فصل: تفسير الآيات (75- 98):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (75- 98):

{وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (85) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (91) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ}.
فى هذه الآية والآيات التي بعدها، تفصيل لما أجملته الآيتان السابقتان عليها، وهما قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}.
فهذا نوح عليه السلام، قد أرسله اللّه سبحانه، نذيرا إلى قومه، كما يقول سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [1: نوح].
ولقد أنذر نوح قومه، وبالغ في إنذارهم، فلم يستمعوا له، ولم يقبلوا منه قولا.. فلما يئس منهم لجأ إلى ربه شاكيا: {قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً} [5- 7: نوح].
فلما بلغ به اليأس مداه، دعا ربه أن يأخذهم بعاجل ذنوبهم: {وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً} [26- 27: نوح].
وقد استجاب اللّه لنوح، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} أي نادانا نوح مستغيثا بنا، فأجبناه.. فنعم المجيبون نحن، حيث يجد من يجيبه إلى طلبه.. ويمنحه نصرا عزيزا وفتحا مبينا.
فتباركت يا اللّه وتعاليت.. وخاب من طرق بابا غير بابك، ووجه وجها إلى غير وجهك!.
{وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}.
معطوف على قوله تعالى: {وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ} أي دعانا نوح، فاستجبنا له، {وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} أي من البلاء العظيم، الذي أخذ الظالمين، وهو الطوفان!.
{وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ}.
وإذ كان المؤمنون هم أهله، وهم الذين نجوا من هذا الطوفان، فقد كان منهم ذريته التي بقي بها نسله، جيلا بعد جيل.
{وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ}.
أي وتركنا عليه ثناء طيبا، باقيا في الأجيال من بعده.
{سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ}.
هو سلام من اللّه سبحانه وتعالى على نوح في مجتمعات الإنسانية كلها، يردده كل مؤمن باللّه، وبرسل اللّه.
{إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}.
أي بمثل هذا الجزاء الحسن نجزى أهل الإحسان من عبادنا، الذين آمنوا باللّه وعملوا الصالحات.
{ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ}.
أي بعد أن نجينا نوحا ومن معه، أغرقنا الذين حق عليهم القول منّا.
وقدّم نجاة نوح ومن معه، إظهارا للعناية به وبالمؤمنين.. إذ المطلوب أولا هو نجاتهم من هذا الكرب العظم.
هذا، والطوفان الذي أهلك به قوم نوح، ليس طوفانا عامّا شمل الدنيا كلها، وغطى وجه الأرض، كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسرين.
وإنما هو- كما قلنا- طوفان إقليمى محدود.. وقد عرضنا لهذا الأمر بالتفصيل في سورة هود.
وهذا إبراهيم- عليه السلام- يجيء منذرا قومه.
فيقول سبحانه: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ}.
أي أن من شيعة نوح وأنصاره، والقائمين على دعوته من بعده، إبراهيم وشيعة المرء، أولياؤه وأنصاره.
وحسب إبراهيم- عليه السلام- من شيعة نوح، لأنه كان على الإيمان، بفطرته، فلم تستحب فطرته لعبادة صنم.. فكأنه بهذا كان ممن آمن مع نوح، وركب معه السفينة، وكان من الناجين.. ثم إن إبراهيم قد اعتزل قومه، وتركهم لضلالهم يتخبطون فيه حتى يهلكوا، كما فعل نوح باعتزاله قومه بركوب السفينة تاركا إياهم للبلاء الذي حلّ بهم.. ولهذا كان إبراهيم أمة وحده، كما يقول اللّه تعالى: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [120: النحل].
{إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
أي أن إبراهيم كان على نهج نوح وطريقته، حين جاء ربه، أي أقبل على ربه {بقلب سليم} أي قلب قد سلم من آفات الشرك والضلال، فلم تعلق بفطرته شائبة، بل ظل على الفطرة التي فطره اللّه عليها، لم يدخل عليها شيء من غبار الشّرك، الذي كان يسدّ وجه الأرض.
{إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ} بدل من قول اللّه تعالى: {إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
أي أن إبراهيم كان شبيها بنوح، حين قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون؟ أي منكرا عليهم تلك المعبودات التي يعبدونها من دون اللّه.. فهو ونوح على طريق سواء.
{أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}.
الإفك: الباطل والمفترى من الأمور.
وآلهة: بدل من إفكا والاستفهام إنكارى، أي أتطلبون آلهة من واردات الإفك والافتراء، بدلا من اللّه رب العالمين؟ أليس ذلك سفها وجهلا، وكفرا؟.
{فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ}.
أي فما معتقدكم في رب العالمين؟ وما تصوركم له؟ وما حسابه عندكم؟
أهو واحد من آلهتكم تلك؟ أم هو على هيئة ملك أو أمير، أو سيد من ساداتكم؟.
{وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ} (23: فصلت).
فاللّه سبحانه وتعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [103: الأنعام].. إن اللّه- سبحانه- هو مبدع هذا الوجود، وهو القائم عليه، وبيده ملكوت كل شيء.. فكيف تعبدون إلها غيره؟ وكيف ترضون لعقولكم أن تقبل هذه الأحجار آلهة، تتعامل معها، وتتخاضع بين يديها، وتجعلها شريكة للّه في الملك والتدبير؟.
