فصل: تفسير الآيات (2- 3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (2- 3):

{وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3)}.
التفسير:
مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما، هي أنه لما كانت الآية السابقة التي افتتحت بها السورة، قد ذكرت تلك النعمة العظمى التي أنعم اللّه سبحانه وتعالى بها على النبيّ، إذ أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في تلك الرحلة العجيبة، التي رأى فيها ما رأى من آيات ربّه- فناسب ذلك أن يجيء ذكر النعم التي أنعم اللّه بها على عباده.. ولما كان أجلّ تلك النعم وأعظمها إرسال الرسل إلى الناس، يحملون إليهم هدى اللّه، ويدعونهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، ولما كانت التوراة التي نزلت على موسى، هي الشريعة القائمة عند أهل الكتاب المعاصرين للنبوّة- من يهود ونصارى-
فقد كان ذكر موسى.. والكتاب الذي أنزل عليه، أقرب وأولى ما يذكر في هذا المقام.. ولهذا جاء قوله تعالى: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا}.
فهذه الآية معطوفة على ما قبلها. والتقدير: سبّحوا- أيها الناس- ربّكم الذي أسرى بعبده محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والذي آبى موسى الكتاب وجعله هدى لبنى إسرائيل، فوجب عليهم أن يشكروا اللّه، وأن يأخذوا حظهم من هذا الهدى الذي جاءهم به رسول اللّه، وألا يتخذوا من دون اللّه وكيلا يتعاملون معه، ويسندون إليه أمورهم، ويجعلون عليه معتمدهم!.
الحقيقة المحمّدية.. وما يقال فيها:
ونلمح في هذا العطف سرّا لطيفا، تشّع منه دلالات تشير إلى مقام النبي الكريم، ومنزلته عند ربّه، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم، هو هدى في ذاته وشخصه، يقابل الهدى الذي حملته التوراة إلى بنى إسرائيل! فالرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- بما رأى من آيات ربّه الكبرى في إسرائه ومعراجه، وما حمل في كيانه من معالم الحق في هذه الليلة المباركة- قد أصبح هو في ذاته كتابا من كتب اللّه، ورسالة من رسالاته، يجد فيها أولوا البصائر للشرقة، وأصحاب القلوب السليمة، ما يجد المؤمنون باللّه، في آياته وكلماته من هدى ونور.. وهذا ما يحدّث به الحديث الشريف: «أنا رحمة مهداة».
فالنبىّ الكريم في ذاته، هو رحمة، بما نطق به من كلماته، وبما استملى الناس من سيرته، وبما اقتبسوا من أدبه وعلمه وحكمته.
وإنّا لنجد مصداق هذا، في هذا المجتمع الإسلامى الأول الذي أقامه الرسول الكريم، واستنبته من جدب الصحراء وقفرها، وأطلعه من غياهب ظلامها، وضلالها.. وذلك بما حمل إلى الناس من كلمات اللّه، وبما أراهم من آثار كلمات اللّه فيه، وتربيته له سبحانه وتعالى على منهجها، فكان إنسانا يقرأ الناس في سيرته- قولا وعملا- منطوق كلمات اللّه ومفهومها، كما تحدّث السيدة عائشة رضى اللّه عنها، فتصف خلقه عليه الصلاة والسلام بقولها: «كان خلقه القرآن».
فما أعظمه من إنسان! وما أكرمه من رسول! وما أعلى مقامه في العالمين! وأحبّ هنا أن أقف وقفة قصيرة مع تلك المقولة التي تقال وتذاع بين المسلمين، فيما يعرف عند أصحابها بالحقيقة المحمدية.
فالذين يستمعون من المسلمين إلى هذا العنوان: الحقيقة المحمدية وما يجيء وراء هذا العنوان من حديث عن هذه الحقيقة، قد يجدون في صدورهم حرجا من أن يدفعوا عن هذه الحقيقة تلك الدعاوى التي يدّعيها عليها القائلون بها، والتي يصوّرون فيها النبيّ الكريم هذا التصوير العجيب، الذي يقطعه عن العالم البشرى، بما يضيفون إليه من صفات وأعمال، لا تقتضيها طبيعة البشر، ولا تثقل بها موازينه في المصطفين من عباد اللّه.!
إنها مقولات كثيرة مغرقة في الخيال، تضفى على ذات النبيّ أثوابا فضفاضة- بل مهلهلة- من نسيج الوهم، ومن واردات الخرافة، يحسب بها أصحابها- عن إيمان، أو عن كيد- أنّهم إنما يمجّدون النبيّ، ويفردونه وحده بتلك المنزلة التي تتقطع دونها الأوهام والظنون! ومن هنا، كان خطر هذه المقولات وأثرها داهما مزلزلا، في المجتمع الإسلامى، إذ هي مقولات- كما قلنا- يجد كثير من المسلمين حرجا في دفعها، والوقوف لها.. لأنها كلّها- كما تبدو في ظاهرها- تمجيد في مقام النبيّ، وإعلاء لقدره، وإنه لأحبّ شيء عند المؤمن أن يمجّد مقام النبيّ، وأن يعلى قدره! وإنه لا حرج في هذا المقام من المبالغة والغلوّ.. فذلك خير، والمبالغة في الخير خير!! هكذا يلقى كثير من المسلمين تلك المقولات التي تقال في الحقيقة المحمدية.
