فصل: تفسير الآيات (31- 33):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (31- 33):

{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}.
المراد بالذين كفروا هنا، هم المشركون من قريش، الذين تحدثت إليهم الآيات السابقة، هذا الحديث الذي انكشف لهم به وجه آلهتهم وبان لهم عجزها، وأنها لا تملك لهم ضرا ولا نفعا.
وقد انتهى هذا الحديث بتقرير تلك الحقيقة، وهى أن النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- ليس رسولا إليهم وحدهم، وإنما هو رسول إلى الناس جميعا، وأولى الناس بهذا النبيّ، وبالاستجابة له، هم قومه، الذين هم أعرف الناس به، وبآيات اللّه التي حملها إليهم بلسانهم.. ولكن الجهل والعناد أعماهم عن هذه الحقيقة، فلم يستجيبوا لرسول اللّه، ولم يفتحوا عقولهم وقلوبهم لكلمات اللّه وآياته، وقالوا في إصرار وعناد: {لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي لا نصدق بأن هذا القرآن الذي يقرؤه محمد علينا، هو كلام اللّه، وإذن فنحن لا نؤمن به، ولا نؤمن بما يحمل بين يديه من أحاديث عن البعث، والحساب والجزاء.. إنهم يكذبون به شكلا وموضوعا- كما يقولون- فهو ليس من عند اللّه أولا، ثم إن ما يحمل من أحاديث وأخبار، لا تصدّق ثانيا، لأنها لا تعقل! فالضمير في قوله تعالى: {بَيْنَ يَدَيْهِ}، يعود على القرآن، وما بين يدى القرآن، هو ما يحمل بين يديه من قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، وما حل بالكافرين والمكذبين، من عذاب وبلاء.
وهذا الذي ذهبنا إليه، من القول بأن ما بين يدى القرآن، هو أخباره وقصصه، وجدله، وحججه- هذا الذي ذهبنا إليه، هو أولى من القول الذي يذهب إليه أكثر المفسرين من أن الذي بين يدى القرآن هو التوراة والإنجيل، بمعنى أن المشركين لا يؤمنون بهذا القرآن، ولا بالتوراة والإنجيل.
ذلك أن المشركين لم يدعوا إلى الإيمان بالكتب السماوية، السابقة، فهذا دور يجيء بعد الإيمان بالكتاب الذي يدعون إلى التصديق به أولا، فإذا، صدّقوا به، آمنوا بكل ما يدعوهم إليه.
ومن جهة أخرى، فإن المشركين، كانوا على اعتقاد بأن أهل الكتاب على دين سماوى صحيح، ولكنه خاص بهم وحدهم، ولهذا كان المشركون يتمنون أن يكون لهم كتاب خاص بهم مثل أهل الكتاب.. كما يقول اللّه سبحانه محدّثا عما يجرى في خواطرهم: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ} [156- 157: الأنعام] قوله تعالى: {وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} انتقال بهؤلاء الكافرين المكذبين بآيات اللّه- إلى موقف الحساب والمساءلة في لحظة خاطفة، حيث يطلع عليهم هذا الذي كذبوا به، وما تزال كلمات التكذيب على أفواههم.
ولم يجيء جواب {لو} الشرطية، بل ترك مكانه شاغرا، لنملأه التصورات المفزعة لهذا اليوم العظيم، وما يقع للمكذبين فيه من بلاء.
والتقدير: إنه لو اطلع مطلع على حال هؤلاء الظالمين، وهم موقوفون عند ربهم موقف المساءلة والحساب، لهاله الأمر، ولولّى منهم رعبا وفزعا، لما غشيهم من الكرب، وأحاط بهم من البلاء.
وقوله تعالى: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ} هو جملة حالية، تكشف عن حال من أحوال هؤلاء الظالمين الموقوفين عند ربهم.
ورجع القول: ترديده، مثل رجع الصّدى.
