فصل: تفسير الآيات (33- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (33- 42):

{فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)}
قوله تعالى: {فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ} لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما أمتن به عليهم. والصاخة: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصخ الاسماع: أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للاحياء. وذكر ناس من المفسرين قالوا: تصيخ لها الاسماع، من قولك: أصاخ إلى كذا: أي استمع إليه، ومنه الحديث: «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والانس».
وقال الشاعر:
يصيخ للنبأة أسماعه ** إصاخة المنشد للمنشد

قال بعض العلماء: وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء، فأما اللغة فمقتضاها القول الأول، قال الخليل: الصاخة: صيحة تصخ الآذان {صخا}؟ أي تصمها بشدة وقعتها. واصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد.
وقيل: هي مأخوذة من صخة بالحجر: إذا صكة قال الراجز:
يا جارتي هل لك أن تجالدي ** جلادة كالصك بالجلامد

ومن هذا الباب قول العرب: صختهم الصاخة وباتتهم البائتة، وهي الداهية. الطبري: وأحسبه من صخ فلان فلانا: إذا أصماه. قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم، وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان:
أصم بك الناعي وإن كان اسمعا

وقال آخر:
أضمني سرهم أيام فرقتهم ** فهل سمعتم بسر يورث الصمما

لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة. قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} أي يهرب، أي تجئ الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه، أي من موالاة أخيه ومكالمته، لأنه لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بنفسه، كما قال بعده: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي يشغله عن غيره.
وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التبعات.
وقيل: لئلا يروا ما هو فيه من الشدة.
وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا، كما قال: {يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً} [الدخان: 41].
وقال عبد الله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى. {وَصاحِبَتِهِ} أي زوجته. {وَبَنِيهِ} أي أولاده. وذكر الضحاك عن ابن عباس قال: يفر قابيل من أخيه هابيل، ويفر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ابنه، ولوط من امرأته، وآدم من سوأة بنيه.
وقال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من، أبيه: إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من امرأته لوط. قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}. في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة، الامر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض». خرجه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: يا فلانة {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}». قال: حديث حسن صحيح. وقراءة العامة بالغين المعجمة، أي حال يشغله عن الأقرباء. وقرأ ابن محيصن وحميد {يعنيه} بفتح الياء، وعين غير معجمة، أي يعنيه أمره.
وقال القتبي: يعنيه: يصرفه ويصده عن قرابته، ومنه يقال: أعن عني وجهك: أي أصرفه وأعن عن السفيه، قال خفاف:
سيعنيك حرب بني مالك ** عن الفحش والجهل في المحفل

قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. ضاحِكَةٌ أي مسرورة فرحة. مُسْتَبْشِرَةٌ: أي بما آتاها الله من الكرامة.
وقال عطاء الخراساني: مُسْفِرَةٌ من طول ما اغبرت في سبيل الله جل ثناؤه. ذكره أبو نعيم. الضحاك: من آثار الوضوء. ابن عباس: من قيام الليل، لما روى في الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ} أي غبار ودخان تَرْهَقُها أي تغشاها قَتَرَةٌ أي كسوف وسواد. كذا قال ابن عباس. وعنه أيضا: ذلة وشدة. والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع القترة، عن أبي عبيد، وأنشد الفرزدق:
متوج برداء الملك يتبعه ** موج ترى فوقه الرايات والقترا

وفي الخبر: إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار.
وقال زيد بن أسلم، القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة: واحد. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جمع كافر الْفَجَرَةُ جمع فاجر، وهو الكاذب المفترى على الله تعالى.
وقيل: الفاسق، يقال: فجر فجورا: أي فسق، وفجر: أي كذب. وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقد مضى بيانه والكلام فيه. والحمد لله وحده.

.سورة التكوير:

سورة التكوير مكية في قول الجميع. وهي تسع وعشرون آية وفي الترمذي: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سره أن ينظر إلي يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ {إذا الشمس كورت}، و{إذا السماء انفطرت}، و{إذا السماء انشقت}». قال: هذا حديث حسن غريب.

.تفسير الآيات (1- 14):

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14)}
قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال ابن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش. والحسن: ذهاب ضوئها. وقاله قتادة ومجاهد: وروى عن ابن عباس أيضا. سعيد بن جبير: عورت. أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى.
وقال الربيع بن خيثم: كُوِّرَتْ رمى بها، ومنه: كورته فتكور، أي سقط. قلت: واصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي لاثها وجمعها فهي تكور ويمحى ضوءها، ثم يرمى بها في البحر. والله أعلم. وعن أبي صالح: كورت: نكست. {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} أي تهافتت وتناثرت.
وقال أبو عبيدة: أنصبت كما تنصب العقاب إذا انكسرت. قال العجاج يصف صقرا:
أبصر خربان فضاء فانكدر ** تقضي البازي إذا البازي كسر

وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، حتى يفزع أهل الأرض السابعة مما لقيت وأصاب العليا»، يعني الأرض.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت، وذلك أنها قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات من في الأرض ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها. ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها. وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس أيضا: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارب. {وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ} يعني قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء، وهو مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً} [الكهف: 47].
وقيل: سيرها تحولها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا أي رملا سائلا وتكون كالعهن، وتكون هباء منثورا، وتكون سرابا، مثل السراب الذي ليس بشيء. وعادت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وقد تقدم في غير موضع والحمد لله. {وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ} أي النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء أو التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعد ما تضع أيضا. ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قرح: هاتوا مهري وقربوا مهري، يسميه بمتقدم اسمه، قال عنترة:
لا تذكري مهري وما أطمعته ** فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

وقال أيضا:
وحملت مهري وسطها فمضاها

وإنما خص العشار بالذكر، لأنها أعز ما تكون على العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة. وهذا على وجه المثل، لان في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه.
وقيل: إنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمهم أمرها. وخوطبت العرب بأمر العشار، لان مالها وعيشها أكثره من الإبل.
وروى الضحاك عن ابن عباس: عطلت: عطلها أهلها، لاشتغالهم بأنفسهم.
وقال الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفا ** ة إما مخاضا وإما عشارا

وقال آخر:
ترى المرء مهجورا إذا قل ماله ** وبئت الغني يهدي له ويزار

وما ينفع الزوار مال مزورهم ** إذا سرحت شول له وعشار

يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، ونوق عشار وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا. وقد عشرت الناقة تعشيرا: أي صارت عشراء.
وقيل: العشار: السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، والعرب تشبه السحاب بالحامل.
وقيل: الديار تعطل فلا تسكن.
وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والأول أشهر، وعليه من الناس الأكثر. {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي جمعت والحشر: الجمع. عن الحسن وقتادة وغيرهما.
وقال ابن عباس: حشرها: موتها. رواه عنه عكرمة. وحشر كل شي: الموت غير الجن والانس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس أيضا قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. قال ابن عباس: تحشر الوحوش غدا: أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها كوني ترابا فتموت. وهذا أصح مما رواه عنه عكرمة، وقد بيناه في كتاب التذكرة مستوفى، ومضى في سورة الأنعام بعضه. أي إن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم.
وقيل: عني بهذا أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتنددها في الصحاري، تنضم غدا إلى الناس من أهوال ذلك اليوم. قال معناه أبي بن كعب. {وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ} أي ملئت من الماء، والعرب تقول: سجرت الحوض أسجره سجرا: إذا ملأته، وهو مسجور والمسجور والساجر في اللغة: الملآن.
وروى الربيع بن خيثم: سجرت: فاضت وملئت. وقاله الكلبي ومقاتل والحسن والضحاك. قال ابن أبي زمنين: سجرت: حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى بعض فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول الحسن.
وقيل: أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها، حتى امتلأت. عن الضحاك ومجاهد: أي فجرت فصارت بحرا واحدا. القشيري: وذلك بأن يرفع الله الحاجز الذي ذكره في قوله تعالى: {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك البرزخ تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض كلها، وصارت البحار بحرا واحدا.
وقيل: صارت بحرا واحدا من الحميم لأهل النار. وعن الحسن أيضا وقتادة وابن حيان: تيبس فلا يبقى من مائها قطرة. القشيري: وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته وإذا سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة وتسير الجبال حينئذ وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال.
وقال النحاس: وقد تكون الأقوال متفقة، يكون تيبس من الماء بعد أن يفيض، بعضها إلى بعض، فتقلب نارا. قلت: ثم تسير الجبال حينئذ، كما ذكر القشيري، والله أعلم.
وقال ابن زيد وشمر وعطية وسفيان ووهب وأبي وعلي بن أبي طالب وابن عباس في رواية الضحاك عنه: أوقدت فصارت نارا. قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم في البحر، ثم يبعث الله عليها ريحا دبورا، فتنفخه حتى يصير نارا. وكذا في بعض الحديث: «يأمر الله جل ثناؤه الشمس والقمر والنجوم فينتثرون في البحر، ثم يبعث الله جل ثناؤه الدبور فيسجرها نارا، فتلك نار الله الكبرى، التي يعذب بها الكفار». قال القشيري: قيل في تفسير قول ابن عباس سُجِّرَتْ أوقدت، يحتمل أن تكون جهنم في قعور من البحار، فهي الآن غير مسجورة لقوام الدنيا، فإذا أنقضت الدنيا سجرت، فصارت كلها نارا يدخلها الله أهلها. ويحتمل أن تكون تحت البحر نار، ثم يوقد الله البحر كله فيصير نارا.
وفي الخبر: البحر نار في نار.
وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم وسط الأرض، أسفله آبار مطبقة بنحاس يسجر نارا يوم القيامة.
وقيل: تكون الشمس في البحر، فيكون البحر نارا بحر الشمس. ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من أشراطها، ويجوز أن يكون يوم القيامة، وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم القيامة. قلت: روي عن عبد الله بن عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم.
وقال أبي بن كعب: ست آيات من قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وتساقطت، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت، فصارت هباء منثورا، ففزعت الانس إلى الجن والجن إلى الانس، واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ثم قالت الجن للانس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك تصدعت الأرض صدعه واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم.
وقيل معنى {سُجِّرَتْ}: هو حمرة مائها، حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم: عين سجراء: أي حمراء. وقرأ ابن كثير: {سُجِّرَتْ} وأبو عمرو أيضا، إخبارا عن حالها مرة واحدة. وقرأ الباقون بالتشديد إخبارًا عن حالها في تكرير ذلك منها مرة بعد أخرى. قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال النعمان بن بشير: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله».
وقال عمر بن الخطاب: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح.
وقال ابن عباس: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج- يعني صنفا- وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضا قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرن الكافر بالشياطين، وكذلك المنافقون. وعنه أيضا: قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة واهل النار، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، واهل المعصية إلى مثله، فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله، والمعنى: وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها في الجنة والنار.
وقيل: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان، كما قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ} [الصافات: 22].
وقال عبد الرحمن بن زيد: جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج، أصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج، وقد قال جل ثناؤه: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ} [الصافات: 22] أي أشكالهم.
وقال عكرمة: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قرنت الأرواح بالأجساد، أي ردت إليها.
وقال الحسن: ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين.
وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، على جهة البغض والعداوة، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين.
وقيل: قرنت النفوس بأعمالها، فصارت لاختصاصها به كالتزويج. قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} الموءودة المقتولة، وهي الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيوءودها أي يثقلها حتى تموت، ومنه قوله تعالى: {وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما} [البقرة: 255] أي لا يثقله، وقال متمم بن نويرة:
وموءودة مقبورة في مفازة ** بآمتها موسودة لم تمهد

وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به.
الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفا من السبي والاسترقاق. وقد مضى في سورة النحل هذا المعنى، عند قوله تعالى: {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ} [النحل: 59] مستوفى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال:
ومنا الذي منع الوائدات ** فأحيا الوئيد فلم يوأد

يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن. فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة.
وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب عليها، وإن ولدت غلاما حبسته، ومنه قول الراجز:
سميتها إذ ولدت تموت ** والقبر صهر ضامن زميت

الزميت الوقور، والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم، وما أشد تزمته، عن الفراء.
وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ قال عمر في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ} قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية، قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة» قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: «فأهد عن كل واحدة منهن بدنه إن شئت». وقوله تعالى: {سُئِلَتْ} سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لم ضربت؟ وما ذنبك؟ قال الحسن: أراد الله أن يوبخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب.
وقال ابن أسلم: بأي ذنب ضربت، وكانوا يضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى: {سُئِلَتْ} قال: طلبت، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل. قال: وهو كقوله: {وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا} [الأحزاب: 15] أي مطلوبا. فكأنها طلبت منهم، فقيل أين أولادكم؟ وقرأ الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ} فتتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ} وكذلك هو في مصحف أبي.
وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها، ملطخا بدمائه، فيقول يا رب، هذه أمي، وهذه قتلتني». والقول الأول عليه الجمهور، وهو مثل قوله تعالى لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ، على جهة التوبيخ والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها، لان هذا مما لا يصح إلا بذنب، فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقرئ: {قتلت} بالتشديد، وفية دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب. قوله تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: {مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها} [الكهف: 49].
وروى مرثد بن وداعة قال: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده {فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ} [الحاقة: 22] إلى قوله: {الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ} [الحاقة: 24] وتقع صحيفة الكافر في يده {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} إلى قوله: {وَلا كَرِيمٍ} [الواقعة: 44- 42].
وروى عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة» فقلت: يا رسول الله فكيف بالنساء؟ قال: «شغل الناس يا أم سلمة». قلت: وما شغلهم؟ قال: «نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل». وقد مضى في سورة سبحان قول أبي الثوار العدوي: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت، حتى إذا بعثت نشرت {اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الاسراء: 14].
وقال مقاتل: إذا مات المرء طويت صحيفة عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا بن آدم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو نُشِرَتْ مخففة، على نشرت مرة واحدة، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار النشر، للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع.
وقيل: لتكرار ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. قوله تعالى: {وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ}: الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره والقشط: لغة فيه.
وفي قراءة عبد الله {وإذا السماء قشطت} وكشطت البعير كشطا: نزعت جلده ولا يقال سلخته، لان العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، وانكشط: أي ذهب، فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء.
وقيل: تطوى كما قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] فكأن المعنى: قلعت فطويت. والله أعلم. قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي أوقدت فأضرمت للكفار وزيد في أحمائها. يقال: سعرت النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من السعير. وقرأ نافع وابن ذكوان ورويس بالتشديد لأنها أوقدت مدة بعد مرة. قال قتادة: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» وروى موقوفا. قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي دنت وقربت من المتقين. قال الحسن: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها. وكان عبد الرحمن بن زيد يقول: زينت: أزلفت؟ والزلفى في كلام العرب: القربة قال الله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90]، وتزلف فلان تقرب. قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أجرى الحديث. وروى عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرأها، فلما بلغا عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ قالا لهذا أجريت القصة، فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء، علمت نفس ما أحضرت من عملها.
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل» وقال الحسن: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قسم وقع على قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ كما يقال: إذا نفر زيد نفر عمرو. والقول الأول أصح.
وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إلى قوله: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وقد بينا الستة الأولى بقول أبي بن كعب.