{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ}.
النظرة التي نظرها إبراهيم في النجوم، هى، ما أشار إليه سبحانه في قوله تعالى: {وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [75- 79: الأنعام].
وسقم إبراهيم هنا، هو سقم نفسى، لما اعتراه من حيرة خلال تلك التجربة التي عاناها مع هذه الكواكب، التي ظل يرصدها ليلة بعد ليلة، ويرعى مسيرتها، ويتأمل وجهها مشرقة وغاربة.. فإذا أشرق واحد منها لقيه حفيّا به، راجيا أن يكون الوجه الذي يرى فيه ربه الذي يعبده، ثم إذا رآه يغرب خاب ظنه فيه، فنفض يديه منه، كما ينفض المرء يديه من ميت دفنه في التراب.. وهكذا ظل إبراهيم يستقبل وجوه الكواكب، كوكبا كوكبا، ويدفنها واحدا واحدا، وهكذا أيقن- بفطرته، وتجربته- أن إلهه ليس من عالم المنظور في الأرض أو في السماء.. إنه- سبحانه- القوة القائمة على هذا الوجود، والسلطان المتصرف فيه، والإله الذي لا يتحول ولا يتبدل، ولا يقع في حدود النظر.
وهذه النظرة التي نظر بها إبراهيم إلى النجوم هنا، غير تلك النظرة التي جاء ذكرها في الآيات السابقة، والتي كانت نظرة متسائلة متطلعة، سأل فيها النجم والقمر والشمس، وإنما كانت نظرته هنا نظرة مذكرة له بما كان منه وهو في سبيل البحث عن اللّه، قبل أن تأتيه الرسالة، وكأنه يدعو بهذه النظرة قومه إلى أن يسلكوا الطريق الذي سلك، وأن يهتدوا إلى اللّه بعقولهم كما اهتدى، إن كانوا يستنكفون من اتباعه، والأخذ بما يدعوهم إليه.. ولكن لم تكن لهم عقول تعقل، ولا آذان تسمع.. فولّوا عنه مدبرين.
وقد أقام أكثر المفسرين تأويلهم، لقوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ} على أن ذلك النظر كان في مواجهة قومه، وفى معرض حديثه إليهم حين جاء يدعوهم إلى عبادة اللّه، وترك ما يعبدون من أصنام.
والذي أقام المفسرين على هذا الرأى- في نظرنا- هو هذا العطف بالفاءات، المتلاحقة.. {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ}.
ولأن فاء العطف تفيد الترتيب والتعقيب- هكذا يقول النحاة- فقد جعلوا هذه الأحداث، حدثا واحدا، يضمها مجلس واحد، ويحتويها ظرف واحد من الزمان، لا تتخلله أحداث!.
ولو نظر المفسرون إلى أبعد من مقررات القواعد النحوية الضيقة، لرأوا أن بين الحدث والحدث هنا أزمانا ممتدة، قد تكون أياما، وقد تكون سنين.. فالتعقيب هنا ليس هو التعقيب الفوري، ولو كان ذلك لكانت رؤية إبراهيم للنجم، وللقمر، وللشمس، في ليلة واحدة، مع أن هذا غير وارد ولا معقول.. فقد يكون إبراهيم رأى النجم، ورصد تحركاته ليالى كثيرة، ثم تركه وصحب القمر أياما وشهورا.. وكذلك الشمس.. حتى وصل إلى هذا الحكم الذي قضى به في شأنها جميعا.
قوله تعالى: {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ}.
ليس التولّي هنا، بعد نظرة إبراهيم نظرته في النجوم- كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسرين- وإنما كان توليهم عنه هو نهاية المطاف في دعوته لهم، ومحاجّتهم له.. فقد انتهى الأمر بينه وبين قومه إلى اليأس منهم أن يؤمنوا، وإلى اليأس منه أن يعبد ما يعبدون.. {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ}.
قوله تعالى: {فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ}.
أي تسلل إلى آلهتهم، ودخل عليها بيتها المعدّ لها، من غير أن يراه أحد.. ثم رأى بين يدى تلك الآلهة كثيرا من صنوف المأكولات والمشروبات، وألوان الهدايا التي كان يتقرب بها القوم إليها، فقال ساخرا هازئا: {أَلا تَأْكُلُونَ}؟ فلما لم يسمع جوابا قال متابعا سخريته:
{ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ}؟
قوله تعالى: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ}.
أي فنزل عليهم يضربهم بيده اليمنى، ويحطمهم حطما {فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [58: الأنبياء].
والتعبير بقوله تعالى {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً} بدلا من: فأقبل عليهم ضربا للإشارة إلى أنه كان يفعل ما يفعل في حذر، وفى غير جلبة، حتى لا يحدث صوتا يكشف للقوم عما يجرى هنا!.
فالروغ، والرّوغان، ضرب من العمل، في ذكاء وحذر.
