فصل: تفسير الآيات (9- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآيات (5- 8):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)}
قوله جل ذكره: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}.
سمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبُّر، وإظهار الاستغناء عن استغفارك لهم.. فخَلِّ سبيلهم؛ فليس للنُّصح فيهم مساغٌ، ولن يُصْحِيَهم من سَكْرَتهم إلاَّ حَرُّ ما سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرارُ من جانبهم فإنهم: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.
فقد سبق العِلْمُ بذلك:
قوله جل ذكره: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنٍَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ}.
كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غيرُ متحقِّقين بتصريف الأيام، فأنْطَقَهُم بما خَامَرَ قلوبَهم مِنْ تَمَنِّي انطفاء نورِ رسول الله، وانتكاث شَمْلِهم، فتواصَوْا فيما بينهم بقولهم: {لاَ تُنفِقُواْ عَلى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} فقال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ}.
وليس استقلالُك- يا محمد- ولا استقلالُ أصحابِك بالمرزوقين.. بل بالرازق؛ فهو الذي يمسككم.
قوله جل ذكره: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنََّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}.
إنما وقع لهم الغَلَطُ في تعيين الأعزِّ والأذَلِّ؛ فتوَهَّموا أنَّ الأعزَّ هم المنافقون، والأذلَّ هم المسلمون، ولكن الأمر بالعكس، فلا جَرَمَ غَلَبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وأُذِلَّ المنافقون بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}: لله عِزُّ الإلهية، وللرسول عِزُّ النبوَّة، وللمؤمنين عِزُّ الولاية. وجيمعُ ذلك لله؛ فعِزُّه القديم صِفَتُه، وعِزُّ الرسولِ وعِزُّ المؤمنين له فِعْلاً ومِنَّةً وفَضْلاً، فإذاً لله العِزَّةُ جميعاً.
ويقال: كما انَّ عِزَّةَ الله- سبحانه- لا زوالَ لها فعِزَّة الأنبياء بأن لا عَزْلَ لهم، وعِزَّةُ المؤمنين بألا يَبْقَى منهم مُخَلَّدٌ في النار.
ويقال: مَنْ كان إيمانُهم حقيقياً فلا زوالَ له.
ويقال: مَنْ تعزَّزَ بالله لم يلحقه تَغَيُّرٌ عن حاله بغير الله.
ويقال: لا عِزَّ إلاَّ في طاعةِ الله، ولا ذُلَّ إلاَّ في معصية الله , وما سوى هذا فلا أصلَ له.

.تفسير الآيات (9- 10):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)}
قوله جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ}.
لا تُضَيِّعوا أمورَ دينكم بسبب اموالكم وأولادكم بل آثروا حقَّ الله، واشْتَغِلوا به يَكْفِكُم أمور دنياكم وأولادكم؛ فإذا كُنْتَ لله كان اللَّهُ لك.
ويقال: حقُّ الله مما ألزمكَ القيامَ به، وحقُّك ضمن لك القيام به؛ فاشتغِلْ بما كُلِّفْتَ لا بما كُفِيت.
قوله جل ذكره: {وَأَنفِقُواْ مِن مّا رَزَقْناكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرتَنِى إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ}.
لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقَّبوا بَغَتاتِ آجالِكم، وتأهَّبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولاتُعَرِّجوا في أوطان التسويف.

.سورة التغابن:

.تفسير الآيات (1- 3):