وعبّر بالفعل {يرجع} اللازم، بدلا من يرجع، المتعدى لمفعوله- ليتضمّن الفعل معنى الإلقاء، والترامي والتراشق بالشيء نفسه.. فكأنهم يترامون بهذا القول، ويرجم به بعضهم بعضا.
وقوله تعالى: {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} بيان للقول الذي يترامون به، والتهم التي يلقى بها بعضهم على بعض.. وقد بدأ المستضعفون بإلقاء اللائمة على رؤسائهم، وسادتهم، الذين تولوا قيادة الحملة الضالة، ضد دعوة الحق والهدى، فجندوا هؤلاء الضعفاء، وقادوهم إلى المعركة، فكانوا في الهالكين- بدأ المستضعفون بالرمي بالتهم، لأنهم هم المجنىّ عليهم من سادتهم ورؤسائهم.
وفى قولهم: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} إشارة إلى أن الإيمان فطرة مركوزة في الإنسان، وأنه لو ترك الإنسان وشأنه دون أن تدخل عليه مؤثرات من الخارج، تفسد عليه فطرته، وتشوش عليه رأيه- لامن باللّه، عن طريق النظر العقلي، ولاستجاب لدعوة الهدى من غير تردد.
قوله تعالى: {قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ} وألقى الكبراء القول إلى أتباعهم، وردّوا التهمة التي اتهموهم بها، وأنكروا أنهم كانوا سببا في صدّهم عن الهدى: {أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ} إنا لم نقسركم على شيء، ولم نكرهكم على ما دعوناكم إليه.
وقد صدق هؤلاء المستكبرون، وكذبوا في آن معا.
صدقوا، لأنهم لم يكن في وسعهم أن يردّوا هؤلاء المستضعفين عن الإيمان، لو أنهم رغبوا في الإيمان.. لأن الإيمان معتقد يقوم في القلب، قبل أن يكون عملا يظهر على الجوارح.. فلو اعتقد هؤلاء المستضعفون الإيمان في قلوبهم، لما كانت هناك قوة في الأرض تستطيع أن تنزعه منهم.
ومن قبل قال الشيطان لأتباعه: {وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [22: إبراهيم] وكذب هؤلاء المستكبرون، لأنهم كانوا دعوة من دعوات الضلال، وقوة من قوى الشرّ، تزين للناس الضلال وتغريهم به، وتعمل على جذبهم إليه، وضمهم إلى جبهته.. بما لهم من جاه وسلطان.
وفى قولهم: {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ}.
إشارة إلى ما في طبائع هؤلاء المستضعفين من فساد، وأنهم بطبيعتهم منجذبون إلى الضلال، منصرفون عن الهدى.. فلو أنهم تركوا وشأنهم ما استجابوا للإيمان، وما قبلوه، فلما لاحت لهم دعوة الضلال من الضالين- استجابوا لها بطبيعتهم، وانجذبوا نحوها، كما ينجذب الفراش إلى النار.
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
لم يجد المستضعفون مقنعا فيما ردّ به سادتهم عليهم.. وحقّا إنهم لم يقسروهم قسرا على الكفر، ولكنهم أغروهم به إغراء، بما يملكون من وسائل الإغراء، وفى أيديهم المال، والجاه والسلطان، وكلها قوى ذات سلطان على الناس!- وقوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ}.
أي وحين طلع عليهم العذاب، وجموا كلّهم وخرسوا، ولم ينبس أحد منهم جميعا ببنت شفة، وانجبست الكلمات في صدورهم، وقد كان فيها متنفس لهم، وأمل يتعلقون به.
الضعفاء ليلقوا بالتهمة كلها على كبرائهم، والكبراء ليدفعوا هذه التهمة عنهم، وحسبهم جنايتهم على أنفسهم.. وهكذا ازدرد الجميع هذه الكلمات التي كانوا يلوكونها في أفواههم، ثم يرمى بها بعضهم بعضا، فأصبحت سهاما يرمى بها كل منهم في داخل نفسه، فتدمى القلوب، وتفرى الأكباد!