حيث يستقبلها المسلم بمشاعره، فيجد فيها ريحا طيبة، تحدّث عن مقام النبوة، وكمالها، فتتخدّر لذلك مشاعره، وتغيب مدركاته، وإذا هو مهيأ لقبول كل ما يقال في هذا المقام.. فإذا صحا بعد هذا، وجد كلمات كثيرة قد علقت بصدره، ودارت في كيانه، تحدّث عن النبيّ بأنه النّور الذي خلق منه هذا الوجود، وأنه الرّوح العظمى التي سرت في هذه الكائنات.. وأنه لولاه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ما خلق اللّه هذا الوجود، ولما كانت أرض ولا سماء، ولا شمس ولا قمر، ولا كواكب ولا نجوم، ولا ملائكة ولا لوح ولا قلم! إلى غير ذلك من المقولات التي تقال في الحقيقة المحمدية! مما لا مستند له من كتاب، أو سنّة، أو عقل.
فالقرآن الكريم، يقرر في مواضع كثيرة منه أن محمدا بشر من رأسه إلى أخمص قدمه.
فيقول سبحانه وتعالى، آمرا نبيّه الكريم أن يعلن الناس به: {قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ} [110: الكهف] ويقول سبحانه: {قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} [9: الأحقاف].
فهو- صلوات اللّه وسلامه عليه- في الناس، واحد من النّاس.. وهو-
صلوات اللّه وسلامه عليه- في الرسل، واحد من الرسل، ليس بدعا من بينهم! فماذا يقول القرآن أصرح من هذا القول، في تحديد صفة النبيّ، وأنه بشر لم تتخلّ عنه بشريته، ولم يخرج هو عن بشريته بحال أبدا؟
ثم ماذا يقول النبيّ عن نفسه أكثر وأوضح من هذا القول الذي أمره به ربّه أن يقوله، حتى يدفع عن نفسه ما ليس له، مما يقوله عليه من يقولون من المغالين فيه، هذا الغلوّ، الذي هو وقول المتطاولين على مقامه- سفاهة وجهلا- والمتنقّصين لقدره- افتراء وكذبا على سواء؟
بل وما ذا يقول النبيّ أكثر وأصرح من قوله: «أنا عبد آكل كما يأكل العبد»- حتى يمسك هؤلاء المغالون فيه على طريق قاصد مستقيم في شأنه؟
يتكئ القائلون بالحقيقة المحمدية، وبالصفات التي يوردونها عليها- يتكئون على حديث يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، هو قوله: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين، وكنت نبيّا ولا آدم ولا الطين».
ويتخذون من هذا منطلقا ينطلقون به إلى اصطياد كل واردة وشاردة.. فلقد فتح عليهم هذا القول الذي يفهم منه أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان نبيّا قبل أن يخلق آدم- نقول فتح عليهم هذا القول بابا بل أبوابا يلجون منها إلى اصطياد المقولات التي تتخذ من هذا المفهوم منطلقا إلى كل قريب وبعيد، وإلى كل معقول وغير معقول، حتى لقد اجتمع للقوم من هذا، ما تسمع من تلك المقولات التي لا تنتهى، ولا ينتهى حديث أصحابها عنها! ولا نعرض لصحة هذا الحديث، ولا لمكانه من القوة أو الضعف.
بل نأخذه مسلّمين به، قائلين بصحته.. سندا، ومتنا!
فماذا في هذا الحديث؟ بل ماذا وراءه مما يسر أو يعلن من الحقيقة المحمدية؟
ولكن قبل أن نجيب على هذا، نسأل القائلين بالحقيقة المحمدية عن معنى منطوق الحديث: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين.. وكنت نبيا ولا آدم ولا الطين!..».
أين كان محمد صلوات اللّه وسلامه عليه قبل آدم؟
يقولون فيما يقولون: إنه كان درة أو ياقوتة في العرش! ونقول لهم بما يقوله اللّه سبحانه وتعالى في المشركين الذين جعلوا الملائكة إناثا: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ} [19: الزخرف] أفشهد هؤلاء القائلون بتلك المقولة- أشهدوا خلق محمد؟
ثم نسأل، هؤلاء القائلين بالحقيقة المحمدية: أين كان محمد قبل أن يولد لأبويه: عبد اللّه بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب؟ يقولون إنه ما زال منذ آدم يتنقل من الأصلاب الزاكية إلى الأرحام الطاهرة إلى أن ولد! ونقول: إنّ كل إنسان تنقّل منذ آدم من الأصلاب، إلى الأرحام، حتى انتقل من صلب أبيه إلى رحم أمّه.. فماذا في هذا؟
والحديث الذي يقول: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين...» إن صحّ- فإنه لا يخرج عن هذا المعنى، الذي فهمناه عليه. إذ تنقّل ويتنقل الناس جميعا في أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات! فالحديث- إن صحّ- يشير بهذا إلى تلك الحقيقة التي يؤمن بها المؤمنون باللّه، وهى أن علم اللّه سبحانه وتعالى، قد وسع كل شيء، وأن هذه الموجودات كلها، في ملكوت السموات والأرض، هي في علم اللّه سبحانه وتعالى، وأنها في كتاب مكنون، كما يقول سبحانه جلّ شأنه: {وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ} [75: النمل] وكما يقول تبارك وتعالى: {ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [22: الحديد].
