فصل: تفسير الآيات (123- 140):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (123- 140):

{كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)}
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ} التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. وتكذيبهم المرسلين كما تقدم. {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} بين المعنى وقد تقدم. قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} الريع ما ارتفع من الأرض في قول ابن عباس وغيره، جمع ريعة وكم ريع أرضك أي كم ارتفاعها.
وقال قتادة: الريع الطريق. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي.
وقال ابن عباس أيضا. ومنه قول المسيب ابن علس:
في الآل يخفضها ويرفعها ** ريع يلوح كأنه سحل

شبه الطريق بثوب أبيض. النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما أرتفع من الأرض ريع وللطريق ريع. قال الشاعر:
طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ** ندى ليله في ريشه يترقرق

وقال عمارة: الريع الجبل الواحد ريعة والجمع رياع.
وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. وعنه: الثنية الصغيرة. وعنه: المنظرة.
وقال عكرمة ومقاتل: كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالا طوالا ليهتدوا بها: يدل عليه قوله: {آيَةً} أي علامة. وعن مجاهد: الريع بنيان الحمام دليله {تَعْبَثُونَ} أي تلعبون، أي تبنون بكل مكان مرتفع آية. علما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها.
وقيل: تعبثون بمن يمر في الطريق أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على السابلة فتسخروا منهم.
وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم، ذكره الماوردي.
وقال ابن الاعرابي: الربع الصومعة، والريع البرج من الحمام يكون في الصحراء. والريع التل العالي. وفى الريع لغتان: كسر الراء وفتحها وجمعها أرياع، ذكره الثعلبي. قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ} أي منازل، قاله الكلبي.
وقيل: حصونا مشيدة، قال ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشاعر:
تركنا ديارهم منهم قفارا ** وهدمنا المصانع والبروجا

وقيل: قصورا مشيدة، وقاله مجاهد أيضا. وعنه: بروج الحمام، وقاله السدى. قلت: وفية بعد عن مجاهد، لأنه تقدم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون تكرارا في الكلام.
وقال قتادة: مآجل للماء تحت الأرض. وكذا قال الزجاج: إنها مصانع الماء، واحدتها مصنعة ومصنع. ومنه قول لبيد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ** وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

الجوهري: المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنعة بضم النون. والمصانع الحصون.
وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة. حكاه المهدوي.
وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية. {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كي تخلدوا.
وقيل: لعل استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل {تَخْلُدُونَ} كقولك: لعلك تشتمني أي هل تشتمني. روى معناه عن ابن زيد.
وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت.
وقال ابن عباس وقتادة: كأنكم خالدون باقون فيها.
وفي بعض القراءات {كأنكم تخلدون} ذكره النحاس.
وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات {كأنكم خالدون}. قوله تعالى: {وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} البطش السطوة والأخذ بالعنف. وقد بطش به يبطش ويبطش بطشا. وباطشة مباطشة.
وقال ابن عباس ومجاهد: البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلما.
وقال مجاهد أيضا: هو ضرب بالسياط، ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي.
وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيى بن سلام.
وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغصب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ابن عباس.
وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء. قال ابن العربي: ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى عن موسى: {فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ} وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفا ولا طعنه برمح، وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الامة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية، فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». {جَبَّارِينَ} قتالين. والجبار القتال في غير حق. وكذلك قوله تعالى: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ} قاله الهروي.
وقيل: لجبار المتسلط العاتي، ومنه قوله تعالى: {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي بمسلط.
وقال الشاعر:
سلبنا من الجبار بالسيف ملكه ** عشيا وأطراف الرماح شوارع

قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} تقدم. {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ} أي من الخيرات، ثم فسرها بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. {إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} إن كفرتم به وأصررتم على ذلك. {قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ} كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوى على ما تقوله.
وروى العباس عن أبى عمرو وبشر عن الكسائي: {أَوَعَظْتَ} مدغمة الظاء في التاء وهو بعيد، لان الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدا وكان مثله ومخرجه. {إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} أي دينهم، عن ابن عباس وغيره.
وقال الفراء: عادة الأولين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {خلق الأولين}. الباقون {خُلُقُ}. قال الهروي: وقوله عز وجل: {إن هذا إلا خلق الأولين} أي اختلافهم وكذبهم، ومن قرأ: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} فمعناه عادتهم، والعرب تقول: حدثنا فلان بأحاديث الخلق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة.
وقال ابن الاعرابي:
الخلق الدين والخلق الطبع والخلق المروءة. قال النحاس: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} عند الفراء يعني عادة الأولين.
وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} مذهبهم وما جرى عليه أمرهم، قال أبو جعفر: والقولان متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الامر في طاعة الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: حكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى، لان فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم، وقولهم: {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ}. وعن أبى قلابة: أنه قرأ: {خلق} بضم الخاء وإسكان اللام تخفيف {خلق}. ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع. وقد قيل: إن معنى {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} دين الأولين. ومنه قوله تعالى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} أي دين الله. و{خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} عادة الأولين: حياة ثم موت ولا بعث.
وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم {وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} على ما نفعل.
وقيل: المعنى خلق أجسام الأولين، أي ما خلقنا إلا كخلق الأولين الذين خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيء مما تحذرنا به من العذاب. {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ} أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في الحاقة. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} قال بعضهم: أسلم معه ثلاثمائة ألف ومئون وهلك باقيهم. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.

.تفسير الآيات (141- 159):

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)}
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحجر كما تقدم في الحجر وهى ذوات نخل وزروع ومياه. {أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ} يعني في الدنيا آمنين من الموت والعذاب. قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم. ودل على هذا قوله: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها} فقرعهم صالح ووبخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ}. الزمخشري: فإن قلت لم قال: {وَنَخْلٍ} بعد قوله: و{جَنَّاتٍ} والجنات تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخل، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة ** من النواضح تسقى جنة سحقا

يعنى النخل، والنخلة السحوق البعيدة الطول. قلت: فيه وجهان، أحدهما- أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله عنها. والثاني- أن يريد بالجنات غيرها من الشجر، لان اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل. والطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. و{هَضِيمٌ} قال ابن عباس: لطيف ما دام في كفراه. والهضيم اللطيف الدقيق، ومنه قول امرئ القيس:
على هضيم الكشح ريا المخلخل

الجوهري: ويقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه، لدخول بعضه في بعض. والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين. ونحوه حكى الهروي، قال: هو المنضم في وعائه قبل أن يظهر، ومنه رجل هضيم الجنبين أي منضمهما، هذا قول أهل اللغة.
وحكى الماوردي وغيره في ذلك أثني عشر قولا: أحدها: أنه الرطب اللين، قال عكرمة.
الثاني- هو المذنب من الرطب، قاله سعيد بن جبير. قال النحاس: وروى أبو إسحاق عن يزيد- هو ابن أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي- {وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ} قال: منه ما قد أرطب ومنه مذنب.
الثالث- أنه الذي ليس فيه نوى، قاله الحسن.
الرابع- أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتت، قاله مجاهد.
وقال أبو العالية: يتهشم في الفم.
الخامس- هو الذي قد ضمر بركوب بعضه بعضا، قاله الضحاك ومقاتل.
السادس: أنه المتلاصق بعضه ببعض، قاله أبو صخر.
السابع- أنه الطلع حين يتفرق ويخضر، قاله الضحاك أيضا.
الثامن- أنه اليانع النضيج، قاله ابن عباس.
التاسع- أنه المكتنز قبل أن ينشق عنه القشر، حكاه ابن شجرة، قال:
كأن حمولة تجلي عليه ** هضيم ما يحس له شقوق

