فصل: فصل (في أن المعجزات على ضربين):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.باب ذكر في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها:

المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، وشرائطها خمسة فإن اختل منها شرط لا تكون معجزة.
فالشرط الأول من شروطها أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه. وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه أتى آت في زمان يصح فيه مجيء الرسل وادعى الرسالة وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزه له، ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله، وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر، وانشقاق القمر، وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر. والشرط الثاني هو أن تخرق العادة. وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال المدعى للرسالة: آيتي مجيء الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها، لم يكن فيما ادعا معجزة، لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله، فلم تفعل من أجله، وقد كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه، ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيره، فبان أنه لأوجه له يدل على صدقه، والذي يستشهد به الرسول عليه السلام له وجه يدل على صدقه، وذلك أن يقول: الدليل على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة، فيقلب هذه العصا ثعبانا، ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة، أو ينبع الماء من بين أصابعي كما ينبعه من العين، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات، التي ينفرد بها جبار الأرض والسموات، فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه، لو أسمعنا كلامه العزيز وقال: صدق، أنا بعثته و. مثال هذا المسألة ولله ولرسوله المثل الأعلى ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض، وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه: الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا، ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل م أفعاله، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي، فإذا سمع الملك كلامه لهم ودعواه فيهم، ثم عمل ما استشهد به على صدقه، قام ذلك مقام قوله لو قال: صدق فيما ادعاه على. فكذلك إذا عمل عملا لا يقدر عليه إلا هو، وخرق به العادة على يد الرسول، قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال: صدق عبدي في دعواي الرسالة، وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا.
والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعى الرسالة على الله عز وجل، فيقول: آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها، تزلزلي، فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به. الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له، وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعى للرسالة: آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت: كذب وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال كذب المدعى للرسالة، لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه. وكذلك ما يروى أن مسيلمة الكذاب لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء، فما فعل الله سبحانه من هذا، كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه، لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب. والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة، فإن تم الأمر المتحدي به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة داله على نبوة من ظهرت على يده، فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيا، وخرج عن كونه معجزا ولم يدل على صدقه، ولهذا قال المولى سبحانه: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ} وقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ}. كأنه يقول: إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه، فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله. لا يقال، إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين، وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يظهر على يديه من الآيات العظام، والأمور الجسام، ما هو معروف مشهور، فإنا نقول: ذلك يدعى الرسالة، وهذا يدعى الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثه بعض الخلق إلى بعض غير ممتنعة ولا مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة. ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدجال فيه التصوير والتغيير من حال إلى حال، وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات، تعالى رب البريات عن أن يشبه شيئا أو يشبهه شي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

.فصل [في أن المعجزات على ضربين]:

إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين: الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والثاني ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله، واستفاضت بثبوته ووجوده، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن شروطه أن يكون الناقلون له: خلقا كثيرا وجما غفيرا، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريا، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الأمة رضي الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه، لكثرة العدد ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به. ونظير ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة والشام والعراق وخراسان والمدينة ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة، فالقرآن معجزة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومعجزة كلى نبي انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغير، كالتوراة والإنجيل.
ووجوه إعجاز القرآن عشرة: منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفى غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شي، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه: {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ}. وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا بشعر لما قرأ عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{حم} فصلت، على ما يأتي بيانه هناك، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموشعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه. ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلى آخرها، وقوله سبحانه: {وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ} إلى آخر السورة، وكذلك قوله سبحانه: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إلى آخر السورة. قال ابن الحصار: فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره،. لا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ولا أن يقول: {وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ}. قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كل سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشر: فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين: أحدهما الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل. والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً. وَبَنِينَ شُهُوداً. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً} ثم أهلك الله سبحان ماله وولده، وانقطع نسله. ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه. ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمه ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته، فتحققوا صدقه. قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى المتعلم منهم، ولا كان منن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. ومنها: الوفاء بالوعد، المدرك بالحسن في العيان، في كل ما وعد الله سبحان، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه. وإلى مقيد بشرط، كقوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}... {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}... {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} و{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، وشبه ذلك ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك: ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} الآية. ففعل ذلك. وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه، ولثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجاح، وكان عمر يفعل ذلك: فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا، برا وبحرا، قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وقال: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}. وقال {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ} وقال: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}. فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه. ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام. ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي. ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف: قال الله تعالى: {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}. قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية: أن وجه الإعجاز هو المنع من معارته، والصرفة عند التحدي بمثله. وأن المنة والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن، وذلك أن الله تعال صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله. وهذا فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلوا قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن كونه معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذ كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا.
واختلف من قال بهذا الصرفة على قولين: أحدهما: أنهم صرفوا على القدرة عليه، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه. الثاني أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه. قال ابن عطية: وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه: أن الله تعالى {قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}، وأحاط بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة. وبهذا النظر يبطل قوال من قال: إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه. والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظه، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ومن فصاحة القرآن أن اله تعالى جل ذكره، ذكر في آية واحدة أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين وهو قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} الآية. وكذلك فاتحة سورة المائدة: أمر بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن حكمته وقدرته، وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، وأنبأ سبحانه عن الموت، وحسرة الفوت، والدار الآخرة وثوابها وعقابها، وفوز الفائزين، وتردى المجرمين، والتحذير من الاغترار بالدنيا، ووصفها بالقلة بالإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} الآية. وأنبأ أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين، وعواقب المهلكين، في شطر آية وذلك في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا}. وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة، واستقرار السفينة واستوائها، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله عز وجل {وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها} إلى قوله: {وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} إلى غير ذلك. فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقوله، أنزل الله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ}. ثم أنزل تعجيزا أبلغ من ذلك فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ}. فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار، إلى مثل سورة من السور القصار، فقال جل ذكره: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}. فأفحموا عن الجواب، وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد، وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا، وأبلغ في الحجة وأشد تأثيرا. هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن، وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن. فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز والبيان، بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة. هذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع ما أوتي من جوامع الكلم، واختص به من غرائب الحكم، إذا تأملت قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفة الجنان، وإن كان في نهاية الإحسان، وجدته منحطا عن رتبة القرآن، وذلك في قوله عليه السلام: «فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فأين ذلك من قوله عز وجل {وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}. وقوله {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}». هذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقل حروفا، على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية، لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف، وضاق المقال على القاصر المتكلف، وبهذا قامت الحجة على العرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه السلام على الأطباء، ومعجزة موسى عليه السلام على السحرة، فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحرة في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام، والفصاحة في زمن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

.باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره:

لا التفات لما وضعه الواضعون، وغير ذلك من فضائل الأعمال، قد ارتكبها جماعة كثيرة اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها، فمن قوم من الزنادقة مثل: المغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وغيرهما، وضعوا أحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس، فمما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي إلا ما شاء الله» فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة. قلت: وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب التمهيد ولم يتكلم عليه، بل تأول الاستثناء على الرؤيا، فالله أعلم. ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه، قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا. ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، كما روى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. قال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في كتاب علوم الحديث له: وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل القرآن سورة سورة، وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع عليه لبين. وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد، قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قلا أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان. واخذ في قصته نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن كان ولابد من الكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا. قال فوضع أحمد كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما. فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن يجرى مجراهم. يذكر أن الرشيد كان يعجبه الحمام واللهو به، فأهدى إليه حمام وعنده أبو البختري القاضي فقال: روى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح» فزاد: أو جناح، وهي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: والله لقد علمت أنه كذاب، وأمر بالحمام أن يذبح، فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فترك العلماء حديثه لذلك، ولغيره من موضوعاته، فلا يكتب العلماء حديثه بحال. قلت: فلو اقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء، ورواها الأئمة الفقهاء، لكان لهم في ذلك غنية، وخرجوا عن تحذيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فممن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» الحديث. فتخويفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته بالنار على الكذب، دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه. فحذار مما وضعه أعداء الدين، وزنادقة المسلمين، في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررا أقوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم، ثقة منهم بهم، وركونا إليهم فضلوا وأضلوا.

.باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان:

لا خلاف بين الأمة ولأبين الأئمة أهل السنة، أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معجزة له على نحو ما تقدم وأنه محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة عليه أو نقصانا منه، فقد أبطل الإجماع، وبهت الناس، ورد ما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القرآن المنزل عليه ورد قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} وأبطل آية رسوله عليه السلام، لأنه إذ ذاك يصير مقدورا عليه حين شيب الباطل، ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أن كون معجزا. فالقائل: بأن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزويج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياما مع ظهر رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا رد هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب. قال الإمام أبو بكر محمد بن إلقام بن بشار بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته، ما يوجبه الحق والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين وتحريف الزائغين، حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأئمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسها، وينمي فروعها، ويحرسها من معايب أولى الجنف والجور، ومكايد أهل العداوة والكفر. فزعم أن المصحف الذي جمعة عثمان رضي الله عنه باتفاق أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جمع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها، فمنها: والعصر ونوائب الدهر فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين ونوائب الدهر. ومنها: {حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}
وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن: وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها، وذكر مما يدعى حروفا كثيرة. وادعى أن عثمان والصحابة رضي الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه، فقرأ في صلاة الفرض والناس يسمعون: الله الواحد الصمد فأسقط من القرآن {قُلْ هُوَ} وغير لفظ {أَحَدٌ} وادعى أن هذا هو الصواب عليه الناس هو الباطل والمحال، وقرأ في صلاة الفرض قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون وطعن في قراءة المسلمين. وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة، منها: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة، وأن الصواب: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. وترامى به الغي في هذا وأشكاله حتى ادعى أن المسلمين يصحفون: {وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً} والصواب الذي لم يغير عنده: وكان عبدا لله وجيها، وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه: (لا تحرك به لسانك أن علينا جمعه وقراءته فإذا قرأناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأ به).
وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سمعوه يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة).
وروى هؤلاء أيضا لنا عنه قال: {هذا صراط علي مستقيم}. وأخبرونا أنه أدخل في آية من القرآن ما لا يضاهي فصاحة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله عز وجل فيهم: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ} فقرأ: أليس قلت للناس في موضع: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} وهذا لا يعرف في نحو المعربين، ولا يحمل على مذاهب النحويين، لأن العرب لم تقل: ليس قمت، فأما: لست قمت، بالتاء فشاذ قبيح خبيث رديء، لأن ليس لا تجحد الفعل الماضي، ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم: أليس قد خلق الله مثلهم، وهو لغة شاذة لا يحمل كتاب الله عليها. وادعى أن عثمان رضي الله عنه لما أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب، لأن عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أقرأ أمتي أبي بن كعب» ولقوله عليه السلام: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد». وقال هذا القائل: لي أن أخالف مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلاء، فقرأ: إن هذين، فأصدق وأكون، وبشر عبادي الذين بفتح الياء، فما أتاني الله بفتح الياء. والذي في المصحف: {إِنْ هذانِ} بالألف، {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} بغير واو، {فَبَشِّرْ عِبادِ}، {فما آتان الله} بغير ياءين في الموضعين.. كما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرءوا: {كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} بإثبات نونين، يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم، وفي المصحف نون واحدة، وكما خالف حمزة المصحف فقرأ: {أتمدون بمال} بنون واحدة ووقف على الياء، وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما، وكما خالف حمزة أيضا المصحف فقرأ: (ألا إن ثمودا كفروا ربهم) بغير تنوين، وإثبات الألف يوجب التنوين، وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلاف للمصحف. قلت: قد أشرنا إلى العد فيما تقدم مما اختلف فيه المصاحف، وسيأتي بيان هذه المواضع في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. قال أبو بكر: وذكر هذا الإنسان أن أبى بن كعب هو الذي قرأ: (كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها) وذلك باطل، لأن عبد الله بن كثير قرأ على مجاهد، ومجاهد قرأ على ابن عباس، وابن عباس قرأ القرآن على أبي بن كعب: {حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ}، في رواية وقرا أبي القرآن على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا الإسناد متصل بالرسول عليه السلام نقله أهل العدالة والصيانة، وإذا صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر لم يؤخذ بحديث يخالفه. وقال