فصل: سورة الحجرات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآيات (27- 28):

{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)}
قوله جلّ ذكره: {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدُخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}.
أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه؛ صدقه فيما أره من دخول مكة {ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأَخبر أصحابه. فوطَّن أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلمَّا كان من امر الحديبية عاد إلى قلوب بعض المسلمين شيء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام، ثم أَذن الله في العام القابل، فأنزل الله: {لَّقَدَ صََدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ} فكان ذلك تحقيقاً لما أراه، فرؤياه صلوات الله حق؛لأن رؤيا الأنبياء حق.
وكان في ذلك نوعُ امتحانٍ لهم: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} أنتم من الحكمة في التأخير.
وقوله: {إِن شَآءَ اللَّهُ} معناه إذا شاء الله كقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وقيل قالها على جهة تنبيههم إلى التأدُّب بتقديم المشيئة في خطابهم.
وقيل يرجع تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين.
وقيل: يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلِّهم أو دخول بعضهم؛ فإنْ الدخول كان بعد سنة، ومات منهم قومٌ.
قوله جلّ ذكره: {هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً}.
أرسل رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما هو دين؛ فما من دينٍ لقوم إلا ومنه في أيدي المسلمين سِرُّ؛ وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات. وقيل: ليظهره وقت نزول عيسى عليه السلام.
وقيل: في القيامة حيث يظهر الإسلامُ على كل الأديان.
وقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل.

.تفسير الآية رقم (29):

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)}
قوله جلّ ذكره: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}.
{أَشِدَّآءُ} جمع شديد، أي فيهم صلابةٌ مع الكفار.
{رُحَمَآءُ} جمع رحيم، وصَفَهَم بالرحمة والتوادِّ فيما بينهم.
{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}.
تراهم راكعين ساجدين يطلبون من الله الفضل والرضوان.
{سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ}.
أي علامة التخشع التي على الصالحين.
ويقال: هي في القيامة يوم تَبْيَضُّ وجوهٌ، وأنهم يكونون غداً محجلين.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجههُ بالنهار».
ويقال في التفسير: معه أبو بكر، و{أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ} عمر؛ و{رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} عثمان، و{تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} عليُّ رضي الله عنهم.
وقيل: الآيةُ عامةٌ في المؤمنين.
{ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَطَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}.
هذا مثلهم في التوراة، وأما مثلهم في الإنجيل فكزرع أخرج شطأه أي: فراخه.
يقال: أشطأ الزرعُ إذا أخرج صغاره على جوانبه. {فَئَازَرَهُ} أي عاونه.
{فَاسْتَغْلَظَ} أي غلظُ واستوى على سوقه؛ وآزرت الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض. يعجب هذا الزرعُ الزرَّاع ليغيظ بالمسلمين الكفار؛ شَبَّهَ النبي (صلى الله عليه وسلم) بالزرع حين تخرج طاقة واحدة ينبت حولها فتشتد، كذلك كان وحده في تقوية دينه بمن حوله من المسلمين.
فمَنْ حمل الآية على الصحابة: فمن أبغضهم دخل في الكفر، لأنه قال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} أي بأصحابه الكفارَ. ومَنْ حمله على لمسلمين ففيه حُجَّة على الإجماع، لأنَّ من خالف الإجماع- فالله يغايظ به الكفارَ- فمخالفُ الإجماع كافرٌ.
قوله جلّ ذكره: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرةً وَأَجْراً عَظِيماً} وَعد المؤمنين والمؤمنات مغفرة للذنوب، وأجراً عظيماً في الجنه فقوله: {منهم} للجنس أو للذين ختم لهم منهم بالإيمان.

