فصل: تفسير الآيات (37- 40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (37- 40):

{وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}
وقوله تعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلةٌ على قدرتِه ووُجوبِ الألوهية له، و{نَسْلَخُ} معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.
قلت: قال الهروي: قوله تعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى. و{مُّظْلِمُونَ} داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: على ما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي ذَرٍّ، «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري؛ وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ» و{مَنَازِلَ} منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال؛ قاله الحسَن، والوُجود يَشْهَدُ له، و{القديم} معناه: العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، و{يَنْبَغِى} هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه؛ لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال فلك فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مُسْتَدِير كَفَلَكَةِ المغْزَلِ فِيهِ جَمِيعُ الكَوَاكِبِ و{يَسْبَحُونَ} معناه: يَجْرُونَ وَيَعُومُونَ.

.تفسير الآيات (41- 46):

{وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)}
وقوله تعالى: {وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ في الفلك} الآية، ذكرَ الذريةَ لِضَعْفِهم عن السفر، فالنعمةُ فيهم أمْكَنُ، والضمير المتصل بالذريات، هو ضميرُ الجنس، كأنه قال: ذرياتُ جنسِهم أو نوعِهم؛ هذا أصح ما يتجه في هذا.
وأما معنى الآية؛ فقال ابن عباس وجماعةٌ: يريد بالذرياتِ المحمولينَ أصحابَ نوحٍ في السفينةِ، ويريد بقوله: {مِّن مِّثْلِهِ} السفن الموجودةَ في جنسِ بني آدم إلى يوم القيامة، وإيَّاها أرَادَ بقوله: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ}، وقال مجاهدٌ وغيرُه: المراد بقوله: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون}: السفنُ الموجودةُ في بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} الإبلَ وسائرَ ما يُرْكَبُ؛ فتكون المماثلة في أنه مركوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط، ويعودُ قولهُ: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} على السفنِ الموجودةِ في الناس، والصريخُ؛ هنا بمعنى المُصْرِخِ المُغِيثِ.
وقوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا} قال الكسائيُّ: نصبَ {رَحْمَةً} على الاسْتِثْنَاءِ، كأنه قال: إلاَّ أَنْ نَرْحَمَهُمْ.
وقوله: {إلى حِينٍ} يريدُ إلى آجالِهم المضروبةِ لهم، ثم ابْتَدَأَ الإخبارَ عَنْ عُتُوِّ قريشٍ بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} قال قتادة ومقاتل: ما بين أيديهم: هو عذابُ الأمم الذي قد سَبَقَهُمْ في الزمن؛ وهذا هو النظرُ الجيدُ: وقال الحسنُ: خُوِّفُوا بما مضَى من ذنوبِهم؛ وبما يأتي منها، قال * ع *: وهذا نحوُ الأولِ في المعنى.

.تفسير الآيات (47- 50):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله...} الآية، الضميرُ في قوله {لَهُمْ} لقريشٍ؛ وسبب الآيةِ أن الكفارَ لمَّا أسلمَ حواشِيهم مِنَ الموالي وغيرِهِمْ، والمستضعفين، قطعوا عنهم نَفَقَاتِهم وصِلاَتِهم، وكان الأمرُ بمكةَ أوَّلاً فيه بعض الاتِّصَال في وقت نزول آيات المُوَادَعَةِ، فَنَدَبَ أولئك المؤمنونَ قَرَابَاتِهم من الكفارِ، إلى أَنْ يَصِلُوهُمْ ويُنْفِقُوا عليهم، مِمَّا رَزَقَهُم اللَّه؛ فقالوا عند ذلك: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ الله أَطْعَمَهُ}.
وقالتْ فرقة: سبب الآيةِ أنَّ قريشاً شَحَّتْ بِسَبَبِ أزمةٍ على المساكينِ جميعاً مُؤمن وَغَيْرِ مؤمن، فَنَدَبَهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى النَّفَقَةِ على المساكينَ، وقولهُم يَحْتَمِلُ معنيين:
أحدهما يخرَّج على اختيارٍ لجُهَّالِ العَرَبِ، فَقَد رُوِيَ أن أعْرَابِيًّا كان يرعى إبله فيجعلُ السِّمَانَ في الْخِصْبِ، والمَهَازِيلَ في المَكَانِ الجَدْبِ، فقيل له في ذلك؛ فقال: أكْرِمُ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ وأهين ما أهانَ اللَّهُ، فيخرَّج قولُ قريشٍ على هذا المعنى، ومن أمثالهم: كُنْ مَعَ اللَّهِ عَلَى المدبِرِ.
والتأويل الثاني: أن يكونَ كلامُهم بمعنى الاسْتِهْزَاءِ بقول محمد عليه السلام إنَّ ثَمَّ إلها هو الرزَّاقُ، فكأنهم قالوا: لِمَ لاَ يَرْزُقُهم إلهك الذي تزعم، أي: نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمْتَ، لأطْعَمَهُ.
وقوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال مُّبِينٍ} يَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ من قول الكَفَرَةِ للمؤمنين، أي: في أمركم لنا بالنفقةِ؛ وفي غير ذلكَ من دينكم، ويحتملُ أن يكون من قولِ اللَّهِ تعالى للكفرةِ. وقولهم: {متى هذا الوعد} أي: متى يوم القيامة.
وقيل: أرادوا: متى هذا العذابُ الذي تَتَهَدَّدُنَا به، و{مَا يَنظُرُونَ} أي: يَنْتَظِرُونَ، وما نافيةٌ، وهذه الصيحةُ هي صيحةُ القيامةِ؛ وهي النَّفْخَةُ الأولَى، وفي حديثِ أبي هريرةَ أن بَعْدَهَا نَفْخَةَ الصَّعْقِ، ثم نَفْخَةَ الحَشْرِ، وهي التي تَدُومُ؛ فَمَا لها مِنْ فَوَاقٍ، وأصل {يَخِصِّمُونَ}: يَخْتَصِمُونَ، والمعنى: وهم يَتَحَاوَرُونَ ويتراجعونَ الأَقْوَالَ بَيْنَهُمْ، وفي مُصْحَف أُبَيِّ بن كَعْبٍ {يختصمون}، {وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}؛ لإعجالِ الأمْرِ، بلْ تَفِيضُ أنفُسهم؛ حيثُ مَا أخَذَتْهُم الصيحةُ.

