فصل: تفسير الآيات (78- 84):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (78- 84):

{وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84)}.
التفسير:
أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب.. والأيكة: الشجر الكثيف، المجتمع بعضه إلى بعض.
و{إن} في قوله تعالى: {وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ} هي إن المخففة من الثقيلة.. واللام في قوله تعالى: {لَظالِمِينَ} هي لام التوكيد التي تدخل على خبر إنّ.. وقد دخلت هنا على خبر كان لأن كان هي ومعمولاها خبر لأن، واسم إنّ ضمير الشأن، والتقدير: وإنه كان أصحاب الأيكة لظالمين.
قوله تعالى: {فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ}.
الإمام: المقدّم، والإمام من كل شيء مقدّمه، لأنه يكون أمامه.. والمراد به هنا: الهادي والمرشد.. والمبين: الواضح البيّن.
وضمير المثنى في قوله تعالى: {وَإِنَّهُما} بعود إلى قوم لوط، وقوم شعيب.. وهذا ما يشير إليه عطف أصحاب الأيكة (قوم شعيب) على التعقيب الوارد على قصة قوم لوط، وهوقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} فكان قوله تعالى بعد هذا التعقيب. {وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ} تعقيبا على هذا التعقيب، ويكون المعنى: إن فيما وقع لقوم شعيب من بلاء، لآية لمن كان مستعدّا للإيمان، متقبلا له، وإن أصحاب الأيكة لظالمون، إذ لم يجدوا في هذه الآية عبرة وعظة لهم، فانتقمنا منهم كذلك، وقد كان بين يدى كل منهما إمام مبين يهديه، يكشف له معالم الطريق، فضلا عن الآيات التي كانت تطل عليهم من مصارع الظالمين في القرون الغابرة.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} هو إشارة موجزة لقصة {ثمود} قوم {صالح} عليه السلام، وسمّوا أصحاب الحجر، لأن ديارهم كانت منحوتة في الجبال، فكانت حجرا يحجرهم عن أىّ عدو يريدهم، من إنسان أو حيوان.. ومنه الحجر، وهو العقل، وقد سمى حجرا لأنه يحجر صاحبه عن السوء، ويعصمه من الزلل.
قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ} الصيحة: الرّجفة، وهى نفس البلاء الذي نزل بقوم لوط، وقد أخذتهم {مصبحين} أي وقت الصبح، كما أخذت قوم لوط في هذا الوقت {مشرقين} أي وقت الشروق.
وهذا هو السرّ في الإشارة إلى قوم صالح هنا، دون قوم {هود}، كما اعتاد القرآن دائما أن يذكرهما معا.

.تفسير الآيات (85- 99):

{وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} مناسبة هذه الآية لما قبلها، هي أن ما أخذ اللّه به أهل الضلال والعناد، ممن كفروا باللّه، وآذوا رسله- هو من سنن اللّه في خلقه، فإنه سبحانه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، ولم يخلقهما عبثا أو لهو، كما يقول سبحانه: {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ} [16. الأنبياء]. والإنسان مما خلق اللّه، ولم يخلق الإنسان عبثا كما يقول سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} [115: المؤمنون]. لقد خلق الإنسان ليعبد اللّه، ويسجد لربوبيته، كما يقول جل شأنه: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [56: الذاريات].. وقد خصّ الجن والإنس بالذكر، لأنهما هما الكائنان اللذان فيهما إرادة قادرة على أن تنزع بهما إلى الانحراف عن عبادة اللّه، وعن الخروج عن طريقه المستقيم.. أو تستقيم على هدى اللّه.
وفى قوله تعالى: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} إشارة إلى حتمية الحساب والجزاء لهذين الكائنين- الجن والإنس- من بين المخلوقات جميعا.
إذ أنهما- كما قلنا- هما الكائنان اللذان يقع منهما الانحراف، ويكثر فيهما المنحرفون عن طريق الحق، الذي أقام للّه سبحانه وتعالى الخلق عليه.
ففى هذا الجزاء الذي يلقاه المنحرفون تقويم لهم، وإصلاح لشأنهم.
وفى قوله سبحانه: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} عزاء للنبى، ومواساة له، وربط على قلبه، لما يلقى من عناد المعاندين، وسفاهة السفهاء من قومه.
فالساعة آتية، وفيها يسوّى حساب هؤلاء الضالين، فليلق النبيّ سفاهاتهم وحمقاتهم بالصفح الجميل، وليدعهم ليوم الفصل: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ} [13- 14: الطور].
وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} هو تعقيب على ما تضمنته الآية السابقة، من أن اللّه سبحانه خلق السموات والأرض بالحق، وأن الساعة آتية لتجزى كل نفس بما كسبت.. وفى وصف الحق جل وعلا بأنه {الخلاق} إشارة إلى أنه يبدع فيما خلق، يخلق.. السماء والأرض.. والنهار والليل، والملك والشيطان، والإنسان الذي يعلو فيكون مع الملائكة، ويسفّ فيكون مع الشياطين.. وفى وصفه سبحانه بأنه {العليم} إشارة أخرى إلى أن هذا التنويع في الخلق، إنما هو عن تقدير وعلم وحكمة.
وفى إضافة النبي الكريم إلى ربه سبحانه وتعالى {ربك}، إيناس للنبى، وتكريم له، حيث تحفّه ألطاف ربه، الذي يدنيه إليه، ويضيفه إلى رحاب ذاته العليّة.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}.
اختلف في السبع المثاني.. ما هى؟ فقيل إنها السبع الطوال من سور القرآن الكريم: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، باعتبارهما سورة واحدة وقيل إنها الحواميم السبعة، وهى غافر (المؤمن) والسجدة (فصلت) والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف.. وقيل إنها الفاتحة.. (أم الكتاب).
والرأى الذي نطمئن إليه، أن السبع المثاني، هي الآيات السبع التي احتوتها أم الكتاب.
وسميت مثانى لأنها ثناء خالص على اللّه.. ليس فيها قصص، أو أحكام، أو غير هذا مما تضمنه القرآن الكريم.. فهذه السبع المثاني هى:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
فهذا ثناء خالص على اللّه سبحانه. وتسبيح بحمده، وولاء بالعبادة له وحده، واستمداد للعون منه وحده، والبراءة من كل ما سواه.
{اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}.
وهذا دعاء خالص للّه سبحانه، والدعاء تسبيح وعبادة، بل هو- كما قيل- مخّ العبادة.
فهذه الآيات السبع هي ثناء على اللّه.. سواء ما كان منها تسبيحا صريحا، أو تسبيحا في صورة دعاء.
والمثاني، جمع مثناة، وهى مفعلة من الثناء، اسم مرّة، أو مصدر ميمى.
قوله تعالى: {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} عطف على {سبعا}.
من عطف الكل على الجزء، إلفاتا إلى الجزء، واحتفاء به.. كما تقول أكلت العنب والفاكهة.
واختصاص الفاتحة بالذكر، مع أنها من القرآن الكريم، للتنويه بها، لأنها أم الكتاب، وهى التي اختصت من بين آيات القرآن الكريم بأن تكون الذكر الذي يذكر به اللّه سبحانه وتعالى في الصلاة.. فمن صلى بغيرها كانت صلاته ناقصة، كما في الأثر: «من صلّى بغير أم الكتاب فصلاته خداج» أي ناقصة، كما يولد المولود لغير تمام، فيقال: ولد خداجا.
وفى وصف القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} إشعار بأن تقديم أم الكتاب عليه، وإن كان فيه تنويه بها، ورفع لقدرها، فإنه لا ينقص من عظمة القرآن، ولا ينزل من منزلته العالية التي لا تنال.
فهو القرآن العظيم.
قوله تعالى: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هي أن الآية السابقة كانت تمهيدا لهذه التوجيهات التي تلقاها النبي الكريم من اللّه سبحانه وتعالى.
