فصل: تفسير الآيات (12- 16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (12- 16):

{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)}
قوله: عز وجل: {يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ} المعنى: قال اللّهُ له: يا يحيى خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: {بِقُوَّةٍ} أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.
وقوله: {صَبِيّاً} يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.
وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه اللّهُ عز وجل وهو صَبِيٌّ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً. والحنان: الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة؛ قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة؛ ومن الشواهد في الحَنَان قولُ النابغة: [الطويل]
أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ** حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ

وقال عطاء بن أبي رباح: {حَنَاناً مِنْ لَدُنَّا} بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا.
قال * ع *: وهو أَيضاً ما عظم من الأَمر لأَجل اللّه عز وجل ومنه قولُ زيدِ بن عَمْر بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللّهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً.
قال * ص *: قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى. انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.
قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة. {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة، ولا كبيرة والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أَخلاقه.
وقوله: {وسلام عَلَيْهِ} قال الطَّبرِيُّ، وغيرُه: معناه وأَمانٌ عليه.
قال * ع *: والأَظهرُ عندي: أَنها التّحيةُ المتعارفة، فهي أَشرف، وأَنبه من الأَمان؛ لأَن الأَمان متحصَّلٌ له بنفي العِصْيان عنه، وهو أَقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن سلم اللّهُ عليه، وحيَّاه في المواطن الَّتي الإنسان فيها في غاية الضعْفِ، والحاجةِ، وقلَّةِ الحيلة.
{واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ}، الكتاب: هو القُرْآنُ والاِنْتباذ: التنحِّي.
قال السُّدِّيُّ: انتبذت؛ لتطهر من حيض، وقال غيره: لتعبد اللّه عز وجل.
قال * ع *: وهذا أحْسن.
وقوله: {شَرْقِيّاً} يريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا يعظمون جهة المَشْرق؛ قاله الطبري.
وقال بعضُ المفسرين: اتخذت المكانَ بشرقي المحرابَ.

.تفسير الآيات (17- 19):

{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)}

وقوله سبحانه: {فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً}، أيْ: لتستتر به عن الناس؛ لعبادتها. والروح: جبريلُ عليه السلام.
وقوله تعالى: {قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}، المعنى: قالت مريمُ للملك الذي تمثل لها بشراً، لما رأَتْهُ قد خرق الحِجَاب الَّذي اتخذته؛ فأساءت به الظن: أَعود بالرحمن منك إن كنت ذا تُقًى، فقال لها جبريلُ عليه السلام: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً}.
وقرأ أَبو عمرو، ونافعٌ بخلاف عنه {لِيَهَبَ}.

.تفسير الآيات (20- 23):

{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)}
{قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ عليه السلام حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها؛ فسرت النفخة بإذن اللّه تعالى حتَّى حملت منها؛ قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ.
وقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ: دخل الروح المنفوخُ من فمها؛ فذلك قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ} أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ {انتَبَذَتْ} أيْ: تنحت مكاناً بعيداً؛ حياء وفراراً على وجهها، و{أَجَآءَهَا} معناه: اضْطرّها، وهو تعدية جاء بالهمزة.
و{المخاض}: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلى موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع؛ لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها؛ لما رأته من صعُوبة الحال مِنْ غير ما وجهَ: {ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا} فتمنت الموتَ من جهة الدّين؛ أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ؛ وعلى هذا الحدِّ تمناه عمرُ- رضي اللّه عنه-.
{وَكُنتُ نَسْياً} أيْ: شَيْئاً مَتْرُوكاً محتقراً، والنَّسِيُّ في كلام العرب؛ الشيءُ الحقير الذي شأنه أَن يُنْسَى، فلا يُتَأَلَّمُ لفقده؛ كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه.
وهذه القصةُ تقتضي أَنها حملت واستمرَّت حامِلاً على عُرْف البشر، واستحْيَتْ من ذلك؛ ومرّت بسببه، وهي حاملٌ، وهو قولُ جمهور المتأوِّلين.
وروى عن ابن عباسٍ أَنه قال: ليس إلا أَن حملت، فوضعت في ساعةٍ واحدة؛ والله أعلم.
وظاهر قوله: {فَأَجَاءَهَا المخاض} أَنها كانت على عُرْف النساء.