فالذى يفهم من هذا الحديث- إن صحّ- أنه يحدّث عن علم اللّه سبحانه وتعالى، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في علم اللّه نبيا قبل أن يخلق آدم، ويتحقق له وجود على هذه الأرض.. وليس هذا شأن النبي وحده، بل هو شأن كل مخلوق، إذ كان في علم اللّه على تلك الصفة التي جاء، أو يجيء عليها، قبل أن يخلق آدم، بل وقبل أن يخلق أي مخلوق في السموات والأرض.. إذ قبل الخلق، كان العلم، وفى مستودعات هذا العلم كانت المخلوقات جميعها، قبل أن تخلق وتبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
وعلى هذا، فلك أن تقول كنت جالسا على هذا الكرسي الذي أجلس عليه، أو نائما في هذا المكان الذي أنام فيه، أو آكلا من هذا الطعام الذي آكل منه. إلى غير ذلك مما أنت فيه من شئونك وأحوالك- لك أن تقول: كنت على هذه الحال، أو على هذا الشأن، وآدم بين الماء والطين، وكنت على تلك الحال وهذه الشأن ولا آدم ولا الطين..!!
وبعد، فإن الحقيقة المحمدية ليست هي تلك الصورة المشوهة المضطربة التي تتراقص في عالم الخيالات والأوهام، والتي تسبح في سموات من الدخان والضباب.. وإنما هي تلك الحقيقة التي عاشت في هذه الدنيا، فكانت نورا هاديا، وسراجا منيرا، يجلّى غياهب الظلمات، ويكشف للناس الطريق إلى اللّه، وإلى الحق، والخير.. ذلك هو محمد رسول اللّه، كما ينبغى أن يراه المسلم، وذلك هو محمد رسول اللّه، كما وصفه ربه جلّ وعلا: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً} [45- 46: الأحزاب].
ثم لينظر أولئك الذين يتحدثون عن الحقيقة المحمدية هذا الحديث الأسطورىّ.. فهل يجدون للنبىّ في دخان هذا الحديث، وجودا؟ وهل يحققون له ذاتا؟
إنهم قد يقولون: إنا نراه بعيون غير عيونكم، وبقلوب غير قلوبكم، وبمشاعر وأحاسيس غير مشاعركم وأحاسيسكم!! ونقول لهم: إننا لسنا من عالم الملائكة، ولا من عالم الشياطين.. إننا بشر مثلكم نعيش على هذه الأرض.. ننظر بعيون بشرية، ونتعامل بقلوب إنسانية، ونعيش بمشاعر وأحاسيس آدمية! وبهذا الكيان البشرى نرى محمدا، ونتعامل معه، ونوليه قدره من الحب والاحترام والإجلال، ونتخذه إمامنا وقدوتنا، ونصلّى عليه، ونطلب له المزيد من الدرجات العلا عند ربه..!
{قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [110: الكهف] إننا لم نلتق بمحمد إلا على أنه إنسان، نعرفه، ونعرف أصوله وفروعه، وقد عاش بيننا أربعين سنة من عمره لم يكن فيه ولا له إلّا ما في الناس، وإلا لما للناس، حتى إذا شرّفه اللّه سبحانه وتعالى بالرسالة، أصبح بهذا التشريف رسولا من رب العالمين، شأن رسل اللّه جميعا.. وهذه الرسالة لم تغير من بشريته شيئا، ولو كان شيء من ذلك لما أنكرت عليه قريش أن يكون بشرا ثم يكون رسولا.. وفى هذا يقول اللّه على لسانهم، هذا القول الذي ينكرون فيه على الرسول رسالته: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا} [94: الإسراء] فصلوات اللّه وسلامه عليك يا رسول اللّه، رسولا من أنفسنا، ورحمة وهدى للعالمين.
قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً}.
الذرية: أي النسل، الذي تناسل من نوح وأبنائه، وهى فعلية، من الذّرء، وهو الخلق.. وأصلها: ذرئية.
أي أن بنى إسرائيل هؤلاء، هم من أبناء وذرارى البقية الباقية من قوم نوح، الذين آمنوا معه، وحملوا في السفينة، ونجوا من الغرق.
وفى وصف بنى إسرائيل بهذه الصفة إلفات لهم إلى أنهم من ذرية قوم مؤمنين، نجّاهم اللّه بإيمانهم من الغرق الذي حلّ بإخوانهم الكافرين.
وإذن، فخروج بنى إسرائيل من الإيمان الذي كان عليه آباؤهم الأولون، وعودتهم إلى الكفر الذي كان عليه إخوان آبائهم هؤلاء- هو تضييع لهذا الميراث الكريم الذي تركه لهم آباؤهم، ثم هو عدوان على اللّه، وتعرّض لنقمته، كما انتقم من عمومتهم، فأغرقهم واجتثّ أصولهم.
وقد نصب {ذرية} على الاختصاص، وقيل نصب بالنداء، أي يا ذرية من حمل اللّه سبحانه، مع نوح.
وفى قوله تعالى: {إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً} تحريض لبنى إسرائيل على أن يلحقوا بنوح، ويتأسّوا به، ويشكروا اللّه أن بعث فيهم رسولا، وأنزل معه كتابا يهديهم ويبين لهم طريق الحق!

.تفسير الآيات (4- 7):

{وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (7)}.
التفسير:
قضينا: أي أوجبنا، وقدّرنا، وحكمنا.
فهذا هو ما حكم اللّه سبحانه به، على بنى إسرائيل، وقضاه عليهم.
بنو إسرائيل.. ووعد الآخرة:
فقد حكم اللّه سبحانه وتعالى عليهم: أن يفسدوا في الأرض مرتين وهو قضاء لا مردّ له ولهذا جاء الفعل مؤكدا: {لتفسدنّ}.
