فصل: تفسير الآيات (34- 38):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (34- 38):

{وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38)}
قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها} قال قتادة: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: {إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً} أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. {وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}
لان من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ} أي يوسعه {وَيَقْدِرُ} أي يقتر، أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغنى عنكم غدا شيئا. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيدا: {وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى} قال مجاهد: أي قربى. والزلفة القربة.
وقال الأخفش: أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع {قربى} نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن {التي} تكون للأموال والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وأنشد الفراء:
نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف

ويجوز في غير القرآن: باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين، للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً} قال سعيد بن جبير: المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا.
وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الايمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت {وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً}. قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما، فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا! وقد مضى هذا في آل عمران ومريم، والفرقان. و{مَنْ} في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقر بانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في {تُقَرِّبُكُمْ}. النحاس: وهذا القول غلط، لان الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يئول إلى ذلك، وزعم أن مثله {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يكون منصوبا عنده بـ {يَنْفَعُ}. وأجاز الفراء أن يكون {مَنْ} في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست أحصل معناه. {فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا} يعني قوله: {مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها} [الأنعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
وقيل: لهم جزاء الاضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر.
وقال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. {وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ} قراءة العامة {جَزاءُ الضِّعْفِ} بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم {جزاء} منونا منصوبا {الضعف} رفعا، أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. و{جَزاءُ الضِّعْفِ} على أن يجازوا الضعف. و{جزاء الضعف} مرفوعان، الضعف بدل من جزاء. وقرأ الجمهور أيضا {فِي الْغُرُفاتِ} على الجمع، وهو اختيار أبى عبيد، لقوله: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً} [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرئ: {فِي الْغُرُفاتِ} بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف {في الغرفة} على التوحيد، لقوله تعالى: {أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها أسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس: هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر. وقد مضى بيان ذلك. {آمِنُونَ} أي من العذاب والموت والاسقام والأحزان. {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا} في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. {مُعاجِزِينَ} معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. {أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ} أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.

.تفسير الآية رقم (39):

{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)}
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} كرر تأكيدا. {وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال والأولاد إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. وفية إضمار، أي فهو يخلفه عليكم، يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي يعطيكم خلفه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا». وفيه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله قال لي أنفق أنفق عليك...» الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء- كما تقدم- سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار، والادخار ها هنا مثله في الأجر. مسألة- روى الدارقطني وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد الهلالي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه واهلة كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية». قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر: ما وقى الرجل عرضه؟ قال: يعطي الشاعر وذا اللسان. عبد الحميد وثقه ابن معين. قلت: أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضروريا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء». وقد مضى هذا المعنى في الأعراف مستوفى. قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله والأمير جنده، قال: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58].

.تفسير الآيات (40- 41):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)}
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} هذا متصل بقوله: {وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ} [سبأ: 31]. أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمرا فظيعا. والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضا {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ}. قال سعيد عن قتادة: هذا استفهام، كقوله عز وجل لعيسى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم، فهو استفهام توبيخ للعابدين. {قالُوا سُبْحانَكَ} أي تنزيها لك. {أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ} أي أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له. {بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} أي يطيعون إبليس وأعوانه.
وفي التفاسير: أن حيا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، وهو قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: 158].

.تفسير الآية رقم (42):

{فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42)}
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً} أي شفاعة ونجاة. {وَلا ضَرًّا} أي عذابا وهلاكا.
وقيل: أي لا تملك الملائكة دفع ضر عن عابديهم، فحذف المضاف {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ} يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة: ذوقوا.

.تفسير الآية رقم (43):

{وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43)}
قوله تعالى: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ} يعني القرآن. {قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ} يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ} أي أسلافكم من الآلهة التي كانوا يعبدونها. {وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً} يعنون القرآن، أي ما هو إلا كذب مختلق. {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} فتارة قالوا سحر، وتارة قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك.

.تفسير الآيات (44- 45):

{وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45)}
قوله تعالى: {وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها} أي لم يقرءوا في كتاب أوتوه بطلان ما جئت به، ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، كما قال: {أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم وجه يتشبث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله، ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله الحق: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا، فأهلكتهم كثمود وعاد. {وَما بَلَغُوا} أي ما بلغ أهل مكة {مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ} تلك الأمم. والمعشار والعشر سواء، لغتان.
وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشيء عشره، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر. وقال: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاه النقاش.
وقيل: ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمة أعلم من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه.
وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء. الماوردي: وهو الأظهر، لان المراد به المبالغة في التقليل. {فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} أي عقابي في الأمم، وفية محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري.