فصل: تفسير الآيات (53- 57):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (53- 57):

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)}.
التفسير:
بعد أن دعا اللّه سبحانه وتعالى المسلمين إلى الجهاد بالنفس والمال في قوله سبحانه: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
ردّ المنافقين، الذين أرادوا أن يدخلوا في صفوف المسلمين، بما يقدمون من مال ومتاع- ولم يقبل سبحانه من أولئك المنافقين الذين في قلوبهم مرض ما قدموا من مال أو متاع.. لأنهم لم ينفقوه في سبيل اللّه وابتغاء مرضاته، وإنما أنفقوا ما أنفقوا مداراة لنفاقهم، وسترا لما في قلوبهم من ضغينة وحقد على الإسلام، فهم بهذا المال الذي أنفقوه، يجدون وجها يعيشون به بين المسلمين، فيأخذون فرصتهم في بث سمومهم بينهم.. وقد فضحهم اللّه، وردّ كيدهم، ورجمهم بالمال الذي قدموه!! وفى قوله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} تيئيس لهؤلاء المنافقين من أن يتقبل اللّه أعمالهم، وأن يجزيهم جزاء العاملين المحسنين.. لأنهم لا يؤمنون باللّه إلا على حرف، ولا ينفقون ما ينفقون في سبيل اللّه إلّا على خوف وتكره.. وحتى لو أنفقوا عن تطوع ورضى- وهذا غير واقع منهم- فلن يتقبل اللّه ما أنفقوا، {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} فكيف إذا كان إنفاقهم عن نفاق، لا يريدون به وجه اللّه؟ إنهم لن يكونوا من المقبولين أبدا.. إنهم كانوا قوما فاسقين.
وقوله سبحانه: {وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ} هو بيان لما من أجله لم يتقبل اللّه من هؤلاء المنافقين أعمالهم، ولو كانت مما يعدّ في الصالحات من الأعمال.. إنهم كفروا باللّه وبرسوله.. فإيمانهم هذا الذي يراه الناس منهم هو إيمان يضمر وراءه كفرا وإلحادا.. وكلّ عمل لا يزكيّه الإيمان باللّه وبرسوله، هو ردّ على أهله، واللّه سبحانه وتعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} [18: إبراهيم].
وإذا كان المنافقون على هذا الكفر باللّه وبرسوله، فإن ما يأتون من أعمال المؤمنين في ظل هذا النفاق المتمكن من قلوبهم، إنما يأتونه رياء، ونفاقا، حتى لا يفتضح نفاقهم، وينكشف المستور من كفرهم.
فهم إذا اقتضاهم الحال أن يصلّوا لم تكن صلاتهم ولاء للّه، واستجابة لأمره، وإنما هو ثوب من أثواب النفاق يلبسونه إلى حين.. ومن هنا كانت صلاتهم باردة فاترة، لا تتصل بها نبضة قلب، أو هزّة وجدان! {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى}.
وكذلك الشأن فيما ينفقون في سبيل اللّه.. إنهم لا ينفقون عن إيمان باللّه، وبرسوله، وبالجهاد في سبيله.. ولكنهم ينفقون حين لا يكون بد من الإنفاق.
حتى لا ينفضح أمرهم، وينكشف نفاقهم.. {وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ}.
وفى قوله تعالى: {وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ} تحريض لهؤلاء المنافقين على التخلص من هذا النفاق الذي يقف لهم بالمرصاد على طريق الوصول إلى اللّه بما يقدّمون من أعمال: {وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}.
فالمفروض في كل من يعمل عملا أن يجنى ثمرته.. وهؤلاء المنافقون يعملون أعمالا كان من شأنها أن تثمر ثمرا طيبا.. ولكن هناك آفة خطيرة تتسلط على هذه الأعمال، فتأتى عليها، قبل أن تزهر أو تثمر.. وهذه الآفة هي النفاق.
فإذا كان بالمنافقين حاجة إلى أعمالهم تلك، وإلى الثمرة المرجوّة منها، فعليهم أن يحاربوا هذا النفاق، الذي يمنعهم أن ينالوا ثمرا مما يعملون.
قوله سبحانه: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ}.
تبين هذه الآية الكريمة أن جناية النفاق على أهله ليست واقفة عند حدّ.
فهو إذ يفسد على المنافقين كل ما يبدو أنه متصل بما يقرّب إلى اللّه، من عبادات وقربات، كذلك هو مفسد لكل ما هو متصل بحياتهم الدنيوية، مما يجمعون من أموال، وما يستكثرون من أولاد.. فهذه الأموال التي يجمعونها، ويشقون في جمعها، وهؤلاء الأولاد الذين يعملون لهم، ويكدحون في الحياة من أجلهم- إنما هي مصادر شقاء لهم، وبلاء عليهم، حيث تبدو جميعها في ظل الكفر باللّه أنها ظل زائل، سرعان ما ينفضون أيديهم منه، إذا هم فارقوا هذه الدنيا، وصاروا ترابا في التراب.. إنهم لا يؤمنون بحياة أخرى وراء هذه الحياة، تتصل بها حياتهم، ويجدون فيها شيئا من ثمرة أعمالهم.. ومن هنا تتضاعف حسرتهم على هذا المال الذي جمعوه، وعلى هؤلاء الأولاد الذين لن يلتقوا بهم بعد الموت أبدا.. وعلى خلاف هذا شعور المؤمنين باللّه واليوم الآخر.. إنهم لا يحزنون على فائت في هذه الدنيا، لأن أنظارهم ممتدة على طريق أفسح من طريق هذه الحياة، وقلوبهم معلقة بحياة أكرم وأطيب وأخلد من تلك الحياة.
فإذا فاتهم شيء من هذه الدنيا كان لهم فيما يرجون من اللّه ما يغنى عن كل فائت.
ومن أجل هذا لم يكن الموت عند المؤمنين باللّه واليوم الآخر، شيئا يفزعون له. ويبيتون مؤرقين للقائه.. فما هو عندهم إلا نقلة إلى عالم خير من هذا العالم، وإلى حياة طيبة، وجنات لهم فيها نعيم مقيم.
