونون مؤمنين: {فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين}.
فهذه أول سمة من سمات المؤمنين، وأول تجربة لهم مع الإيمان باللّه.
وفيما ذكر اسم اللّه عليه من مطاعم سعة للمؤمنين! وهى كثيرة مغنية، وفى عزل ما حرّم من المطاعم الخبيثة عليهم، حماية للطيب الذي أحلّ لهم أن بخبث ويفسد.. وهذه المطاعم الخبيثة قد بينها اللّه وفصلها، في قوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ} [3: المائدة].. وهى محرمة على المؤمنين، إلا أن يضطروا إليها.
فكيف لا يتسع هذا الطيب للمؤمنين؟ وكيف يمدون أبصارهم إلى غيره من تلك الخبائث التي هي طعام أهل الرجس والفسق..؟ {وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} وفى هذا الاستفهام إنكار على من كان مؤمنا ألّا يستغنى بالطيب عن الخبيث.. إلا في حال.
الاضطرار، الذي هو ظرف استثنائى تباح فيه المحظورات، رحمة بالمؤمنين.
وقوله سبحانه: {وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} إشارة إلى أهل البدع والضلالات، وأنهم هم الشياطين الذين يزينون للناس الشر والغواية بحملهم على ذلك، وأن هوى فاسدا، هو الذي يملى عليهم تلك المفتريات التي يضلون بها الناس، بعد أن غرقوا هم في لجج الضلال.
قوله تعالى: {وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ} هو تحذير للمؤمنين من أن ينخدعوا لتلك الأهواء المضلّة التي تأتيهم من أهل الضلال، بما يزينون لهم منها، فيتأولون الحرام ويلبسونه ثوب الحلال، حتى يجدوا له مساغا.. وهذا هو الإثم أعظم الإثم أشنعه.. فهو إثم خفىّ يتدسس إلى الإنسان، ويغتال إيمانه دون أن يأخذ حذره منه، ويعمل على تجنبه وتوقيه.
فظاهر الإثم، هو الجلىّ الواضح، الذي لا يخطئه نظر، أو فهم.. وباطن الإثم، هو الذي يمكن أن يحجب وجهه بشيء من الخداع، والتمويه، وبقليل من غفلة العقل ووازع الإيمان.
والاقتراف: المداناة والمقاربة.
قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} هو نهى عن كل طعام لم يذكر اسم اللّه عليه، بعد الأمر بالأكل من كل ما ذكر اسم اللّه عليه.. وقد وقع الأمر والنهى على كل شيء لا يستغنى الإنسان عنه، من المؤمنين وغير المؤمنين على السّواء.. والمؤمنون مطالبون بامتثال أمر اللّه واجتناب نهيه، حتى يحققوا صفة الإيمان فيهم.
وبهذا ينعزلون عن المشركين، وإلا كانوا من المشركين، ولو حسبوا في المؤمنين.. لأن الإيمان باللّه يقتضى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتلك هي حقيقة الإيمان، وفيصل ما بين المؤمنين وغير المؤمنين.
وفى قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تجريم لما لم يذكر اسم عليه من مطاعم، وإن استباحة هذا الحرام الذي حرمه اللّه هو فسق، أي خروج من الدين، وانسلاخ من الإيمان باللّه.
وفى قوله سبحانه: {وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ} تحذير للمؤمنين، مما يراودهم عليه أهل الضلال، ويجادلونهم به في حلّ هذا وحرمة هذا، فذلك مما ألقى به إليهم الشياطين.. أما الحلال وأما الحرام فهما ما بيّنه اللّه، وليس لأحد أن يحل أو يحرم غير ما أحل اللّه وحرّم اللّه.

.تفسير الآيات (122- 124):

{أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (123) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124)}.
التفسير:
الإيمان والكفر، طريقان مختلفان.
الإيمان طريق خير، وهدى ونور.
والكفر طريق شر، وضلال، وظلام.
ومع هذا فقليل هم أولئك الذين يأخذون طريق الخير والهدى والنور، وكثير أولئك الذين يركبون طريق الشر والضلال والظلام.
وشتان بين هؤلاء وهؤلاء.
فالمؤمنون قد بعثوا بالإيمان، وخلقوا خلقا جديدا به، وعرفوا وجودهم فيه.. فهم أشبه بشموع مضيئة وسط ظلام مطبق.. هم نجوم لا معة في ظلام ليل بهيم، لا يحجزهم هذا الظلام المتكاثف حولهم، عن رؤية الطريق المستقيم، والسير فيه.
والكافرون جثث وأشباح، يلفّها ظلام، ويحتويها ضلال، لا نخرج منه أبدا.. ومع هذا فهم لا يرفعون، أبصارهم إلى النور، ولا يحركون أشباحهم إلى الهدى.. {كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
قوله تعالى: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ}.
الجعل: التقدير، وإقامة الشيء على الوجه المراد منه وتوجيهه الوجهة المناسبة له. وهذا في كل أمر يجعله اللّه.. {وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ}.
{جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً}.
{خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.
ومعنى الآية الكريمة: أن اللّه سبحانه وتعالى كما هدى المؤمنين إلى الإيمان، وجعل لهم نورا يمشون به في الناس، جعل في كل قرية أئمة للضلال والكفر، يمكرون فيها، ويفسدون وجوه الخير منها، ويسدّون منافذ الهدى فيها.. وهم في واقع الأمر إنما يمكرون بأنفسهم، ويوردونها موارد الهلاك، دون أن يشعروا أنهم على طريق الضلال والضياع.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [103- 104: الكهف].
وفى قوله تعالى: {وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} فضح لبعض ما يعتمل في نفوس المشركين من مكر وضلال، وأنّهم إذ كانوا أصحاب سلطان ونفوذ في قومهم، فقد أبوا أن ينقادوا للحق، وأنفوا أن يقبسوا من النور ليضيئوا به ظلام قلوبهم، وقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ}.
حتى لكأن رسالة اللّه عندهم شيء من هذا الحطام الدنيوي الذي يتنافسون فيه، ويستكثرون منه، وما دروا أنها سفارة بين اللّه وبين عباده، لا يصلح لها إلا من هم على شيء غير قليل من صفاء النفس، وإشراق الروح.. ثم هي قبل هذا كله وبعد هذا كله، رزق من رزق اللّه، ونعمة من نعمه، يضعها حيث يشاء: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ}.
وقوله سبحانه: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ} هو الجزاء الذي سيقع بهؤلاء المستكبرين، المتعالين.. صغار عند اللّه، وذلة ومهانة.. بعد هذا العلو وهذا الشموخ الذي كان لهم في دنياهم.
وهؤلاء هم أكابر قريش، ومن كان على شاكلتهم.. وهم رءوس المجرمين الذين تصدّوا لدعوة الرسول، وأبوا أن يقبلوا من يديه الهدى الذي جاءهم به، استكبارا وعلوا.. فكان جزاؤهم الصغار والمهانة عند اللّه يوم القيامة، والعذاب الشديد يوم يعرضون على ربّهم، ويوفون حسابهم.. وهكذا كل من أخذته العزة بالإثم، فأبى أن ينقاد للحق، وأن يتقبّل الخير من أي طريق أتاه.