فكأنه أمر لهم بأن يفسدوا- وذلك لأنهم واقعون تحت هذا القضاء الذي لا يردّ، حتى لكأنهم مأمورون به! وهذا من ابتلاء اللّه لهم، وغضبه عليهم، لما سبق في علمه- جل شأنه- من أنهم لن يستقيموا على هدى، ولن يسكنوا إلى عافية! والفساد الذي ينضح من كيان بنى إسرائيل، هو فساد يجيء عن بطر وكبر، وكفر بنعم اللّه التي يفيضها عليهم، ولهذا جاء قوله تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً} معطوفا على هذا الفساد، مؤكدا لتأكيده، حيث أنه كائن منه، ومتولد من كيانه.. فهو علوّ فاسد، نتاج غرس فاسد. فهم إنما يفسدون حين يمكن اللّه لهم في الأرض، ويفيض عليهم الكثير من نعمه، وعندئذ يستبدّ بهم الغرور، ويستولى عليهم الأشر والبطر، شأن أصحاب النفوس النكدة، والقلوب المريضة، إذا مستها رحمة من رحمات اللّه، مكرت بها، وأحالتها في كيانها شرّا وبلاء، تتغدى منه، وتلقى بثمره النكد إلى كل ما حولها.
كالأرض الملح، ينزل عليها الغيث، فتتحول إلى برك ومستنقعات، لا تفوح منها إلا الروائح العفنة، ولا يتحرك على صدرها إلا الهوامّ والحشرات! وفى قوله تعالى: {فى الكتاب} إشارة إلى أن ما قضى اللّه به في بنى إسرائيل، وألزمهم إياه- هو مما في كتاب اللّه، وهو اللوح المحفوظ.. وفى هذا توكيد لهذا القضاء المبرم، المكتوب، وأنه لا مفرّ منه.
هذا، ويرى الزمخشري أن المراد بالكتاب هو التوراة متابعا في هذا من سبقه من المفسرين، وقد تبعه على هذا الرأى من جاء بعده..! وقليل من المفسرين من قال بأن الكتاب هو اللوح المحفوظ باعتبار أن ذلك رأى مرجوح.
والذي نقول به، هو أن المراد بالكتاب، هو الكتاب المسطور، وهو اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب.. كما يقول سبحانه وتعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ} وهذا هو الأنسب والأولى في هذا المقام.. وذلك لأمرين:
أولهما: أن اللّه سبحانه وتعالى قد وصف الكتاب الذي جاء به موسى- وهو التوراة- بأنه هدى لبنى إسرائيل.. وليس يتفق مع هذا الوصف أن يحمل إليهم هذا الكتاب دعوة إلى الإفساد والتحبّر في الأرض! أما ما في كتاب اللّه المسطور، فهو قدر مقدور لهم، خفى عليهم أمره.. شأنهم في هذا شأن ما قدّر على الناس من أقدار.. فهم- والحال كذلك- مدعوّون إلى الهدى، بهذا الكتاب الذي جاءهم به موسى، ثم هم- مع هذا- واقعون تحت هذا القضاء الذي حجبه اللّه عنهم!!
فالرسل- عليهم الصلاة والسلام- مطالبون بدعوة الناس إلى اللّه، ومدّ أيديهم إليهم بالهدى الذي معهم والناس مطالبون بأن يقبلوا على هذه الدعوة، وأن يستجيبوا لها. ثم ينجلى الموقف آخر الأمر، عن مؤمنين آمنوا باللّه، وانتفعوا بهذا الهدى، وعن كافرين، كفروا باللّه، ولم يأخذوا بحظهم من هدى اللّه.. وكلا الفريقين- من مؤمنين وكافرين- أخذ الطريق الذي رسمه له القدر، دون أن ينكشف له ما قدّر اللّه عليه، ولا أن يجد في نفسه أنه مقهور تحت سلطان هذا القدر، وإنما هو مطلق العنان، يأخذ الطريق الذي قدّره هو، ورآه هو.. وهو عين ما قدره اللّه، وقضى به! وثانيهما: أنه لو حملت التوراة إلى بنى إسرائيل هذا القضاء المقضى به عليهم، في صورة الأمر أو في صورة الخبر.. لكان ذلك مما يسقط التكليف عنهم، إذ يضعهم تحت أمر نافذ لاسلطان لهم عليه، ولا قدرة معهم لدفعه، وتعالت حكمة اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
أما ما أنذر اللّه سبحانه وتعالى، به بنى إسرائيل من سوء، وما رماهم به من لعنة، وما أخذهم به من مسخ، فقد كان ذلك واقعا على جماعات منهم، بحيث يبقى بعد ذلك بقية منهم خارجة عن هذا الحكم.. وتلك البقية هي متعلق أنظار القوم جميعا، بحيث يرى كل واحد منهم أنه في غير الملعونين، والممسوخين، وإن كان- فيما قدّر عليه- في الصميم منهم!- وفى قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} خبر محقق بأن الإفساد الذي يقع من القوم سيكون {مرّتين} يقعان على امتداد حياة بنى إسرائيل في هذه الأرض.
وقد اختلف في الزّمن الذي يقع فيه هذا الفساد في كلّ مرة من المرتين، وهل وقعت هاتان المرتان أو لم تقعا بعد؟ أم وقعت إحداهما ولم تقع الأخرى؟
والذي عليه أكثر المفسّرين أن هاتين المرتين قد وقعتا بالفعل، وأن إحداهما كانت عند الأسر البابلىّ، على يد بختنصّر، الذي استولى على دولة بنى إسرائيل ودمرها تدميرا، وهدم بيت المقدس، وساق القوم أسرى إلى بابل.
وأما المرة الثانية، فكانت بعد أن قتلوا النبيّ أرميا، وقيل بعد أن قتلوا النبيّ يحيا.
والذي ينظر في قوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً} يرى أن الإفساد الذي يقع من بنى إسرائيل مصاحب لصفة دالّة عليه، مرهصة به، وهى أن يكونوا في حال، هم فيها أصحاب قوة متمكنة وسلطان ظاهر، وعلوّ في الأرض.. وأن هذا السلطان الظاهر لهم، وهذه القوة العتيدة بين أيديهم، وهذا العلوّ البادي لهم، إنما هو نعم مستنبتة في أرض فاسدة، وغيث هاطل على مستنقع عفن.. ومن هنا يكون البناء الذي أقاموا منه سلطانا، وحصلوا منه على قوة، وبلغوا به ما بلغوا من علو- هو بناء فاسد، يحمل في كيانه معاول هدمه وتدميره.
فإذا نظرنا إلى بنى إسرائيل من خلال هذه الصفة التي يكونون عليها حين يأخذهم اللّه سبحانه وتعالى بما يأخذ به الظالمين، فيسلط عليهم من يرميهم بالنقم، ويأخذهم بالبأساء والضراء.. نجد أن تاريخ القوم يحدّث عن أنهم قد كانوا على تلك الصفة، بعد سليمان عليه السلام، الذي أقام لهم دولة، وأنشأ فيهم ملكا واسعا عريضا.. وأنهم بعد أن ورثوا هذا الملك العريض، وملكوا هذا السلطان العتيد- بغوا وطغوا، وأقلقوا من حولهم من أمم وشعوب.
فسلط اللّه سبحانه وتعالى بعضهم على بعض أولا، فانقسموا إلى مملكتين، مملكة يهوذا في الجنوب، وتضم بيت المقدس، ومملكة إسرائيل في الشمال، وتضم سامريّا.
ثم سلط اللّه على المملكتين من يضربهما الضربة القاضية، ويقضى عليهما القضاء التام- فقام الأشوريون في عام (853 ق. م) وقضوا على مملكة إسرائيل، وضموها نهائيا إلى أشور، وقضوا على كل وجود للشخصية الإسرائيلية حيث وقع معظمهم تحت القتل، ومن نجا منهم من القتل، وقع في الأسر، وأصبح سلعة تباع في الأسواق.
ولما ورث البابليون دولة الأشوريين في العراق، فعلوا في مملكة يهوذا ما فعله الآشوريون في مملكة إسرائيل.
ففى سنة (586 ق. م) غزا البابليون مملكة يهوذا بقيادة ملكهم بختنصر، واستولوا عليها، ودمّروا الهيكل، وقادوا القوم ورؤساءهم أسرى.
وهكذا أصبحت مملكة سليمان كلها تحت الحكم البابلي، أو الأسر البابلي.
وعلى هذا يمكن أن نقول إن هذا الأسر البابلي هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا}.
فهذا الحدث هو أقرب وأبرز بلاء وقع على بنى إسرائيل، بعد أن أفسدوا في الأرض وعلوا علوّا كبيرا.
وليس يعترض على هذا بأن بختنصّر لم يكن من المؤمنين باللّه، وإذن فلا يصحّ أن ينسب إلى اللّه. في قوله تعالى: {عِباداً لَنا} فإن بختنصر- إذا صحّ أنه لم يكن مؤمنا باللّه- ليس إلا عبدا من عباد للّه، فالناس جميعا- مؤمنهم وكافرهم- هم عبيد اللّه. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً} [93: مريم].
ويقول سبحانه لإبليس- لعنه اللّه-: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ} فقد أضاف اللّه سبحانه الناس جميعا إليه.. هكذا: {عبادى}.
ومن عباده هؤلاء الغاوون.
وليس يعترض على هذا أيضا بقول من يقول: كيف يسلّط للّه الكافرين على المؤمنين، فقد كان بختنصر وقومه وثنيين، على حين كان بنو إسرائيل أهل كتاب.. مؤمنين باللّه؟
والجواب: أن بنى إسرائيل، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد مكروا بآيات اللّه، وبغوا في الأرض، وملأوا الدنيا من حولهم ظلما وبغيا.. فهم- وإن كانوا مؤمنين ظاهرا- لم يكونوا أحسن حالا من الوثنيين في أفعالهم السيئة المنكرة.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ} [129: الأنعام] وكذلك يبتلى اللّه الظالمين بالظالمين، أو بمن هم أشد ظلما منهم، فهى نقم تضرب في وجه نقم، وظلم يسوء وجوه الظالمين! ثم جاء بعد هذا قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}.
وفى هذا إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى بعد أن أخذهم بعقابه، وألقى بهم في هذا الضّياع زمنا، كما فعل بهم حين ضرب عليهم التيه أربعين سنة- عاد اللّه سبحانه بفضله عليهم، وأخرجهم من هذا البلاء، بعد أن جعل من الآباء عبرة للأبناء.
ومعنى ردّ الكرة عليهم أنهم أخذوا مكان القوة، على حين نزل القوم الذين ابتلاهم اللّه بهم إلى حال أشبه بتلك الحال التي كان عليها اليهود من الذلة والهوان، وذلك حين أغار الفرس، على البابليين، واستولوا على أوطانهم، وجعلوهم غنيمة لهم، كما فعل البابليون ببني إسرائيل.. {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ} [140: آل عمران].
