فصل: تفسير الآية رقم (32):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (32):

{مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)}.
التفسير:
قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ} الإشارة هنا إلى محتوى هذه الحادثة كلّه، وما تضمنته من تسلط الحسد على بعض النفوس، ذلك الدّاء الذي يقطع أواصر المودة والأخوّة بين الناس، ويلقى بينهم العداوة والبغضاء، حتى يهلك بعضهم بعضا، ويذيق بعضهم بأس بعض.. ثم هذه الجريمة الشنعاء، التي ذهبت بحياة إنسان بريء، لم يبسط لسانه أو يده بعدوان على أحد.
ثم إن القتل عدوان بيّن على اللّه سبحانه، الذي بيده وحده الحياة والموت.
فإذا لم يكن الإنسان يملك من أمر الحياة شيئا، فليس له أن يملك من أمر الموت شيئا.
ومن هنا كانت غيرة اللّه سبحانه وتعالى على تلك الحرمة المقدسة.. حرمة الحياة الإنسانية، وقداسة الإنسان وكرامته على اللّه.
وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
أي بسبب حرمة الحياة الإنسانية وقداستها وكرامتها، فرض اللّه على بنى إسرائيل هذا الفرض، وأوجب عليهم هذا الحكم، وهو أنه من قتل نفسا، عدوانا وظلما، أي من غير قصاص في قتل، أو سعى بفساد في الأرض- فكأنما قتل الناس جميعا، {وَمَنْ أَحْياها} أي أحيا نفسا إنسانية، بأن كفّ يده عن العدوان عليها، أو دفع عنها يدا معتدية عليها- فكأنه أحيا الناس جميعا.. ذلك أن الإنسان يمثّل الإنسانية كلها.. إذ كان خلقها جميعا من نفس واحدة، كما يقول اللّه تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} [1: النساء].. وفى كل إنسان هذه النفخة المقدسة التي كانت منها الإنسانية كلها، فمن قتل إنسانا، فقد أخمد تلك الشعلة المقدسة التي هي أصل الحياة، ومن أحياها، أي تركها حيّة فلم يعرض لها بسوء، فكأنما أحيا الإنسانية كلها، وترك شعلتها المقدسة متّقدة.
وفى هذا الحكم الذي أوجبه اللّه سبحانه وتعالى على بنى إسرائيل، تغليظ لجريمة القتل، وتشنيع عليها، وتهويل لها، ووضع القاتل أو من تحدّثه نفسه بالقتل أمام تلك الجريمة المفزعة، التي يرى فيها الإنسانية كلها وهى جثث هامدة، وأشلاء ممزقة بين يديه.. حتى أهله وأقرب الأقربين إليه من آباء وأبناء.
إنهم جميعا من قتلاه.. بل إنه هو نفسه فيمن قتل بيده.. إذ كيف يحيا وحده في هذا العالم الموحش، وقد خلا من وجه الإنسان؟
وفى هذا الموقف يطلّ علينا من بعيد هذا الشبح المخيف لابن آدم الذي قتل أخاه، فاستولت عليه الوحشة القاتلة بعده، وأصبح غريبا في هذا العالم، لا يجد لحياته وجودا على هذه الأرض، حتى ليذهل عن كل شيء وتضيع من نفسه معالم المعرفة، التي لا تتحرك ولا تعمل إلا في مواجهة الإنسان للإنسان.
ولهذا كان الغراب أقدر على الحياة منه، وأصلح للعمل فيها، لأنه يعيش بين جنسه، مع فطرته، التي تستجيب لحياة الجماعة وتعمل معها.
والسؤال هنا: لم كان هذا الحكم واقعا على بنى إسرائيل وحدهم؟
والجواب- واللّه أعلم- هو أن شريعتهم أقدم الشرائع السماوية، العاملة في الحياة، والتي أدركها الإسلام، والتحم بها، وبأتباعها.. ولا يمنع من هذا أن يكون هذا الحكم قد كان مفروضا في الشرائع السماوية السابقة على شريعة التوراة.
ثم إنه من جهة أخرى- تأديب خاص لبنى إسرائيل، وابتلاء لهم بهذا الحكم الذي يحمّل القاتل منهم دم الإنسانية كلها، إذ كانوا أكثر الناس استخفافا بدم الناس، حتى دم الأنبياء والقديسين.. وفى هذا يقول اللّه سبحانه وتعالى فيهم: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ} [85: البقرة].
وفى قوله تعالى: {وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}.
إشارة إلى ما في بنى إسرائيل من بغى وعدوان، وأنهم- وقد بعث اللّه إليهم رسله، بالبينات والهدى- لم يستقيموا على طريق الحق، ولم ينزعوا ما في نفوسهم من حسد وبغى.

.تفسير الآيات (33- 34):

{إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)}.
التفسير:
فى الآية السابقة جاء قوله تعالى {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} وفى هذه الآية جاء قوله سبحانه: {إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} بيانا شارحا لجزاء المفسدين الذين أباح اللّه دماءهم، ورفع عن قاتلهم تبعة الإثم الواقع على من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض.
وفى الآية الكريمة إشارة إلى بنى إسرائيل، وإلى أنهم هم الوجه البارز في الإنسانية، الذي تظهر فيه تلك المنكرات ظهورا واضحا، حتى لتكاد تكون الأصل الذي يقاس عليه كل منكر يظهر في الناس.
فهم يحادّون اللّه ورسوله.. والمحادة هي العدوان على حدود اللّه، والاستباحة لحرماته.
وهم الذين يسعون في الأرض فسادا، بما يرتكبون من جرائم وآثام، لما يحملون في صدورهم من غلّ وحسد.
وقد رصد اللّه سبحانه هذا العقاب الرادع لتلك الجرائم المنكرة، ليكون فيه تنكيل، وبلاء، وإهدار لآدميّة من يهدر آدميته، حين يضيّع حقوق اللّه، ويستخفّ بها، ويهدر حقوق الناس ويغتالها، ويستبيح دماءهم وأموالهم.
وفى قوله تعالى: {أَوْ يُصَلَّبُوا} إشارة أخرى إلى اليهود، حيث أن هذا النوع من العقاب وهو الصلب، كان شريعة لهم، يأخذون به من يحادّ اللّه، ويكفر به.. وقد قدّموا المسيح بهذه التهمة، وحكموا عليه بالموت صلبا.
وفى قوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} إشارة ثالثة تشير إلى اليهود، وأنهم أولى الناس بهذه العقوبات، وأكثرهم تعرضا لها.. ولقد وقع عليهم هذا الحكم، فأجلاهم الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- من المدينة، ونفاهم من الأرض.. إذ كانوا مصدر فتنة وقلق واضطراب للمجتمع الإسلامى في المدينة، يفتنون الناس عن دينهم، ويؤلفون مع المنافقين حلفا لمحاربة الإسلام والكيد له، ولقد كان منهم هذا الغدر اللئيم الذي جمع بينهم وبين مشركى قريش، حين جاءوا إلى المدينة بجموعهم يريدون القضاء على المهاجرين والأنصار في غزوة الخندق.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ} [3: التغابن] وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} هو استثناء من هذا الحكم الواقع على أصحاب تلك الجرائم المنكرة.. فمن تاب منهم، ورجع عما هو عليه من منكر، وذلك قبل أن تناله يد المسلمين، وتمسك به متلبسا بجرمه- من تاب منهم قبل هذا فقد رفع اللّه عنه هذا الحكم، وفتح له بتوبته، الطريق إلى النجاة.. فليغفر لهم النبيّ والمسلمون، وليلقوهم بالصفح الجميل، وليعلموا {أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

.تفسير الآية رقم (35):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)}.
التفسير:
الوسيلة.. والتوسل بأصحاب القبور:
وبين يدى هذه العقوبة الراصدة للذين يحادّون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فسادا، تجيء دعوة للمؤمنين أن يثبتوا على ما هم عليه من إيمان وتقوى، وأن يعملوا ما وسعهم العمل على الاقتراب من اللّه، بالعمل الصالح والجهاد في سبيله، حتى يبتعدوا أكثر ما يمكن عن هذه المهالك، التي تأخذ المفسدين بأنواع النّكال والبلاء.
