فصل: تفسير الآيات (61- 68):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (59):

{وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)}
في إنزالِ قصصهم تسلية للرسول- صلى الله عليه وسلم وآله- فيما كان يقاسي من العناء، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء، والعِدَةُ بتبديل- ما كانوا يلقَوْنه من الشِدِّة- بالرجاء.

.تفسير الآية رقم (60):

{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)}
أخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أمَّا في هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم الشدة وما تَبِعَه من اللَّعنة، ثم ما يلقونه في الآخرة من تأبيد العقوبة. وبقاؤهم عن رحمة الله أصعبُ من صنوف كل تلك المحنة، كما قيل:
تَبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرتا ** لِمَنْ ابتغى عوضاً لِسَلْمى فَلَمْ يَجِد

.تفسير الآيات (61- 68):

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)}
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم- عليه السلام- بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ- في التبليغ- على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب، ونجَّى نبيَّهم- عليه السلام-، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة سُنَّةٌ منه- سبحانه- في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.

.تفسير الآيات (69- 70):

{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)}
أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ- عليه السلام- بالبشارة. وأخبر أن إبراهيمَ- عليه السلام- أنْكَرَهُم، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ. فيُحتمل أنَّه- سبحانه- أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور، ولاسيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}.
ويقال إن إبراهيم- عليه السلام- كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلابد أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ- سبحانه وتعالى- إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله، كما سَدَّ الفراسة، على نبيِّنا- صلى الله عليه وسلم- في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ، وكذلك التبس على لوطٍ- عليه السلام- إلى أن تبيَّن له الأمر.
وتكلموا في هذه البشرى ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى: {وَمِن وَرَآءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.
ويقال بسلامة قومه- حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط- عليه السلام.
ويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة.
ويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم: بين المحبين قولٌ لست أفهمه....ويقال إن تلك البشارة هي قولهم: {سلاماً} وأن ذلك كان من الله، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ.
قوله: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69]: لمَّا توهمهم أضيافاً بحقَّ الضيافة، فقدَّم خَيْرَ ما عنده مما شكره الحقُّ عليه حيث قال في موضع آخر: {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات: 26]. والمحبةُ توجِبُ استكثارَ القليلِ من الحبيبِ واستقلالَ ما مِنْك للحبيب، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نَزَلَ الضيفُ فالواجبُ المبادرةُ إلى تقديم السُّفرة مِمَّا حضر في الوقت.
قوله: {فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إٍلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف. والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين.
{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}: أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضِّيفانُ عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم.
وقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهراً إلا لعقوبة؛ فلمَّا امتنعوا عن الأكل، وعَلِمَ أنهم ملائكةٌ خَافَ أنْ يكونوا قد أُرْسِلُوا لعقوبة قومه.

.تفسير الآيات (71- 73):

{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)}
كانت امرأتُه قائمةً بخدمة الأضياف، فضحكت تعَجُّّباً من أن يكون لمثلها في هذه السن ولد.
وقيل كان سرورها السلامة. ويحتمل أنه ضحكت تعجباً من امتناع الضيِّفان عن الأكل. أو تَعَجبَتْ من كوْن الملائكة في صورة البشر لَمَّا عَلِمَتْ أنهم ملائكة ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالوَلَد وقد بُشِّرَتْ باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ثم أفصَحَتْ عما ينطوي عليه قلبُها من التعجب فقالت: {ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِى شَيْخاً إنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ}!
فأحال الملائكة خَلْقَ الوَلَدِ على التقدير: {قَالُوا أَتَعْجِبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}؟ فزال موضِعُ التعجب، وقالوا: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل، وبنو إسرائيل منهم- وهم خَلْقٌ كثير، والعرب من أولاد إسماعيل- وهم الجَمُّ الغفير.

.تفسير الآية رقم (74):

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)}
لما كانت مراجعته مع الله في أمر قوم لوطٍ بحقِّ الله لا لحظِّ نَفْسِه سَلِمَ له الجِدال، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنه حيث تجاوزَ عنه ذلك.

.تفسير الآية رقم (75):

{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)}
والإشارة فيه أنه كان يقَابِل ما وَرَدَ على ماله ونفْسِه وولده بالاحتمال، ولمَّا كان حقُّ الحقِّ في حديثِ قوم لوط أخَذَ في الجِدالِ إلى أن أبَانَ له سلامةَ لوط- عليه السلام-.

.تفسير الآية رقم (76):

{يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)}
يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا فإنَّ الحُكْمَ بعذابِهم قد نَزَل، ووقتُ الانتقامِ منهم قد حصل.

