فصل: تفسير الآيات (14- 32):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (14- 32):

{خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (26) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32)}.
التفسير:
قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
الصلصال: الطين الجاف، الذي له صلصلة وجرس عند احتكاك بعضه ببعض.. وهذا من طبيعة الطين اللازب، أي اللزج إذا جف.
ولهذا شبه بالفخار، وهو الطين الذي وضع في النار حتى احترق، وصار فخارا.
والمارج من النار، هو المضطرب من لهيبها، المختلط بالدخان.
وفى الجمع بين خلق الإنسان، وخلق الجان- جواب على سؤال يرد عند ذكر قوله تعالى في الآية السابقة على هاتين الآيتين، وهوقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} حيث لم يذكر في السورة قبل هذه الآية ما يدل على هذا المثنّى الذي يتجه إليه الخطاب.. فكان ذكر خلق الإنس والجن، والجمع بينهما، جوابا على هذا السؤال: من المخاطب هنا بقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}؟.. إنهما هذان المخلوقان، الإنس والجن.
وقدّم خلق الإنس على خلق الجن، مع أن الجن أسبق في الخلق من الإنس- تشريفا للإنسان، وتكريما له في رتبة الخلق، حيث أمر اللّه الملائكة- ومنهم الجنّ- أن يسجدوا له، احتفاء بمولده.
قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي هو سبحانه رب المشرقين، ورب المغربين، أي مشرقى الشمس، ومغربيها، صيفا وشتاء.
وهذه الربوبية، هي نعمة عظيمة جليلة للموجودات كلها، إذ كان كل موجود هو صنعة هذه الربوبية، وغذىّ فضلها وإحسانها.. فهل من مكذّب بهذه الآلاء، منكر لها؟
قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
مرج البحرين: أي أثار بينهما تماوجا، وتدافعا واضطرابا، عند التقاء أحدهما بالآخر.. فقوله تعالى: {يَلْتَقِيانِ} حال يكشف عما وراء هذا الالتقاء من تماوج، وتدافع بينهما، بما يحدثه هذا الالتقاء.
والمراد بالبحرين: المالح، والعذب.
والبرزخ: الحاجز الذي يحجز بين شيئين.
فمن رحمة الرحمن الرحيم، أنه جمع بين البحرين: هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، وهما على طبيعة واحدة، وفى مرأى العين ماء، لا فرقبين الملح والعذب إلا في المذاق.. ومع هذا فقد جعلت القدرة الإلهية بينهما حاجزا، فلا يبغى أحدهما على الآخر، ولا يجاوز حدوده.
كما يقول سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً} [53: الفرقان].
فمن ينكر هذا؟ ومن يكذب بآلاء اللّه ونعمه على عباده، فلا يستقبل هذه النعم بالحمد والشكران؟.. فالتكذيب بالنعم، هو كفر بها، وجحود لفضل المتفضل بمنحها.
قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي يخرج من البحرين- الحلو والملح- اللؤلؤ والمرجان.
واللؤلؤ: إفراز حيوان بحرى، داخل بيت صدفىّ، لونه أبيض، وتتخذ منه الحلي الثمينة، من قلائد، وقرط، وخواتم.. ولونه أبيض، مشرب بصفرة.
والمرجان: خرز أحمر، صغار، وهو نباتى أقرب إلى عالم الحيوان.
واللؤلؤ يخرج من التقاء الماء العذب بالماء الملح، أو حيث خلجان البحار الساكنة التي ينزل عليها ماء المطر، فيكون الماء العذب، سواء من الأنهار، أو الأمطار، أشبه باللقاح للماء الذي يتخلّق منه حيوان اللؤلؤ، ولهذا أضيف إخراج اللؤلؤ إلى البحرين معا.. الملح والعذب.
ومن كلّ من البحار والأنهار، يستخرج اللؤلؤ والمرجان.. ولكن لابد من التقاء الملح بالعذب، والعذب بالملح، على أية صورة من الصور حتى يتخلّق منهما اللؤلؤ والمرجان.. فتارة يكون البحر هو محتواهما، وتارة يكون النهر هو مستخرجهما، حسب الظروف التي يتم بها التقاء أحدهما بالآخر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها} [12: فاطر].
قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
الجوار: السفن، جمع جارية، لأنها تجرى طافية على وجه الماء.
والمنشآت: أي المصنوعات، بأيدى الناس.
والأعلام: الجبال.. جمع علم، وسمّى الجبل علما لظهوره، وإشرافه على الأرض، كمعلم من معالمها، وسميت الراية علما، وسمى الرجل العظيم البارز علما، لهذا المعنى.
قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
الضمير في {عليها}: يعود على الأرض التي يعيش عليها الناس، وتجرى فيها الأنهار، وتتلاحم بالبحار، ويتخذ الناس من ظهور البحار والأنهار مطايا ذللا يسرجونها بالسفن، وينتقلون عليها، ويحملون أمتعهم، وتجاراتهم من بلد إلى بلد.
فهذا الذي يعيش فيه الناس، ويشغلون به، ينبغى ألا يشغلهم عن الإعداد ليوم القيامة، والعمل للحياة الأخرى، التي هي الحياة حقّا.. كما يقول سبحانه: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} [64 العنكبوت] أما هذه الحياة الدنيا، وأما ما يتقلب فيه الناس منها، فهو فان لا بقاء له.
وقوله تعالى: {وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ} هو إلفات إلى اللّه سبحانه وتعالى، وأنّه الحىّ الباقي، الذي ينبغى أن تتجه إلى وجهه الوجوه، وتتعلق برضاه وكرمه الآمال، ويرجى عنده الخير كله.. فهو صاحب الملك، وبيده الخير، والفضل، والإكرام، لمن يقصدون وجهه، ويبتغون فضله وكرمه.
ويلاحظ أن صفة الجلال والكرم هنا، إنما كانت لوجه اللّه سبحانه، وذلك إشارة إلى أن الاتجاه إلى اللّه والإقبال عليه، من شأنه أن يفسح الطريق للعبد إلى رضاء اللّه، والإقبال عليه بوجهه سبحانه وتعالى، وهذا ما يشير إليه سبحانه وتعالى: {وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى} [19- 21 الليل].
والسؤال هنا هو: هل هذا الفناء المسلط على الحياة الدنيا وما فيها- هل هو نعمة من النعم، حتى يدعى الإنس والجن إلى الإقرار بها وشكرانها؟.
ونعم، فإن هذا الفناء للدنيا، هو نعمة من أجلّ النعم، إذ كان مدخلا إلى حياة باقية خالدة.. ولو أن أمر الناس كان إلى تلك الحياة الدنيا وحدها، وليس لهم حياة أخرى بعدها، لكان في ذلك الخسران المبين الناس جميعا،. إذ أن أسعد الناس حظا في هذه الدنيا هو مبخوس الحظ، إذا كانت حياته محدودة بهذه الحياة، وكان وجوده منتهيا عندها إلى الفناء الأبدىّ، بعد أن عانى الإنسان في الحياة الدنيا ماعانى من آلام، وأحزان، وأمراض وشيخوخة، ونقص من الثمرات والأنفس! فالحياة على أية حال، وعلى أية صورة خير من العدم، إنها نعمة تستوجب الحمد والشكران للّه رب العالمين، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [28: البقرة].
ففناء الناس وموتهم نعمة، إذ أن هذا الموت- كما قلنا- هو مدخل إلى عالم الخلود، وبقاء اللّه سبحانه وتعالى، هو مجتمع النعم كلها، إذ أن بقاءه ضمان لوجود هذا الوجود.
فبأى هذه النعم يكذّب الثقلان.. الجن والإنس؟
قوله تعالى: {يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي أن كل من في السموات والأرض يسأل اللّه من فضله وإحسانه، سؤال الفقير إلى الغنىّ، والضعيف إلى القوى، ومن لا يملك أي شيء، لمن يملك كل شيء.
فكل من في السموات والأرض مستمد من فضل اللّه، سأل أولم يسأل.
فإن لم يسأل بلسانه، فإن علم اللّه بحاله يغنى عن سؤاله.. وهذه المنن والعطايا التي تعيش فيها المخلوقات، وتحفظ عليها وجودها، هي من عند اللّه، ومن واسع رحمته، يجود بها عليها، سألت أو لم تسأل.. فالسؤال هنا كناية عن الحاجة، وكل مخلوق في حاجة أبدا إلى عون اللّه، وإلى أمداد إنعامه وإحسانه.
وقوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.
الشأن: الأمر، والحال.
أي إن اللّه سبحانه وتعالى، في تصريف، وتدبير للخلق، في كل يوم بل في كل لحظة.. فذلك شأن المالك فيما ملك، والخالق لما خلق، لا يغفل أبدا عن ملكه، ولا يفتر أبدا عن تدبير شئون خلقه.. {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [41. فاطر].
وليس ذلك بالأمر الذي يتكلّف اللّه سبحانه له جهدا، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (255: البقرة).
فليس الوجود مجرد آلة تدور على وجه واحد، لا يتغير أبدا، بل هو في كل آنة من آنات الزمن، بل في كل فراغ بين الآنة والآنة- إن كان هنا فراغ- هو في صورة غير الصورة التي كان عليها.. إنه في تجدّد دائم، وفى حركة دائبة.. يقبدل أثوابا بأثواب، وأحوالا بأحوال.. دون أن يقع في نظامه خلل أو اضطراب.. وهذا برهان على قدرة الخالق جلّ وعلا، وعلى أن على هذا الوجود إلها قادرا، عالما، حكيما، يغيّر فيه ويبدل كيف يشاء، مع احتفاظه بهذا النظام المحكم البديع.. ولو كان الوجود وجها واحدا لما قام منه شاهد أبدا على أن له مدبّرا يدبره، ويحكم أمره.
وننظر إلى الهرم الأكبر في مصر مثلا، وهو أعجوبة من عجائب الدنيا، ومعجزة من معجزات الإنسان.. إن بقاءه على تلك الحال في علوّه وشموخه منذ آلاف السنين، وإن شهد لبانيه بالقدرة، والبراعة، فإن هذا البقاء نفسه على تلك الحال التي قام عليها من أول يومه، هو ذاته شهادة وفاة لهذا الباني البارع، وإلّا لأحدث فيه شيئا يدلّ على أنه حى يعيش في عالم الأحياء.
إن من شأن الكائن الحىّ أن يتحرك، ويعمل، ويؤثّر، وأن يبلى قديما ويلبس جديدا، وأن يأخذ كل يوم وضعا جديدا في الحياة.. فهذا الذي يشهد بأنه حىّ، له وجود مؤثر في الحياة.
واللّه سبحانه حى حياة أبدية سرمدية، بدليل هذا التحول المستمر في عوالم الوجود، القائم عليه بسلطانه، خلقا وتدبيرا.
وفى معنى قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} يقول الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، فيما بروى عن أبى ذرّ: إن من شأنه- سبحانه- أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين وليس هذا التبدل والتحول في أحوال الناس، وفى صور الموجودات، هو مما يحدثه اللّه سبحانه حين يحدث، وإنما هي أمور واقعة في علم اللّه القديم، مسطورة في كتابه المكنون، فيظهر منها ما يظهر في الوقت المقدور له، وعلى الصورة التي أرادها سبحانه وتعالى أزلا.. إنها أمور يبديها ولا يبتديها.
قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
الثقلان: الإنس والجن، وسميا بالثقلين، لأنهما ثقلا الأرض، كلّ يأخذ جانبا من كفتى ميزانها.. الإنس في كفة والجن في كفة.. عالم الظهور في جانب، وعالم الخفاء في جانب.. ومثل هذا الملوان وهما الليل والنهار، لأنهما يملآن الزمان كله، ويستوعبان كل آناته، ولحظاته.
وقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ} كناية عن رقابة اللّه سبحانه وتعالى للجن والإنس، رقابة محكمة، بحيث لا يفلت أحد منهما من قبضته.
أمّا اللّه سبحانه وتعالى، فإنه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يعوقه أمر عن أمر.. ولكن في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} ما يؤكد للجن والإنس أنهما تحت رقابة خاصة، على غير تلك الرقابة العامة القائمة من اللّه سبحانه وتعالى على الوجود كله، إذ هما- كما قلنا- المخلوقان اللذان يناط بهما التكليف، ويقعان تحت حكم المساءلة والحساب والثواب، وإذ كان اللّه سبحانه لا يحاسب غير هما- فيما نعلم- فكأن رقابة اللّه سبحانه وتعالى متجهة كلّها إليهم.. وهذا كله على التمثيل والتشبيه، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
وهذا فضل من فضل اللّه تعالى، على الجن والإنس، إذ هما من بين المخلوقات على تلك الصفة التي تجعل لهما هذا الامتياز عن المخلوقات جميعها، والتي تجعلهما في مقام الحضور بين يدى اللّه للمساءلة والحساب.. وهذا الحساب، وتلك المساءلة- على أي حال يكونان عليها، وإلى أية نهاية ينتهيان بمن يحاسب ويسأل- دليل على أهلية المحاسب المسئول، وعلى أنه له إرادة عاملة.. أما من لا يحاسب ولا يسأل، فلا تكاد تتضح ملامح شخصيته، ولا تبين له ذاتية ذات شأن وأثر.