أما الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر.. فإن للموت عندهم رهبة رهيبة، مسلطة عليهم مع كل نفس يتنفسونه في هذه الدنيا.. فما الموت عندهم إلا الفناء الأبدى، والضياع في تيه العدم، والغرق في بحر الظلام الأبدى {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ}.
فهذا هو العذاب الدنيوي، الذي يعذّب به الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر.. وإنما يعذّبون بأيديهم، وبما يجمعون من مال، وما يستكثرون من أولاد، وأنهم كلما كثر مالهم، وكثر أولادهم، كلما اشتد عذابهم، وتضاعف بلاؤهم.. {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}.
فهم لهذا أحقّ بالرثاء، منهم بأن يكون موضع قدوة وإعجاب! وقوله تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ} هو عطف على قوله سبحانه: {لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}.
بمعنى أن هذا الذي في أيديهم من كثرة الأموال والأولاد، إنما جعله اللّه ليكون مصدر عذاب وبلاء لهم في الدنيا، ولتزهق أنفسهم وتخرج من هذه الدنيا على كره، وهم في لجاج في الكفر، وإغراق في الضلال.. إذ لم يدع لهم تعلقهم بالأموال والأولاد فرصة يفكرون فيها في اللّه، وفى الإيمان به، واليوم الآخر.. فكل همهم هو هذه الأموال، وأولئك الأولاد، فإذا نزل بهم الموت اشتد كربهم وأمسكوا بالحياة في ذعر وجنون.
قوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} من نفاق المنافقين مع أنفسهم، أنهم يحلفون للمؤمنين أنهم منهم، لأنهم يحسبون الإيمان كلمة يقولونها، ولباسا يلبسونه أول النهار، ثم يخلعونه آخره.
وما أكثر الأيمان التي تجرى على ألسنة المنافقين.. إنها هي الطلاء الذي يطلى به كذبهم، ويزيّف به نفاقهم، حتى يروج، عند من تغرّه ظواهر الأمور، ولا يستشف ما وراءها.
وقد ردّ اللّه عليهم بأنهم ليسوا من المؤمنين.. لأن المؤمنين لا يخافون أبدا، لما في قلوبهم من إيمان باللّه، وثقة بما عنده، واطمئنان لما يقضى به فيهم.. فإن أصابهم خير لم يطيروا به فرحا، وإن أصابهم بلاء لم يجزعوا له فرقا وخوفا.
الموت والحياة عندهم سواء، والغنى والفقر لديهم أشباه، والسّرّاء والضّراء عدلان.. كل من عند اللّه.
أما أهل الكفر والنفاق، والزيغ والضلال، فهم على خوف دائم، وهمّ مقيم.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [19- 27: المعارج] فالفرق، وهو الخوف والجزع الذي يعيش في كيان الكافرين والمنافقين، المكذبين بيوم الدين، هو داء عافى اللّه المؤمنين منه.. إذ كان إيمانهم باللّه سكنا لقلوبهم، وأنسا لأنفسهم، وزادا طيبا يتزودون منه لكل نازلة تنزل بهم، وكلّ حدث يقع لهم.
فانظر كيف فرق الإيمان بين الناس، في مدركاتهم ومشاعرهم وتصوراتهم، وإن جمعتهم لحمة القرابة والنسب.. فهؤلاء غير أولئك.. فمن كان على الإيمان لا يدخل قلبه همّ أو جزع، ومن كان على غير الإيمان فهو في همّ وكرب وجزع.
وقوله سبحانه: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} هو تصوير لحجم الفزع الذي يعيش في كيان الكافرين والمنافقين.
إن هذه الدنيا على سعتها، هي أضيق من سمّ الخياط، في أعين الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر.. إذ لا حياة لهم بعدها، ولا رجاء لهم فيما يرجوه المؤمنون بعد الموت.. ومن هنا كانت الدنيا على ما في أيديهم منها من مال وبنين- هي سجن مطبق عليهم، يقضون فيه أيام حياتهم المعدودة.
كأن فجاج الأرض وهى فسيحة ** على الخائف المكروب كفّة حابل

يؤتى إليه أن كل ثنية ** تيمّمها ترمى إليه بقاتل

هكذا حال الذي لا يؤمن باللّه، ولا باليوم الآخر.. هو دائما في خوف متوقع يطلع عليه من كل جانب.. فلا يبيت على جناح أمن أبدا.
والملجأ: ما يلجأ إليه الإنسان، ويلوذ به، ليكون مأمنه مما يخاف.
والمغارات: جمع مغارة، وهى النقرة في الجبل، تلجأ إليه الهوام والحشرات، فرارا من الخطر الذي يتربص بها في ضوء النهار.
والمدّخل: النفق في الأرض.
ويجمحون: أي يفرون ركضا مسرعين.
وهذه المخابئ التي يلجأ إليها هؤلاء الفارّون من وجه الحياة، هي كل ما يمكن أن يتصور الفرار إليه، في عالم الإنسان، أو الحيوان، أو الهوامّ.
وفى هذا ما يدل على أن المنافقين يلتمسون أي مفرّ يفرّون إليه، ويدفنون وجودهم فيه.. بل وأكثر من هذا.. إنهم في سبيل الاحتفاظ بالحياة، وفى طلب الفرار من الموت- لا يأنفون أن يكونوا على أية صورة من صور الأحياء، من حشرات، وهو امّ، ودواب، ونحوها.. المهمّ عندهم هو أن يعيشوا، وليس من المهم عندهم في شيء، الصورة التي يكون عليها العيش!

.تفسير الآيات (58- 60):

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}.
