فصل: تفسير الآية رقم (133):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (133):

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133)}
قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يعني بالموت {أَيُّهَا النَّاسُ}. يريد المشركين والمنافقين. {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} يعني بغيركم. ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظهر سلمان وقال: {هم قوم هذا}.
وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ}.
وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره. {وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً} والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها.

.تفسير الآية رقم (134):

{مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)}
أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب، لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: {وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}.
وقال تعالى: {أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}. وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها، فأنزل الله عز وجل: {مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه.

.تفسير الآية رقم (135):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)}
فيه عشر مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ} {قَوَّامِينَ} بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها. ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال.
الثانية: لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية، ولا يمنع ذلك من برهما، بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً} فإن شهد لهما أو شهدا له وهي:
الثالثة: فقد اختلف فيها قديما وحديثا، فقال ابن شهاب الزهري: كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ} فلم يكن أحديتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والثوري والمزني. ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب.
وروى عنه ابن وهب أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه.
وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، لتواصل منافع الاملاك بينهما وهي محل الشهادة.
وقال الشافعي: تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض، لأنهما أجنبيان، وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال. والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص فيما عدا المخصوص فبقي على الأصل، وهذا ضعيف، فإن الزوجية توجب الحنان والمواصلة والألفة والمحبة، فالتهمة قوية ظاهرة. وقد روى أبو داود من حديث سليمان بن موسى عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال الخطابي: ذو الغمر هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته عليه للتهمة.
وقال أبو حنيفة: شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلا. والقانع السائل والمستطعم، واصل القنوع السؤال. ويقال في القانع: إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه. ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه، لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع. وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا فشهادته مردودة، كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها، أو كمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس، فشهد المفلس على رجل بدين ونحوه. قال الخطابي: ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته، لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه، لأنه يجر به النفع لما جبل عليه من حبه والميل إليه، ولان يمتلك عليه ماله، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنت ومالك لأبيك». وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على الفروي، قال: إلا أن يكون في بادية أو قرية، فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب. وقد روى أبو داود والدرا قطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية». قال محمد ابن عبد الحكم: تأول مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب به الخلق.
وقال عامة أهل العلم: شهادة البدوي إذا كان عدلا يقيم الشهادة على وجهها جائزة، والله أعلم. وقد مضى القول في هذا في البقرة، ويأتي في براءة تمامها إن شاء الله تعالى.
الرابعة: قوله تعالى: {شُهَداءَ لِلَّهِ} نصب على النعت ل {قَوَّامِينَ}، وإن شئت كان خبرا بعد خبر. قال النحاس: وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في: {قَوَّامِينَ} من ذكر الذين آمنوا، لأنه نفس المعنى، أي كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم. قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. ولم ينصرف {شُهَداءَ} لان فيه ألف التأنيث.
الخامسة: قوله تعالى: {لِلَّهِ} معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه. {وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} متعلق ب {شُهَداءَ}، هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وإن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيقر بها لأهلها، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه، كما تقدم.
أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا، كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم. ويحتمل أن يكون قوله: {شُهَداءَ لِلَّهِ} معناه بالوحدانية لله، ويتعلق قوله: {وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} ب {قَوَّامِينَ} والتأويل الأول أبين.
السادسة: قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} في الكلام إضمار وهو اسم كان، أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه. {فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} أي فيما اختار لهما من فقر وغنى. قال السدي: اختصم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غني وفقير، فكان ضلعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الفقير، وراي أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت الآية.
السابعة: قوله تعالى: {فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} إنما قال: {بِهِما} ولم يقل به وإن كانت أو إنما تدل على الحصول الواحد، لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما.
وقال الأخفش: تكون أو بمعنى الواو، أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بالخصمين كيفما كانا، وفيه ضعف.
وقيل: إنما قال: {بِهِما} لأنه قد تقدم ذكر هما، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}.
الثامنة: قولع تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى} نهى، فإن اتباع الهوى مرد، أي مهلك، قال الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك.
وقال الشعبي: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. {أَنْ تَعْدِلُوا} في موضع نصب.
التاسعة: قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} قرئ {وَإِنْ تَلْوُوا} من لويت فلانا حقه ليا إذا دفعته به، والفعل منه لوى والأصل فيه لوى قلبت الياء ألفا لحركتها وحركة ما قبلها، والمصدر ليا والأصل لويا، وليانا والأصل لويانا، ثم أدغمت الواو في الياء.
وقال القتبي: {تَلْوُوا} من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين. وقرأ ابن عامر والكوفيون {تلوا} أراد قمتم بالأمر وأعرضتم، من قولك: وليت الامر، فيكون في الكلام معنى التوبيخ للاعراض عن القيام بالأمر.
وقيل: إن معنى: {تلوا} الاعراض. فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين: الولاية والاعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا وهو الاعراض. وزعم بعض النحويين أن من قرأ {تلوا} فقد لحن، لأنه لا معنى للولاية ها هنا. قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا ولكن تكون {تلوا} بمعنى: {تلووا} وذلك أن أصله تلووا فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين، ذكره مكي.
وقال الزجاج: المعنى على قراءته {وإن تلووا} ثم همز الواو الأولى فصارت تلووا ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت تلوا واصلها تلووا. فتتفق القراءتان على هذا التقدير. وذكره النحاس ومكي وابن العربي وغيرهم. قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر، فاللي على هذا مطل الكلام وجرة حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي إليه. قال ابن عطية: وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل.
وقال ابن عباس أيضا والسدي وابن زيد والضحاك ومجاهد: هي في الشهود يلوي الشاهد الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل.
وفي الحديث: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته». قال ابن الاعرابي: عقوبته حبسه، وعرضه شكايته.
العاشرة: وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية، فقال: جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة، لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة.

.تفسير الآية رقم (136):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)}
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} الآية. نزلت في جميع المؤمنين، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه. {وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ} أي القرآن. {وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} أي كل كتاب أنزل على النبيين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {نزل} و{أنزل} بالضم. الباقون {نَزَّلَ} و{أَنْزَلَ} بالفتح.
وقيل: نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأنبياء عليهم السلام. قيل: إنه خطاب للمنافقين، والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله.
وقيل: المراد المشركون، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله، أي صدقوا بالله وبكتبه.

.تفسير الآية رقم (137):

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137)}
قيل: المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقيل: إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعد عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما جاء به من القرآن. فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول، وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال: قال أناس لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام».
وفي رواية: «ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر». الإساءة هنا بمعنى الكفر، إذ لا يصح أن يراد بها هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته، وذلك باطل بالإجماع. ومعنى: {ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً} أصروا على الكفر. {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ} يرشدهم. {سَبِيلًا} طريقا إلى الجنة.
وقيل: لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه.
وفي هذه الآية رد على أهل القدر، فإن الله تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا. وتضمنت الآية أيضا حكم المرتدين، وقد مضى القول فيهم في البقرة عند قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ}.