فصل: تفسير الآيات (31- 55):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (31- 55):

{وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (50) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (53) فَغَشَّاها ما غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (55)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}.
هو تأكيد لمعنى ما تضمنه قوله تعالى في الآية السابقة،: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى} أي أن علم اللّه سبحانه وتعالى علم محيط بكل شيء، وليس مقصورا على علم ما يقع من الناس، من ضلال أو هدى، بل إن له سبحانه ما في السموات وما في الأرض.
لا شريك له فيهما، وإذ كان هذا شأنه سبحانه، فهو عالم علما محيطا بكل شيء: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [14: الملك] وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} هو تعليل يكشف عن الحكمة في علم اللّه سبحانه وتعالى بمن ضلّ عن سبيله، ومن اهتدى.. فليس هذا العلم لمجرد العلم، بل هو علم وراءه عمل، هو مجازاة كل عامل بما عمل، وبما كشف هذا العلم عما عمل.. وهو مثل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} [4- 5: الفتح].
وفى اختلاف النظم بين قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا}، وقوله تعالى: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} والذي كان من مقتضى ظاهر النظم أن يقال: ليجزى الذين أساءوا بالسوأى، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى- في هذا إشارة إلى أن مجازاة الذين أساءوا بالسوأى، ليست حتما مقضيّا في كل حال، بل إن رحمة اللّه سبحانه وتعالى قد تنال هؤلاء المسيئين، فيعفو اللّه سبحانه وتعالى عن سيئاتهم كلها أو بعضها، كما يقول سبحانه: {وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [3: الشورى].. وكما يقول جل شأنه: {وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ} [45: فاطر].
فالمسيئون في معرض رحمة اللّه، إن شاء رحمهم وعفا عنهم، وإن شاء أخذهم بذنوبهم، أو ببعض ذنوبهم.
وأما في مقام الإحسان، فالأمر مختلف.. فإن المحسنين هم في مواجهة رحمة اللّه وفى التعرض لها، من باب أولى.. وهم لهذا مجزيون بإحسانهم، بل وبمضاعفة هذا الإحسان.. فذلك مما تقضى به رحمة اللّه، ويوجبه عدله.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [56: يوسف]. وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ} [26: يونس].
الّلمم.. والمعفوّ منه:
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى}.
هو بدل من قوله تعالى: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}.
وهذا هو أشبه بعطف البيان،. إذ أنه لا يستحق الذين أحسنوا هذا الوصف بالإحسان، إلا إذا كانوا ممن يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا اللمم، وإلا فهم من الذين أساءوا، وليس لهم مدخل إلى الذين أحسنوا، إذ أنه لا يجتمع الإحسان مع مقارفة الكبائر، وإتيان الفواحش.
وكبائر الإثم، أشنعها، وأفظعها، وعلى رأسها الكفر باللّه، والشرك به.
والفواحش، هي المنكرات، وعلى رأسها الزنى، فهو فاحشة الفواحش.
واللمم: هو الإلمام بالفاحشة، والطواف حولها، دون الوقوع فيها.
فهذا الإلمام، وإن كان من قبيل الفاحشة، إلا أنه مما ترجى مغفرته من اللّه، الواسع المغفرة.. وذلك أن الذي ألمّ بالفاحشة، وحام حولها، ثم ردّه عن الوقوع فيها خوفه من اللّه، وخشيته له، وحياؤه منه- جدير بأن ينزع عن هذا اللمم، مادام هذا الشعور بالخوف من اللّه قائما في قلبه!.
وإنه لمن التأويل الفاسد والفجور الآثم، أن يقف المؤمن عند حدود الفاحشة، فلا يأتيها، ثم يستبيح لنفسه الحوم حولها، والإلمام بها، وغشيان حماها، متخذا من قوله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ} مدخلا يدخل به إلى مباءة الفاحشة، دون تحرّج أو تأثم، بهذا التأويل الفاسد الآثم، الذي يتأول عليه بعض المتأولين.
وكلّا، فإن الّلمم بالفاحشة ذريعة إلى الفاحشة، وطريق ممهد إليها.. وأن من يحوم حول الحمى يوشك أن يواقعه، كما يقول الرسول الكريم.. وإن سدّ الذرائع أمر من أوامر الإسلام، وشريعة من شرائعه.. فقد حرمت الشريعة قليل الخمر، ولو قطرات، كما حرمت كثيره، لأن قليله يدعو إلى كثيره، المفضى إلى السكر الذي هو علة تحريم الخمر.
فكذلك اللمم من الفاحشة، كالنظرة الفاجرة، أو الخلوة بغير المحرم من النساء، أو اللمس، أو التقبيل.. فهذا وإن لم يكن الفاحشة التي هي الزنى، فإنه الطريق إلى الزنى، والمحرك للشهوة، والمطلق لها من عقالها، الأمر الذي إن حدث، غلب الإنسان على أمره، وأفلت الزمام من يده، فوقع في المحذور الذي يتوقاه.
فاستثناء اللمم ليس مبيحا له في الآية الكريمة، أو رافعا الإثم عنه، بل هو مأثم، إن لم يكن في عظم مأثم الفاحشة نفسها، فهو بعض منها.
وهذا الاستثناء، إنما هو من باب الرحمة بالإنسان، والتخفيف عن ضعفه البشرىّ، في حال- وليس في مطلق الأحوال- يغلبه فيه ضعفه، فتندّ منه النظرة، أو تفلت منه الهفوة، ثم سرعان ما يدركه إيمانه ويهتف به وازع الخشية من ربّه، فيرجع إلى ربّه من قريب، فيجد ربّا غفورا، رحيما، يلقاه بالمغفرة ويلبسه لباس الإيمان الذي كاد يتعرّى منه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} [60- 62: المؤمنون] فهؤلاء هم الذين أحسنوا، وهؤلاء هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وهؤلاء هم الذين يقعون تحت حكم قوله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ}.
فإن اللمم الذي يجترحونه، هو من جراحات معركة قد كانت حامية الوطيس، بين أهواء النفس، وبين وازع الإيمان باللّه، والخشية له، والخوف منه.. وإن جراحات هذه المعركة، التي أصيب فيها المؤمن المجاهد لأهواء نفسه وشهواتها، لتجد لها عند اللّه، من مرهم الرحمة والمغفرة، ما يعفّى عليها، ويذهب بآثارها، ويكتب العافية والشفاء، للمصاب بها.
أما الذين يتخذون من قوله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ} رخصة إلى تقحّم هذه المنكرات، واستساغة مطمعها الخبيث، واعتياد غشيان مواقعه، والتردّد على موارده- فإنه مهلكة لا نجاة منها، وجراحات لا شفاء لها، وإنه لهو الحرب السافرة للّه، ولشريعة اللّه، إنه لهو العدوان المتعمد على حدود اللّه.
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [1: الطلاق].
وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ}.
ليس بالذي يغرى بالجرأة على اللّه، وبمجاوزة الإلمام بالفاحشة إلى مقارفتها والوقوع فيها، وإنما هو عند الذين في قلوبهم إيمان باللّه، وحياء منه، وخشية له- داعية إلى الإقبال على اللّه، وإلى السعى حثيثا إلى ساحة فضله، وإحسانه، ليلقى المؤمن ربه بقلب سليم وكيان نظيف يليق بهذه الساحة الكريمة التي يحلّ بها.
وقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى}.
هو تعقيب على قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ}.
أي إنه- لعلم اللّه بكم أيّها الناس، وبما فيكم من ضعف وعجز عن مغالبة بعض أهوائكم، فإنه- سبحانه- قد أوسع لكم في رحمته، وتجاوز عن الصغائر واللمم من ذنوبكم، فإنكم مهما اجتهدتم في تحرّى الإحسان، وفى الاحتفاظ بفطرتكم على نقائها وصفائها فلن تحققوا هذا، وإن حققتم الكثير منه، ولن تبلغوا الغاية وإن قاربتموها.. فالذين يدخلون منكم مدخل الإحسان ويحسبون في المحسنين، لم يكن ذلك لهم وإنما كان بإحسان اللّه سبحانه وتعالى إليهم، وتجاوزه عن الكثير من ذنوبهم.
وقوله تعالى: {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}.
إشارة إلى مقتضى هذه المغفرة الواسعة التي شمل بها بنى الإنسان إذ هم من نبات هذه الأرض، ومن معطيات ترابها، وليسوا من عالم النور.. فهم- والحال كذلك- لن يتخلصوا أبدا من ظلام المادة، ولن يتحوّلوا إلى عالم الرّوح، وهم في هذه الأجساد المخلّقة من الأرض! وإنه لولا سعة مغفرة اللّه، لما كان لإنسان أن يكون من المحسنين، الذين يرتفع بهم إحسانهم إلى عالم الحقّ، ولما كانوا من أهله، يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ}.