.تفسير الآيات (24- 28):

{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}
وقولُهُ سبحانه: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرأ ابنُ كَثِير، وأبو عَمْرو، وابن عامرٍ، وعَاصِمٌ: {فناداها مَنْ تحتها} على أَن {مَنْ} فاعل بنادى، والمراد بِ {مَنْ} عيسى؛ قاله مجاهدٌ، والحسنُ، وابنُ جُبَيْرٍ، وأَبي بنَ كَعْب. وقال ابن عباس: المراد ب {مَنْ} جِبْرِيلُ ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.
والقول الأولُ أَظهر وأبْيَنُ، وبه يتبيّن عُذْر مريم، ولا تبقى بها استرابة.
وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحَفْصٌ، عن عَاصِمٍ: {مِنْ تَحْتِهَا} بكسر الميم، واختلفوا أَيضاً فقالت فرقةٌ: المرادُ عيسى، وقالت فِرْقَةٌ: المراد جِبْرِيلُ المحاور لها قَبْلُ.
قالوا: وكان في بُقْعة أَخفضَ من البُقْعة الَّتي كانت هي عليها؛ والأَول أَظهَرُ.
وقرأ ابنُ عباس: {فَنَادَاهَا مَلَكٌ مِن تَحْتِهَا}.
والسَّرِيُّ: من الرجال العظيمُ السيّد، والسري: أَيضاً الجدولُ مِنَ الماء؛ وبحسَبِ هذا اختلف النّاسُ في هذه الآية.
فقال قتادةُ، وابنُ زيدٍ: أَراد جعل تحتك عَظِيماً من الرجال، له شأنٌ.
وقال الجمهورُ: أَشار لها إلى الجَدْول، ثم أَمرها بهز الجِذْع اليابِس؛ لترى آيَةً أُخْرى.
وقالت فرقةٌ: بل كانت النخْلة مطعمة رطباً، وقال السُّدِّيُّ: كان الجِذْع مقطوعاً، وأجري تحتها النهر لحينه.
قال * ع *: والظاهر من الآية: أَن عيسى هو المكلِّم لها، وأَن الجِذْع كان يَابِساً؛ فهي آيات تسليها، وتسكن إليها.
قال * ص *: قوله: {وهُزِّي إلَيْكِ} تقرر في عِلْم النحو أَن الفِعْل لا يتعدَّى إلى ضمير مُتّصلٍ، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا تقرر هذا؛ ف {إِليك} لا يتعلق ب {هُزِّي}، ولكن يمكن أَن يكون {إلَيْك} حالاً من جِذْع النخلة؛ فيتعلَّق بمحذْوفٍ؛ أَيْ: هزي بجذْع النخلة مُنْتهياً إليك. انتهى.
والباءُ في قوله: {بِجِذْعِ}: زائدةٌ موكّدة، و{جَنِيّاً}: معناه: قد طابت وصلحَتْ لِلاجْتناء، وهو من جَنَيْتُ الثمرةَ.
وقال عَمْرُو بْنُ مَيْمُون: ليس شيءٌ للنُّفَسَاءِ خيراً من التَّمر، والرُّطَب.
وقرةُ العَيْن مأْخُوذةَ من القُرِّ؛ وذلك، أَنَّهُ يحكى: أَن دمعَ الفرح باردُ المسِّ، ودمعَ الحُزْن سخن المس، وقِيلَ: غير هذا.
قال * ص *: {وَقَرِّي عَيْناً} أَيْ: طِيبي نفساً. أَبو البَقَاءِ: {عيناً}: تمييز. اهـ.
وقوله سبحانه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً...} الآية، المعنى: أَن اللّه عز وجل أمرها على لسان جِبْرِيلَ عليه السلام أو ابنها؛ على الخلاف المتقدم: بأن تُمْسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك؛ ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية؛ فيقوم عذرها.
وظاهر الآية: أَنها أُبِيح لها أن تقولَ مضمن هذه الألفاظ الّتي في الآية؛ وهو قولُ الجمهور.
وقالت فرقةٌ: معنى {قُولِي} بالإشارة، لا بالكلام.
قال * ص *: وقولُه: {فَقُولِي} جوابُ الشرط، وبينهما جملةٌ محذوفةٌ يدل عليها المعنى؛ أيْ فَإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحداً، وسألك أو حاورك الكلام، فقولي.
انتهى.
و{صَوْماً} معناه عن الكلام؛ إذ أَصلُ الصوم الإمساكُ.
وقرأَتْ فرقةٌ: {إني نَذَرْتُ للرحمن صَمْتاً} ولا يجوز في شَرْعِنا نذرُ الصمتِ؛ فروي: أَن مريم عليها السلام لمَّا اطمأنَّت بما رأت مِنَ الآياتِ، وعلمت أَن اللّه تعالى سيبيِّنُ عذرَها، أَتَتْ به تحمله مدلة من المكان القَصِيّ الذي كانت مُنْتبذةً به، والفَرِيُّ: العظيمُ الشَّنِيعُ؛ قاله مجاهد، والسُّدِّيُّ، وأكثرُ استعماله في السُّوء.
واختُلِف في معنى قوله تعالى: {ياأخت هارون}، فقيل: كان لها أَخٌ اسمه هارون؛ لأَن هذا الاِسْم كان كَثِيراً في بني إسْرَائِيل.
ورَوَى المغيرةُ بن شُعْبة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَرسله إلى أَهْلِ نَجْرَانَ في أمْرٍ من الأُمُور، فقالتْ له النصارى: إن صَاحِبَك يزعم أَنَّ مريمَ هي أُخْت هارون، وبينهما في المدّةِ ستُّ مائةِ سنة.
قال المغيرةُ: فلم أَدر ما أقول، فلما قَدِمْتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكرتُ ذلك له، فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياءِ والصّالحين.
قال * ع *: فالمعنى أَنه اسم وافق اسما.
وقيل: نسبُوها إلى هَارُون أَخِي مُوسَى؛ لأَنها مِنْ نَسْله؛ ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: «إن أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمٌ». وقال قتادةُ: نسبوها إلى هَارُونَ اسم رَجُلٍ صَالِحٍ في ذلك الزمان.
وقالتْ فرقةٌ: بل كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجِرٌ اسمه هَارُون نسبُوها إليه؛ على جهة التَّعْيِير.
* ت *: واللّهُ أعلمُ بصحّة هذا، وما رواه المُغِيرة إنْ ثبت هو المعوَّلُ عليه، وقولهم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ} المعنى: ما كان أَبُوك، ولا أمّك أهلاً لهذه الفِعْلة، فكيف جِئْت أنت بها؟ والبَغِيّ: الّتي تبغِي الزَّنَا، أي: تطلبه.