.سورة الحجرات:

.تفسير الآيات (1- 3):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إن الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ}: شهادةٌ للمنادَى بالشَّرف.
{لاَ تُقَدِّمُواْ} أَمْرٌ بتحمُّل الكُلَف. قدَّمَ الإكرام بالشرف على الإلزام بالكُلَف أي لا تقدموا بحكمكم {بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}: أي لاتقضوا أمراً من دون الله ورسوله أي لا تعملوا من ذات أنفسِكم شيئاً.
ويقال: فقوا حيثما وُقِفْتم، وافعلوا ما به أُمِرْتُم، وكنوا أصحابَ الاقتداءِ والاتّباع.. لا أربابَ الابتداءِ والابتداع.
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِى وَلاَ تَجْهَرواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}.
أَمرَهم بحفضِ حرمته ومراعاةِ الأدب في خدمته وصحبته، وأَلاَّ ينظروا إليه بالعين التي ينظرون بها إلى أمثالهم. وأنه إذا كان بخُلُقهِ يُلاينُهم فينبغي ألا يتبسَّطوا معه مجاسرين، ولا يكونوا مع ما يعاشرهم به مِنْ تَخَلُّقِه عن حدودِهم زائدين.
ويقال: لا تبدأوه بحديثٍ حتى يُفَاتِحَكم.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفَرةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}.
هم الذين تقع السكينةُ عليهم من هيبة حضرته، أولئك هم الذين امتحن اللَّهُ قلوبَهم للتقوى بانتزاع حُبِّ الشهوات منها، فاتقوا سوءَ الأخلاقِ، وراعوا الأدبَ.
ويقال: هم الذين انسلخوا من عادات البشرية.

.تفسير الآيات (4- 8):

{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)}
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَاُدُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
أي لو عرفوا قَدْرَكَ لَمَا تركوا حُرْمَتَك، والتزموا هَيبَتَك.
ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ولم يستعجلوا، ولم يوقظوك وقت القيلولة بمناداتهم لكان خيراً لهم.
أمَّا أصحابه- صلواتُ الله عليه وسلامه- الذين يعرفون قدْره فإنَّ احدهم- كما في الخبر: «كانه يَقْرَعُ بابَه بالأظافر».
قوله جلّ ذكره: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوآ أَن تُصِيبواْ قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
دلَّت الآية على تَرْكِ السكون إلى خَبَرِ الفاسق إلى أن يظهر صِدْقُه.
وفي الآية إشارة إلى تَركِ الاستماعِ إلى كلام الساعي والنَّمامِ والمغتابِ للناس.
والآيةُ تَدُلُّ على قبول خبرِ والواحدِ إذا كان عَدْلاً.
والفاسقُ هو الخارجُ عن الطاعة. ويقال هو الخارج عن حدِّ المروءة.
ويقال: هو الذي ألقى جِلبابَ الحياء.
قوله جلّ ذكره: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ في كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهُ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُؤلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.
أي لو وافقكم محمدٌ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في كثير مما تطلبون من لوقعتم في العَنَتِ- وهو الفساد. ولو قَبِلَ قولَ واحدٍ (قَبْلَ وضوحِ الأمر) لأَصابتكم من ذلك شدة.
والرسول صلوات الله عليه لا يطيعكم في أكثر الأمور إذا لم يَرَ في ذلك مصلحة لكم وللدين.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ}: الإسلام والطاعة والتوحد، وزيَّنَها في قلوبكم.
{وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}: هذا من تلوين الخطاب.
وفي الآية دليلٌ على صحة قول أهل الحقِّ في القَدَر، وتخصيص المؤمنين بألطافٍ لا يشترك فيها الكفارُ. ولولا أنَّه يوفِّر الدواعي للطاعات لَحَصَلَ التفريط والتقصير في العبادات.
{فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً}: أي فَعَلَ هذا بكم فضلاَ منه ورحمةً {وَاللَّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ}.