وهذا الوجود على تلك الحال التي عليها الجن والإنس هو- كما قلنا- نعم جليلة من نعم اللّه.. فمن يكذب بهذه النعم، وهى تشكل وجوده، وتقيم كيانه، وترفع قدره في العالمين؟
هذا، ويلاحظ أن ألف هاء التنبيه قد حذفت من قوله تعالى: {أَيُّهَ الثَّقَلانِ} في خط المصحف العثماني.. فما حكمة هذا الحذف؟.
نقول- واللّه أعلم- إن ذلك الحذف هنا- مقصود من كتّاب المصحف، من صحابة رسول اللّه رضى اللّه عنهم، وهو- واللّه أعلم- إشارة إلى فهم خاص لهم، اقتبسوه من أضواء النبوة.. وهذا الفهم، هو أن خطاب اللّه سبحانه وتعالى الجن والإنس، وأنه قد فرغ لهم، وأقبل على حسابهم ومساءلتهم- يشير إلى أنهم هنا في مقام حضور من اللّه سبحانه، وأنه سبحانه قريب من كل فرد منهم، قربا لا يدع لأحد فرصة للغفلة عن مراقبة اللّه تعالى له.
فهو في حال حضور دائم، وإن كان غافلا، ومن ثمّ فلا يحتاج إلى تنبيه!!

.تفسير الآيات (33- 61):

{يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (33) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (35) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (37) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47) ذَواتا أَفْنانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (60) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61)}.
التفسير:
قوله تعالى: {يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
نداء إلى الجنّ والإنس، بأن يختبرا قوتهما وسلطانهما أمام قوة اللّه وسلطانه.. إنهما محاسبون ومسئولون بين يدى اللّه، كما جاء في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ}.
وإنه ليس لهما ملجأ من اللّه إلا إليه.. فإن استطاعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض فلينفذوا.
ولكن إلى أين؟ إنهم لا ينفذون إلى أي قطر من أقطار السموات والأرض، إلّا وهم واقعون تحت سلطان اللّه، مسيّرون به.
فالباء في قوله تعالى: {بِسُلْطانٍ} باء المصاحبة مثل قوله تعالى: {وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أو باء الاستعانة، مثل قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}.
وأقطار السموات والأرض: جوانبهما، والقطر هو الخط الذي يصل بين طرفى الدائرة مارّا بمركزها.
وعلى هذا، فيكون معنى النفوذ من أقطار السموات والأرض، هو الانتقال من فلك إلى فلك، ومن كوكب إلى كوكب.
وفى التعبير بلفظ أقطار، عن نهاية كل فلك أو كوكب- إشارة إلى كروية الأفلاك والكواكب.
وهذا ما أثبته العلم الحديث من كروية الفلك، والنجوم، والكواكب، وأنّ الوجود كلّه دائرىّ.
وفى التعبير عن السموات بصيغة الجمع، وعن الأرض بلفظ المفرد- إشارة إلى أن السموات عوالم وأكوان بعضها فوق بعض، أو محيط بعضها ببعض، وأن الأرض عالم واحد، له قطر واحد.. وأما قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [14: الطلاق] فليست المثلية هنا في العدد، وإنما هي من حيث اختلاف طبقات الأرض، التي تبدأ من وجه الأرض وقشرتها، إلى وسط المركز منها.. فقشرة الأرض تراب، وطين، ورمال وأحجار.. تم تلى ذلك طبقات، كل طبقة ذات طبيعة خاصة، وعلى درجة حرارة خاصة، تتكون منها المعادن، والجواهر.. من الحديد والنحاس، والذهب، والفضة، والألماس، وهكذا.
فالأرض واحدة في كيانها وجرمها، وهى سبع في طبقاتها، واختلاف طبيعة كل طبقة، ولهذا جاء التعبير القرآنى المعجز: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} ولم يجيء: ومن الأرضين مثلهن.. حيث تدل المثلية هنا في التعبير غير القرآنى على مثلية العدد نصا أما التعبير القرآنى فالمثليّة فيه مثلية في تنوع العوالم واختلاف المنازل.
قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي إذا استطعتم أن تنفذوا- معشر الجن والإنس- من أقطار السموات والأرض، بما مكّن اللّه سبحانه وتعالى لكم من سلطان- استطعتم به أن تخرجوا من فلك إلى فلك، وأن تنتقلوا من كوكب إلى كوكب- فإنكم لن تجدوا الحياة مهيأة لكم في الفلك الجديد، أو الكوكب الذي انتقلتم إليه، إذ لا حياة لكم إلا على هذا الكوكب الأرضى.. أما الكواكب، والأفلاك الأخرى، فإنها نرسل عليكم شواظا من نارها، ورجوما ملتهبة من نحاسها.. {فلا تنتصران} أي فلا تحققان غاية النصر الذي طلبتموه من انتقالكم من عالمكم الأرضى إلى العالم العلوىّ.. إنكم أبناء هذه الأرض، مادمتم فيها.