العاشر- أنه الرخو، قال الحسن.
الحادي عشر- أنه الرخص اللطيف أول ما يخرج وهو الطلع النضيد، قاله الهروي.
الثاني عشر- أنه البرني، قاله ابن الاعرابي، فعيل بمعنى فاعل أي هنئ مرئ من انهضام الطعام. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور، ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات.
قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ} النحت النجر والبري، نحته ينحته بالكسر نحتا إذا براه والنحاتة البراية. المنحت ما ينحت به. وفي والصافات قال: {أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ}. وكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: {فرهين} بغير ألف. الباقون: {فارِهِينَ} بألف وهما بمعنى واحد في قول أبي عبيدة وغيره، مثل: {عِظاماً نَخِرَةً} و{ناخرة}. وحكاه قطرب.
وحكى فره يفره فهو فاره وفره يفره فهو فره وفارة إذا كان نشيطا. وهو نصب على الحال. وفرق بينهما قوم فقالوا: {فارِهِينَ} حاذقين بنحتها، قاله أبو عبيدة، وروي عن ابن عباس وأبي صالح وغيرهما.
وقال عبد الله بن شداد: {فارِهِينَ} متجبرين. وروي عن ابن عباس أيضا أن معنى {فرهين} بغير ألف أشرين بطرين، وقاله مجاهد.
وروى عنه شرهين. الضحاك: كيسين. قتادة: معجبين، قاله الكلبي، وعنه: ناعمين. وعنه أيضا آمنين، وهو قول الحسن.
وقيل: متخيرين، قاله الكلبي والسدي. ومنه قول الشاعر:
إلى فره يماجد كل أمر ** قصدت له لاختبر الطباعا

وقيل: متعجبين، قاله خصيف.
وقال ابن زيد: أقوياء.
وقيل: فرهين فرحين، قاله الأخفش. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء، تقول: مدهته ومدحته، فالفره الأشر الفرح ثم الفرح بمعنى المرح مذموم، قال الله تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً} وقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}. {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} قيل: المراد الذين عقروا الناقة.
وقيل: التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قال السدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل. فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه. فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه وكان لم يولد له قبل ذلك. وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا. وغضب التسعة على صالح، لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله قالوا: نخرج إلى سفر فترى الناس سفرنا فنكون في غار، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، فيصدقوننا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد أطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد الله! أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فأجمع أهل القرية على قتل الناقة.
وقال ابن إسحاق: إنما اجتمع التسعة على سب صالح بعد عقرهم الناقة وإنذارهم بالعذاب على ما يأتي بيانه في سورة النمل إن شاء الله تعالى. {قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} هو من السحر في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي. أي أصبت بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا.
وقيل: من المعللين بالطعام والشراب، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي. وهو على هذا القول من السحر وهو الرئة أي بشر لك سحر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما قال لبيد:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ** عصافير من هذا الأنام المسحر

وقال امرؤ القيس:
ونسحر بالطعام وبالشراب

{فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في قولك. {قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} قال ابن عباس: قالوا إن كنت صادقا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا. فدعا الله وفعل الله ذلك فـ {قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ} أي حظ من الماء، أي لكم شرب يوم ولها شرب يوم، فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله أول النهار وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. قال الفراء: الشرب الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا وشربا وأكثرها المضمومة، لان المكسورة والمفتوحة يشتركان مع شيء آخر فيكون الشرب الحظ من الماء، ويكون الشرب جمع شارب كما قال:
فقلت للشرب في درنا وقد ثملوا

إلا أن أبا عمرو بن العلاء والكسائي يختاران الشرب بالفتح في الصدر، ويحتجان برواية بعض العلماء أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إنها أيام أكل وشرب». {وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ} لا يجوز إظهار التضعيف ها هنا، لأنهما حرفان متحركان من جنس واحد. {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب النهي، ويجوز حذف الفاء منه، والجزم كما جاء في الامر إلا شيئا روى عن الكسائي أنه يجيزه. {فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ} أي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب. وذلك أنه أنظرهم ثلاثا فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، وندموا ولم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب.
وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا، بل طلبوا صالحا عليه السلام ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب.
وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد إذ لم يقتلوه معها. وهو بعيد. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} إلى آخره تقدم. ويقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمانمائة رجل وامرأة.
وقيل: كانوا أربعة آلاف.
وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألف قبيل كل قبيل نحو أثني عشر ألفا من سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات.