فصل: تفسير الآيات (1- 6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآيات (28- 32):

{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32)}
فيقول جلّ ذكره: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.
لا تختصموا لديَّ اليومَ وقد أَمَرْتُكم بالرُّشْدِ ونَهَيْتُكم عن الغَيّ.
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مَن مَّزِيدٍ}.
{نَقُولُ لِجَهَنَّمَ} {وَتَقُولًُ}: القولُ هنا على التوسُّع؛ لأنه لو كانت جهنم ممن يجيب لقالت ذلك بل يُحْييها حتى تقولَ ذلك.
{هَلْ مِن مَّزِيدٍ}: على جهة التغليظ، والاستزداة من الكفار.
ويقال: بل تقول: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}: أي ليس فيَّ زيادة كقوله عليه السلام لمَّا قيل له:
يومَ فتح مكة: هل ترجع إلى دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل داراً»؟! أي لم يترك، فإن الله- تعالى- يملأ جهنمَ من الكفارِ والعصاةِ، فإذا ما أُخرِجَ العصاةُ من المؤمنين ازدادَ غيظُ الكفارِ حتى تمتلئ بهم جهنم.
قوله جلّ ذكره: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}.
يقال: أنَّ الجنَّةَ تُقَرَّبُ من المتقين، كما أَنَّ النّار تُجَرُّ بالسلاسل إلى المحشر نحو المجرمين.
ويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها.... وهم خواص الخواص.
ويقل: هم ثلاثةُ أصناف: قوم يُحْشَرون إلى الجنة مشاةً وهم الذين قال فيهم: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً} [الزمر: 73]- وهم عوام المؤمنين وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوَّرة لهم بصورة حيوان، وهم الذين قال فيهم جَلَّ وعلا: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلَى الرَّحْمَانِ وَفداً} [مريم: 85]- وهؤلاء هم الخواص وأمَّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقَينَ} أي تُقَرَّبُ الجنةُ منهم.
وقوله: {غَيْرَ بَعِيدٍ}: تأكيدٌ لقوله: {وأزلفت}.
ويقال: {غَيْرَ بَعِيدٍ}: من العاصين تطييباً لقلوبهم.
قوله جلّ ذكره: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}.
الأوَّابُ: الراجعُ إلى الله في جميع أحواله.
{حَفِيظُ}: أي محافظ على أوقاته، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ لأنفاسه مع الله).

.تفسير الآيات (33- 36):

{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36)}
قوله جلّ ذكره: {مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقْلبٍ مُّنِيبٍ}.
الخشيةُ من الرحمنِ هي الخشية من الفراق (والخشية من الرحمن تكون مقرونة) بالأُنْس؛ ولذلك لم يقل: من خشي الجبَّار ولا من خشي القهَّار.
ويقال الخشية من الله تقتضي العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسْأَلُ عمَّا يفعل.
ويقال: الخشيةُ ألطفُ من الخوف، وأنها قريبةٌ من الهيبة.
{وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}: لم يقل بَنَفْسٍ مطيعة بل قال: بقلبٍ منيب ليكونَ للعصاةِ في هذا أملٌ؛ لأنهم- وإن قَصَّروا بنفوسهم وليس لهم صِدْقُ القَدَمِ- فلهم الأسفُ بقلوبهم وصدق الندَّم.
قوله جلّ ذكره: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}.
أي يقال لهم: ادخلوها بسلامةٍ من كل آفةٍ، ووجودِ رضوان ولا يسخطُ عليكم الحقُّ أبداً.
ومنهم مَنْ يقول له المَلَكُ: ادخلوها بسلامٍ، ومنهم من يقوله له: لكم ما تشاؤون فيها- قال تعالى: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}.
لم يقل: لهم ما يسألون بل قال: {لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ}: فكلُّ ما يخطر ببالهم فإنَّ سؤلَهم يتحقق لهم في الوَهْلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنَّ لهم غداً منه الإحسان.... وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
{وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}: اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله سبحانه وقومٌ يقولون: المزيد على الثواب في الجنة- ولا منافاة بينهما.
قوله جلّ ذكره: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطَشاً فَنَقَّبُواْ في الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}.
أي عْتَبِروا بالذين تَقَدَّموكم؛ انهمكوا في ضلالتهم، وأَصَرُّوا، ولم يُقْلِعوا.. فأهلكناهم وما أَبْقَيْنَا منهم أحداً.