والشواظ من النار: ألسنة اللهب المختلطة بالدخان.. وهذا يعنى أن بعض الكواكب نار ملتهبة، لا تزال في دور الاحتراق، وبعضها في دور الانصهار، فيقطر منها هذا السائل الناري من النحاس وبعضها في دور الغليان لهذه المعادن المنصهرة.. وهكذا.
هذا، وقد نفذ الإنسان في هذه الأيام من قطر الأرض، وخرج من سلطان جاذبيتها إلى القمر، ونزل على سطحه ومشى بقدميه فوق أديمه، مصطنعا لذلك الوسائل التي تحميه من لهيب القمر، في النهار القمري، ومن برده القاتل في ليله.. وإنه بغير هذه الوسائل لن يستطيع أن يمكث لحظة واحدة.
ومع هذا، فإن القمر أقرب كوكب إلى الأرض، والرحلة إليه لا تعدو أن تكون خطوة نملة على الأرض، في محيط هذا الكون الرحيب!.
ومع هذا أيضا، فإنه- وهذا مقطوع به- لن تطيب حياة للإنسان على هذا الكوكب، ولن يعمر به أبدا!! أما عالم الجن، فإن له محاولاته لاختراق أقطار السموات، ولكنه لا يكاد يبلغ مدّى معينا حتى يجد المهلكات تنتظره، وترده خاسئا إلى الأرض.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ} (17، 18: الحجر) ويقول سبحانه وتعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً} [8، 9: الجن].
والسؤال هنا:
كيف يكون إرسال الشواظ من النار، والقذائف من النحاس الملتهب- كيف يكون إرسال هذه الرجوم على الجن والإنس آلاء ونعما، يدعوان إلى الإقرار بها، والشكر عليها؟.
والجواب: أن هذه الرجوم تحدّث عن تلك الحياة الميسرة التي يحياها الإنس والجن على الأرض، وأنه مما في قدرة اللّه أن يحيل هذه الأرض إلى نار مثل هذه الكواكب التي ترمى بالشرر.. ولكنه سبحانه- جعل هذه الأرض بحيث تطيب فيها الحياة لساكنيها من الإنس والجن.. وهذا رحمة منه سبحانه، وإحسان، يقتضى الحمد والشكر للّه رب العالمين.
قوله تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
انشقت السماء: أي فتحت أبوابها. وذلك عند انتقال الثقلين- الجن والإنس- إلى العالم الآخر.. فعندئذ تتبدل حقائق الأشياء، في نظر الجن والإنس، وتبدو السماء التي كانت مغلقة عليهم، وقد أمكنهم النفوذ إلى أقطارها، وهنا ترى الأشياء على حقيقتها لهم.. وهذه السماء التي تبدو في لونها الأزرق، تأخذ عندهم لونا ورديا، أي أحمر داكنا، كالدهان، وهو الشحم حين يصهر، فيأخذ هذا اللون الوردي الداكن.. ذلك أن هذا اللون الأزرق الذي نراه في جو السماء، ليس إلا انعكاسا لأشعة الشمس على الأرض.. فإذا صعد الإنسان في الجو تغير هذا اللون في مرأى العين، وأخذ صورا من الألوان التي يغلب عليها السواد.. فإذا خرج عن فلك الأرض لم ير إلا هذا اللون الأحمر، وهو اللون الذي يعلو جميع الألوان التي تبدو من تحليل الضوء خلال منشور زجاجى.
وهنا سؤال أيضا: أين الآلاء التي تحدث عنها الآية الكريمة هنا؟ وإذا كان ما تحدث عنه آلاء، هي في حيز الشرط الذي لم يأت جوابه بعد- فكيف يكون لها مفهوم بغير الجواب الذي يحكم الشرط، ويكشف عن مضمونه؟.