التفسير:
النفاق ضروب كثيرة، والمنافقون وجوه متعددة.. وعلى طريق النفاق أنماط مختلفة من المنافقين، كل له لون، بل ألوان، يعيش بها في الناس، ويلقاهم باللون الذي يناسب الحال الداعية إليه.. فالمنافق هو أمة وحده، بكثرة ما يلبث من وجوه، وما يتخذ من صور وأشكال.
ولهذا نجد القرآن الكريم، يقلّب هؤلاء المنافقين على وجوههم المختلفة، ويعرضهم في ألوانهم وأزيائهم المتعددة.. فيقول جل شأنه في أكثر من موضع.
{ومنهم} مشيرا بذلك إلى طائفة من طوائف المنافقين، وفاضحا لفعلة من فعلاتهم.. فهم أكوان وليسوا كونا واحدا، وهم أبعاض من هذا الجسد المتضخم من الفساد والعفن، الذي يضمهم، ويشتمل عليهم.
وفى قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ}.
بيان لضرب من نفاق المنافقين، وكشف لوجه من وجوههم المنكرة فهذا واحد منهم يرى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقسم غنائم هوازن بعد غزوة حنين، ويتألف بها من يتألف من الذين دخلوا في الإسلام بألسنتهم، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم.. يرى ذلك فلا يستطيع أن يغالب نفاقه، ولا أن يمسك ما انطوت عليه نفسه من اتهام لرسول اللّه، فيقول- والرسول بين صحابته، وعلى رأس الجيش الظافر الغانم- يقول له: يا رسول اللّه اعدل! هل يتفق قوله: يا رسول اللّه، ثم قوله لرسول اللّه: اعدل؟ وهل يكون من رسول اللّه غير العدل؟ ولكنه جهل الجاهلين، وضلال الضالين! وقائل هذه القولة الفاجرة الآثمة- كما يقول الرواة- هو ذو الخويصرة، واسمه حرقوص بن زهير التميمي.
ولا يجد الرسول ما يقوله لهذا السفيه، إلا تلك الكلمة الوادعة المشرقة: «ومن يعدل إذا لم أعدل؟».
فأى عدل يبقى في هذه الدنيا إذا لم يكن إلى يد الرسول ميزان العدل كله؟ وإذا لم يعدل الرسول فمن يعدل بعده؟.
ويهمّ بعض أصحاب رسول اللّه- صلوات اللّه وسلامه عليه- بتأديب هذا السفيه الأحمق الجهول.
فيقول لهم الرسول الكريم: «دعوه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة»!.
وليس ذو الخويصرة هذا- الذي يقال إنه صاحب هذه الكلمة المهلكة- ليس وحده هو الذي كان على هذا الضلال الذي أنطقه بما نطق به، وإنما كان هناك غيره كثير من الذين يرون ما يرى، ولكنهم لم يظهروا ما بأنفسهم، وطووا صدورهم على ما فيها من زيغ وضلال.
وإنما نظم ذو الخويصرة وأمثاله في سلك المنافقين، مع أنّه صرّح بما كان يضمر من كفر وضلال- على حين أن النفاق إنما يكون نفاقا إذا كان صاحبه على ظاهر هو خلاف الباطن- نقول إنه عدّ في المنافقين هو وأمثاله، لأن النفاق في الواقع هو كفر مضمر، وكون المنافق يفضحه نفاقه بين الحين والحين، فينكشف منه بعض ما أضمره، لا يرفع ذلك عنه صفة النفاق، فإنه إذا أظهر بعضا من كفره، فإن ما أخفى من هذا الكفر أكثر وأعظم.. وفى مثل هؤلاء المنافقين يقول اللّه تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [118: آل عمران].. فالمنافق منافق وكافر معا.
واللمز: الغمز الخفيف، وذلك يكون بالإساءة باللسان، بالكلمة الجارحة، تجيء في خبث ومورابة.. والمنافق لا يأتى البيوت من أبوابها، وإنما يدخل متلصصا.
وفى الذي صنعه النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- بغنائم هوازن ما خفى على كثير من المسلمين حكمته، فكان لذلك وسواس في كثير من الصدور، وهمس على الشفاء، وتغامز بالعيون.. حتى لقد عرف ذلك في الأنصار، الذين هم ما هم في حساب الإسلام، وفى مجتمع المسلمين.. ولقد قال قائلهم حين أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أعطى للمؤلفة قلوبهم، كأبى سفيان، ومعاوية بن أبى سفيان، وعتيبة بن حصن الفزاري، وغيرهم- قال قائلهم: لقى واللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه!!.
ولم تكن هذه القولة من بعض الأنصار شكّا في دين اللّه، ولا اتهاما لرسول اللّه، ولكنها كانت إشفاقا من أن يكون ذلك تحولا بمركز الدعوة الإسلامية من المدينة إلى مكة، وعودة برسول اللّه إلى بلده الذي أخرج منه! حيث كان المؤلفة قلوبهم جميعا من مكة وما حولها.
هذا هو الشعور الذي كان مستوليا على الأنصار في مجموعهم، وإن كان قد حمل عند بعضهم ممن نافقوا في الإسلام، كعبد اللّه بن أبىّ بن سلول- على غير هذا المحمل، فكان اتهاما صريحا للرسول، بتعصبه لقومه، وميله إليهم، وإيثارهم على الأنصار، بعد أن دخلوا في دين اللّه، وآمنوا برسول اللّه، وبعد أن دخل الناس في دين اللّه أفواجا، ولم يعد الأنصار وحدهم هم حماة هذا الدين وأنصاره، كما يبدو ذلك في ظاهر الحال.
ولهذا، فقد دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأنصار إليه، وجمعهم حوله، واستخلصهم من بين المسلمين جميعا.. ثم خطبهم- صلوات اللّه وسلامه عليه- قائلا: «يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها علىّ.. حتى لقد قلتم لقى رسول اللّه قومه!أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام أفلا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير إلى رحالهم، وترجعون أنتم برسول اللّه إلى رحالكم..؟ فو الذي نفسى بيده، لو أن النّاس سلكوا شعبا، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا رضينا برسول اللّه قسما وحظا.!.