.تفسير الآيات (29- 33):

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}
وقولُه تعالى: {فأَشَارَتْ إِلَيْهِ} يقوى قولَ مَنْ قال: إنَّ أمرها ب {قُولي}، إنما أريد به الإشارة.
وقوله: {ءاتاني الكتاب} يعني الإنْجِيل، ويحتمل أن يريد التوراةَ والإنجيل، وآتاني معناه: قضى بذلك سُبْحَانه وأَنْفذه في سَابِق حُكْمه، وهذا نحو قولِه تعالى: {أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1].
{وأوصاني بالصلاة والزكاوة} قيل: هما المشرُوعتانِ في البدن، والمال.
وقيل: الصلاةُ: الدعاءُ، والزكاة: التطهُّرُ من كُلِّ عيْبٍ، ونقصٍ، ومعصيةٍ. والجبارُ؛ المتعَظِّمُ؛ وهي خلق مقرونة بالشقاء؛ لأَنَّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهاً، وكان عيسى عليه السلام في غاية التَّوَاضُعِ؛ يأكلُ الشجر، ويلبَسُ الشَّعْر، ويجلس على الأَرض، ويَأْوِي حيث جَنَّة الليلُ. لاَ مَسْكَن له.
قال قتادة: وكان يقولُ: سَلُوني؛ فإني ليّن القلب، صَغِيرٌ في نفسي.
وقالت فرقةٌ: إنَّ عيسى عليه السلام كان أُوتي الكتابَ وهو في سِنِّ الطفولِيّة، وكان يصومُ، ويُصَلّي.
قال * ع *: وهذا في غاية الضَّعْف.
* ت *: وضعفُه مِنْ جهة سنده؛ وإلا فالعقلُ لا يحِيلُه؛ لاسيما وأمره كله خرق عادة، وفي قصص هذه الآية؛ عن ابن زيد، وغيره: أَنهم لما سَمِعُوا كلام عيسى أَذْعنوا وقالوا: إن هذا الأمر عظيم.

.تفسير الآيات (34- 36):

{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)}
وقوله تعالى: {ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ} المعنى: قل يا محمدُ، لمعاصريكَ من اليَهُود والنَّصَارَى ذلك الذي هذه قِصَّته؛ عيسى ابن مريم.
وقرأَ نافعٌ، وعَامّةُ الناس: {قَوْلُ الحَقِّ} برفع القول؛ على معنى هذا هو قول الحق.
وقرأ عاصمٌ، وابنُ عَامِرٍ: {قولَ الحقِّ} بنصب اللام؛ على المصدر.
وقوله: {إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ...} الآية، هذا من تمام القول الّذي أمِر به محمد صلى الله عليه وسلم: أَن يقولَه، ويحتمل أنْ يكون من قول عيسى عليه السلام ويكون قوله: {أَنَّ} بفتح الهمزة، عطفاً على قوله: الكتاب.
وقد قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّه: عهد عيسى إليهم: أَن اللّه ربي وربُّكُمْ.
* ت *: وما ذكره وَهْبُ مصرح به في القرآن، ففي آخر المائدة: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ...} الآية. [المائدة: 117]. وامتراؤهم في عيسى هو اختلافهم؛ فيقول بعضُهم: لَزَنْيَةٌ، وهم اليهُود، ويقول بعضُهم: هو اللّهُ؛ تعالى اللّهُ عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، فهذا هو امتراؤُهم، وسيأتِي شرحُ ذلك بإثْرِ هذا.

.تفسير الآيات (37- 39):

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)}
وقوله: {فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ} هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم بأَن بني إسْرَائِيلَ اختلفوا أَحزاباً، أيْ: فرقاً.
وقوله: {مِن بَيْنِهِمْ} بمعنى: من تلقَائِهم، ومن أَنْفسِهم ثار شرُّهم، وإنّ الاِخْتلاف لم يخرج عنهم؛ بل كانوا هم المختلفين.
وروي في هذا عن قتادةَ: أَنَّ بني إسْرَائِيلَ جمعوا من أَنفسهم أَربعة أحبار غاية في المَكَانةِ والجَلاَلة عندهم وطلبوهم أن يبيِّنُوا لهم أَمْرَ عيسى فقال أَحَدُهم: عيسى هو اللّهُ؛ تعالى اللّه عن قولهم.
وقال له الثلاثة: كذبتَ، واتبعه اليعقوبيةُ، ثم قِيلَ للثلاثة؛ فقال أحدهم: عيسى ابنُ اللّه، تعالى اللّه عن قولهم فقال له الاِثنان: كذبت، واتبعه النُّسْطُورِيَّةُ، ثم قيل للاِثنين؛ فقال أَحدهما: عيسى أحد ثلاثةٍ: اللّه إله، ومريم إله، وعيسى إله؛ تعالى اللّه عن قولهم عُلوّاً كبيراً فقال له الرباعُ: كذبت، واتَّبَعَتْهُ الإِسْرَائِيلية فقِيلَ للرابع؛ فقال: عيسى عبدُ اللّه، وكلمتُه أَلقاها إلى مريم، فاتّبعَ كلَّ واحد فريقٌ من بني إسْرَائِيل، ثم اقْتَتلُوا فغُلِبَ المؤمنون، وقُتِلوا، وظَهَرَت اليَعْقُوبيّة على الجميع.
والويل: الحزنُ، والثُّبور، وقِيلَ: الويل: وَادٍ في جَهَنَّم، و{مَّشْهدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: هو يوم القيامة.
وقولُه سبحانه: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} أي: ما أَسْمَعَهم، وأبصرهم يوم يرجعُون إلَيْنا، ويرَوْن ما نصنع بهم، {لكن الظالمون اليوم} أَيْ: في الدنيا في {ضلال مُّبِينٍ} أَيْ بيِّنٍ، {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة} وهو يوم ذَبْحِ الموت؛ قاله الجمهورُ.
وفي هذا حَدِيثٌ صحيحٌ خرجه البُخَاريُّ وغيرُه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّ المَوْتَ يُجَاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُنَادِى: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة...} الآية.
قال * ع *: وعند ذلك تُصِيب أَهلَ النار حسرةٌ لا حَسْرة مثلها.
وقال ابنُ زيد، وغيره: يَوْمَ الحَسْرَةِ: هو يَوْمَ القِيَامَةِ.
قال * ع *: ويحتمل أَن يكونَ يوم الحسرة اسمُ جِنْسٍ شاملٌ لحسَرَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ بحسب مواطن الآخرة: منها يومَ مَوْتِ الإنسان، وأَخْذِ الكتاب بالشِّمال، وغير ذلك، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} يريد: في الدنيا.