.تفسير الآيات (34- 39):

{وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ}.
المترف: هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال، وأفسدته، وقتلت فيه معانى الإنسانية.. والمترفون هم آفة المجتمع في كل أمة، وفى كل جيل، إذ فيهم ينشأ الفسق، والمجون، وكل ما من شأنه أن يغذى العواطف الخسيسة، ويوقفا الغرائز البهيمية، على حساب المطالب الروحية والعقلية.
فليس الغنى في ذاته- كما يبدو- هو الذي يفسد الأخلاق، وإنما شأنه في هذا شأن الفقر، قد يفسد، وقد يصلح.. إنه خير وشر.. وداء ودواء.
فمن أحسن سياسة المال، وعرف قدره، والمكان الذي يوضع فيه- صلح به أمره، واستقام به شأنه.. ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه، وما يدعوه إليه هواه- فسد كيانه، وتهدم بنيانه، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم. تهب منها كل ربح خبيثة، تفسد المجتمع وتزعجه! وحين تنجم دعوة من دعوات الخير، يكون المترفون هم أول من يلقونها بالنكير، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه.. وما جاء رسول من رسل اللّه يدعو قومه إلى الهدى، حتى يتصدى له المترفون من قومه، يعلنون الحرب عليه، ويجمعون الجموع للوقوف معهم في وجهه.. واللّه سبحانه وتعالى يقول:
{وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً}.
قوله تعالى: {وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}.
هذا هو ردّ المترفين على كل دعوة إلى الإيمان باللّه، وتلك هي حجتهم عند أنفسهم وعند الناس.. إنهم بما يملكون من كثرة في الأموال، وما عندهم من كثرة في الأولاد والرجال، لن يكونوا تابعين لغيرهم، ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو كان رسولا من رسل اللّه، يدعوهم إلى اللّه، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق والهدى!! إنهم أكثر أموالا وأولادا من هذا الرسول، فكيف يقوم فيهم مقام الناصح ذى الرأى والسلطان.. {ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [24: المؤمنون] وكيف يتفضل إنسان على من كان أكثر منه مالا وولدا؟
وفى قولهم: {وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} إشارة إلى أنهم بما لهم من كثرة في المال والأولاد، لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا عذّب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن يعذبوا هم.. فإن اللّه ما أعطاهم هذا الوفر في المال والكثرة في الأولاد، إلا لأنهم أهل للكرامة، وموضع للفضل عنده، وكما كانوا في الدنيا في هذا المقام بين الناس، فهم في الآخرة- إن كانت هناك عندهم آخرة- في هذا الموضع أيضا، حيث يعذب الفقراء والمستضعفون، أما هم فلن يعذّبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز.. ذلك ظنهم بأنفسهم.. وفى هذا يقول اللّه تعالى على لسان واحد منهم. {وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى} [50: فصلت] ويقول سبحانه على لسان صاحب الجنتين. {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً} [36: الكهف] قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
هو ردّ على هذا الفهم المغلوط الفاسد الذي فهمه المترفون، لما للّه في عباده من بسط الرزق أو قبضه.. فليس بسط الرزق أو قبضه من اللّه سبحانه وتعالى، يحسب منازل الناس عنده، وإنما منازل الناس عند اللّه بأعمالهم الصالحة، وبتزكية أنفسهم، وتطهيرها من خبائث الكفر والضلال.. أما بسط الرزق وقبضه فهو ابتلاء من اللّه، فيبتلى سبحانه من يشاء بالبسط، ويبتلى من شاء بالقبض، مؤمنا كان أو كافرا، محسنا أو مسيئا.. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.
قوله تعالى: {وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ}.
هو ردّ آخر على ادعاء هؤلاء المترفين، بأن أموالهم وأولادهم هي التي تقربهم من اللّه، وتدنيهم من مرضاته.. وكلّا فإن الأموال والأولاد لا تقرب من اللّه إلا بقدر ما يكون لأصحاب الأموال والأولاد من إيمان باللّه، وإحسان في العمل.. فهؤلاء حقا لهم جزاء الضعف، أي جزاء مضاعفا، بما نعموا به في الدنيا من جاء وسلطان، وبما قدموا للآخرة من عمل صالح يلقونه عند اللّه، فيجزون به الجزاء الأوفى، في جنات النعيم.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ}.