وفى قوله تعالى: {وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} إشارة إلى القوة التي لبسوها بعد هذا الضياع، وأنهم أصبحوا أصحاب شوكة أكثر من شوكة البابليين الذين ساموهم الخسف.. والنفير: الجماعة التي تنفر للحرب وتخفّ مسرعة إليها.
ثم جاء بعد هذا قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها}.
تحذيرا لبنى إسرائيل، أن يركبوا الطريق الذي ركبه آباؤهم من قبل، وأن يفسدوا في الأرض كما أفسدوا، فيحلّ بهم ما عرفوه من بلاء حل بآبائهم.
ثم إذا أعدنا النظر إلى بنى إسرائيل بعد الأسر البابلي، لم نجد لهم دولة ظاهرة ولا ملكا قائما.. وإنما هم دويلات ممزقة، متقاتلة فيما بينها، تخرج من حكم البابليين لتقع تحت حكم الفرس في سنة (518 ق. م).. ثم تحت حكم الرومان، إلى أن جاء الفتح الإسلامى.. الذي أدخل بيت المقدس في دولته، فأصبح المسجد الأقصى من مساجد الإسلام.. ليس لبنى إسرائيل شأن به منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا.
وإذن، فهناك المرّة الثانية، وهى التي أشار إليها قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
والسؤال هنا هو:
هل جاء وعد الآخرة.. أي المرة الثانية؟ وإذا لم يكن قد جاء فمتى يجيء؟
وما الإرهاصات الدالة عليه؟
والجواب على هذا:
أولا: أن هذا الوعد- وعد الآخرة- كان إلى نزول القرآن الكريم غير واقع، وأنه سيقع في المستقبل، القريب، أو البعيد.. والدليل على هذا ما يحدّث به القرآن الكريم في هذا المقام.
فقد تحدّث القرآن الكريم عن مجيء المرة الأولى هكذا:
{فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا}.
وتحدث عن مجيء المرة الثانية هكذا:
{فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
فالآيتان تحدثان عن المستقبل، الذي يدل عليه الشرط: {إذا}.
وهذا يعنى أن المرتين على سواء، في تعليقهما بالمستقبل، وقت نزول القرآن.. الأمر الذي يجعل القول بأن إحداهما قد وقعت، والأخرى لم تقع.. قولا لا حجة عليه، ولا مبرّر له.
ولكن الذي ينظر في الآيتين، يجد:
أن الشرط الذي يعلّق الفعلين بالمستقبل، هو منظور فيه إلى ما قضاه اللّه سبحانه وتعالى في كتابه، وجعله قدرا مقدورا على بنى إسرائيل، في وقوع هاتين المرتين من الإفساد.. وعلى هذا يكون وقوع الأحداث المسطورة في كتاب اللّه كلها، لم تكن وقعت، حين قضى اللّه بها، وأودعها خزائن علمه.
وعند النظر في الآيتين الكريمتين، نجد أن النظم القرآنى قد خالف بينهما.. فجعل ما وقع منهما عند نزول القرآن معبّرا عنه بلفظ الماضي: {بعثنا} {جاسوا}. على حين جعل المرّة التي لم تقع بلفظ المستقبل: {لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا}.
ولو تساوت المرتان، في الوقوع، أو عدم الوقوع، عند نزول القرآن، لم يكن لاختلاف النظم فيهما سبب ظاهر، وهذا أبعد ما يكون عن بلاغة القرآن وإعجازه، حيث لا تجيء كلمة أو حرف فيه، إلا ومعها ما لا حصر له من أسرار! وثانيا: إذا تقرر أن المرة الثانية، لم تجئ حتى نزول القرآن الكريم.
فهل وقعت بعد هذا، أم أنها لا تزال معلقة بالمستقبل، لم تقع بعد؟
والقرآن الكريم هو دليلنا في الإجابة على هذا السؤال.
ففى قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً} في هذه الآية نجد حديثا عن {المسجد}.
والمسجد كما هو معروف معلم من معالم الإسلام، وسمة من سمات بيوت اللّه التي يتعبّد المسلمون فيها.. إذ كان السجود أبرز عمل من أعمال المسلمين في الصلاة.. ولهذا فقد كان الاسم الذي يعرف به المسجد الأقصى هو: بيت المقدس حتى إذا أسرى اللّه سبحانه وتعالى بالنبي الكريم إليه، أسماء- سبحانه- المسجد الأقصى.. وجعله بهذا الاسم، القبلة الأولى للمسلمين، كما جعله بهذه التسمية، مسجدا لهم يعبدون اللّه فيه.. ثم كان الوصف الذي يعرف به المسلمون في المجتمع الإنسانى هو سمة السجود الذي في وجوههم. كما يقول تعالى: {سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ} [29: الفتح].
فذكر بيت المقدس باسم {المسجد} يشير إشارة واضحة إلى أن المرة الثانية، التي يقع فيها من بنى إسرائيل هذا الإفساد، إنما تكون في العهد الإسلامى، وفى الوقت الذي يكون فيه بيت المقدس مسجدا للمسلمين، على خلاف ما كان عليه من قبل، حيث لم تشر الآية الأولى إلى المسجد، من بعيد أو قريب.. بل جاءت الآية هكذا {فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ} أي تنقلوا كما يشاءون بين الديار، وهذا يعنى أن العدو الذي ابتلاهم اللّه به، كان متمكّنا، بحيث يمشى في ديارهم، ويتخلل طرقاتها دون أن يخشى أحدا.
