فصل: تفسير الآية رقم (30):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (30):

{وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)}
فيه سبع مسائل:
الأولى: قرأ عاصم والكسائي {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} بتنوين عزير. والمعنى أن {ابنا} على هذا خبر ابتداء عن عزير و{عزير} ينصرف عجميا كان أو عربيا. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر {عزير ابن} بترك التنوين لاجتماع الساكنين، ومنه قراءة من قرأ {قل هو الله أحد الله الصمد} [الإخلاص: 2- 1]. قال أبو علي: وهو كثير في الشعر. وأنشد الطبري في ذلك:
لتجدني بالأمير برا

وبالقناة مدعسا مكرا

إذا غطيف السلمي فرا

الثانية: قوله تعالى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ} هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص، لان ليس كل اليهود قالوا ذلك. وهذا مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناس} [آل عمران: 173] ولم يقل ذلك كل الناس.
وقيل: إن قائل ما حكى عن اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، قالوه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة، لأجل نباهة القائل فيهم. وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج بها. فمن ها هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها. والله أعلم. وقد روي أن سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل فقال: «أين تذهب»؟ قال: أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم.
وقيل: بل حفظها الله عزيرا كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده. وكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب وقتل بخت نصر إياهم. ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك وقالوا: إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله حكاه الطبري. وظاهر قول النصارى أن المسيح ابن الله، إنما أرادوا بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة. وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغير هما. وهذا أشنع الكفر. قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وإنه ابن إله. قال ابن عطية: ويقال إن بعضهم يعتقد ها بنوة حنو ورحمة. وهذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه وهو كفر.
الثالثة: قال ابن العربي: في هذا دليل من قول ربنا تبارك وتعالى على أن من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لاحد أن يبتدئ به لا حرج عليه، لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له والرد عليه ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، فإذا مكن من إطلاق الألسن به فقد أذن بالأخبار عنه على معنى إنكاره بالقلب واللسان والرد عليه بالحجة والبرهان.
الرابعة: قوله تعالى: {ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ} قيل: معناه التأكيد، كما قال تعالى: {يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] وقوله: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} [الأنعام: 38] وقوله: {فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ} [الحاقة: 13] ومثله كثير.
وقيل: المعنى أنه لما كان قول ساذج ليس فيه بيان ولا برهان، وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدا، فهو كذب وقول لساني فقط بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضد ها الادلة ويقوم عليها البرهان. قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا، كقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] و{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} [الكهف: 5] و{يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11].
الخامسة: قوله تعالى: {يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} {يُضاهِؤُنَ} يشابهون، ومنه قول العرب: امرأة ضهيأ للتي لا تحيض أو التي لا ثدي لها، كأنها أشبهت الرجال. وللعلماء في {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ثلاثة أقوال: الأول- قول عبدة الأوثان: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
الثاني- قول الكفرة: الملائكة بنات الله.
الثالث- قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل واتبعوهم على الكفر، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23].
السادسة: اختلف العلماء في ضهيأ هل يمد أو لا، فقال ابن ولاد: امرأة ضهيأ، وهي التي لا تحيض، مهموز غير ممدود. ومنهم من يمد وهو سيبويه فيجعلها على فعلاء بالمد، والهمزة فيها زائدة لأنهم يقولون نساء ضهي فيحذفون الهمزة. قال أبو الحسن قال لي النجيرمي: ضهيأة بالمد والهاء. جمع بين علامتي تأنيث، حكاه عن أبي عمرو الشيباني في النوادر. وأنشد:
ضهيأة أو عاقر جماد

ابن عطية: من قال: {يُضاهِؤُنَ} مأخوذ من قولهم: امرأة ضهياء فقوله خطأ، قاله أبو علي، لان الهمزة في ضاهأ أصلية، وفي ضهياء زائدة كحمراء.
السابعة: قوله تعالى: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} أي لعنهم الله، يعني اليهود والنصارى، لان الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: {قاتَلَهُمُ اللَّهُ} هو بمعنى التعجب.
وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن، ومنه قول أبان ابن تغلب:
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ** أنى لنفسي إفسادي وإصلاحي

وحكى النقاش أن أصل {قاتل الله} الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعي:
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني ** واخبر الناس أني لا أباليها

.تفسير الآية رقم (31):

{اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)}
قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الأحبار جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبر أي جمع الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء، والمفسرون على فتحها. واهل اللغة على كسرها. قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، والدليل على ذلك أنهم قالوا: مداد حبر يريدون مداد عالم، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر. قال الفراء: الكسر والفتح لغتان.
وقال ابن السكيت: الحبر بالكسر المداد، والحبر بالفتح العالم. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. قوله تعالى: {أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شي، ومنه قوله تعالى: {قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً} [الكهف: 96] أي كالنار. قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ** وأحبار سوء ورهبانها

روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} هل عبد وهم؟ فقال لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه.
وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن» وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} ثم قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبد ونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه». قال: هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبد السلام بن حرب. وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. قوله تعالى: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} مضى الكلام في اشتقاقه في آل عمران. والمسيح: العرق يسيل من الجبين. ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال:
افرح فسوف تألف الأحزانا ** إذا شهدت الحشر والميزانا

وسال من جبينك المسيح ** كأنه جداول تسيح

ومضى في النساء معنى إضافته إلى مريم أمه.

.تفسير الآية رقم (32):

{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32)}
قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ} أي دلالته وحججه على توحيده. جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان.
وقيل: المعنى نور الإسلام، أي أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم. {بِأَفْواهِهِمْ} جمع فوه على الأصل، لان الأصل في فم فوه، مثل حوض وأحواض. {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} يقال: كيف دخلت {إلا} وليس في الكلام حرف نفي، ولا يجوز ضربت إلا زيدا. فزعم الفراء أن {إلا} إنما دخلت لان في الكلام طرفا من الجحد. قال الزجاج: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف. وأدوات الجحد: ما، ولا، وإن، وليس: وهذه لا أطراف لها ينطق بها ولو كان الامر كما أراد لجاز كرهت إلا زيدا، ولكن الجواب أن العرب تحذف مع أبى. والتقدير: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره.
وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي. قال النحاس: فهذا حسن، كما قال الشاعر:
وهل لي أم غيرها إن تركتها ** أبى الله إلا أن أكون لها ابنما

.تفسير الآية رقم (33):

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} يريد محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {بِالْهُدى} أي بالفرقان. {وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} أي بالحجة والبراهين. وقد أظهره على شرائع الدين حتى لا يخفى عليه شيء منها، عن ابن عباس وغيره.
وقيل: {لِيُظْهِرَهُ} أي ليظهر الدين دين الإسلام على كل دين. قال أبو هريرة والضحاك: هذا عند نزول عيسى عليه السلام.
وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية.
وقيل: المهدي هو عيسى فقط وهو غير صحيح لان الاخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يجوز حمله على عيسى. والحديث الذي ورد في أنه: «لا مهدي إلا عيسى» غير صحيح. قال البيهقي في كتاب البعث والنشور: لان راويه محمد بن خالد الجندي وهو مجهول، يروي عن أبان بن أبي عياش- وهو متروك- عن الحسن عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو منقطع. والأحاديث التي قبله في التنصيص على خروج المهدي، وفيها بيان كون المهدي من عترة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصح إسنادا. قلت: قد ذكرنا هذا وزدناه بيانا في كتابنا كتاب التذكرة وذكرنا أخبار المهدي مستوفاة والحمد لله.
وقيل: أراد {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} في جزيرة العرب، وقد فعل.

.تفسير الآية رقم (34):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34)}
فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ} دخلت اللام على يفعل، ولا تدخل على فعل لمضارعة يفعل الأسماء. والأحبار علماء اليهود. والرهبان مجتهدو النصارى في العبادة. {بِالْباطِلِ} قيل: إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك، مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى، وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال، كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه، ذكره ابن إسحاق في السير.
وقيل: كانوا يأخذون من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع.
وقيل: كانوا يرتشون في الأحكام، كما يفعله اليوم كثير من الولاة والحكام. وقوله: {بِالْباطِلِ} يجمع ذلك كله. {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الإسلام، واتباع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثانية: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الكنز أصله في اللغة الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله عليه السلام: «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة». أي يضمه لنفسه ويجمعه. قال:
ولم تزود من جميع الكنز ** غير خيوط ورثيث بز

وقال آخر:
لا در دري إن أطعمت جائعهم ** قرف الحتي وعندي البر مكنوز

قرف الحتي هو سويق المقل. يقول: إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم سويق المقل، وهو الحتي، فلما نزلوا به قال هو:
لا در دري