وهكذا قرت عيون الأنصار، وامتلأت قلوبهم سكينة وأمنا، إذ عرفوا أن رسول اللّه لن يخلى مكانه من بينهم، ولن يحرمهم هذا الخير الذي ساقه اللّه إليهم، وأنهم هم أهل الرسول وأنصاره، وأن بلدهم هي بلده وموطنه! وحسبهم هذا.. ولساعة من رسول اللّه بينهم خير لهم من الدنيا وما فيها.
وهكذا، كان بيان الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، شفاء لما في الصدور، وجلاء للبصائر، فسكنت الوساوس، وقرّت العيون، ولهجت الألسن بالحمد للّه رب العالمين.. وهذا البيان الذي كشف به الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- ما خفى على الناس أمره، هو مصداق لقوله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ}.
فإن من رحمة اللّه بعباده المؤمنين إذا طاف بهم طائف من الريب- جاءهم بما يكشف الطريق لهم إليه، ويرفع عن بصائرهم ما تغشاها من شكوك وريب.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ}.
هو بيان لما ينبغى أن يكون عليه المسلمون جميعا، إزاء كلّ ما يقول الرسول أو يعمل.. وهو الرضا المطلق، والتسليم المطلق، بكل ما يقضى به، فهو- صلوات اللّه وسلامه عليه- الأمين الذي ائتمنه اللّه على دين اللّه، والقيّم الذي أقامه اللّه على عباد اللّه، وأنه- صلى اللّه عليه وسلم- لا ينطق عن الهوى، ولا يحكم إلا بما أراه اللّه.. فمن آمن باللّه، فلن يكون مؤمنا حتى يؤمن مما يقضى به رسول اللّه! وفى ذكر الرسول الكريم مرّتين في هذا الموضع، مع ذكر اللّه سبحانه وتعالى- ما يكشف عن مقام الرسول الكريم عند ربّه، ويؤكد منزلته الرفيعة عنده.. {ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}.
فما أعظم هذا الفضل العظيم، وما أسمى هذا المقام الكريم.. لهذا النبي الذي يحفّه ربّه بهذا الفضل، ويرفعه إلى هذا المقام، الذي يشرف منه مع ربّه على الناس، ويعطيهم من فضل اللّه ما يرضيهم ويغنيهم.
وما أشقى أولئك الذين يحادّون هذا الرسول، أو يخالفون عن أمره، أو يقع في نفوسهم ريب في قول يقوله أو فعل يفعله.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ}.
وجواب لو هنا محذوف، لدلالة الحال والمقام عليه، وهو أنه لو فعلوا ذلك لكان لهم في هذا، الخير كله، والفلاح كله.
الزكاة والتكافل الاجتماعى:
قوله سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
هو بيان مصاحب لما وقع في نفوس المسلمين من قسمة غنائم هوازن، والتي كان النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- قد تألف بها بعض النفوس التي كانت تعادى الإسلام، وتحقد على رسول اللّه أن كان هو المبعوث المتخيّر لدين اللّه..!
وقد اشتمل- هذا البيان فيما اشتمل عليه ممن لهم نصيب في الصدقات- المؤلفة قلوبهم، الذين كان منهم من تألفه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غنائم هوازن.
وفى هذا ما يكشف عن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم- كان فيما فعله في غنائم هوازن، وفى اقتطاع قدر منها لمن أراد أن يتألف قلوبهم- كان منفذا لأمر اللّه، ولم يكن فيما قضى به في ذلك منقادا لهوى أو مؤثرا لقرابة أو صداقة.
وحاشاه، صلوات اللّه وسلامه عليه.
والآية الكريمة وإن كانت في بيان مصارف {الصدقات} التي خصصها الفقهاء هنا {بالزكاة} حيث استبان لهم من قوله تعالى، {وَالْعامِلِينَ عَلَيْها} أن ذلك يشير إشارة صريحة إلى أن المراد بالصدقات هو الزكاة، التي لها وحدها من دون الصدقات، عاملون يعملون لتقديرها وأخذها ممن وجبت عليهم هذه الفريضة.
نقول: إن الآية الكريمة وإن كانت في بيان مصارف الزكاة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون الصدقات كلها، سواء ما كان منها فريضة كالزكاة، أو تطوعا كالإنفاق في سبيل اللّه، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وفى كل وجه من وجوه البر- لا يمنع ذلك من أن تكون جميعها محكومة بهذا البيان، موجهة في هذه الوجوه التي أشارت إليها الآية الكريمة، ودلّت بها على وجوه المصارف التي يصرف إليها المحسنون إحسانهم، وما تجود به أنفسهم، وتقدمه أيديهم من برّ وصدقة.
فالفقراء.. هم أحق جماعة في المجتمع الإنسانى، بالرّعاية والحماية، من آفة الفقر التي تفتك بهم، وتغتال المعاني الإنسانية فيهم.
ومحاربة هذه الآفة- فوق أنه واجب إنسانىّ تفرضه الأخوة الإنسانية، وتقتضيه لحمة النسب بين الإنسان والإنسان- هي حماية للأغنياء أنفسهم، وضمانة لأمنهم وسلامتهم هم، في أموالهم وأنفسهم، من عادية الفقراء عليهم، والتذرع بكل وسيلة ممكنة، يجد فيها الفقراء منفذا ينفذون منه إلى ما عند الأغنياء، ليشبعوا جوعتهم، وليدفعوا عن أنفسهم خطر الموت جوعا.
فالسّرقة، والنهب، والاغتصاب، والقتل الفردى أو الجماعى.. كل هذا وكثير غيره مما يتولّد عنه- هو مما يراه الجياع المحرمون- إن كان للجائع المحروم أن يرى- حقّا مشروعا لهم، في الدفاع عن النفس، واتقاء خطر الموت الذي يتهددهم.. إذ ليس عند الفقير المحروم المشرف على الموت جوعا- ما يحرص عليه، غير نفسه تلك، التي يكاد يفقدها، إن هو لم يعمل على إنقاذها، ولو كان ذلك ما يحمله على ركوب كل مهلكة.. فإنه هالك لا محالة، إن هو لم يعمل عملا في وجه هذا الخطر الذي يتهدده.. وإنه لابد له أن يعمل بدافع غريزة حبّ البقاء. ولن يكفّ عن العمل مادام في صدره نفس يتردد.