والجواب على هذا- واللّه أعلم- أن مجرد انشقاق السماء، على أية حال، ولأية غاية، هو وحده دليل على قدرة اللّه، وعلى تمكن سلطانه في هذا الوجود، وهذا- كما قلنا- نعمة من أجل النعم على المخلوقات إذ كانت قيومة اللّه على الوجود ضمانة وثيقة للمخلوقات جميعها، بأنها في يد صانعها، ومدبر أمرها، وأنها بهذا لن يجار عليها، ولن تؤخذ بغير الحكمة والعدل، ولن تتلقى غير الفضل والإحسان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن انشقاق السماء إيذان بالبعث، والحساب والجزاء.. وهذا أيضا نعمة من النعم الجليلة، إذ أنها أعادت المخلوقات- من إنس وجن- إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن ردها الموت إلى حال من العدم أو ما يشبه العدم.. والوجود- كما قلنا أكثر من مرة- هو في ذاته خير من العدم، على أية صورة يكون عليها الموجود، وفى أي وضع يأخذه في سلّم الموجودات.
{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ}.
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
هذه هي الآلاء الجليلة، التي يشير إليها انشقاق السماء.. لمجرد الانشقاق.
فإذا كان وراء هذا الانشقاق غاية، كانت تلك الغاية آلاء أخرى جليلة مستغنية بذاتها، فإذا اتصلت بانشقاق السماء، كان ذلك آلاء إلى آلاء.
وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي فإذا كان هذا اليوم الذي تنشق فيه السماء، وهو يوم القيامة، كما يقول سبحانه: {وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً} [19، 20: النبأ]- إذا كان هذا اليوم، انقطعت الأعمال، وطويت الصحف على ما كان لأصحابها من عمل في هذه الدنيا، فلا يحاسب مخلوق من الجن أو الإنس على ما يكون منه في اليوم الآخر من قول أو فعل.. لقد انتهى زمن الامتحان والابتلاء.. فما يقوله أو يعمله المرء في موقف الحساب لا يحسب له، أو عليه، حتى الذين يقع منهم في هذا الموقف، مما يكون موضع ذم وعقاب في الدنيا- كما يتلاعن المتلاعنون من أهل الضلال في هذا اليوم- هو مما لا ينظر إليه في الآخرة.
وفى الآية، إشارة إلى أن الجن يبعثون، ويحاسبون، كما يبعث الناس ويحاسبون.
واختصاص جانب الذنوب بالذكر هنا، دون جانب الإحسان- إذ كانت الذنوب في هذا اليوم مما يتحاشاه أهل الموقف، ويفرون منه.
إنهم يطلبون السلامة، ويعضون أصابع الندم على ما فرط منهم في الدنيا، فكيف يطوف بأحدهم طائف يدعوه إلى أن يرتكب ذنبا في هذا المقام؟
ولكنه لو فرض- مع هذا- أن يقع من مذنب ذنب- وهو محال- فلن يحاسب عليه.. فقد طويت صحف الأعمال على ما كان في عالم الامتحان والابتلاء.
هذا، ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} يجوز- واللّه أعلم- أن يكون أنه لا يسأل المذنبون عن ذنوبهم في هذا اليوم سؤال مراجعة وعتاب، إذ لا نفع لهم من وراء هذه المراجعة، وهذا العتاب، حيث لا سبيل لهم إلى إصلاح ما أفسدوا، كما يقول سبحانه: {فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (57: الروم).
ويجوز كذلك- واللّه أعلم- أن يكون المعنى، أنه في هذا اليوم، لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، سؤال تعرّف على حاله، ولا على جنايته التي جناها، إذ كانت جنايته معلقة برقبته، يراها أهل الموقف جميعا، فلا يسأل من سائل: ما حاله في هذا اليوم؟ إذ كانت سمته الموسوم بها دالة عليه، ناطقة بالمصير الذي هو صائر إليه، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في الآية التالية.
{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
فعلى هذا المعنى الأخير، تكون هذه الآيات تعليلا لقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ}.
إذ لا فائدة من وراء هذه المساءلة والمراجعة.
أما على المعنيين الأول والثاني، فتكون الآيات مستأنفة.
والنواصي، جمع ناصية، وهى الرأس.
والمعنى، أنه إذ يعرف المجرمون بسيماهم، تتولى زبانية جهنم أمرهم، فتأخذ بنواصيهم وأقدامهم، أخذا عزيزا متمكنا، لا يدع لأحدهم أن يتحرك، فهو في هذا الوضع أشبه بحجر، أو حصاة في اليد، فيلقى به حيث يريد القابض عليه.
وإقامة موازين العدل بين المخلوقات، وأخذ المسيء بإساءته، هو من النعم التي تستوجب الحمد والشكر، من المحسنين والمسيئين على السواء.
إذ لم يؤخذ المحسنون بإساءة من أساءوا، وإذ كان في عقاب المسيئين إحسان إليهم بتطهيرهم من هذا الرجس الذي علق بهم، وتصفية لجوهرهم من هذا الخبث الذي أفسد طبيعتهم.