معطوف على قوله تعالى: {إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}.
فهذه حال أخرى من أحوال الإنسان، تكشف عن ضعفه، وأنه في يد العجز وأن يد اللّه سبحانه وتعالى، هي التي أخرجته من هذا الضعف إلى القوة، كما أن مغفرته الواسعة، هي التي أخرجته من عالم التراب، وألحقته بعالم الحقّ والنور.
فالظرفان: (إذ، وإذ) في قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ}.
ليسا قيدا لعلم اللّه بالناس في حالتى نشأتهم من الأرض، ووجودهم في بطون أمهاتهم، وإنما هما ظرفان يشيران إلى هذين الوقتين اللذين يكون الإنسان فيهما، في حال أشبه بالعدم، إذا هو نظر إلى نفسه فيهما، وقد صار كائنا عاقلا رشيدا، يخاطب من اللّه، ويتهيأ للدخول في عالم الحق والنور.
وقوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} النهى عن تزكية النفس هنا، ليس مرادا به الكفّ عن طلب ما يزكى النفس، ويطهرها، فالعمل على تزكية النفس، وتطهيرها مما يخالطها من ذنوب وآثام، هو أمر مطلوب دائما من كل إنسان يطلب الفلاح والنجاة، كما يقول سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [14، 15: الأعلى] وكما يقول جل شأنه: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها} [7- 10 الشمس] فالمراد بالنهى عن التزكية في قوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} هو النهى عن الاطمئنان إلى النفس، وعدّها مزكّاة مطهرة، لا تحتاج إلى تزكية وتطهير.
فإن النفس التي خالصت تراب الأرض، ولبست هذا الجسد الترابي، لن تكون أبدا على حال كاملة من النقاء والطهر، بل هي دائما في حاجة إلى زكاة وتطهير.. فلا تحسبوا أنفسكم مزكاة مطهرة.. بل هي دائما في حاجة إلى تزكية وتطهير.
فالنهى عن تزكية النفس هنا، هو نهى عن إخلاء النفس من مشاعر الاتهام لها بالهوى، والنظر إليها نظرة لا ترفعها إلى درجة الكمال، وهذا من خداع النفس، الذي يزين المرء سوء عمله، ويريه من ذاته، أنه أوفى على غاية الإحسان.
واللّه سبحانه وتعالى يقول: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} [8: فاطر].
وقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى} أي أن اللّه سبحانه وتعالى، هو أعلم بمن تزكى وتطهر منكم، أما أنتم فلا تعلمون ما بلغت نفوسكم من تزكية وتطهير.
فقد يرى المرء منكم نفسه في حال معجبة له من الطهر، والزكاة، وهو ملطخ بالآثام، غارق في المنكرات، وقد يخيل لأحدكم أن أعماله مبرورة مقبولة، وهى مردودة عليه.. فالذى يعلم حقيقة الإنسان، وما هو فيه من خير وشر، وما هو عليه من هدى وضلال- هو اللّه سبحانه وتعالى، كما يقول جل شأنه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [220: البقرة] وإذن، فإن المطلوب من الإنسان أن يكون دائما متهما لنفسه، طالبا السعى إلى غسلها من الأدران، متعهدا لها بالنظافة في كل وقت، كما يتعهد جسده بالغسل والنظافة.
وفى التعبير عن التزكية والتطهير بالتقوى في قوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى} بدلا من أن يقال هو أعلم بمن تزكى، الذي يقتضيه في الظاهر سياق النظم في هذا إشارة إلى أن التقوى هي وسيلة التزكية والتطهر وأن من أراد أن يطهر نفسه ويزكيها، فلا سبيل له إلا بالتقوى.. والتقوى- كما يقول بعض العارفين: {هى أن يراك اللّه حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك}.
قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى}.
الاستفهام هنا تعجبى إنكارى، من هذا الإنسان الضال، الذي أعجب بنفسه، فحمله هذا الإعجاب على أن يتمنّى هذه الأمانى الباطلة، ويعدها تلك الموعود الخادعة، ويحسب بذلك أنه أربح الناس صفقة، وأهداهم سبيلا.
فالمناسبة ظاهرة بين هذه الآية والآيات التي قبلها، والتي كان من دعوتها، ألّا يحسن الإنسان الظن بنفسه، وألا يزكيها، ويعللها بتلك الأوهام الخادعة.
فجاءت هذه الآية عارضة لضحية من ضحايا الخداع النفسي، الذي يورد صاحبه موارد الضلال والهلاك.
وقوله تعالى: {تولّى} أي أعرض عن ذكرنا، وكذّب برسولنا.
وقوله تعالى: {وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى}.
الواو هنا واو الحال، والجملة حال من فاعل {تولى} على تقدير الحرف {قد} بعدها، أي تولى وقد أعطى قليلا وأكدى.
وإعطاء القليل، هو ما أعطاه من نفسه من ميل قليل إلى الاستجابة للرسول والإيمان به.. ثم لم يلبث أن غلبته نفسه الأمارة بالسوء، واستبدّ به طبعه النكد فنكص على عقبه، وأبى على هذه الشرارات المضيئة أن تنطلق من نفسه، فتضيء له طريقه إلى اللّه.. فأمسك بها، وأطفأ جذوتها.
وقوله تعالى: {وأكدى} أي شحّ وبخل، وصار أشبه بالكدية، وهى الأرض الصلبة، التي لا تنبت نباتا، ولا تفجر ماء.
وقوله تعالى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى} استفهام إنكارى لهذا الاتجاه الذي أخذه هذا الضال، بعد أن أقام وجهه قليلا على مطلع الهدى والنور ثم عدل عنه.
فعلى أي أساس أقام وجهه على هذا الطريق الضال؟ وبأية حجة أو برهان قدر لنفسه هذا الخير الذي يمنيها به على هذا الطريق؟ أطّلع الغيب، فرأى عاقبة أمره، وما ينتظره على هذا الطريق؟ أم أنه يضرب على غير هدى، لا يصحبه على طريقه هذا إلا السراب الخادع الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الحسرة والندم ملء يديه؟.. ومثل هذا قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً} [77، 78: مريم].
وقد اختلف في شخص هذا الشقي الذي تحدثت عنه هذه الآيات، بما تمنيه به نفسه من كواذب الأمانى وأباطيلها.
والرأى- عندنا- أن هذا الحديث لم يقصد به واحد بعينه من هؤلاء المخدوعين بأنفسهم، والذين جذبتهم أنوار الإسلام إليه، ثم لم يلبثوا أن ارتدوا على أدبارهم خاسرين.. فكثير من مشركى مكة كان لهم مثل هذا الموقف المتردّد بين الإقبال على الإسلام، والإدبار عنه، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى تحددت مواقفهم، فمضى بعضهم في طريقه إلى الإسلام، ونكص بعضهم على عقبه، نافرا، مستكبرا.
قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى}.
أي: ألم يعلم هذا المتأمّى على الهدى، ما في صحف موسى، وما في صحف إبراهيم؟
والمراد بالاستفهام هنا طلب هذا العلم الغائب عنه، وأنه إذا كان هذا الضال لم يعلم بما في صحف موسى وإبراهيم، فليطلب هذا العلم، مما سنبينه له في الآيات التالية.
ووصف إبراهيم عليه السلام، بأنه وفيّ، إشارة إلى ما كان منه من الوفاء بالرؤيا التي رأى فيها أنه يذبح ولده، فعرضه للذبح، وهمّ بذبحه، كما يقول سبحانه: {فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [103- 105: الصافات].. فهذا من إبراهيم هو غاية الوفاء، بما للّه سبحانه عليه من طاعة وولاء.
ولم يقدّم موسى على إبراهيم هنا، رعاية للفاصلة، كما يقول بذلك أكثر المفسرين، ولكن كان ذلك- واللّه أعلم- لأن موسى أقرب عهدا بالمخاطبين بهذه الآيات من إبراهيم.. وذلك في مقام البحث عن صحف هذين النبيين الكريمين، وأخذ ما فيهما من أحكام.. ففى هذا المقام يمتدّ النظر إلى أقرب الصحف، وهى صحف موسى، ثم يتجاوزها إلى صحف إبراهيم.
أما في المقام الذي يراد به الترتيب الزمنى لهذه الصحف، فإن القرآن الكريم يضع هذا الترتيب موضع الاعتبار، فيقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى} [18، 19: الأعلى]. فالقرآن هنا يشير إلى الصحف الأولى، التي حملت رسالات السماء.. فإذا ذكر من هذه الصحف صحف إبراهيم وموسى، كانت صحف إبراهيم مقدمة في الذكر على صحف موسى.. أما في مقام الاتصال بها، والإفادة منها، فإن هذا يقضى بأن يدلّ أولا على ما كان العهد به أقرب.. ثم الذي هو أقدم منه عهدا.
وهكذا نرى كلمات اللّه، ناطقة بالحق، واضعة الأمور مواضعها، في أدق وضع وأحكمه.. {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [82: النساء].
قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى}.
هذه الآيات، هي بيان لما في صحف موسى، وإبراهيم، مما جهله هذا الذي تولّى وأعطى قليلا وأكدى.
ففى هذه الصحف، هذه الأحكام التي يدين اللّه بها عباده، وهى: {أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل كل امرئ بما كسب رهين.. وأنه {لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى} فلا يضاف إليه شيء من فعل غيره، ولا يضاف من سعيه شيء إلى أحد.
{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى} أي ينظر فيه ويحاسب عليه {ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى} دون أن ينقص من سعيه شيء.
ومما في هذه الصحف {أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى} أي منه تصدر الأمور، وإليه منتهاها، ومرجعها، كما يقول سبحانه: {إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى} [8: العلق] أي المعاد الذي يجتمع فيه الناس للحساب والجزاء.
ومما في هذه الصحف أيضا، أن اللّه سبحانه وتعالى، هو الذي بيده الأمر كله، وإليه يردّ كل ما يساق إلى الناس مما يسرهم أو يسوءهم، فهو سبحانه الذي أضحك من أضحك، وأبكى من أبكى، وهو سبحانه الذي أمات من أمات، وأحيا من أحيا.. وأنه سبحانه هو الذي خلق الزوجين- الذكر والأنثى- من نطفة، لا يدرى أحد ماذا تعطى من ذكور أو إناث.. فهى لا تعدو أن تكون ماء على طبيعة واحدة، ولكن بعضه يعطى ذكورا، وبعضه يخرج إناثا.. حسب تدبير اللّه سبحانه وتقديره.
وفى قوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى}.
إشارة إلى مبدأ الحياة في الكائنات الحية، وأنها تبدأ في هذه الجرثومة السابحة في هذا المنىّ.. والمنىّ قبل أن يمنى ويخرج من الرجل إلى المرأة، يكون في حالة لم تنضج فيها جرثومة الكائن الحىّ، الذي تغرس بذرته في الأنثى.. فإذا خرج المنىّ من الرجل في حالة اتصاله بالمرأة، كان هذا المنىّ قد نضج واستوى، وحمل في كيانه جرثومة الحياة.
ومما في هذه الصحف.. أن اللّه سبحانه وتعالى، سيبعث الموتى، ويخرجهم من الأرض مرة أخرى، كما كانوا فيها قبل أن يولدوا الولادة الأولى.
ومما في الصحف أيضا، أن اللّه سبحانه، هو الذي أعطى من أعطى، وحرم من حرم.. فكان الغنىّ وكان الفقير {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى}.
فالإغناء يكون عن عطاء، والإقناء يكون عن منع.
والإقناء، ليس من القنية، كما يقول المفسرون، الذين جعلوا الإقناء مرادفا للإغناء.. أي أنه سبحانه أعطى ما يغنى الأغنياء، ويمكنهم من اقتناء الضياع، والقصور، والمتاع.. أي أغنى، وأعطى ما فوق الغنى.
وهذا- واللّه أعلم- لا يتفق مع نسق النظم الذي جاءت عليه الآيات، مقابلة بين الشيء وضده: الضحك والبكاء، والموت والحياة، والذكر والأنثى.
إنه لخروج على هذا النسق أن يكون الغنى، مقابلا للاقتناء الذي هو بمعنى الغنى أيضا! وذلك من غير داعية تدعو للخروج على هذا النسق.
فقوله تعالى: {أقنى}.
هو- واللّه أعلم- بمعنى منع، وحرم.. وهو مأخوذ من قنى المرء الشيء، إذا صانه، وضن به كأفنى واقتنى، ومنه قول الشاعر:
فاقنى حياءك لا أبالك إننى ** في النائبات النازلات لفارس

أي صونى حياءك، وضنى به، ولا تقفى موقفا يكشف هذا الحياء ويعريه.
فالإقناء من اللّه سبحانه وتعالى بمعنى المنع، أي أنه سبحانه أغنى أناسا، ومنع المال عن أناس، ولم يغنهم.