والدعوة إلى السلامة والنجاة، في الحال التي يشهد الإنسان فيها مصارع الظالمين والبغاة، هي دعوة مستحابة، تتلقاها النفوس حفية بها، حريصة عليها.
حيث هي الحبل الممدود لنجاة من يمسك به، في هذه الريح العاصف، التي تنزع الناس، وتلقى بهم في مهاوى الهلاك.
والوسيلة: هي ما يتوسل به إلى اللّه تعالى من الأعمال الصالحة التي ترضى اللّه، وتدنى الإنسان من ربه.
فالوسيلة في اللغة، ما يتوسل به إلى أي أمر ابتغاء تحقيقه، وجمعها وسائل، ولكل أمر وسائله وأدواته التي يتوسل بها إليه، فمن أخطأته الوسائل، لم يبلغ من أمره ما يريد.
وتقوى اللّه هي مطلوب كل مؤمن باللّه، ورغيبة كل طامع في رضا اللّه، ساع إلى مرضاته.
ولهذا فقد أمر اللّه تعالى الذين آمنوا، بالتقوى، في قوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ}.
فليس الإيمان- مجرد الإيمان- هو الذي يطلب من المؤمن، ليكون في عباد اللّه المؤمنين، وإنما الذي يحقق الإيمان، وينضج ثمرته، هو التقوى.
والتقوى هي اجتناب محارم اللّه، وامتثال أوامره، أو هي كما عرفها بعض العارفين: ألّا يراك اللّه حيث نهاك وألا يفتقدك حيث أمرك.
والتقوى على تمامها مطلب صعب المنال، غالى الثمن، لا يقدر على الوفاء به إلّا من رزقه اللّه قوة الإيمان، وثبات اليقين، ووثاقة العزم.. تلك هي بعض الوسائل التي يتوسّل بها إلى التقوى- ولهذا جاء قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} معطوفا على قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ} أي اتقوا اللّه بابتغاء الوسائل المؤدية إلى التقوى.
وهنا ما يسأل عنه: كيف جاء النظم القرآنى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} إذا كان المراد بالوسيلة ما تحقق به التقوى.. إذ لو كان الأمر كذلك لجاء النظم القرآنى كهذا: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
كيف هذا؟
والجواب على هذا، هو أن التقوى هي تقوى اللّه، ووسائلها التي تتحقق بها هي وسائل موصلة إلى اللّه، مدنية من رضاه ومغفرته.. فليست التقوى.
والأمر كذلك- مقصودة لذاتها، وإنما هي مرادة لما هو أولى بالمؤمن أن يتعلّق به، ويعمل له، وهو القرب من اللّه، والنزول في رحاب رضوانه.. فابتغاء وسائل التقوى هو في الحقيقة ابتغاء للوسائل المؤدية إلى رضى اللّه، ومن ثمّ كان عود الضمير إلى اللّه سبحانه وتعالى، لا إلى التقوى، التي هي بدورها وسيلة إلى التقرب من اللّه! وأمر آخر من أمر الوسيلة.. نريد أن نقف قليلا عنده.
فقد ذهب كثير من العلماء، وخاصة علماء الشيعة، إلى أن المراد بالوسيلة هنا هو التوسل بآل البيت- رضوان اللّه عليهم- والاستغاثة بهم، واللّجأ إليهم في الملمّات.
وعن هذا المنزع ما يأخذ به بعض المسلمين أنفسهم من التوسل بالأموات، ممن يعتقد في صلاحهم، واستقامة سلوكهم في الحياة، فيلمّون بقبورهم وأضرحتهم، طالبين قضاء حوائجهم التي قصرت عنها أيديهم.
والذي يأباه الدّين هنا هو ما يتخذه كثير من أولئك الذين يزورون قبور الصالحين وأضرحتهم، من التمسح بهذه المواطن، ومناجاة الراقدين فيها، وطلب الغوث منهم، حتى ليكاد المسلم يذهل عن اللّه في هذا الموقف، وحتى لكأن هذا الإنسان الصالح هو الذي يتصرف في هذا الكون.. إن شاء أعطى، وإن أراد منع! أمّا أمر زيارة قبور الصالحين، فهو إن تجردّ من هذه المشاعر، وخلص من تلك التصورات، ووقف به الزائر عند حدّ العبرة والعظة، بذكر الموت الذي تذوقه كل نفس، ويرد مورده كل إنسان، فذلك مما لا بأس به، إذ يكون الإنسان- وهو في معرض يذكّره بالموت- أمام صورة طيبة، لسيرة عبد من عباد اللّه الصالحين، الذين أصبحوا ذكرا طيبا على ألسنة العباد.. ولعلّ في هذا ما يدعوه إلى الأسوة، والسّير على طريق الصالحين.
ومع هذا، فإن الضعف البشرى، والجهل بما للّه وما للعباد، قد يحمل بعض الناس ممن يلمّون بقبور الصالحين، على ألا يذكروا شيئا من هذا، وألا يستحضروا الموت في هذا الموقف، إذ قد يتمثل لهم أن صاحب هذا الضريح لم يتحول بعد إلى تراب ضائع في التراب، وأنه بكيانه كله لا يزال يلقى الناس ويلقونه، ويأخذ ويعطى.. ومن هنا كان الأولى بمن لا يعرف كيف يحمى نفسه من هذا المزلق، ويحرسها من هذا الضلال- أن يتجنّب زيارة الأضرحة، ليدفع عن إيمانه عوارض الضعف ودواعى الشرك.
ولا بأس هنا من أن ننقل ما ذكره الشّوكانى عند تفسيره لهذه الآية، قال: قد أكثر الناس من دعاء غير اللّه تعالى، من الأولياء، الأحياء منهم والأموات.. مثل يا سيدى فلان أغثنى.. وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوّه بذلك، وألّا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وإلّا يكنه فهو قريب منه.. ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعوّ الحىّ الغائب، أو الميت المغيّب، يعلم الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه، وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم فالحزم، التجنب عن ذلك، وعدم الطلب إلا من اللّه القوىّ الغنىّ الفعّال لما يريد.
ثم يقول: ومن وقف على سرّ ما رواه الطبراني في معجمه، من أنه كان في زمن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم- منافق يؤذى المؤمنين، فقال الصديق- أبو بكر رضى اللّه عنه- هيّا بنا نستغيث برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هذا المنافق، فجاءوا إليه، فقال- صلى اللّه عليه وسلم-: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث باللّه».
من عرف سرّ ذلك لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلّبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقى ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والإصاخة إلى أهل ناديه- أمر يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرّنك أن المستغيث بمخلوق، قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة من اللّه عزّ وجل، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به، فيظن أن ذلك كرامة ممن استغاث به.. هيهات هيهات، وإنما هو شيطان من أضلّه وأغواه، وزين له هواه...
وهذا الذي يقوله الشوكانى هو الذي يجب أن يؤمن به كل مسلم، في نظرته إلى أصحاب القبور، وإلى من يعدّه من الصالحين، وذوى الكرامات فيهم.
إنهم جميعا في عالم وراء هذا العالم الذي نعيش فيه، شغلوا بما هم فيه من نعيم أو بلاء، وإنّهم لأشدّ حاجة إلينا منا إليهم، بالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.. حيث أننا- أعنى الأحياء- في دار عمل وابتلاء، يتقبل اللّه منا أعمالنا، ويحصيها علينا، ويحاسبنا عليها، وهم قد صاروا إلى عالم قد انقطع عنهم كل عمل فيه، فلا يضاف إلى أعمالهم التي عملوها في الدنيا شيئا جديدا من كسب أيديهم في عالمهم الأخروىّ.. فكيف والحال كذلك يكون لهم كسب يضاف إلى غيرهم، من قضاء الحوائج، وتفريج الكروب؟.
ولا شك أن كثيرا ممّن يلمّون بمقابر من يعتقدون في ولايتهم وصلاحهم، تستولى عليهم في تلك الحال مشاعر، توحى إليهم بأنهم على مداناة وقرب من اللّه، وأن ما يدعون به مستجاب، وأن وراءهم من أمداد الصالحين والأولياء، ما يزكىّ دعاءهم عند اللّه، وينزله منازل القبول.
وهذا، وغيره من المشاعر المختلطة التي تستولى على الإنسان، في تلك الحال- من شأنه أن يبعث الراحة والطمأنينة في الإنسان، ويعلّله بالأمل والرجاء، وهذا بدوره عامل نفسىّ له أثره الإيحائى الذاتي، الذي تتغير به نفسية الإنسان، وتتبدل مشاعره، وفى ذلك شفاء له من كثير مما كان يكابده ويشقى به.
والعلاج بالإيحاء أمر معروف مشهود، وما يجده الذين يزورون أضرحة الأولياء والصالحين، من روح وراحة لا يعدو أن يكون ضربا من الإيحاء النفسىّ، سواء أكانت وارداته من خارج النفس أو داخلها.
ولعلّ في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} ما يشير إلى شيء من هذا الذي يعرف بالإيحاء النفسي.. فالإنسان تتغير حاله، ويتبدّل سلوكه نحو شيء ما إذا تغيّرت مدركاته له، ومشاعره نحوه.. وكذلك شأنه في جميع أحواله، حيث يقوم تعامله مع الأشياء على أساس من إدراكه لها، ومشاعره نحوها، فإذا تغيرت تلك المدركات تغيّرت تبعا لذلك مواقفه منها، وسلوكه معها.. وشأن الجماعات في هذا، هو شأن الأفراد سواء بسواء.
على أن الذي نودّ أن ننّبه إليه هنا، هو ما يتطابر من شرر أو شرّ بين الذين يلتقون على خلاف في مجال التوسّل بالأنبياء، والأولياء والصالحين.
فهذا الشّرر كثيرا ما يمتدّ إلى هؤلاء، الذين اختلف المختلفون في التوسل إليهم، بين مغال في التوسل، وبين مبالغ في تحريمه وفى تكفير من يتوسلون!.
ففى الطرف المغالى في التوسل يرمى دعاته وأنصاره بالقول جزافا، يكيدون به للطرف المقابل، الذي ينازعهم فيه، ويتهمهم بمرض قلوبهم، وفساد دينهم.
وإذا هم يبالغون ويبالغون فيما هم فيه، حتى ليبلغ بهم ذلك إلى حد الشرك الصّراح باللّه.
وفى الطرف الآخر، الذي يحارب التوسل ويعاديه، يجد المرء نفسه أنه في حرب حقيقية، وأن عليه أن ينتصر فيها بأى ثمن، وأن يضرب في الجبهة المعادية له بأى سلاح، وإذا هو من حيث لا يدرى يضرب في وجوه الأنبياء والأولياء والصالحين أنفسهم، ولا يسأل نفسه ماذا جنى هؤلاء الكرام من عباد اللّه من جناية، حتى يرميهم بما يرميهم به.. من استخفاف بهم، وتطاول على مقامهم الكريم.
إن الدعوة بالرفق والحسنى في هذا المقام، أليق بالإنسان، وأنجح لدعوته، وأسلم لدينه، إن كان أمره في هذا قائما على النصح للّه ولرسوله وللمؤمنين، فلا خير في داع يدعو إلى الخير، ثم يعود آخر المطاف بمحصول وفير من الوزر والإثم!.
وأيّا كان الأمر، فإن الذي ينبغى أن يكون في يقين المسلم دائما هو التوقير والولاء لأنبياء اللّه، وأوليائه، والصالحين من عباده، وألا يدخل شيء من الضيم على ولائه وتوقيره لهم، ما يجنيه عليهم غيرهم، واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} وقد عبد النصارى المسيح بن مريم، واتخذوه إلها من دون اللّه، ومع هذا فمقامه عند اللّه عظيم، لم ينله شيء مما جنى أتباعه من ضلال وكفر.. وكذلك ينبغى أن يكون ولاؤنا له على قدر تلك المنزلة العظيمة التي جعلها اللّه له بين عباده المكرمين.
فإذا بالغ المبالغون منا، وغلا المغالون فينا، ونظروا إلى الأنبياء والأولياء والصالحين، تلك النظرة التي يأخذها عليهم المقتصدون، ويتهمهم بها في دينهم المتهمون- فذلك كله ينبغى أن يكون بمعزل عن مقام هؤلاء المكرمين من عباد اللّه، من رسله، وأنبيائه، وأوليائه.. واللّه يقول الحق، وهو يهدى السبيل.