.تفسير الآيات (37- 39):

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)}
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.
قيل: {لِمَن كَانَ لُهُ قَلْبٌ}: أي من كان له عقل. وقيل: قلب حاضر. ويقال قلبٌ على الإحسان مُقْبِل. ويقال: قَلْبٌ غيرُ قُلَّب.
{أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}: استمع إلى ما يَنادى به ظاهرُه من الخَلْق وإلى ما يعود إلى سِرِّه من الحق. ويقال: لمن كان له قلبٌ صاح لم يَسْكر من الغفلة. ويقال قلبٌ يعد أنفاسَه مع الله. ويقال: قلبٌ حيٌّ بنور الموافقة. ويقال: قلبٌ غيرُ مُعْرِضٍ عن الاعتبار والاستبصار.
ويقال: «القلبُ- كما في الخبر- بين إصبعين من أصابع الرحمن»: أي بين نعمتين؛ وهما ما يدفعه عنه من البلاء، وما ينفعه به من النَّعماء، فكلُّ قلب مَنَعَ الحقُّ عنه الأوصافَ الذميمَةَ وأَلْزَمَه النعوتَ الحميدةَ فهو الذي قال فيه: {إِنَّ في ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}.
وفي الخبر: «إن لله أوانيَ ألاَ وهي القلوب، وأقربها من الله مارقَّ وصفا» شبَّه القلوب بالأواني؛ فقلبُ الكافرِ منكوسٌ لا يدخل فيه شيء، وقلبُ المنافقِ إناء مكسور، ما يُلْقى فيه من أوَّله يخرج من أسفله، وقلبُ المؤمنِ إناءٌ صحيح غير منكوس يدخل فيه الإيمانُ ويَبْقَى.
ولكنَّ هذه القلوبَ مختلفةٌ؛ فقلبٌ مُلَطَّخٌ بالانفعالات وفنون الآفات؛ فالشرابُ الذي يُلْقَى فيه يصحبه أثر، ويتلطخ به.
وقلبٌ صفا من الكدورات وهو أعلاها قَدْراً.
قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.
وأَني يَمَسُّه اللُّغوبُ. وهو صَمَدٌ لا يحدث في ذاته حادث؟!
قوله جلّ ذكره: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}.
إِنْ تَأذَّ سَمْعُكَ بما يقولون فيَّ من الأشياء التي يتقدَّس عنها نَعْتي فاصبِرْ على ما يقولون، واستروِحْ عن ذلك بتسبيحك لنا.

.تفسير الآيات (40- 45):

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)}
{وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ}.
فالليلُ وقتُ الخلوة- والصفاءُ في الخلوة أتَمُّ وأصْفى.
قوله جلّ ذكره: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَالِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ}.
النداءُ من الحق- سبحانه- واردٌ عليهم، كما انَّ النجوى تحصل دائماً بينهم. والنداءُ الذي يَردُ عليهم يكون بغتةً ولا يكون للعبد في فِعْلِه اختيارٌ.
قوله جلّ ذكره: {إِِنَا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ}.
إلينا مَرْجِعُ الكُلِّ ومصيرُهم.
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}.
هذا يسيرٌ علينا: سواء خلقناهم جملةً أو فرادى؛ قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 31].
قوله جلّ ذكره: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.
ما انت عليهم بُمتَسَلِّطٍ تُكْرِههم.
وإنما يُؤَثِّرُ التخويفُ والإنذارُ والتذكيرُ في الخائفين، فأمّا مَنْ لا يخاف فلا ينجحُ فيه التخويف- وطيرُ السماء على أُلاَّفها تقعُ.

.سورة الذاريات:

.تفسير الآيات (1- 6):

{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)}
والذارياتُ: أي الرياح الحاملات {وِقْراً} أي السحاب {فَالْجَارِياتِ} أي السفن. {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أي الملائكة بربِّ هذه الأشياء وبقدرته عليها. وجواب القسم: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ...} والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. الرياح الصيحية تحمل أنينَ المشتاقين إلى ساحات العزَّةِ فيأتي نسيمُ القربةِ إلى مَشَامِّ أسرارِ أهل المحبة فعندئذٍ يجدون راحةً من غَلَبَات اللوعة، وفي معناه أنشدوا:
وإني لأستهدي الرياحَ نسيمكم ** إذا أقبلَتْ من أرضكم بهبوب

وأسألُها حمْلَ السلام إليكمو ** فإنْ هي يوماً بَلَّغتْ.. فأجيبي

ومن السحاب ما يُمطر بعتاب الغيبة، ويُؤْذن بهواجم النَّوى والفُرْقة. فإذا عَنَّ لهم من ذلك شيء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرُّع في السؤال استعاذةً منها كما قالوا:
أقول وقد رأيتُ لها سحاباً ** من الهجران مقبلة إلينا

وقد سحَّت عزاليها بِبَيْنٍ ** حوالينا الصدودُ ولا علينا

وكما قد يَحْملُ الملاَّحُ بعضَ الفقراء بلا أجرة طمعاً في سلامة السفينة- فهؤلاء يرْجُون أن يُحمَلُوا في فُلْكِ العناية في بحار القدرة عند تلاطم الأمواج حول السفينة. ومِنَ الملائكةِ مَنْ يتنزَّلُ لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو لأنواعٍ من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: هل عندهم خيرٌ عن فراقهم ووصالهم- كما قالوا:
بربِّكما يا صاحبيَّ قِفَا بيا ** أسائلكم عن حالهم وآسألانيا

{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}: الحقُّ- سبحانه- وَعَدَ المطيعين بالجنة، والتائبين بالرحمة، والأولياءَ بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووَعَدَ أرباب المصائب بقوله: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157: 156]، وهم يتصدون لاستبطاء حُسْنِ الميعاد- واللَّهُ رؤوقٌ بالعباد.