أي والذين يتخذون من أموالهم وأولادهم وجاههم وسلطانهم، أسلحة يحاربون بها اللّه، ويسعون لإعجاز الناس عن أن يتصلوا بآياته، أو لآيات اللّه أن تتصل بالناس.. {فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ} أي يجاء بهم من حيث كانوا إلى حيث يلقون في جهنم، ويصلون العذاب الأليم فيها.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
أعيد النظم القرآنى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ...} الآية.
وذلك في مقام غير المقام السابق.. فهناك كان المقام الداعي إلى ذلك، هو الكشف عن تلك الحقيقة التي جهلها أو تجاهلها المترفون، وهى أن بسط الرزق وقبضه هو ابتلاء من اللّه، وليس مقدّرا على منازل الفضل والرضوان من اللّه.
وهنا في هذه الآية- بعد أن تقررت هذه الحقيقة- كان المقام مقام دعوة إلى البذل والإنفاق من هذا المال، لأنه من فضل اللّه.. وإذ كان اللّه سبحانه هو الذي يعطى، فلا خوف من الإنفاق، لأنه إنفاق في سبيل اللّه، وهو بمنزلة القرض للّه، ولن يضيع ما اقترضه اللّه، بل يعود إلى صاحبه مضاعفا: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً} [245: البقرة] وهنا زيادة في النظم وهى كلمة {عباده} وفيها إشارة إلى أن المدعوين إلى الإنفاق من أموالهم، والتي سيخلفها اللّه لهم، هم عباده، المؤمنون به.

.تفسير الآيات (40- 45):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ} هو مساءلة في الآخرة، ومواجهة بين عبدة الملائكة من المشركين، وبين عابديهم، الذين يقولون عنهم، إنهم بنات اللّه.
وقوله تعالى: {قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} هذا جواب الملائكة.. إنهم ينزهون اللّه تعالى عن أن يتخذوا لهم وليا ونصيرا غيره.. إنهم لا يلتفتون إلى هؤلاء الأتباع، الذين عبدوهم على غير دعوة منهم إليهم.. إنهم في غنى عنهم وعن عبادتهم.. فهم على ولاء مطلق للّه.. فهو سبحانه وليهم، ومعتصمهم.
وقوله تعالى: {بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} إشارة إلى ما يعبد هؤلاء المشركون من قوى غيبية خفية ومن تلك القوى، إلى جانب ما يعبدون من ملائكة، الجن.. كما يقول سبحانه: {وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً} [6: الجن].
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ}.
أي في هذا اليوم- يوم القيامة- لا يملك بعضكم لبعض- من عابدين ومعبودين- نفعا ولا ضرا، حيث تجزى كل نفس بما كسبت.. وليس للظالمين في هذا اليوم من ولىّ ولا شفيع، بل يدعون إلى نار جهنم، ويلقون فيها، ثم يقال لهم: {ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ} وفى هذا القول إيلام لهم، فوق ما هم فيه من آلام، ومضاعفة للحسرة التي تملأ قلوبهم، على ما فاتهم من إيمان باللّه في دنياهم.
قوله تعالى: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}.
تعود هذه الآية بالمشركين إلى الدنيا مرة أخرى، بعد أن دعتهم الآيات السابقة إلى موقف الحساب والمساءلة، وذلك- كما قلنا في أكثر من موضع- لتلتقى بهم الدعوة بعد هذه المشاعر التي دخلت عليهم من مشاهد هذا اليوم العظيم.
والآية هنا، تحدّث عن موقفهم مع آيات اللّه، ومقولاتهم فيها، بعد أن يتلوها الرسول عليهم.