{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)}
قوله جل ذكره: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئ قَدِيرُ}.
المخلوقاتُ كلُّها بجملتها لله سبحانه مُسَبِّحةٌ.. ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَنْ به طَرَشُ النكرة.
ويقال: الذي طَرَأَ صَمَمُه فقد يُرْجَى زواله بنوعِ معالجة، أمَّا مَنْ يولَدُ أصَمَّ فلا حيلةَ في تحصيل سماعه. قال تعالى: {فإنك لا تسمع الموتى} [الروم: 52] وقال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23].
قوله جل ذكره: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
منكم كافرٌ في سابق حُكْمِه سَمَّاه كافراً، وعَلِمَ أنه يكفر وأراد به الكفر.. وكذلك كانوا. ومنكم مؤمنٌ في سابق حُكْمِه سمَّاه مؤمناً، وعِلِمَ في آزاله أنه يُؤمِن وخَلَقَه مؤمناً، وأراده مؤمناً , والله بما تعلمون بصير.
قوله جل ذكره: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ َالأَرْضَ بِالْحِقِّ}: أي وهو مُحِقُّ في خَلْقِه.
{وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} لم يَقُلْ لشيءٍ من المخوقات هذا الذي قال لنا، صوَّر الظاهرَ وصوَّر الباطنَ؛ فالظاهر شاهدٌ على كمال قدرته، والباطن شاهدٌ على جلال قربته.

.تفسير الآيات (4- 9):

{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)}
قوله جل ذكره: {يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُّسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.
قصِّروا حِيَلكُم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومُكم، وأنا أعلمُ ذلك دونَكم.. فاطلبوا منِّي، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر.
ويقال: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ}. فاحذورا دقيقَ الرياء، وخَفِيَّ ذات الصدور {وَمَا تُعْلِنُونَ}: فاحذروا ان يخالِفَ ظاهرُكم باطنكم.
في قوله: {مَا تُسِرُّونَ} أمرٌ بالمراقبة بين العبد وربه.
وفي قوله: {ما تعلنون} أمرٌ بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخَلْق.
قوله جل ذكره: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نََبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ واللهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ}.
المراد من ذلك هو الاعتبار بِمَنْ سَلَفَ، ومَنْ لم يعتبِرْ عَثَرَ في مَهْوَاةٍ من الامَلِ، ثم لا يَنْتَعِشُ إلاّ بعد فواتِ الأمرِ من يده.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم}. شاهدوا الأمر من حيث الخَلْقِ فتَطَوَّحوا في متاهاتِ الإشكالِ المختلفةِ الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلَّصوا من تفرقة الأباطيل، واستراحوا بشهود التقدير من اختلاف الأحوال ذات التغيير.
قوله جل ذكره: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عِملِْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.
الموتُ نوعان: موتُ نَفْسٍ، وموتُ قلب، ففي القيامة يُبْعَثون من موت النَّفْس، وأمَّا موتُ القلبِ فلا بَعْثَ منه- عند كثيرٍ من مخلصي هذه الطائفة، قال تعالى مُخْبِراً عنهم: {قَالُواْ يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَننَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس: 52] فلو عرفوه لَمَا قالوا ذلك؛ فموتُ قلوبِهم مُسَرْمَدٌ إلى أنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً، فهذا الوقتُ وقتُ موتِ قلوبهم.
قوله جل ذكره: {فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
{النور الذي أنزلنا}: القرآن. ويجوز ان يكون ما أنزل في قلوب اوليائه من السكينة وفنون الألطاف.
قوله جل ذكره: {يَوْمَ يَحْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
المطيعُ- يومئذٍِ- في غبن لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي في غبن لأنه استكثر من الزلَّة.
وليسَ كلُّ الغبنِ في تفاوت الدرجات قلَّةً وكثرة، فالغبن في الأحوال أكثر.

.تفسير الآيات (11- 12):

{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12)}
قوله جل ذكره: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَهُ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ}.
أيُّ حُصْلةٍ حَصَلت فمِنْ قِبَلِه خَلْقاً، وبعلمه وإرادته حُكماً.
{يَهْدِ قَلْبَهُ} حتى يهتدي إلى الله في السَّراء والضَّراء- اليومَ- وفي الآخرة يهديه إلى الجنة.
ويقال: {يَهْدِ قَلْبَهُ} للأخلاق السنيَّة، والتنقِّي من شُحِّ النَّفْس.
ويقال: {يَهْدِ قَلْبَهُ} لاتِّباع السُّنَّةِ واجتنابِ البِدْعة.
قوله جل ذكره: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولً فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}.
طاعةُ الله واجبة، وطاعةُ الرُّسُل- الذين هم سفراءٌ بينه وبين الخَلْقِ- واجبةٌ كذلك. والأنوار التي تظهر عليك وتطالَبُ بمقتضياتها كلُّها حقٌّ، ومن الحقِّ.. فتجب طاعتُها أيضاً.