وقوله: {بِالْيَمِينِ} إشارة إلى الإرادة القوية التي كان يعمل بها في تحطيم هذه الأصنام، إذ كانت اليد اليمنى هي القوة العاملة في تنفيذ هذه الإرادة.
قوله تعالى: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ}.
أي حين رأى القوم ما حل بآلهتهم، ووقع ما وقع من اضطراب وبلبلة، وانتهى الأمر بينهم إلى أن إبراهيم هو الذي فعل هذه الفعلة بآلهتهم- أقبلوا إليه مسرعين، في خفة وطيش، ليمسكوا به، وليحاسبوه الحساب العسير على هذا الجرم العظيم!.
والزفيف: هو الصوت الذي تحدثه النعامة بجناحيها، حين تنطلق مسرعة من وجه خطر يتهددها، فتزّف بجناحيها.
وفى وصف القوم بهذا، تشبيه لهم بالنعامة في جبنها الذي يطير معه صوابها، حين ترى، أو تتوهم أنها ترى، خطرا، فتنطلق إلى حيث ترمى بها أرجلها، لا إلى حيث يدعوها عقلها، إذ كانت ولا عقل لها، ولا حيلة عندها، حتى إذا دهمها الخطر، دفنت رأسها في الرمل، وكأنها بذلك قد دخلت مأمنها!! وهكذا القوم في تصريف أمورهم.. إنهم نعام طائش لا عقل لهم، ولا تدبير عندهم.
قوله تعالى: {قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ}.
وقد كان لقاء القوم لإبراهيم، لقاء عاصفا مزمجرا، كثرت فيه الرميات بالوعيد والتهديد.. وقد ضرب القرآن الكريم هنا صفحا عن كل ما حدث، إذ كان لهذه القصة حديث في غير موضع منه.. واكتفى القرآن هنا بالإمساك بكلمة الفصل في هذه القضية:
{أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ}.
فهذه هي القضية.. وهذا هو السؤال الذي يحسم الأمر فيها.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ}.
أي أن اللّه خلقكم وخلق الذي تعملون من أصنام وغيرها.
كيف تعبدون ما تنحتون بأيديكم؟ أليس هذا الذي تنحتونه هو من مخلوقات اللّه؟.
إن هذه الأصنام التي تخلقونها بأيديكم هي من مادة خلقها اللّه قبل أن تخلقوها.. فكيف تعبدون ما تخلقون؟ أيعبد الخالق ما خلق؟ هذا وضع مقلوب!.
هذا، وقد كثر الخلاف في تأويل هذه الآية بين المعتزلة والجبرية، وأهل السنة، على اعتبار أن {ما} هنا مصدرية، وعلى هذا يكون المعنى أن اللّه خلقهم، وخلق أعمالهم.
وقد ترتب على هذا أن قال الجبرية- إن اللّه خالق أفعال العباد، واللّه سبحانه لا يخلق القبيح، وعلى هذا فالأفعال كلّها حسنة، ليس فيها قبيح.
وتعددت في هذا مذاهبهم، واختلفت مقولاتهم.
وقد أنكر المعتزلة هذا التأويل للآية، واعتبروا {ما} موصولة لا مصدرية، وقالوا إن العبد خالق أفعاله، الحسن منها والقبيح.. ففى الأفعال الحسن والقبيح، ومن ينكر هذا فإنما يكابر في بدهيات الأمور.
وقال الأشعري- من أهل السنة، وممثل رأيهم هنا: إن العبد مكتسب أفعاله، واللّه خالقها!!.
وهذه قضية استنفدت جهد العلماء.. وليس هنا مجال عرضها، وقد عرضنا جانبا من هذه القضية في مبحث خاص من هذا التفسير تحت عنوان:
مشيئة اللّه ومشيئة الإنسان- كما عرضنا هذه القضية بالتفصيل في كتابنا.
القضاء والقدر.
وبقي أن نقول إن {ما} في هذه الآية موصولة لا مصدرية، لأنها لو كانت مصدرية لكان قول إبراهيم لقومه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ} لكان قوله ذلك حجة عليه لا له.
قوله تعالى: {قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ}.
هذا هو الحكم الذي انتهى إليه رأى القوم في إبراهيم، وهو أن يموت حرقا بالنار، جزاء له على ما فعل بآلهتهم، فليس لمن يفعل هذا إلا أن يلقى هذا العذاب الأليم.. إن إبراهيم كان يحذّرهم نار الآخرة التي يعذب بها اللّه سبحانه الذين يعبدون هذه الأصنام.
وهاهى ذى الأصنام تعذّب بالنار من يعبد غيرها!! أليست آلهة؟ وأليس للإله أن يعذّب بالنار من يكفر به، ويتعدّى حدوده؟.
قوله تعالى: {فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ}.
أي أرادوا أن يكيدوا لإبراهيم، وأن يأخذوه بهذا العذاب، فنجى اللّه إبراهيم من النار- كما نجى نوحا من الطوفان- وجعلهم هم الأسفلين، كما جعل قوم نوح في قرار الطوفان، وجعل نوحا فوق الطوفان بسفينته.