إن الغريق الذي ابتلعه اليمّ لا يكفّ عن الضرب بكيانه كلّه في وجه الماء، ضربات محمومة، مجنونة، يائسة، وكأنه بهذا ينتقم لنفسه من اليمّ الذي أوقعه في شباكه! يقول الإمام الشافعي- رضى اللّه عنه: لا تشاور من ليس في بيته دقيق، فإنه مولّه العقل.
أي شارد العقل، مضطرب التفكير.
فالفقراء خطر يهدد المجتمع من أكثر من وجه.
يهددونه بالخروج على شرائعه السماوية والوضعية، وبالتحلل من كل نظام يحكم الجماعة، ويدفع عدوان بعضها على بعض.. وذلك بمدّ أيديهم إلى ما ليس لهم.. وفى هذا إزعاج للمجتمع، وإثارة للفتن والاضطرابات في كيانه.
ويهددونه بإشاعة البطالة، وسوء استغلال الموارد المتاحة له.. حيث لا يجد الفقير القدرة على العمل، وهو تحت وطأة الجوع والحرمان.. وإذا وجد القدرة فلن يجد بين يديه الوسائل التي تمكنه من العمل.. وفى هذا خسارة يعود ضررها على المجتمع كله، وبخاصة أغنياء المجتمع، الذين يفقدون اليد العاملة القوية التي تعمل لهم، كما يفقدون اليد القادرة على تبادل المنافع معهم.
ومن هنا كان من تدبير الإسلام لمحاربة الفقر، وحماية الفقراء من قسوة هذه الآفة المهلكة- أن فرض على المسلمين الزكاة، وجعلها ركنا من أركان الدين، لمن ملك نصابا معيّنا من المال، وكان من تدبير الإسلام أيضا أن بدأ بالفقراء، وجعل داءهم هو الداء الأول، الذي يتهدد المجتمع، بالضّياع، ويؤذنه بالهلاك.. إن لم تعمل الجماعة جاهدة على محاربة هذه الآفة، ورصد كل قواها للقضاء عليها، وشفاء المجتمع منها.
ثم كان من تدبير الإسلام أيضا في هذه السبيل، أن دعا إلى البرّ والإحسان، وحض عليه، ووعد المنفقين بالجزاء الجزل، والثواب العظيم.. {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}.
والتكافل بين المسلمين هو ملاك الشريعة الإسلامية.. إذ المسلمون في حقيقتهم كيان واحد.. كل فرد منهم هو عضو في الجسد الاجتماعى الكبير.
ولن تقوم سلامة هذا الجسد، إلا بسلامة جميع أعضائه.
{وَالْمَساكِينِ} هم الصنف الثاني من الأصناف الثمانية التي جعل الإسلام لكل صنف منها نصيبه في الزكاة.
وقد اختلف المفسّرون في التفرقة بين الفقير والمسكين، فقال بعضهم إنهم صنف واحد، والعطف الواقع بينهما هو من عطف البيان.. وقال آخرون: الفقير من يجد قوت يومه، والمسكين من لا يجده، وقال غيرهم عكس هذا.. وقال الأكثرون: الفقير الذي مع فقره لا يسأل، والمسكين هو من يسأل.. إلى كثير من الآراء التي لم تفرق تفرقة واضحة محددة، بين الفقير والمسكين.
والرأى الذي نراه ونستريح إليه، هو أن المساكين، هم صنف قائم بذاته، معروف بصفة مميزة له عن الفقراء.. وهم- أي المساكين- الفقراء من أهل الذّمة الذين فرضت عليهم الجزية.. فهم- والحال كذلك- أشبه بالأرقاء، المكاتبين، الذين فرض لهم في الزكاة نصيب.. حيث يقول تعالى: {وَفِي الرِّقابِ}.
وفى يقيننا أنه ليس في المسلمين مسكين، وإن كان فيهم الفقير.. لأن المسكين: من المسكنة والذلة والضراعة، ولا يلبس المسلم- مع الإسلام- ثوب المسكنة والذلة والضراعة أبدا، وإن عضّه الفقر، وأضرّ به الضرّ.
وقد ذكر اللّه تعالى فقراء المسلمين، فقال سبحانه: {لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً}

كما ذكر القرآن الكريم المسكين في معرض الذلّة والمهانة: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فهذه الأصناف الثلاثة يحتويها الضعف وتشتمل عليها الذلّة.
ويقول سبحانه وتعالى: {وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ}.
فقد جمعت الآية بين العبد الرقيق، واليتيم الفقير، والمسكين المترب.
وفقير المسلمين- كما قلنا- لا يكون أبدا على هذا المستوي الإنسانى من الاستكانة، والذلة، والضعف.. بل هو من إيمانه باللّه في عزّة، وقوّة وإن صفرت يداه من الأصفرين! والذّميون- وهم الذين في يد المسلمين وذمتهم- من أهل الكتاب، فيهم- كما في كل جماعة- من هم في حاجة إلى الصّدقة التي تسدّ مفاقرهم، وتدفع غائلة الحاجة عنهم.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
فإذا جعل الإسلام نصيبا مفروضا في الزكاة لفقراء أهل الكتاب، فذلك من البر الذي دعانا اللّه إليه نحوهم.. ثم هو من جهة أخرى حماية للمجتمع الإسلامى الذي يعيشون فيه، من آثار هذا الداء- داء الحاجة والعوز- الذي إن سرى في جماعة أفسدها، وأشاع الفوضى والقلق والوهن في كيانها.