إنها آيات بينات، تنطق بالحق المبين، بحيث يبدو للناظر إليها من أي جانب، ما يحدّث بأنها كلمات اللّه.. ومع هذا فإنهم يأبون أن يصدقوا ما يقع في قلوبهم وعقولهم منها، ويحملهم الكبر والعناد على التكذيب، والبهت، والاتهام للرسول الذي يحملها إليهم.
وهذه المقولات التي يقولها المشركون في آيات اللّه، هي مضمون ما تجمّع من مقولات كثيرة، قالوها في القرآن الكريم، وفى الرسول الذي جاءهم به.
{قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ}.
وهم بهذا القول يستثيرون حمية الجاهلية في صدور الجاهلين، بالحرص على موروثات الآباء، وما خلّفوا لهم من عادات وتقاليد، ومراسم.
{وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً}.
وهم بهذا القول يزكّون القول الأول، ويثبّتون دعائمه في القلوب.. حيث أن الذي يدعون إليه، ويرادون على إحلاله محل ما يعبدون، وما كان يعبد آباؤهم- هو محض افتراء وزور.
فكيف يتركون ما هم عليه من حق إلى هذا الضلال المفترى؟ هكذا زيّن لهم الضلال الجاثم على قلوبهم..!
{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}.
وبهذا القول يردّون على من وقع في نفوسهم شيء من آيات اللّه، وتفتحت لها عقولهم وقلوبهم.. إنه سحر.. يخدع الناس، ويضللهم، ويريهم الأمور على على غير ما هي عليه..!!
قوله تعالى: {وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ}.
أي أن هؤلاء المغرورين المفتونين بأموالهم وأولادهم، المكذبين بآيات اللّه كبرا وبطرا- هؤلاء لم يكونوا أهل علم كما كان شأن كثير غيرهم من الأمم، ولم يأتهم رسول من عند اللّه قبل هذا الرسول.. فهم- والأمر كذلك- في فقر عقلىّ وروحى، وهم لهذا أشد الناس حاجة إلى هذا الخير الذي ساقه اللّه إليهم، على يد رسول كريم منهم.
أما كثرة المال والأولاد، وفتنتهم بهما، وظنهم أنهم في عصمة بما في أيديهم من أموال وأولاد، من أىّ بلاء في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، حتى لقد قالوا: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أما هذه الكثرة في الأموال والأولاد، فهى شيء قليل لا يكاد يذكر إلى جانب ما كان لغيرهم من الأمم السابقة من وفرة في المال وكثرة في الرجال، ومع هذا فلم يغن عنهم ذلك من اللّه شيئا، بل إنهم حين كفروا باللّه، وكذبوا رسله، أخذهم اللّه بذنوبهم، وأرسل عليهم الصواعق والمهلكات، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم.. فأين هم من قوم عاد، وقوم ثمود وما كان لهم من قوة وبأس، وجاه وسلطان؟ وأين هم من فرعون، وما ملك من بلاد وعباد؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في الآية التالية، متوعدا هؤلاء المشركين ومهددا لهم بالعذاب الأليم.
{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ}.
أي لقد كذب الذين من قبل هؤلاء المشركين، كفرعون، وعاد، وثمود- كذبوا رسل اللّه، وكانوا على جانب عظيم من الغنى والسلطان، حتى أن هؤلاء المشركين المفتونين بما أوتوا، لم يكن لهم معشار- أي عشر- ما لهؤلاء الذين سبقوهم.. وقد أهلكهم اللّه بذنوبهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا.. فهل تغنى هذه الأموال والأولاد- وهى قليلة، وإن حسبوها كثيرة- هل تغنى عنهم من عذاب اللّه من شيء؟
وهل ترد عنهم بأس اللّه إذا جاءهم؟ لو كان ذلك لهم، لكان غيرهم، ممن هم أكثر أموالا وأولادا، أولى!.
والنكير: الإنكار للأمر.. وإنكار اللّه للمنكر، يستتبع عقابه وعذابه لمن وقع منه المنكر.