.تفسير الآيات (9- 10):

{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)}
قوله جلّ ذكره: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِى حَتَّى تَفِئ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِِن فَآءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهِ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}.
تدل الآية على أن المؤمن بفسقه- والفسق دون الكفر- لا يخرج عن الإيمان لأن إحدى الطائفتين- لا محالة- فاسقة إذا اقتتلا.
وتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم؛ حيث قال: {فَإِِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى}.
الإشارة فيه: أن النفس إذا ظَلَمتْ القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في فسادها فيجب أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة، فإن استجابت إلى الطاعة يُعْفَى عنها لأنها هي المطيَّةُ إلى باب الله.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} إيقاعُ الصلح بين المتخاصمين مِنْ أوْكَد عزائم الدِّين.
وإذا كان ذلك واجباً فإنه يدل على عِظَمِ وِزْرِ الواشي والنَّمام؛ والمصْدَرِ في إفساد ذات البَيْن.
(ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صِدْق هِمةِ عبدٍ في إصلاح ذات البيْن) فإنه يرفع عنهم تلك العصبيَّة.
فأما شرط الأخوة: فمِنْ حقِّ الأُخُوةِ في الدِّين إلا تُحُوِجَ أخاك إلى الاستعانة بك أو التماس النصرة عنك، وألا تُقصِّر في تَفَقُّدِ أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مساءلتك.
ومن حقِّه ألا تُلْجِئَه إلى الاعتذار لك بل تبسط عُذْرَه؛ فإنْ أُشْكِل عليكَ وَجْهُه عُدْت باللائمة على نفسك في خفاء عُذْرِه عليك ومن حقه أنْ تتوبَ عنه إذا أذْنَبَ، وتَعودَه إذا مرض. وإذا أشار عليك بشيءٍ فلا تُطَالِبْه بالدليل عليه وإبراز الحُجَّة- كما قالوا:
إذا اسْتَنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دعاهم ** لأيَّةِ حَرْبٍ أم لأي مكان

ومِنْ حقِّه أَنْ تَحفَظَ عَهْدَه القديم، وأَنْ تُراعِيَ حقَّه في أهله المتصلين به في المشهد المغيب، وفي حال الحياة وبعد الممات- كما قيل:
وخليل إن لم يكن ** منصفاً كُنْتَ منصفا

تتحسَّى له الأمَرَّ ** يْن وكُنْ ملاطفا

إنْ يَقُل لكَ استوِ احترفْ ** ت رضًى لا تكلُّفا

.تفسير الآيات (11- 12):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِنْ نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
نهى اللَّهُ- سبحانه تعالى- عن ازدارءِ الناس، وعن الغَيْبَةِ، وعن الاستهانةِ بالحقوق، وعن تَرْكِ الاحترام.
{وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ}: أي لا يَعِيبَنَّ بعضُكم بعضاً، كقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29].
ويقال: ما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلِّطَ عليه. ولا ينبغي أن يُعْتَبَر بظاهر أحوال الناس فإنَّ في الزوايا خبايا. والحقُّ يستر أولياءَه في حجابِ الضّعَة؛ وقد جاء في الخبر: «رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّه».
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}.
النَّفْسُ لا تَصْدُقُ، والقلبُ لا يَكْذِبُ. والتمييز بين النفس والقلب مُشْكِلٌ ومَنْ بَقِيَتْ عليه من حظوظه بقيَّةٌ- وإنْ قَلَّتْ- فليس له أن يَدعَّى بيانَ القلب بل هو بنفسه ما دام عليه شيءٌ من نَفْسِه، ويجب أن يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كل ما يقع له من نقصان غيره.. هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يخطب. كلُّ الناس أفقهُ من عمر.... أمرأةٌ أفقهُ من عمر.
{وَلاَ تَجَسَّسُواْ} والعارف لا يتفرغ من شهود الحقِّ إلى شهود الخَلْق.. فكيف يتفرغ إلى تجَسُّسِ أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نَفْسِه فكيف إلى غيره؟ {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضاً}: لا تحصل الغيبة للخَلق إلاَّ من الغيبةِ عن الحقِّ.
{أَيَحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} جاء في التفسير أن المقصود بذلك الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية. وأَخَسُّ الكفّار وأَقَلُّهم قَدْراً مَنْ يأَكل الميتةَ.. وعزيزٌ رؤيةُ مَنْ لا يغتاب أحداً بين يديك.