فقد ذكّر النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- في الآية السابقة بما بين يديه من نعمة عظيمة، وفضل كبير من ربه.. فلقد آتاه اللّه السبع المثاني والقرآن العظيم.. وهذا عطاء لا توزن الدنيا كلها وأهلها، بكلمة من كلماته.
وفى قوله تعالى: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ} استصغار لهذا الزخرف من الحياة الدنيا الذي جعله اللّه سبحانه وتعالى متاعا لهؤلاء المشركين الضالين، وإنه لا ينبغى للنبى الكريم أن يلتفت إلى شيء من هذا المتاع، راضيا بهذا الفضل العظيم الذي بين يديه من كلمات ربه، واصطفائه لتلقيها وحيا من السماء، مستغنيا عن كل ما في هذه الدنيا من مال ومتاع.
وفى قوله تعالى: {أَزْواجاً مِنْهُمْ} إشارة إلى كثرة من أنعم اللّه عليهم، وابتلاهم بهذه النعم من المشركين.. فالأزواج كثرة، والأفراد قلة ثم إن التزاوج في ذاته نعمة من نعم اللّه، كما يقول سبحانه مذكّرا بهذه النعمة: {وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً} [8: النبأ].
وفى قوله تعالى {مِنْهُمْ} تهوين لشأنهم، وإضراب عن ذكرهم، بالحديث عنهم بضمير الغائب، فهم غائبون وإن كانوا حاضرين.
وفى قوله تعالى: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} استخفاف بهم أيضا، وأنهم لا يستحقون أن يحزن النبي، أو يجد في نفسه شيئا من هذا الضلال الذي هم فيه، ولهذا المصير المشئوم الذي ينتظرهم.. فهم أهل لهذا الضلال، وهذا المصير الذي هم صائرون إليه وإن كانوا أهله، وقرابته.
وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} احتفاء بشأن للمؤمنين، ورفع لمنزلتهم، وأن على النبي أن يلقاهم حفيّا بهم، مكرما لهم، متجاوزا عن هناتهم.
قوله تعالى: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} هو إعلام للنبى بالأذان الذي يؤذّن به في الناس جميعا، وهو أنه النذير المبين، الذي يكشف لهم معالم الطريق إلى الهدى، ويريهم مغبة التنكّب عن هذا الطريق، وركوب طرق الكفر والشرك.. وقد قالها النبيّ الكريم صريحة لهم كما جاء في قوله صلى اللّه عليه وسلم: «أنا النذير العريان» أي الفزع، كالنذير الذي جاء ينذر قومه بالهلاك المقبل عليهم، فأعجله ذلك عن أن يلبس ملابسه، فجاءهم عريانا.
قوله تعالى: {كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}.
المقتسمين: الذين اقتسموا كلام اللّه، فأخذوا بعضه، وأعرضوا عن بعض.
وهؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم:
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [85: البقرة].. والعضين: جمع عضو، وأصله عضوين.
والتشبيه في قوله تعالى: {كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} يشير إلى المشبه، وهو قوله تعالى {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} أي قل هذا القول لقومك، كما قاله الرسل السابقون إلى أقوامهم، فيما أنزلنا على هؤلاء المقتسمين من أهل الكتاب على يدرسلهم.. إذ كل رسول كان لسانه إلى قومه هو قوله: {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} هو صفة للمقتسمين، وكشف عن معنى ما اقتسموه، وهو القرآن الكريم الذي قبلوا بعضه، وردّوا بعضه، فجعلوه أبعاضا، وهذا- فوق أنه كفر- هو سفه، ومكر بآيات اللّه.. فإن الحقّ كيان واحد، فإما أن يقبل كله، أو يرد كلّه.
والقرآن الكريم إما أن يكون كلام اللّه، فيقبل، أولا يكون من كلام اللّه، فيردّ.. أما أن يقبل بعضه ويردّ بعضه، فذلك هو النفاق العقلىّ، الذي يخون به المرء نفسه، ويخادع منطقه.