ونسأل مرة أخرى:
هل وقعت المرة الثانية؟ وهل جاء وعد الآخرة قبل يومنا هذا؟
والجواب هنا نأخذه أيضا من القرآن الكريم، ثم من أحداث التاريخ.
وننظر مرة أخرى في الآية: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
فهناك حقائق تقررها الآية الكريمة، وهى:
أن الذين يتسلّطون على بنى إسرائيل في هذه المرة، سيدخلون المسجد الأقصى.. {كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
وهذا يعنى أمورا:
أن الذين يدخلون المسجد الأقصى هذه المرة، قد كان لهم دخول إليه من قبل، وأنهم إنما يفعلون في هذه المرة، ما فعلوه في المرة السابقة.
ودخول المسلمين المسجد الأقصى أول مرة، كان في خلافة عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- وقد ظل في أيديهم إلى أن دخله بنو إسرائيل في هذه الأيام، من عام ألف وثلاثمائة وسبعة وثمانين للهجرة.
نعم.. خرج المسجد الأقصى من يد المسلمين إلى يد الصليبيين.. ثم أعيد إليهم مرة أخرى، على يد صلاح الدين.. ولم يكن لبنى إسرائيل حساب أو تقدير في هذا الأمر.
ودخول المسلمين إلى المسجد الأقصى وانتزاعه من يد الصليبيين، ليس له شأن بالدخول الذي سيدخله المسلمون، بعد أن ينتزعوا هذا المسجد من يد بنى إسرائيل، لأن بنى إسرائيل لم يدخلوا المسجد، ولم يستولوا عليه منذ الفتح الإسلامى، حتى وقع لأيديهم في هذه الأيام.
فهذه إرهاصة من إرهاصات المرة الثانية، أو وعد الآخرة، وهى أن يكون المسجد الأقصى في يد بنى إسرائيل، ثم يجيء إليهم من يخرجهم منه، وينتزعه من أيديهم، وهم أولئك الذين كان {المسجد} مسجدهم الذي {دخلوه أول مرة}! وليس المسجد إلا مسجد المسلمين، وليس الذي يدخله للمرة الثانية وينتزعه من اليهود، إلا المسلمين.
والإرهاصة الثانية، هي الحال التي عليها اليهود أنفسهم، وهى أن يكونوا على الصفة التي وصفهم اللّه بها، حين يفسدون في الأرض، ويعلون علوّا كبيرا، وحين يدخل عليهم أصحاب المسجد كما دخلوه أول مرة، ليسوءوا وجوههم، أي يلبسوهم الخزي والسوء، وقد اختصّت الوجوه بهذا، لأنها الصفحة التي ترتسم عليها أحوال الإنسان كلها، وما يمسّه من خير أو شر، وما يلقاه من نعيم أو بؤس.
والذي ينظر في واقع بنى إسرائيل اليوم يجد:
أولا: أنهم منذ عهد سليمان لم تقم لهم دولة، بعد الدولة التي خربها يختنصّر، حتى قامت لهم دولة في هذه الأيام، هي المعروفة باسم إسرائيل والتي تدعمها وتسندها قوى كثيرة من قوى البغي والعدوان.. التي تكيد للإسلام وتتربّص به.
ثانيا: أن هذه الدولة التي أقامها بنو إسرائيل هذه الأيام دولة ولدت من أحشاء الظلام، تحمل معها كل ما عرفت الإنسانية من أدوات الشر، والبغي، والعدوان.. فقد ملكت بكيدها ومكرها، كثيرا من الوسائل الخبيثة، التي مكنتها من تلك القوة، وأقامت بها هذه الدولة.
فالمال الذي أقيمت به هذه الدولة، هو عصارة تلك الدماء التي امتصها اليهود من الأمم والشعوب، في شتى أقطار الأرض.. بما أشعلوا من حروب وبما أثاروا من فتن، وبما اشتروا من ضمائر وذمم.
وثالثا: هذه الدولة، هي غاية ما يمكن أن يبلغه بنو إسرائيل من علوّ، وغاية ما يمكن أن تطوله أيديهم من إفساد في الأرض.
فهم الآن يضعون أيديهم على فلسطين كلها، وعلى شبه جزيرة سينا من مصر، وعلى مرتفعات جولان من سوريا.
وكل ذلك قد وقع ليد إسرائيل في لحظة خاطفة، من لحظات الزمن، لا تتجاوز ستة أيام، الأمر الذي جعل لبنى إسرائيل اسما ذائعا رهيبا في العالم، جعلت تتغذى منه إسرائيل بمشاعر العظمة والزهو والغرور، حتى تورّمت، وأوشكت أن تنفجر، مما بها من كظة وامتلاء، من الزهو والخيلاء.. ومن هنا كان منهم ذلك البغي والعدوان، والإفساد في الأرض.. بنسف الدور، وقتل الأطفال والنساء، بلا وازع من حياء أو ضمير، وبلا خوف من قوة رادعة في الأرض، أو في السماء! المرة الثانية إذن هي ما فيه إسرائيل الآن.. من فساد في الأرض، وعلوّ واستكبار.. فساد إلى أبعد مداه، وعلوّ واستكبار إلى غاية حدودهما.
أما الذي ينتظر بنى إسرائيل بعد هذا، فهو ما يقع تأويلا لقوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
والذي سيتولّى هذا- بلا شك- هم المسلمون، أصحاب المسجد، الذين دخلوه أول مرة، أيام عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، والذين سيدخلونه اليوم- إذا شاء اللّه- كما دخلوه أول مرة.
وفى قوله تعالى: {لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ} إشارة إلى هذا الخزي الذي سيلبس بنى إسرائيل، حين تحل بهم الهزيمة، ويقع بهم البلاء، ويهوون هويّا من هذا العلوّ الساحق، الذي تسلقوا إليه متلصصين في الظلام.. ويومها يعرف العالم أنهم هم اليهود، أجبن خلق اللّه، وإن لبسوا جلود النمور والأسود!- وفى قوله تعالى: {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} إشارة إلى صحوة جديدة، ستبعث القوة، وتعيد الحياة إلى الأمة الإسلامية، وتجدد شبابها.
وإذا هي أقرب ما تكون إلى عهد الفتح الأول.
وشواهد هذا البعث للأمة الإسلامية كثيرة.. فقد تحررت أوطان العالم الإسلامى جميعها من الاستعمار، وأخذت الحياة تدبّ في أرضها الموات، بما يتدفق منها من ينابيع الذهب الأسود البترول الذي أمدها بأقوى قوة تقوم عليها الأمم في العصر الحديث، وهى المال، الذي يمكّن لها من العلم، وما يقوم على العلم من أسباب المدنية والعمران.
وفى قوله تعالى: {وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
التبار، والتتبير: التدمير، والإهلاك.
وفى هذا إشارة إلى أن المسلمين سيجيئون بقوة قاهرة، ذات بأس متمكن غالب، يأتى على القوم، وعلى كل ما معهم من سلاح وعتاد.
فكلمة {ما} وهى اسم موصول لغير العقلاء، يراد به بنو إسرائيل، وما معهم من معدات الحرب، وأدوات القتال، التي جلبوها من كل مكان، ورصدوها للشر والعدوان.
إن بنى إسرائيل بغير معدات الحرب هذه، لا حساب لهم، ولا وزن.. ولهذا كان ميزان الأسلحة والمعدات أثقل من ميزانهم، ولهذا أيضا جاء التعبير يلفظ {ما} تغليبا لغير العاقل، وهو الأسلحة والمعدات، على العاقل، وهم بنو إسرائيل كان السلاح والعتاد أرجح منهم كفة، وأعظم أثرا.. فإنهم بغير هذا السلاح شيء لا وزن له.
إننا لنقطع عن يقين، أن بنى إسرائيل معنا اليوم، واقعون تحت قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً}.
وإذن فالجولة التالية بيننا وبين بنى إسرائيل، هي لنا، وسندخل المسجد إن شاء اللّه كما دخلناه أول مرة، وسنخزى القوم ونعرّيهم من كل ما لبسوا من أثواب الزهو والغرور.. وسنقضى على هذه الدولة المولودة سفاحا.. فلن تقوم لها قائمة إلى يوم القيامة.
بقي هنا أمران، نود أن نشير إليهما في إيجاز.
أما الأمر الأول: فهو أن هذه الدولة قامت تحت اسم إسرائيل ولم تقم تحت اسم اليهود أو دولة يهوذا.
وهذا ما يجعل لقوله تعالى: {وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} متوجها إلى تلك الدولة القائمة تحت اسم إسرائيل الأمر الذي يجعل من العسير أن تدخل تحت حكم هذه الآية، لو أنها اتخذت أي اسم آخر غير هذا الاسم.. وهذا إعجاز من إعجاز القرآن.
وأما الأمر الثاني: فهو ما جاء في قوله تعالى في آخر هذه السورة: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً}.
.. (101- 104: الإسراء) ونقف من هذه الآيات عند قوله تعالى: {وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً}.
ففى قوله تعالى: {وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ} إشارة إلى أمرين:
أولهما: أن سكنى بنى إسرائيل الأرض، لن تكون إلا سكنى ذليلة مهينة، لا يرتفعون فيها عن هذه الأرض، ولا يستعلون بآدميتهم عن الدوابّ التي تدبّ عليها.. فهم أبدا لا صقون بهذه الأرض، يغوصون في طينها، ووحلها إلى أذقانهم، بحثا عما تعطى الأرض.. أما ما وراء هذا من مطالب الروح، فلا حظّ لهم فيه، ولا شغل لهم به..!
وثانيهما: أنهم سيشرّدون في الأرض كلها.. في طولها وعرضها.. إذ كان همّهم من سكنى الأرض، هو البحث عن كل مرعى فيها، فهم يتتبعون مواقع الرعي حيث كانت، وهذا ما تحدث عنه حياة اليهود، حيث هم في كل صقع من أصقاع الأرض.
وفى قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً} إشارة إلى ما جاء في قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً} فبنو إسرائيل الذي جاءوا لوعد الآخرة، واجتمعوا اليوم في فلسطين، وأقاموا الدولة الواقعة تحت حكم اللّه الذي قضى به عليهم يوم يجيء وعد الآخرة- بنو إسرائيل هؤلاء، قد جاءوا من كل أفق من آفاق الأرض مسوقين إلى حتفهم، مدعوّين إلى قدرهم المقدور، في قوله تعالى: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً}.
أي جمعناكم من كل جهة.. فاللفيف من الناس: الجماعة التي تجتمع من وجوه شتّى، كما يجتمع الناس في الأسواق، والأسفار.. ثم ينفضّ السوق، ويتفرق السّفر! {وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.