.تفسير الآيات (51- 54):

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)}
وقوله سبحانه: {وَنُفِخَ فِي الصور فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}: هذه نَفْخَةُ البعثِ، والأجْدَاثُ: القبُور، و{يَنسِلُونَ} أي يَمْشُونَ مُسْرِعِين. وفي قراءة ابن مسعود: {مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وغيرهِ: أن جميعَ البَشَرِ يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الحشرِ.
قال * ع *: وهذا غيرُ صحيحِ الإسْنَاد، وإنما الوجهُ في قولهم: {مِن مَّرْقَدِنَا}: أنها اسْتَعَارَةٌ؛ كَمَا تَقُولُ في قتيلٍ: هذا مرقَدُه إلى يومِ القيامةِ.
وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} جوَّزَ الزَّجَّاجُ أنْ يكونَ {هذا} إشارةً إلى المَرْقَدِ، ثم اسْتَأنَفَ {مَا وَعَدَ الرحمن} ويُضْمِرُ الخبرَ حق أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداءُ الكلامِ: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} واخْتُلِفَ في هذه المقَالَةِ مَنْ قالَها؟ فقال ابن زيد: هيَ مِنْ قَوْلِ الكفرةِ، وقال قتادة ومجاهد: هي من قولِ المؤمنينَ للكفارِ.
وقال الفراء: هي مِنْ قَوْلِ الملائكةِ، وقالت فرقة: هي مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تعالى على جِهَةِ التَّوْبِيخ، وباقي الآية بيِّنٌ.

.تفسير الآيات (55- 58):

{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)}
وقوله تعالى: {إِنَّ أصحاب الجنة اليوم في شُغُلٍ} قال ابن عباس وغيره: هو افْتِضَاضُ الأبكار.
وقال ابن عباس أيضاً: هو سماع الأوتارِ.
وقال مجاهد: معناهُ: نعيمٌ قَدْ شَغَلَهُمْ.
قال * ع *: وهذا هو القول الصحيح؛ وتعيينُ شَيْءٍ دونَ شَيْءٍ لا قياسَ له.
وقوله سبحانه: {هُمْ وأزواجهم في ظلال} جاءَ في صحيح البخاري وغيره عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّه، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا في اللَّه، اجتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيه، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ؛ فَقَال: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؛ فَأَخْفَاهَا حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» انتهى. وهذا الظِّلُّ المذكورُ في الحديث؛ هو في المَحْشَرِ.
قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ رضي اللَّه عنه: وظِلاَلُ الآخِرَةِ، ما فيها مُباحٌ؛ بل كلُّها قد تملكت بالأَعْمَالِ التي عملها العاملون الذين هَدَاهُم اللَّه تعالى؛ فليسَ هناك لصعلوكِ الأَعْمَالِ ظلٌّ، انتهى؛ وهو كما قال، فشَمِّرْ عَنْ سَاقِ الجِدِّ؛ إن أردْتَ الفوز؛ أيُّها الأخُ والسلام. و{الأرائك}: السررُ المفروشةُ، قيل: ومِنْ شَرْطِها أنْ تَكُونَ عليها حَجَلَة وإلاَّ فليستْ بأرِيكةٍ؛ وبذلك قيَّدها ابن عَبَّاسٍ وغيره.
وقوله: {مَّا يَدَّعُونَ} بمنزلةِ ما يَتَمَنَّوْنَ.
قال أبو عُبَيْدَةَ: العربُ تقولُ: ادع عَلَيَّ ما شِئْتَ بمعنى: تَمَنَّ عَلَيَّ.
وقوله: {سلام} قِيلَ: هي صفةٌ، أي: مُسَلَّمٌ لَهُم، وخالصٌ، وقِيل: هو مبتدأ، وقيل: هو خبرُ مبتدإٍ.