ويبقى بعد هذا سؤال:
كيف يكون قوله تعالى: {أقنى} بمعنى صان وحفظ، ثم يكون الحفظ والصون في مقابل الغنى، أي ضده، مع أن الحفظ والصون يوازن الغنى قدرا، ويرجحه؟
والجواب على هذا- واللّه أعلم- أن قوله تعالى: {أقنى} بمعنى صان وحفظ، يدلّ بظاهره على الفقر، الذي هو ضد الغنى، وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى حين أغنى كثيرا من أهل الضلال والكفر، قد أخلاهم لأنفسهم، فأطغاهم هذا المال، وزادهم ضلالا وكفرا، على حين {أقنى} سبحانه أولياءه والصالحين من عباده، وصانهم من فننة المال وطغيانه، فلم يسلّط عليهم الدنيا، ولم يبلهم بحبها.. ثم هم مع ذلك أغنياء بقلوبهم المأنوسة بنور الإيمان باللّه، والطمع في رحمته.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى}.
أي ومما في صحف موسى وإبراهيم، الإخبار عنه جل وعلا، بأنه رب الشعرى وهى نجم في السماء، يسمى الشعرى العبور، يطلع من جهة الجنوب.
وكانت بعض قبائل العرب تعبد هذا النجم باسم الشعرى.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى}.
ومما في أخبار هذه الصحف أيضا، أن اللّه سبحانه أهلك عادا الأولى، ثم أهلك بعدها ثمود.
فلم يبق منهم باقية.
ووصفت عاد بالأولى، لأنها متقدمة زمنا على الأمم التي حفظ التاريخ لها ذكرا.. فهى أول أمة بعد قوم نوح.
وقوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى}.
معطوف على قوله تعالى: {أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ} أي وأهلك قوم نوح الذين كانوا قبل قوم عاد.. فليس هذا الهلاك الواقع بتلك الأمم المتتابعة إلا لظلمها، وطغيانها، فهى جميعها ظالمة طاغية، وإن كان بعضها أكثر من بعض ظلما وطغيانا.
قوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى}.
معطوف على قوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى} أي وأهوى المؤتفكة.
والمؤتفكة، هي قرية قوم لوط، وقد ائتفكت بأهلها أي انقلبت رأسا على عقب، ومنه الإفك، لأنه قلب للحق.
قوله تعالى: {فَغَشَّاها ما غَشَّى}.
أي ألبسها من ثياب العذاب والنكال.
ما ألبس.. وفى تجهيل {ما غشى}.
إشارة إلى أن هذا البلاء لا يحيط أحد بوصفه، إذ كان على غير ما يعرف الناس، أو يتخيلون، من صور التدمير والهلاك.
قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى} هذا سؤال موجه إلى هذا الإنسان الذي يمثل كل إنسان والذي أوقفته الآيات السابقة موقف المحاكمة في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى...} الآيات وقد عرضت عليه في هذه الآيات صور من قدرة اللّه، وتدبيره في خلقه، وأن ما تحدث به آيات القرآن الكريم من عرض لقدرة اللّه، ليس بدعا من القول، وإنما هو مما تحدثت به آيات اللّه كذلك في صحف إبراهيم وموسى.. فاللّه سبحانه، واحد، لا شريك له، قديم لا أول له.. وأن الناس جميعا في كل زمان ومكان، هم عبيده، وفى قبضة سلطانه.
والسؤال في الآية الكريمة تقريرى.. أي هذه هي نعم اللّه، وتلك آلاؤه، فبأيها يكذب المكذب، ويمارى الممارى؟ وهل يستطيع مفتر أن يجرؤ على أن يقول، أنا أضحك وأبكى، وأحيى وأميت، وأغنى وأقنى..؟
ولقد قالها من قبل ذلك الذي حاجّ إبراهيم في ربه: {إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}.
ولكنها قولة ضالة، سرعان ماماتت على شفة قائلها، حين قال له إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}.
والآلاء: النعم.
وتتمارى: من المراء، وهو المجادلة بغير حق.
وفى عدّ البكاء، والموت، والفقر، والمهلكات التي نزلت بالظالمين- في عد هذه من الآلاء والنعم، إشارة إلى أنها من عند اللّه، وما كان من عند اللّه، فهو نعمة، وإن بدا في ظاهره، أو في المواقع التي وقع بها أنه نقمة.