قوله تعالى: {هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
الإشارة إلى جهنم هنا، هي استحضار لها في هذه الدنيا بين يدى المكذبين بها، وبالحساب وبالجزاء، حيث يشهدون أنفسهم وهم يطوفون بينها وبين حميمها.
والحميم الآن: ما ينبعث من النار من سموم، يشوى الوجوه.. فأهل النار إذا تحركوا في جهنم، كانت حركتهم فيها على بحار من الحميم، وهو القيح والصديد الذي يسيل منهم، كما يسيل الماء من القدور أثناء غليانها.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إشارة إلى هذه النعم التي يحدّث عنها هذا العذاب، الذي من شأنه أن يبعث في النفوس الخشية من اللّه، والخوف من الوقوع في هذا العذاب، فيستعدّ أصحاب العقول للقاء هذا اليوم، بالعمل الصالح الذي ينجيهم من الوقوع في هذا البلاء.. على خلاف ما لو طلع هذا العذاب على الناس من غير أن ينذروا به، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى لبيان الحكمة من إرسال الرسل، وما يحملون إلى أقوامهم من النذر، إذ يقول سبحانه: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} [56- 59 الزمر] وما يشير إليه قوله تعالى: {وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً} [59: الإسراء].
قوله تعالى: {وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
وهذا من ثمرة الخوف من اللّه، ومن الوقوف بين يديه يوم القيامة، ذلك الخوف الذي يدخل على الإنسان من هذه النار التي أعدّت لأهل الشرك والضلال.. فمن عرف أن هناك حسابا وجزاء يوم القيامة، وأن هناك نارا أعدّت للكافرين وللضالين، وخاف حساب اللّه وعقابه- نجا من هذا البلاء، بإيمانه باللّه، وتجنبه ما يغضبه، واستقامته على سبيله المستقيم، وكان له الجزاء الحسن عند ربه، فأوسع له من فضله وإحسانه، وأدخله الجنة يتبوأ منها حيث يشاء.. فهى جنة فسيحة لا حدود لها، عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
والتعبير عن الجنة بالجنتين، إشارة إلى اتساعها، وقد جاء في القرآن الكريم لفظ الجنة، والجنتين، والجنات، كما يقول سبحانه: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [32: النحل] وكما يقول سبحانه: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} [23: إبراهيم].
فالجنة، جنات في اتساعها وامتدادها.. والجنات، جنة في طيب ثمارها، ووفرة النعيم فيها.
ويجوز أن تكون الجنتان، جنة للإنس، وجنة للجن.. أي ولمن خاف مقام ربه من عالم الإنس وعالم الجن ثواب حسن، ثم بين هذا الجزاء بأنه جنتان، ينزل كل محسن من الفريقين في جنته منهما.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إلفات إلى هذه النعم التي يجدها من يدخل هذه الجنة، على أية صورة تكون عليها.. فكيف، وهى على هذه الصفات التي وصفها اللّه سبحانه وتعالى بها؟ إن كل وصف لهذه الجنة الرحيبة الفسيحة، هو نعم مجددة، تضاف إليها، وتستدعى واجب الحمد والشكر للّه رب العالمين.
قوله تعالى: {ذَواتا أَفْنانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
فهاتان الجنتان ذواتا أفنان، والأفنان، جمع فنن، وهو الغصن المورق.
فالجنتان ذواتا أغصان مورقة، وهذا يعنى أن لأشجارها ظلّا ممدودا.
فالظل نعيم من نعيم الجنة، حيث يطيب الهواء، ويعتدل الجو.
كما يقول سبحانه:
{وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [27- 30: الواقعة].
قوله تعالى: {فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
ومن صفات هاتين الجنتين أن فيهما عينان تجريان، بالماء العذب الرقراق.
وهذا الماء السلسبيل المتدفق من العيون الجارية، هو نفسه نعمة، إلى جانب نعمة الجنة، وإلى ظلها الممدود.. فمن يكذب بهذه النعم المتظاهرة، ويجحد فضل اللّه وإحسانه بها؟.
قوله تعالى: {فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
ومما في هاتين الجنتين كذلك، هذا الثمر الطيب الجنىّ،. وهو ثمر متزاوج، أي مؤتلف، يشبه بعضه بعضا في حسنه، وطيبه، وإن اختلفت طعومه، وتعددت مذاقاته، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه:
{كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً} [25: البقرة].. وقيل إن معنى: {مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ}.