.تفسير الآيات (7- 14):

{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)}
قوله جلّ ذكره: {والسَّمَآءِ ذَاتِ الحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}.
{ذَاتِ الْحُبُكِ} أي ذات الطرائق الحسنة- وهذا قَسَمٌ ثانٍ، وجوابه: {إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} يعني في أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر يقول: مجنون، وثالث يقول: شاعر.... وغير ذلك.
والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر المحبة، ونجوم القُرب... إنكم في باب هذه الطريقة لفي قولٍ مختلف؛ فَمِنْ مُنْكِرٍ يجحد الطريقة ومِنْ مُعترِضٍ يعترض علىأهلها يتوهَّم نقصانهم في القيام بحق الشريعة، ومن متعسِّفٍ لايخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبراً عن تخصيص الحقِّ أولياءَه بالأحوال السنية، قال قائلهم:
فد سَحبَ الناسُ أذيال الظنون بنا ** وفَرَّقَ الناسُ فينا قولهم فِرقَا

فكاذبٌ قد رمى بالظنِّ غَيْرتكم ** وصادقٌ ليس يدري أنه صَدَقَا

قوله جل ذكره: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مِنْ أُفِكَ}.
أي يُصْرَفُ عنه مَنْ صُرِف، وذلك أنهم كانوا يصدُّون الناسَ عنه ويقولون: إنه لمجنون.
{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ}.
لُعِنَ الكذَّابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون.
قوله جلّ ذكره: {يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينَ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الذي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}.
يسألون أيان يومُ القيامة؟؛ يستعجلون بها، فلأَجْلِ تكذيبهم بها كانت نفوسُهم لا تسكن إليها. ويوم هم على النار يُحْرَقون ويُعَذَّبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا الذي كنتم به تَسْتَعْجِلُونَ.
والإشارة فيه إلى الذين يَكْذِبون في أعمالهم لِمَا يتداخلهم من الرياء، ويكذبون في أحوالهم لِمَا يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدَّعونه من الأحوال.... قُتِلُو ولُعِنوا.... وسيلقون غِبَّ تلبيسهم بما يُحْرَمون من اشتمام رائحة الصدق.

.تفسير الآيات (15- 18):

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)}
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنينَ}.
في عاجلهم في جنَّتِ وَصْلِهم، وفي آجلهم في جنّاتِ فَضْلِهم؛ فغداً درجات ونجاة، واليومَ قرُبات ومناجاة، فما هو مؤجَّلٌ حظُّ أنفسِهم، وما هو معجّلٌ حقُّ ربِّهم. هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم؛ يأخذون نصيبه منه بِيَدِ الشكر والحمد، وغداً يأخذون ما يعطيهم ربُّهم في الجنة من فنون العطاء والرِّفد.
ومَنْ كان اليومَ آخذه بلا وساطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة في العطاء والحرمان. كان غداً آخذه بلا وسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِينَ}؛ كانوا ولكنهم اليوم بانوا ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا واستبانوا....فهم كما في الخبر: «أعبد الله كأنك تراه...». قوله جلّ ذكره: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
المعنى إمَّا: كانوا قليلاً وكانوا لا ينامون إلا بالليل كقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] أو: كان نومُهم بالليل قليلاً، أو: كانوا لا ينامون بالليل قليلاً.
{وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونُ}: أخبر عنهم أنهم- مع تهجدهم ودُعائهم- يُنْزِلون انفسَهِم في الأخار منزلةَ العاصين، فيستغفرون استصغاراً لِقدْرِهم، واستحقاراً لِفِعْلهم.
والليلُ للأحباب في أُنْس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسهرُ لهم في ليلايهم دائماً؛ إمّا لفَرْظِ أَسَفٍ أولِشدَّةِ لَهَفٍ، وإمَّا لاشتياقٍ أو لفراقٍ- كما قالوا:
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها ** افنْيَتُهَا قابضاً على كبدي

قد غُصَّت العينُ بالدموعِ وقد ** وَضَعْتُ خدي على بنان يدي

وإمّ لكمال أُنْسٍ وطيب روح- كما قالوا:
سقى اللَّهُ عيشاً قصيراً مضى ** زمانَ الهوى في الصبا والمجون

لياليه تحكي انسدادَ لحاظٍ ** لَعْينِيَ عند ارتداد الجفون