{وَالْعامِلِينَ عَلَيْها} وهم الذين يوكل إليهم تحصيل الزكاة من أهل الزكاة.
فهم- والحال كذلك- مشتغلون يجمعها، عاملون في تحصيلها، ومن تمّ وجب أن ينالوا نصيبا منها، يكفل لهم الحياة المناسبة لهم.. حياة تأخذ مكانا وسطا بين الفقراء والأغنياء.. إنهم عاملون، ولابدّ لكل عامل من أجر في مقابل ما يعمل.
{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}.
وهم الذين دخلوا في الإسلام من زعماء العرب، ولم تخلص نياتهم له، ولم تطب نفوسهم به، إذ نزع الإسلام عنهم ما كان لهم من سلطان في قومهم، وسوّى بينهم وبين عامة الناس.. فهم- والحال كذلك- في حاجة إلى علاج نفسىّ يزيل ما بينهم وبين الدين الجديد من جفوة.. وفيما كان من تدبير الإسلام في تألفهم إليه بالمال الذي يخصّهم به دون الناس- في هذا ما يرضى نوازع السلطان والرياسة عندهم، وذلك من شأنه أن يقيم نظرهم على الدين الجديد، وأن يتيح لهم الفرصة لمراجعة حسابهم معه، فإذا كان ذلك استبانت لهم حقيقة الإسلام، وعرفوا أي دعوة يدعوهم النبيّ إليها، وأي خير يقدمه إليهم في ثنايا الدعوة، التي تحمل إليهم سعادة الدنيا والآخرة جميعا.
فهذا المال الذي يتألّف به الإسلام تلك الجماعة التي أعماها حبّها للجاه والسلطان عن أن تنظر في الدعوة الإسلامية، وأن تستمع إلى كلمة الحق التي يؤذّن بها الرسول الكريم في الناس- هذا المال ليس رشوة يقدّمها الإسلام لتلك الجماعة المتأبية عليه، المزورّة عنه، حتى تسكت عنه، ولا تقف في سبيله- وإنما الذي قصد إليه الإسلام من هذا، هو أن يروض جماح هذه الجماعة، ويهدئ من ثائرتها، ويطفئ من نار حنقها، وضغنها على الإسلام، حتى تستطيع أن تنظر إليه، وتعرض دعوته على العقل، بعيدا عن دخان الحقد، وضبابه.. وبهذا يكون حكم هذه الجماعة على الدين الذي يدعون إليه، حكما صحيحا، قائما على النظر، والتعقل، والتدبر.
والإسلام لا يريد من الذين يدعوهم إليه أكثر من هذا.. إنهم يريدهم على أن ينظروا إليه، ويتعقلوه، ويتدبروا آياته.. {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ} [137: البقرة].. ذلك أنه ليس من الخير للإنسان في نفسه أن يدين بدين لا يعرضه على عقله، وينظر فيه بنفسه، ويجد فيه داعيا مسمعا يدعوه إليه، وعاطفة قوية تعطفه عليه.. فإنّ دينا يدخل على الإنسان من غير هذا الطريق- طريق النظر والاقتناع-، لا يكون له سلطان مؤثّر في سلوك الإنسان، وفى انتفاعه بما يحمل هذا الدين من عقيدة أو شريعة.
هذا، ويرى كثير من الفقهاء أن نظرة الإسلام إلى هذا الصنف من ضعاف الإيمان الذين تألفهم الإسلام بالعطاء- إنما كان ذلك في أول الإسلام، حيث حاجة المسلمين إلى من يكثّر جمعهم، ويسند ظهرهم من الرجال.. ولكن لمّا قويت شوكة الإسلام، وكثرت أعداد المسلمين لم يكن ثمة داع يدعو إلى عملية التأليف هذه، فقد تبيّن الرشد من الغى.. فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وإن اللّه لغنىّ عن العالمين.
وعلى هذا، فقد أسقط القائلون بهذا الرأى فريضة المؤلّفة قلوبهم، من الزكاة، بعد أن قوى الإسلام، كما أسقطوا فريضة من في الرقاب، وهم الأرقاء المكاتبون، بعد أن انتهى الرقّ.
والذي نراه، أن تأليف القلوب، وشدها إلى الإسلام، والعمل على تعاطفها معه، أمر لازم للدعوة الإسلامية في حال ضعف المسلمين وقوتهم على السواء.
فتأليف القلوب على الإسلام، وقتل ضغنها عليه، وشنآنها له- هو تدبير حكيم، وسياسة رشيدة، لا تستغنى عنها دعوة جاءت لهداية الناس، وخيرهم، وإسعادهم.
فهذا التدبير الحكيم من شأنه {أولا} أن يشفى هؤلاء المرضى- مرضى القلوب- من دائهم الذي عزلهم عن الإسلام، وحجزهم عن الانتفاع به، والاهتداء بهديه.
وهو {ثانيا} إذ يجلب للمسلمين قوّة جديدة بإضافة هؤلاء المؤلفة قلوبهم إليه، يدفع عن الإسلام والمسلمين شرّا كان يتربص به، وعداوة كانت تتحين الفرص للنيل منهم.
وإذن، فتأليف القلوب على الإسلام، وسلّ السخائم والأضغان عليه منها، أمر ينبغى أن يكون من سياسة الإسلام دائما، ومن عمل المسلمين، في كل حال ممكنة لهم، سواء أكان ذلك بالمال أم بغيره مما يتألف الناس، ويسلك بهم مسالك الخير، ويقيمهم على طريق الهدى.. وإن دعوة الإسلام في صميمها لتقوم على هذا الأساس المتين.. وقوله تعالى لنبيه الكريم: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} هو المفتاح الذي وضعته السماء في يد النبيّ ليفتح به مغالق القلوب، وليتألفها به، ويستولى على مواطن الاطمئنان منها.
وبهذا المفتاح نفسه يستطيع دعاة المسلمين أن ينفذوا بدعوة الإسلام إلى الصميم من القلوب، وإنه لا بأس من أن يرفدوا ذلك بما يرون من بر وإحسان لمن يدخلون في الإسلام، ليطعموا من ثمر الأخوة الإسلامية، وليفيئوا منها إلى ظل ظليل.
{وَفِي الرِّقابِ}.
وهم الأرقاء الّذين كاتبهم مالكو رقابهم على قدر من المال، في مقابل تخليصهم من الرّق.
فهؤلاء الأرقاء أعضاء ضعيفة، في جسم المجتمع.. وإنه لكى لا يشيع الضعف في هذا الجسم، ولكى يكون على أحسن ما يمكن من الصحة والسلامة، يجب أن يعمل على تخليصه من دواعى الضعف التي ألمت به، لا باستئصال هذه الأعضاء الضعيفة، كما تدعو إلى ذلك بعض المذاهب المادية، ولكن بالطبّ لها من دائها، وتصحيح آدميتها، ونظمها في سلك الآدميين.
وسنعرض بعد شرح هذه الآية لموقف الإسلام من الرق، وسياسته في تخليص الأرقاء.. إن شاء اللّه.
{وَالْغارِمِينَ} وهم المدينون، الذي رهقهم الدين، ولم تكن لهم موارد يؤدون منها الدين.. فهذه الجماعة التي ركبها الدين، هي في معرض الضّياع، أو الانحلال، أو الفساد، إن لم تجديدا رحيمة تمسك بها، وترفع عن كاهلها هذا العبء الثقيل.. الذي هو همّ بالليل ومذلة بالنّهار.
وفى تسمية المدينين بالغارمين، إشارة إلى أن الدّين أيّا كان هو غرم واقع على صاحبه.. لأنه يحمّل المدين عبثا إلى العبء الذي كان يحمله، من ضيق ذات اليد قبل أن يستدين، فهو حين استدان، قد وضع في يده غلّا جديدا، وأضاف على كاهله حملا فوق حمل. وأن هذا اليسر الذي وجده بعد أن استدان لم يكن إلا أمرا عارضا لا يلبث أن يزول، ويعود الحال به إلى ما كان عليه، بل وأسوأ مما كان عليه.
فالدّين غرم.. هكذا يجب أن تكون نظرة المدين إليه، فلا يقدم عليه إلا عند الاضطرار، وإن أقدم عليه فلا يستدين إلا بقدر ما يدفع الحاجة الملحّة التي تبرّر له مدّ يده للاستدانة! ومن جهة أخرى.. فإن الإسلام إذ وصف الدين بتلك الصفة، وجعله غرما على المدين لا غنما له- فإنه من جهة أخرى حبّب إلى أصحاب الغنى واليسار أن يقرضوا المعسرين من إخوانهم، حتى يحموهم من التعامل بالرّبا.. كما دعا المدينين إلى قضاء دينهم عند أول فرصة تمكنهم من قضائه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «مطل الغنىّ ظلم».
وقد عرضنا لذلك عند تفسير آية الدّين في سورة البقرة {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...} الآية.
وفى نظرة الإسلام إلى {الْغارِمِينَ} وفرض نصيب لهم في الصّدقات، سياسة حكيمة، وتدبير محكم، يريد به الإسلام أن يصحح أوضاع المجتمع الإسلامى، ويقضى على العلل التي تنجم فيه، قبل أن تعظم وتستشرى.
فالمدين الغارم- وهو أشبه بالمفلس- إذا ترك وشأنه، وتلك حاله- لم يستطع الوفاء بقضاء دينه.. وينشأ عن هذا أمور:
منها ضياع مال الدائن، الذي خفّ متطوّعا لإنقاذ المدين، والأخذ بيده في ساعة العسرة.
والدائن إنما عمل خيرا، ومن حقّه أن ينتظر خيرا لما فعل.. فإذا جاءت عاقبة أمره مع المدين على تلك الصورة، ضاقت نفسه بفعل الخير بعد هذا، وكره أن يدخل في تجربة جديدة كتلك التجربة.
والإسلام حريص على إشاعة المعروف بين النّاس، وتبادل الإحسان بين أفرادهم وجماعاتهم.. وموقف كهذا الموقف يقبض بد الناس عن الإحسان، ويزهدهم فيه.
ومنها: أن المدين نفسه، إذا ما وصلت به الحال إلى اليأس من قضاء دينه، صغرت نفسه بين الناس، وخفّ ميزانه فيهم.. ثم لا يلبث حتى ينعكس ذلك على نظرته هو إلى نفسه.. ثم يصبح وإذا هو إنسان ساقط المروءة، متعثر الخطا، مضطرب الحياة، ضائع الوجود.
وإذ فرض الإسلام نصيبا من الزكاة، أو بمعنى آخر من بيت المال، ورصده لقضاء دين المدينين المفلسين، فإنّه حمى بذلك الدائن والمدين جميعا.. وأبقى على مشاعر البرّ والإحسان بين النّاس، وقطع دواعى الشحناء والعداوة بينهم.
هذا، وقد رأى بعض الفقهاء أن يقيّد الدّين هنا بحيث لا يكون قد استدين للإنفاق منه في حرام، أو في سرف وتبذير.
ولا نرى حكمة لهذا القيد الذي يرد على الآية في إطلاقها، فيضيق دائرة نفعها، ويحجز خيرها المطلق، ورحمتها الواسعة عن أن تنال كل غارم مشرف على الهلاك والضياع.
إن الحكم القرآنى- هنا- يواجه حالا واقعة، ويداوى علّة قائمة، ويستنفذ غريقا مشرفا على الغرق.
وإذ كان الأمر على تلك الصفة، فإنه ليس من الحكمة، ولا من المنطق أن يقلّب الإسلام صفحات هذا الإنسان، ويستعرض تاريخه.. ثم ليحكم أهو أهل لأن يمدّ إليه يده فينقذه، أم يدعه حيث هو ليلقى مصيره المحتوم.
وكلا.. فإن المطلوب، أولا، هو إنقاذ هذا الإنسان، دون نظر إلى أي اعتبار آخر.
فإذا أنقذ، كان من الممكن أن ينصح له، وكان من المرجوّ له أيضا أن ينتصح، وأن يتقبل هذا الإحسان الذي يجيء إليه في صورة هداية وتبصرة له، بعد أن تلقّى هذا الإحسان الذي أمسك عليه حياته، وأنقذه من وطأة الدين الذي أنقض ظهره! وأكثر من هذا، فإن الإسلام، تكفّل- من بيت المال- بقضاء دين المدينين، ممن يتوفّون، وليس في تركتهم ما يقضى دينهم.
يقول الرسول الكريم: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. من مات وعليه دين فأنا وليّه.. ومن مات وله مال فماله لورثته!» هذا شيء رائع معجز.. لا يمكن أن يقع في حساب تشريع وضعىّ، مهما بلغ من المثاليّة والإحكام.. وإنما هو ممّا تجيء به السّماء من رحماتها وبركاتها.
وإنه بحسب الإسلام أن يقدّم للإنسانية هذه اللفتة الرائعة من لفتاته في بناء المجتمع، وحياطة بنيانه من دواعى التصدّع والتشقق.. فتلك نظرة من نظراته النافذة إلى الصميم من حياة المجتمع، لا تستطيع الشرائع الوضعية في أعمق نظراتها أن تحوم حولها.
{وفى سبيل اللّه}.
المراد بسبيل اللّه هنا، ما ينفق من مال الصدقات في تجهيز المجاهدين في سبيل اللّه، وفى إمدادهم بالعتاد والسلاح والمؤن وغيرها، مما يعين المجاهدين على الجهاد، لتأمين المجتمع، وحمايته من عدوان المعتدين.
{وابن السبيل}.
وهو المسافر، المنقطع عن أهله.. ولا زاد معه.
والمسافر الذي على تلك الصفة، هو إنسان في معرض الضياع والهلاك، إن لم يجد اليد الرحيمة التي تمتد إليه بالبر والإحسان، فتدفع عنه عادية الجوع التي تهجم عليه، وتريد اغتياله.
وفى جعل بيت المال هو الذي يقوم بهذا الأمر، ويتولّى رعاية أبناء السبيل- في هذا ضمان موثّق لحماية هذه الطائفة، إذ كان بيت المال بموارده الكثيرة، أقدر على كفالة هذه الجماعة، وتوفير أسباب الحماية لها.. ثم هو- من جهة أخرى- صيانة لكرامة الإنسان، من أن يمدّ يده إلى غيره من الناس، أو أن يستشعر أنه عالة على أحد.. الأمر الذي عافاه اللّه منه، إذ جعل إلى بيت المال كفالة هذا الإنسان، والبرّ به، والإحسان إليه.
ومن جهة أخرى.. فإن الإسلام قد نظر نظرة أوسع من هذا، فلم يجعل إلى بيت المال وحده، القيام بهذا الواجب حيال أبناء السبيل.. فقد يكون ابن السبيل في مكان لا تصل إليه يد بيت المال.
وقد يكون بيت المال ولا مال فيه يتّسع للوفاء بحاجة المحتاجين من أبناء السبيل.
ومن أجل هذا، فقد فرض الإسلام على المسلمين جميعا، القيام بهذا الواجب إذا عرض لهم، وطلع عليهم ابن سبيل أو أبناء سبيل! روى البخاري ومسلم، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول اللّه، تبعثنا فننزل بقوم فلا قروننا، فما ترى في ذلك؟ فقال- صلى اللّه عليه وسلم: «إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم ما ينبغى للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغى لهم».
وعنه صلى اللّه عليه وسلم قال: «أيّما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقّا على كل مسلم نصره، حتى يأخذ بقرى ليلته.. من زرعه أو ماله.».
وعن أبى كريمة، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: «ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه، فإن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه!».
فإلى هذا الحدّ تبلغ عناية الشريعة الإسلامية ورعايتها للفقراء، والضعفاء، في المجتمع الإسلامى، حتى لتجعل فرضا على كل مسلم نزل به ابن سبيل، أن يجعله ضيفا عليه، وأن يقدّم إليه من البشاشة والرعاية والإكرام ما يقدّم للضيف العزيز، دون منّ أو أذى، ودون ضيق أو تكره.. وفى تسمية ابن السبيل ضيفا، رعاية لهذا الواجب الذي ينبغى للمضيف أن يؤديه له، وصيانة لابن السبيل من أن ينظر إليه، أو ينظر هو إلى نفسه نظرة المتطفل.. وكلا إنه صاحب حق، وهو إذ ينزل بأحد المسلمين، فإنما ليستقضى حقّه عنده! فأين في دنيا الناس، هذا المجتمع الذي ينزل فيه الفقير والمسكين منزلة الضيف العزيز المكرم؟ إن ذلك لن يكون إلا في المجتمع الإسلامى، الذي يحفظ شريعة الإسلام، ويقيم سلوكه عليها!! {فريضة من اللّه}.
أي هذا التشريع الذي شرعه اللّه في أموال الأغنياء، ثم ردّ هذه الأموال على تلك الجهات، التي بينها اللّه سبحانه وتعالى في الآية الكريمة- هذا التشريع، هو فرض محكم فرضه اللّه على المسلمين، وأوجب عليهم أداءه، على هذا الوجه الذي شرعه.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
أي أن هذا التشريع الذي شرعه اللّه سبحانه وتعالى، هو مما قضى به علمه وحكمته.. علمه الذي يحيط بكل شيء، وينفذ إلى كل شيء، ويستولى على كل شيء.. وحكمته المقدّرة لكل أمر، المحكمة لكل تدبير.
فليس بعد قضاء اللّه قضاء، ولا بعد تدبيره تدبير، ولا وراء حكمه حكم.
من أخذ به اهتدى وأمن، وسعد، ومن عدل عنه، ضلّ وخاب وشقى!