أي كل صنف من أصناف الفاكهة يرد على أهل الجنة، يجيئهم في صورتين، صورة لما كانوا يعرفونه في الدنيا، وصورة لما هو من حقيقة ثمار الجنة، وبهذا يظهر لهم ما بين الفاكهتين من بون شاسع، وفرق بعيد، وهذا مما يحدّث عن فضل اللّه عليهم، وإحسانه إليهم، في هذا المنزل الكريم الذي أحلهم اللّه سبحانه وتعالى فيه.
قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
وفى هاتين الجنتين، وتحت أفنانهما المورقة، وظلالهما الممتدة، وفاكتهما التي تجمع بين فاكهة الدنيا وفاكهة الآخرة- فرش بطائنها أي حشوها من إستبرق، أي حرير، مهيأة ليتكئ عليها أهل الجنة، اتكاء استرواح، واسترخاء، واطمئنان.
والإستبرق: الديباج.
وفى قوله تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ}
استدراك لما قد يقع في الوهم من أنّ اتكاءهم على هذه الفرش، مما يباعد بينهم وبين ثمر هذه الجنة التي يتكئون تحت ظلالها، فإذا أراد أحدهم أن ينال من هذا الثمر شيئا، اضطر إلى أن يتحول عن هذا الوضع المريح له، وجلس، أو وقف، لينال الثمر الذي يريده.. وكلّا، فإن الثمر دان بحيث لا يتكلف له المتكئ شيئا، بل هو حاضر بين يديه، بتخير منه ما يشاء، متكئا، أو مضطجعا، أو نائما..!
والجنى: الثمر الناضج، وهو ما يجنى من شجره، ومنه الجنين، وهو ثمرة الحيوان، ويسمى بيض الطير جنّى لهذا المعنى.
قوله تعالى: {فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
وفى هاتين الجنتين كذلك، حور قاصرات الطرف، أي قصرن أعينهن عن النظر إلى غير ما أحل اللّه لهن، تقىّ وحياء وعفّة.. {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} أي لم يقربهن، ولم يغش حماهنّ أحد من الإنس أو الجنّ، قبل أزواجهن الذين زففن إليهم في الجنة، كما يقول سبحانه: {إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ} [35- 38: الواقعة].
وفى إعادة الضمير جمعا على الجنتين في قوله تعالى. {فِيهِنَّ} بدلا من {فيهما} إشارة إلى أن هاتين الجنتين، جنات في سعتهما، وامتدادهما.
فهما- كما قلنا من قبل- جنة، وجنتان، وجنات.
والطمث: دم الحيض، والطامث: الحائض، ويسمى افتضاض البكر طمئا.
قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
هو وصف لهؤلاء الحور، بالنقاء والصفاء، بعد وصفهن بالعفة والحياء.
والياقوت والمرجان، حجران كريمان، صافيان صفاء البلور، ولكنهما مع هذا الصفاء مشربان بحمرة، ليست في البلور، ولهذا كان تشبيه الحور بهن أبلغ وأصدق، لما يجرى في بشرتهن من دم الشباب، الذي يشرق منه هذا الشعاع الشفقى على وجوههن! هذا ويلاحظ أن الجنتين اللتين وعدهما اللّه الذين يخافون مقام ربهم، قد عرضتا في هذا العرض المفصل، الذي يحدّث في كل مقطع من مقاطعه عن نعم اللّه وآلائه، التي يحملها هذا المقطع، والتي تدعو الثقلين- الإنس والجن- إلى الوقوف بين يديها، وإنعام النظر فيها، ثم تحديد موقفهم منها.. وهل يشكرون أم يكفرون؟.
وفى هذا التفصيل، إشارة إلى أن أىّ نعمة من نعم اللّه، وإن بدت في العين صغيرة، لا يكاد يلتفت إليها الناس، ولا يقدرونها قدرها- هي في حقيقتها نعمة جليلة، تضم في كيانها نعما جليلة أيضا.. وهذا هو بعض السرّ في هذا التعقيب عقب كلّ نعمة بقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
قوله تعالى: {هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي أن هذا النعيم الذي يفاض من اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين في الجنة- هو جزاء إحسانهم في الدنيا، وخوفهم مقام ربهم، كما يقول سبحانه عنهم:
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [15- 19: الذاريات].
وإذا كان هؤلاء المحسنون قد أحسنوا العمل، فإن هذا النعيم الذي هم فيه لا يعدله إحسان المحسنين، مهما بالغوا في الإحسان، وإنما هو فضل من اللّه عليهم، ومضاعفة للجزاء الحسن، الذي كانت أعمالهم الحسنة مدخلا إليه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ} [26: يونس].