قوله تعالى: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} تهديد لهؤلاء المشركين المعاندين من قريش، وهؤلاء المكذبين المنافقين من أهل الكتاب، ولهذا جاء قوله تعالى {أجمعين} جامعا لهم جميعا في موقف المساءلة، والجزاء.
قوله تعالى. {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}.
الصدع: أصله الشقّ في المواد الجامدة.. ومنه قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [21: الحشر].
والمراد بالصدع الذي أمر به النبي هنا، هو أن يكشف عما أوحى إليه من ربّه، وأن يظهره للناس، ويبلغه إياهم.. والتعبير عن هذا بالصدع، يشير إلى أمرين:
فأولا: أن هذه المهمة التي يقوم بها النبي مهمة شاقة عسيرة، من شأنها أن يتصدع لها كيان الإنسان، كما تتصدع الأرض حين تنشق عن النيات المخبوء في صدرها.. كما يقول جل شأنه: {وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ} [11- 12: الطارق]، وإلى ثقل هذه المهمّة يشير قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [5: المزمل] وثانيا: أن هذا الذي يصدع به النبيّ ويخرجه من صدره، هو مما تتزوّد به النفوس، وتحيا عليه القلوب، كما تتزود الأجساد بما تخرج الأرض من حب وثمر، يمسك وجودها، ويحفظ حياتها.
قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} هو تطمين للنبىّ، وتثبيت له على طريق دعوته، وعون من اللّه له، على أداء مهمته الثقيلة. وأن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي سيتولى حساب هؤلاء الذين يقفون في طريقه، يهزءون به، ويسخرون منه، وليس هذا منهم وحسب، بل إنهم ليجعلون مع اللّه إلها آخر.. فجريمتهم جريمتان.. استهزاء بالنبيّ، وكفر باللّه، وواحدة منهما مهلكة لمقترفها، فكيف بمن اقترف الجريمتين معا؟.
وفى قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد لهؤلاء المستهزئين بالرسول، الكافرين باللّه.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}.
التعبير بفعل المستقبل {نعلم} مع أن علم اللّه سبحانه وتعالى حاضر- إشارة إلى أن ما كان من المشركين من استهزاء بالنبي، وما يكون منهم، فإن اللّه يعل مه علما قديما قبل أن يكون، وعلما مقارنا للفعل بعد أن يقع.
وما يقوله المشركون مما يضيق به صدر النبي، هو ما يرمونه به من قولهم:
شاعر مجنون، وقولهم: هو كاذب، وقولهم: هو ساحر.. مما حكاه القرآن من مقولاتهم الحمقاء في النبيّ الكريم.
وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} هو إلفات للنبى ألّا يعطى أذنه لهذا اللغو الذي يلغو به هؤلاء المشركون، وأن يدع أمرهم إلى اللّه، فهو الذي يعلم ما يأتون من منكرات في جانب النبيّ، واللّه سبحانه هو الذي يتولّى حسابهم، ويكفيه استهزاءهم.. ومن ثمّ وجب على النبيّ أن يتجه بكيانه كله إلى حمد ربّه، والسجود له، حمدا وشكرا، على ما أولاه من نعمه، وأفضاله.
وقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} معطوف على ما قبله وهو قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}.
أي اجعل هذا التسبيح، وذلك السجود، عبادتك للّه، حتى آخر نفس من أنفاسك في هذه الحياة، حيث يأتيك اليقين، وهو وعد اللّه الذي يشهد عنده الإنسان مشاهد الحق، وعندها يستيقن ما كان يؤمن به، أو ينكره، أو يشك فيه، من لقاء ربّه، ومن الحساب والجزاء.. فللإنسان عند لقاء الموت صحوة يطّلع منها على ماوراء هذه الدنيا، فإذا مات، رأى عالم الحقّ عيانا.. وفى هذا يقول النبيّ الكريم: «الناس نيام.. فإذا ماتوا انتبهوا».