فصل: تفسير الآيات (6- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (6- 10):

{وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
الفيء لغة: ما نسخته الشمس من الظل.. والأصل فيه الرجوع إلى الشيء المتروك، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [226: البقرة].
والفيء: شرعا ما أفاء اللّه على المجاهدين من أموال الكافرين من غير قتال.. وفى هذا إشارة إلى أن ما في أيدى الكافرين من أموال، هي في حقيقتها أموال المؤمنين، إذ كانوا هم أولى بها، وأعرف بحق اللّه والعباد فيها.
فلما أخذها المؤمنون من أيدى الكافرين، أصبحت وكأنها فاءت، أي عادت إلى أهلها الذين هم أحق بها.
وقوله تعالى: {وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ} أي والذي أفاءه اللّه على رسوله من أموال بنى النضير، فإنكم- أيها المؤمنون- لم تسيّروا إليه خيلا ولا إبلا، ولم تقاتلوا عليه، إذ كان القوم قريبا منكم فمشيتم إليهم بأقدامكم من غير خيل أو إبل، وقد استسلموا لكم من غير قتال.
والوجيف: ضرب من السير السريع، فيه اضطراب للركاب من حركة عدو الحيوان الذي يركبه.. ومنه وجيف القلوب، أي اضطرابها، ومثل هذا ما يشير إليه قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ} (8: النازعات).
وهذا الخبر يشير إلى أمرين:
أولهما: أنه ليس للمؤمنين أن يحزنوا على ما قطعوا من نخل.. فإن ما بقي، فيه رضىّ لهم، كما أن فيما ترك القوم من ديار ومتاع، عوضا من هذا النخل الذي قطع.. وخاصة أن ما وقع لأيديهم قد جاءهم صفوا عفوا لم يوجفوا عليه بخيل ولا إبل، ولم يقاتلوا في سبيله.
وثانيهما: أن هذا المال، الذي لم يقاتل عليه المسلمون، لا ينطبق عليه حكم الغنائم، التي يكون للّه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، خمس ما غنموا، ويكون للمقاتلين أربعة الأخماس الباقية- فهذا المال الذي لم يقاتل عليه المسلمون، لا يقع تحت هذا الحكم، وإنما هو كله للّه وللرسول، ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
أي أنه يكون في يد الرسول، أو يد ولىّ الأمر القائم على المسلمين، ينفقه في هذه الوجوه.
قوله تعالى: {وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ} أي أن هذا النصر الذي وضعه اللّه بين أيديكم، هو من عند اللّه، لم تعملوا له بخيل ولا إبل، ولم تنالوه بقوة السلاح، ولكنه أتاكم بتأييد من اللّه سبحانه لرسوله، وتمكين لكم من السلطان والغلب على من يشاء من عباده.. فهكذا يؤيد اللّه سبحانه وتعالى رسله، وينصرهم، ويجعل لهم سلطانا على الناس، بما يضع في أيديهم من معجزات، وبما يمدهم به من جنود لا يعلمها إلا هو، تحارب معهم، وتلقى الرعب في قلوب أعدائهم.
فقوله تعالى: {يُسَلِّطُ رُسُلَهُ} أي يجعل لهم سلطانا.. فالتسلط هنا من السلطان، ومن هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ} [96: هود].. أي تسلط على فرعون، وقهر له.
قوله تعالى: {ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} هذه الآية معطوفة على الآية السابقة، ومقررة للحكم الضمنى، الذي أشار إليه قوله تعالى: {فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ}.
كما أنها تشير إلى إلحاق قرّى أخرى بهذه القرية، كما سيحدث ذلك لبنى قريظة.
فهذا الفيء الذي يفيئه اللّه على رسوله من أهل قرى اليهود، لا يقع تحت حكم الغنائم، وإنما هو كله في يد الرسول، يضعه في هذه المصارف التي أشارت إليها الآية الكريمة، والتي ستشير إليها الآيات التالية بعد ذلك.
وقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ} هو تعليل لحكم التصرف في الفيء، وأنه إنما جرى عليه هذا الحكم حتى ينال الفقراء والمساكين حظهم منه، وحتى لا ينتقل من يد الذين يملكون إلى يد الذين يملكون، فيصبح دولة بينهم، أي متداولا بين الأغنياء، على حين يظل الفقراء على فقرهم، ويقيم المحرومون على حرمانهم!! قوله تعالى: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} هو إلفات للمؤمنين إلى ما ينبغى لهم من ولاء وطاعة للرسول، وتقبّل ورضىّ، بكل ما يقضى به النبيّ في المؤمنين، وخاصة وهم في مواجهة هذه الفتنة المطلة عليهم من المال الذي وضعه اللّه في يد الرسول.. فهناك كثير من الأعين ترنو إلى هذا المال، وكثير من القلوب تتلفت إليه، وإنه لن يعصم المسلم- من هذه الفتنة، إلا الإيمان الوثيق، والرضا المطلق، بكل ما يقضى به الرسول: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.
.. فهذا هو حقّ الرسول على المؤمنين: الامتثال والطاعة من غير مراجعة، ولا توقف، أو ريبة.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}.
وعيد لمن تحدثه نفسه من المؤمنين بالخروج عن أمر الرسول، أو الضّيق به، فإن ذلك معناه الكفر، والانسلاخ من الإيمان.. وليس للكافرين إلا النار، هي حسبهم، وبئس المصير.
قوله تعالى.
{لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} هو معطوف عطف بيان على قوله تعالى: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} أي أن هذا الذي أفاءه اللّه على رسوله من أهل القرى، هو للّه ولرسوله، ولذى القربى للرسول، ولليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وللفقراء المهاجرين، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا وينصرون اللّه ورسوله.. فكأنّ ما للّه ولرسوله ولذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، هم هؤلاء المهاجرون الفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وكأن هذا الفيء الذي أفاءه اللّه على الرسول هو من أجل هؤلاء المهاجرين الفقراء، ليكون مواساة لهم في هذه الغربة، التي اختاروها ابتغاء مرضاة اللّه، وآثروا بها دينهم على أهليهم وأموالهم.
وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً} جملة حالية، تكشف عن الحال التي تلبّس بها هؤلاء المهاجرون، حين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وأنهم حين أخرجوا كانوا على حال يبتغون بها فضل اللّه ورضوانه، وينصرون اللّه ورسوله، ولم يكن إخراجهم عن حال أخرى تدعوا قومهم إلى إخراجهم من بينهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [40: الحج] ويجوز أن يكون قوله تعالى: {لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ}.
جوابا عن سؤال يتردد في خاطر النبي الكريم، بعد أن وضع اللّه سبحانه هذا الفيء بين يديه، وجعل ينظر فيما حوله إلى الفقراء الذين دعاه اللّه سبحانه إلى إعطائهم نصيبا من هذا الفيء.. فالفقراء كثيرون، فإلى من من هؤلاء الفقراء يمدّ يده بالعطاء؟
فكان جواب اللّه سبحانه وتعالى: {لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ...} الآية وفى إسناد فعل الخروج {أخرجوا} إلى غير الفاعل، إشارة إلى أنهم لم يخرجوا عن رغبة منهم في الخروج، وإنما أخرجوا إخراجا بيد القهر والعدوان.
وقوله تعالى: {أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} هو تنويه بشأن هؤلاء المهاجرين الأولين، وأنهم إنما كانت هجرتهم للّه ولرسوله، لا لابتغاء مغنم من مغانم الدنيا، أو متاع من متاعها! قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ}: هم الأنصار الذين استقبلوا المهاجرين في مدينتهم، وهم الذين تبوءوا دار الهجرة، أي كانوا أهلها وسكانها قبل المهاجرين، وهم الذين تبوءوا الإيمان أي دخلوا فيه، وسكنوا إليه، واستظلوا بظله، قبل كثير من المهاجرين، لاكلّ المهاجرين.. وإنما عبر عن هذه الكثرة بما يفيد العموم في قوله تعالى: {تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} تنويها بفضل الأنصار، وتغليبا لكثرة المؤمنين منهم على كثرة من آمن من أهل مكة قبل الهجرة.. {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا} أي ولا يجد الأنصار في صدورهم شيئا من الضيق، أو الألم، أو الغيرة، لما أخذ المهاجرون من غنائم بنى النضير.. فقد جعل الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- ما أفاءه اللّه عليه من تلك الغنائم- جعلها في فقراء المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلا ثلاثة نفر منهم كانوا على حال ظاهرة من الفقر.. وبهذا العطاء الذي ناله المهاجرون خفّ العبء عن الأنصار الذين كانوا يقاسمون إخوانهم المهاجرين ديارهم وأموالهم.
{وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ} الإيثار: هو تقديم حاجة الغير على حاجة النفس، سخاء وتفضلا.. وهذا لا يكون إلا من نفوس مهيأة للتضحية.. والإيثار: ضد الأثرة، وهى حب النفس حبّا يعميها عن كل شيء، فلا يرى المرء إلا ذاته، ولا يعمل إلا من خلال هذه الذات، وما يحقق لها من نفع ذاتى لا يشاركها فيه أحد.
والخصاصة: الحاجة، والفقر الذي يعجز الإنسان عن إدراك الضروري من مطالب الحياة.
أي أن هؤلاء الأنصار، من طبيعتهم السماحة والبذل، وإيثار إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، والنزول لهم عن الطيب الأكثر مما في أيديهم، مع حاجتهم إليه.. وهذا هو الفضل على تمامه وكماله، حيث يجيء عن حاجة، ولا يجيء عن غنّى وسعة.. وإذن فهم لا يجدون في صدورهم حاجة من الحسد لما أصاب إخوانهم من خير، بل إنهم ليجدون في هذا سعادة ورضى لهم.. فإن النفوس الطيبة الكريمة ليسعدها أن تجد الخير يغمر الحياة، ويعمر البيوت، ويشيع في الناس الغبطة والرضا.. أما النفوس اللئيمة الخبيثة، فإنه يزعجها ويسوءها أن ترى خيرا يصيب أي أحد من الناس، ولو كان من أقرب المقربين إليها.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {يوق}: أي يحفظ، ويحمى وشح النفس، بخلها، وحرصها.
وفى التعبير عن السلامة من شح النفس وبخلها وحرصها، بلفظ الوقاية منه- للإشارة إلى أن الشح عدو راصد، يتربص بالنفس الإنسانية في أية لحظة يغفل فيها الإنسان عن حراسة نفسه منه، فإذا غفل الإنسان عن هذا العدو دخل على نفسه، واستولى عليها.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} الذين جاءوا من بعدهم، هم المؤمنون الذين يجيئون من بعد المهاجرين والأنصار، في مختلف الأزمان والأوطان.. فالمؤمنون جميعا كيان واحد، وأنه إذا كان للمهاجرين والأنصار وضع خاص في الإسلام، ومنزلة عالية في المسلمين- فليس ذلك بالذي يعزلهم عن المؤمنين في أي زمان ومكان، وليس ذلك بالذي يعزل أي مؤمن عنهم.. فالمؤمنون جميعا إخوة في اللّه، ومجتمع واحد في دين اللّه.. على امتداد الأزمان والأوطان.