البيت.
وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه، بخلاف سائر الأموال. قال الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب، والفضة لأنها تنفض فتتفرق، ومنه قوله تعالى: {انْفَضُّوا إِلَيْها} [الجمعة: 11]- {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وقد مضى هذا المعنى في آل عمران الثالثة: واختلفت الصحابة في المراد بهذه الآية، فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب وإليه ذهب الأصم لان قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} مذكور بعد قوله: {إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ}.
وقال أبو ذر وغيره: المراد بها أهل الكتاب وغير هم من المسلمين. وهو الصحيح، لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال: ويكنزون، بغير والذين. فلما قال: {وَالَّذِينَ} فقد استأنف معنى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة. فالذين يكنزون كلام مستأنف، وهو رفع على الابتداء. قال السدي: عني أهل القبلة. فهذه ثلاثة أقوال. وعلى قول الصحابة فيه دليل على أن الكفار عند هم مخاطبون بفروع الشريعة. روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك. فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت.
الرابعة: قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب مائتا درهم أو عشرون دينارا. أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر وأخرج ربع العشر من هذا وربع العشر من هذا. وإنما قلنا إن الحرية شرط، فلان العبد ناقص الملك. وإنما قلنا إن الإسلام شرط، فلان الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة، ولان الله تعالى قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ} [البقرة: 43] فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة. وإنما قلنا إن الحول شرط، فلان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول». وإنما قلنا إن النصاب شرط، فلان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليس في أقل من مائتي درهم زكاة وليس في أقل من عشرين دينارا زكاة». ولا يراعى كمال النصاب في أول الحول، وإنما يراعى عند آخر الحول، لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل. يدل على هذا أن من كانت معه مائتا درهم فتجر فيها فصارت آخر الحول ألفا أنه يؤدي زكاة الالف، ولا يستأنف للربح حولا. فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح، كان صادرا عن نصاب أو دونه. وكذلك اتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم، فتوالدت له رأس الحول ثم ماتت الأمهات إلا واحدة منها، وكانت السخال تتمة النصاب فإن الزكاة تخرج عنها.
الخامسة: واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم: نعم. ورواه أبو الضحا عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه، قال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته، ولا يصح.
وقال قوم: ما أديت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز. قال ابن عمر: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول أنا مالك أنا كنزك- ثم تلا- {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180] الآية». وفية أيضا عن أبي ذر، قال: انتهيت إليه- يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «والذي نفسي بيده- أو والذي لا إله غيره أو كما حلف- ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس». فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر في صحيح البخاري هذا المعنى، قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال.
وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة. روى عن أبي ذر، وهو مما نقل من مذهبه، وهو من شدائده ومما انفرد به رضي الله عنه. قلت: ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا، ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت.
فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم أوجب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار ولم يوجب الكل واعتبر مدة الاستنماء، فكان ذلك منه بيانا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقيل: الكنز ما لم تؤد منه الحقوق العارضة، كفك الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك.
وقيل: الكنز لغة المجموع من النقدين، وغير هما من المال محمول عليهما بالقياس.
وقيل: المجموع منهما ما لم يكن حليا، لان الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه. والصحيح ما بدأنا بذكره، وأن ذلك كله يسمى كنزا لغة وشرعا. والله أعلم.
السادسة: واختلف العلماء في زكاة الحلي، فذهب مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه. وهو قول الشافعي بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال: أستخير الله فيه.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي: في ذلك كله الزكاة. احتج الأولون فقالوا: قصد النماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحل لإيجاب الزكاة، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا للقنية يسقط الزكاة. احتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين، ولم يفرق بين حلي وغيره. وفرق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صنع حليا ليفر به من الزكاة وأسقطها فيما كان منه يلبس ويعار.
وفي المذهب في الحلي تفصيل بيانه في كتب الفروع.
السابعة: روى أبو داود عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث- وذكر كلمة- لتكون لمن بعدكم» قال: فكبر عمر. ثم قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته». وروى الترمذي وغيره عن ثوبان أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه. فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى اله عليه وسلم، فسأله فقال: «لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المرء على دينه». قال حديث حسن.
الثامنة: قوله تعالى: {وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ولم يقل ينفقونهما، ففيه أجوبة ستة: الأول- قال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة، ومثله قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم. ومثله {وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها} [الجمعة: 11] فأعاد الهاء إلى التجارة لأنها الأهم وترك اللهو قاله كثير من المفسرين. وأباه بعضهم وقال: لا يشبهها، لان {أَوْ} قد فصلت التجارة من اللهو فحسن عود الضمير على أحد هما.
الثاني- العكس وهو أن يكون {يُنْفِقُونَها} للذهب والثاني معطوفا عليه. والذهب تؤنثه العرب تقول: هي الذهب الحمراء. وقد تذكر والتأنيث أشهر.
الثالث- أن يكون الضمير للكنوز.
الرابع- للأموال المكنوزة.
الخامس- للزكاة التقدير ولا ينفقون زكاة الأموال المكنوزة.
السادس: الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فهم المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. أنشد سيبويه:
نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف

ولم يقل راضون.
وقال آخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ** بريئا ومن أجل الطوي رماني

ولم يقل بريئين. ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
إن شرخ الشباب والشعر الأس ** ود ما لم يعاص كان جنونا

ولم يقل يعاصيا.
التاسعة: إن قيل: من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله. قيل له: إن ذلك أشد، فإن من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين: بالإنفاق والتناول، كشراء الخمر وشربها. بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى، كمن أعان على ظلم مسلم من قتله أو أخذ ماله إلى غير ذلك. والكانز عصى من جهتين، وهما منع الزكاة وحبس المال لا غير. وقد لا يراعى حبس المال، والله أعلم.
العاشرة: قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} قد تقدم معناه. وقد فسر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا العذاب بقوله: «بشر الكنازين بكي في ظهور هم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم» الحديث. أخرجه مسلم. رواه أبو ذر في رواية: «بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحد هم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه فيتزلزل» الحديث. قال علماؤنا: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا، فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب.
الحادية عشرة: قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله ويتعرض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا، فلذلك خص الوعيد به. والله أعلم.