يحيى بن المبارك اليزيدي: قرأت القرآن على أبي عمرو بن العلاء، وقرا أبي عمرو على مجاهد، وقرا مجاهد على ابن عباس، وقرا ابن عباس على أبي بن كعب، وقرا أبي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس فيها: (وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها) فمن جحد أن هذه الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيه عليه السلام فليس بكافر ولا آثم. حدثني أبي نبأنا نصر بن الصاغاني نبأنا أبو عبيد قال: ما يروى من الحروف التي تخالف المصحف الذي عليه الإجماع من الحروف التي يعرف أسانيدها الخاصة دون العامة فيما نقلوا عن أبي: (وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها)، وعن ابن عباس: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج). ومما يحكون عن عمر بن الخطاب أنه قرأ: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) مع نظائر لهذه الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل، ولا على أنها معارض بها مصحف عثمان، لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن كافرا، والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان كافرا، حكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وقال أبو عبيد: لم يزل صنيع عثمان رضي الله عنه في جمعه القرآن يعتد له بأنه من مناقبه العظام، وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ فانكشف عواره، ووضحت فضائحه. قال أبو عبيد: وقد حدثت عن يزيد بن زريع عن عمران بن جرير عن أبى مجلز قال: طعن قوم على عثمان رحمه الله بحمقهم جمع القرآن، ثم قرءوا بما نسخ. قال أبو عبيد: يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم كما أثبت الذي أثبت بعلك. قال أبو بكر: وفي قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} دلالة على كفر هذا الإنسان، لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، فإذا قرأ قارئ: (تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف) فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل، وبدل كتابه وحرفه، وحاول ما قد حفظه منه ومنع من اختلاطه به، وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق لأهل الإلحاد، ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عر الإسلام، وينسبونه إلى قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم. وفية إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام، وبثباته تقام الصلوات، وتؤدي الزكوات وتتحرى المتعبدات. وفي قول الله تعالى: {الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ} دلالة على بدعة هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر، لأن معنى: {أُحْكِمَتْ آياتُهُ}: منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها أو يعارضوها بمثلها، وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا. فقال في القرآن هجرا، وذكر عليا في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضي عليه الحد، وحكم عليه بالقتل. وأسقط من كلام الله {قُلْ هُوَ} وغير {أَحَدٌ} فقرأ: الله الواحد الصمد. وإسقاط ما أسقطه نفي له وكفر، ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله وأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صف لنا ربك، أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله جل وعز ردا عليهم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ففي {هُوَ} دلالة على موضع الرد ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، ووضح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقال لهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته: أخبرونا عن القرآن الذي نقرؤه ولا نعرف نحن ولا من كان قبلنا من أسلافنا سواه، هل هو مشتمل على جميع القرآن من أوله إلى آخره، صحيح الألفاظ والمعاني عار عن الفساد والخلل؟ أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الآخر غائب عنا كما غاب عن أسلافنا والمتقدمين من أهل ملتنا؟ فإن أجابوا بأن القرآن الذي معنا مشتمل على جميع القرآن لا يسقط منه شي، صحيح اللفظ والمعاني، سليمها من كل زلل وخلل، فقد قضوا على أنفسهم بالكفر حين زادوا فيه: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم) فأي زيادة في القرآن أوضح من هذه، وكيف تخلط بالقرآن وقد حرسه الله منها ومنع كل مفتر ومبطل من أن يلحق به مثلها، وإذا تؤملت وبحث عن معناها وجدت فاسدة غير صحيحة، لا تشاكل كلام الباري تعالى ولا تخلط به، ولا توافق معناه، وذلك أن بعدها {لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِئُونَ} فكيف يؤكل الشراب، والذي أتى به قبلها: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِئُونَ). فهذا متناقض يفسد بعضه بعضا، لأن الشراب لا يؤكل، ولا تقول العرب: أكلت الماء، لكنهم يقولون: شربته وذقته وطعمته، ومعناه فيما أنزل الله تبارك وتعالى على الصحة في القرآن الذي من خالف حرفا منه كفر. {وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} لا يأكل الغسلين إلا الخاطئون أو لا يأكل الطعام إلا الخاطئون. والغسلين: ما يخرج من أجوافهم من شحم وما يتعلق به من الصديد وغيره، فهذا طعام يؤكل عند البلية والنقمة، والشراب محال أن يؤكل. فإن ادعى هذا الإنسان أن الباطل الذي زاده من قوله: من عين تجري من تحت الجحيم ليس بعدها {لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِئُونَ} ونفى هذه الآية من القرآن لتصح له زيادته، فقد كفر لما جحد آية من القرآن. وحسبك بهذا لقوله ردا لقوله، وخزيا لمقاله. وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا أنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى، وكذلك ما نسخ لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن، على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} إن شاء الله تعالى.