والآية معطوفة على الآية السابقة: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} والتي هي معطوفة على قوله تعالى: {أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي كما أن المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا وينصرون اللّه ورسوله- هم الصادقون في إيمانهم، فكذلك مثلهم في صدق الإيمان، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، وهم الأنصار.. وكذلك مثل هؤلاء وأولئك، الذين جاءوا من بعدهم من المؤمنين، وسلكوا سبيلهم، وامتلأت قلوبهم بهذه العواطف والمشاعر من الحب والإخاء والمودة للمؤمنين جميعا.. وأنه إذا كانت هجرة المهاجرين إلى الأنصار قد جمعت بين المهاجرين والأنصار على الحب والمودة والإخاء، فجعلت منهم تلك الهجرة أسرة واحدة، يقتسم أفرادها السراء والضراء فيما بينهم- إذا كانت الهجرة قد عقدت بين المؤمنين هذا العقد الموثّق- فإنه ليس من الضروري أن تكون هناك هجرة كتلك الهجرة، حتى ينتظم المؤمن في هذا العقد، ويأخذ مكانه فيه، بل إنه من الممكن دائما وفى أي زمان ومكان، أن يهاجر المؤمن بقلبه ومشاعره إلى إخوانه المؤمنين، وإنه لمن الممكن دائما وفى كل زمان ومكان، أن يجعل المؤمن قلبه ومشاعره مهاجرا إلى المؤمنين، فإذا هاجر إليهم، وجد في ظلهم الحب والرحمة والإخاء، وإذا هاجروا إليه نزلوا من قلبه، ومشاعره منزل الإعزاز والإكرام.
وبهذا يستطيع المؤمن أن يجمع بين الهجرة والنّصرة، فيكون من المهاجرين، ويكون من الأنصار.. وذلك إنما يكون حين يفتح قلبه، لكل مؤمن، ويخلط مشاعره بكل مؤمن.. فإن كان فقيرا، وجد لفقره عندهم غنى وإن كان ضعيفا وجد لضعفه فيهم قوة.. وإن كان غنيّا، وجد فقيرهم من غناه، غنىّ، وإن كان قويا وجد ضعيفهم من قوته قوة.
فهذا هو المؤمن، الذي يدخل مع المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: {أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.
وفى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ} إشارة إلى تلك الوسيلة التي يتوسل بها المؤمنون اللاحقون، إلى أن ينتظموا في سلك المؤمنين من المهاجرين والأنصار.
ذلك أنه إذ لم تكن هناك هجرة بعد الفتح، كما يقول الرسول الكريم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن نيّة وجهاد»- فإنه بهذه المشاعر التي يرتبط بها المسلم بالمسلمين جميعا، وبهذا الدعاء الذي يدعو به، لإخوانه الذين سبقوه بالإيمان- بهذه المشاعر، وبهذا الدعاء، يكون قد بذل من ذاته شيئا، وقدّم لإخوانه خيرا، واقتسم معهم ما يدعو اللّه به من رحمة ومغفرة، وبهذا أيضا يكون أشبه بالأنصار الذين آووا المهاجرين، واقتسموا معهم أموالهم وديارهم.
وفى قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} إشارة أخرى إلى أنه إذا لم يكن من المؤمن وصلة من مال أو دعاء بخير، يصل به إخوانه المؤمنين، فلا أفلّ من أن يخلى قلبه من الغلّ، والحسد، والحقد والبغضة، لإخوانه المؤمنين.
فإذا لم يستطع أن يوصّل إليهم شيئا من الخير، فليمسك يده ولسانه، عن أي شر أو أذّى، يلحق بمسلم من جهته!.
وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه».
وفى جعل الغلّ في القلوب، إشارة إلى أن القلوب هي مستودع المشاعر، من حب أو بغض، ومن مودة أو جفاء.. وأن هذه المشاعر هي التي تتولد منها الأقوال والأفعال، ولهذا كان على المرء أن يحرس نفسه من الوساوس والخواطر السيئة، ولا يدع لها فرصة كى تتمكن منه، وتستقر في وجدانه، فإنها إن تمكنت منه، واستقرت في كيانه، كانت قوة عاملة في توجيه سلوكه، وتشكيل أعماله.
وأصل الغلّ، من الغلة والغليل، وهو ما يجده الإنسان في داخله من حرارة العطش، ومعناه هنا: العداوة والحقد، حيث تغلى الصدور، وتحترق القلوب بنار الحقد والعداوة.
وفى قوله تعالى: {رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} استدعاء لهاتين الصفتين الكريمتين من صفات اللّه سبحانه وتعالى، وهما الرأفة والرحمة ليستشعر بهما المؤمن مشاعر الرأفة والرحمة بإخوانه المؤمنين، فيؤثرهم ببعض ما عنده من خير، رأفة ورحمة بهم.