.تفسير الآيات (14- 16):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)}
قوله جل ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوَّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُو وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ}.
إذا دَعَوْكَ لتجمَع لهم الدنيا فهم عدوٌّ لك، أمَّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف فليسوا لكم أعداء.
قوله جل ذكره: {إِنَّمآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
{فِتْنَةٌ}: لأنهم يشغلونك عن أداء حقِّ الله؛ فما تَبْقَ عن الله مشغولاً بجمعه فهو غيرُ ميمونٍ عليك.
ويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وَجْهِه فإنكم تُشغَلُون بذلك عن أداءِ حقِّ مولاكم، وتشغلكم أولادُكم، فتبقون بهم عن طاعة الله- وتلك فتنةٌ لكم.. ترومون إصلاحَهم. فتفسدون أنتم وهم لا يًصْلَحون!
قوله جل ذكره: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا لله. والتقوى عن شهود التقوى بعد إلا يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى.
{وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} حتى ترتفعَ الاخطارُ عن قلبه، ويتحرَّر من رِقِّ المكونات، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

.تفسير الآيات (17- 18):

{إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}
قوله جل ذكره: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمُ}.
يتوجَّه بهذا الخطاب إلى الأغنياء بِبَذْلِ أموالهم، وللفقراء في إخلاءِ أيامهم وأوقاتهم من مراداتهم وإيثارِ مرادِ الحقِّ على مرادِ أنفسِهم.
فالغنيُّ يُقال له: آثِرْ حُكْمي على مرادك في مالِك، والفقيرُ يقال له: آثِرْ حُكْمي في نَفْسِك وقلبك ووقتك وزمانك.
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
جلَّ شأنه.

.سورة الطلاق:

.تفسير الآية رقم (1):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعَدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ...}.
الطلاقُ- وإنْ كان فراقاً- فلم يجعله الحقُّ محظوراً , وإن كان من وجهٍ مكروهاً.
وللطلاق وقتية: سُنِّية بِدْعيه، ومباحة، لا سنية ولا بدعية؛ فالسنية: أَنْ تطلَّقَ في طُهْرٍ لم تُباشَر فيه طلقةً واحدة، والبدعية: في حال الحيض وطُهْرٍ جُومعت فيه، والمباحة: في طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها- والطلاق أكثر من واحدة.
والعِدَّةُ- وان كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج محاماةً على الأنساب لئلا يدخل على ماء الزوج ماءُ آخر- فالغالبُ والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة الماضية في وصلة النكاح.
والإشارة في لآيات التالية إلى انه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلَّ من الوفاء مدةً لهذه الصغيرة التي لم تحِضْ، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي انقطع حَيْضُهَا، والحُبْلَى حتى تلد.. كل ذلك مراعاةً للحرمة: وعِدَّةُ الوفاة تشهد على هذه الجملة في كونها أطول؛ لأن حُرْمَة الميت أعظم وكذلك الإمداد في أيام العِدَّة , المعنى فيه ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة.
قوله جلّ ذكره: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.
العبوديةُ: الوقوف عند الحدِّ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومَنْ راعى مع اللَّهِ حَدَّه أخلص اللَّهُ له عَهْدَه...
{لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}.
قالوا: أراد نَدَماً، وقيل: وَلَداً، وقيل: مَيْلاً إليها، أولها إليه؛ فإن القلوبَ تتقلب:
والإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبرُ مع الأشْكال حقّا للحرمة المتقدمة فالخلاصُ من مُسَاكنة الأمثال، والتجرُّدُ لعبادة الله تعالى أوْلَى وأحَقُّ.