.تفسير الآية رقم (77):

{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)}
أي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يَجْريَ عليهم من قومه ما لا يجوز في دين الله؛ فذلك الحزنُ كان لحقِّ الله لا لنصيبٍ له أو حظَّ لنفسه، ولذلك حُمِدَ عليه لأنَّ مقاساةَ الحزنِ لحقِّ الله محمودةٌ.

.تفسير الآية رقم (78):

{وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)}
قوله: {هَؤُلآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}: قيل إنه أراد به نساء أمته، فنبيُّ كلِّ أمةٍ مثل الوالد لأولاده في الشفقة والنصيحة.
ويقال إنه أراد بناتِه منْ صُلْبِه.
{أليس منكم رجل رشيد} يرتدي جلبابَ الحشمة، ويؤثِر حقَّ الله على ما هو مقتضى البشرية، ويرعى حق الضيافة، ويترك معصية الله؟.

.تفسير الآية رقم (79):

{قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)}
أصرُّوا على عصيانهم، وزهدوا في المأذون لهم شرعاً، وانجرُّوا إلى ما قادهم إليه الهوى طبعاً، وهذه صفة البهائم؛ لا يَرْدَعُها عقلٌ، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَاْلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179].

.تفسير الآية رقم (80):

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)}
لو أن لي قوةً فأمنعكم عن ارتكابِ المعصية؛ فإنَّ أهمَّ الأشياء على الأولياء ألا يَجْرِيَ من العصاةِ ما ليس الله فيه لا رضاء.
ويقال: لو كان لي قدرةٌ لإيصال الرحمةِ إليكم- مع ارتكابكم المعاصي- لَرَحِمْتُكم وتجاوزتُ عنكم.
ويقال لو أنَّ لي قوةً لهَدَيْتُكم إلى الدِّين، ولَعَصَمْتُكم عن ارتكاب المخالفات.

.تفسير الآية رقم (81):

{قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)}
لمَّا ضَاقَ به الأمُر كَشَف اللَّهُ عنه الضُرَّ فَعَرَّفَ إليه الملائكةُ وقالوا: لا عليكَ فإنهم لا يصلون إليكَ بسوءٍ وإنَّا رُسُلُ ربك جئنا لإهلاكهم، فاخرُجْ أنت وقومُك من بينهم، واعلمْ أنَّ مَنْ شَارَكَهم في عملهم بنوعٍ فَلَهُ مِنْ العذابِ حِصَّة. ومن جملتهم امرأتك التي كانت تدل القوم على المَلَكِ لفعلة الفاحشة، وإن العقوبة لاحقةٌ بها، مُدْرِكَة لها.
والإشارة منه أن الجسارةَ على الزَّلّةِ وخيمةُ العاقبةِ- ولو بعد حين، ولا ينفع المرءَ اتصالُه بالأنبياء والأولياءِ إذا كان في الحكم والقضاء من جملة الأشقياء.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
ما هو كائِنٌ فقريبٌ، والبعيدُ ما لا يكون. وإنَّ مَنْ أقْدَمَ على محظورٍ ثم حُوسِبَ عليه- ولو بعد دهورٍ خالية وأعوام غير محصورة ماضية- تصور له الحال كأنه وقتُ مَبَاشَرَتِه لتلك الزَّلة.

.تفسير الآية رقم (82):

{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)}
سُنَّةُ الله في عباده قلبُ الأحوال عليهم، والانقلابُ مِنْ سِمَاتِ الحدوث، أمّا الذي لا يزول ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية.
وإنَّ مَنْ عاش في السرور دهراً ثم تبدل يُسْرُه عُسْراً فَكَمَنْ لم يَرَ قطُّ خيراً، والذي قاسَى طولَ عمره ثم أُعطِي يُسْراً فكمن لم يَرَ عُسْراً.
قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110].

.تفسير الآية رقم (83):

{مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}
ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراَ لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم، كما قيل:
ومَنْ يَرَني ولم يعتبر بَعْدِي ** فإنًّ لكلِّ معصيةٍ عقابا

.تفسير الآيات (84- 85):

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)}
أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء العظيم.
وفي الظاهر لهم كانت أجرامُهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف في المكيال.
وليس قَدْرُ الأَجرام لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبارِ عَظُمَ شأنُها، قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هِيِْناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].

.تفسير الآية رقم (86):

{بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)}
يعني القليل من الحلالِ أجدى من الكثير المُعْقِب للوَبالِ لم يقابلوا نصيحَته لهم إلا بالعِناد والتمادي فيما هو دائمٌ من الجحد والكنود.

.تفسير الآية رقم (87):

{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)}
استوطؤوا مركب الجهل، واستحلبوا مشْربَ التقليد، وأعْفُوا قلوبَهم من استعمال الفكرِ، واستبصارِ طريقِ الرُّشدِ.