.تفسير الآيات (59- 65):

{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)}
وقوله تعالى: {وامتازوا اليوم} فيه حَذْفٌ تقديره؛ ونقول للكفرة، {وامتازوا} معناه: انْفَصِلُوا وانْحَجِزُوا؛ لأن العَالَمَ فِي الموقف إنما هم مختلطون. قُلْتُ: وهَذَا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ صحيحٍ، وفي الكلام إجمال، ويومُ القيامةِ هو مواطن، ثم خاطَبَهُمْ تعالى لما تَمَيَّزُوا، تَوْبِيخاً وتَوْقِيفاً على عَهْدِهِ إليهم ومخالفتِهم له، وعبادةُ الشيطانِ هي طاعتُهُ والانقيادُ لإغْوائِهِ.
وقوله: {هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ} إشارَةٌ إلى الشرائع؛ إذ بعَثَ اللَّهُ آدم إلى ذريتِه؛ ثمَّ لَمْ تَخْلُ الأرْضُ من شريعةٍ إلى خَتْمِ الرسالةِ بسيدِنا محمدٍ خَاتَمِ النبيِّينَ، و{الجِبِلُّ}: الأمةُ العظيمة، ثم أَخْبَرَ سبحانَهُ نبيَّه محمَّداً عليه السلام أخبَاراً تُشَارِكُهُ فيه أمَّتُه؛ بقوله: {اليوم نَخْتِمُ على أفواههم} وذلك أن الكفارَ يَجْحَدُونَ، ويَطْلبُون شهيداً عليهم من أنفسهم؛ حَسْبَمَا وَرَدَ في الحديث الصحيح؛ فعندَ ذلِك يَخْتِمُ اللَّهُ تعالى على أفواههم، ويَأْمُرُ جَوَارِحَهُمْ بالشَّهَادَةِ؛ فَتَشْهَدُ.

.تفسير الآيات (66- 69):

{وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69)}
وقوله سبحانه {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ} الضميرُ في {أعْيُنِهِمْ} لكفارِ قريش، ومعنى الآية: تَبْيِينُ أَنَّهُمْ في قَبْضَةِ القدرةِ، وبمَدْرَجِ العَذَابِ.
قالَ الحَسَنُ وقتادة: أراد الأعْيُنَ حقيقة، والمعنى: لأَعْمَيْنَاهُمْ؛ فَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ؛ ويؤيدُ هذا مجانسةُ المَسْخِ لِلْعَمَى الحَقِيقِيِّ.
وقوله: {فاستبقوا الصراط} معناه: على الفَرْضِ والتقدير، كأَنَّه قال: ولو شِئْنَا لأَعْمَيْنَاهم، فاحسب أو قَدِّرْ أَنَّهُمْ يَسْتَبِقُونَ الصِّرَاطَ؛ وهو الطريقُ، فَأَنَّى لَهُمْ بالإبْصَارِ، وَقَدْ أَعْمَيْنَاهُمْ، وعبارةُ الثَّعْلَبِيِّ: وقالَ الحسنُ والسدي: ولو نشاء لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْياً يَتَرَدَّدُونَ؛ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ الطريقَ حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: أعْيُنَ البَصَائِر؛ والمَعْنَى: لو شِئْنَا لَحَتَمْنَا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ؛ فلم يهتدِ منْهم أحَدٌ أبداً، وبَيَّنَ تعالى في تنكِيسِه المُعَمَّرِينَ، وأن ذلك مما لا يَقْدِرُ عليه إلا هو سبحانه، وتَنْكِيسُه: تَحَوُّلُ خَلْقِه من القوةِ إلى الضَّعْفِ؛ ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذلك.
ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ نبيه محمدٍ عليه السلام رَادًّا عَلى مَنْ قَال من الكفرة: إنه شَاعرٌ وإن القرآن شِعْرٌ بقوله: {وَمَا علمناه الشعر...} الآية.

.تفسير الآيات (70- 76):

{لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)}
وقوله تعالى: {لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} أي: حيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولم يكن مَيِّتاً لكُفْرِهِ؛ وهذه استعارةٌ، قال الضحاك: {مَن كَانَ حَيّاً} معناه: عاقِلاً، {وَيَحِقَّ القول} معناه: يُحَتَّمَ العذابُ ويَجِبَ الخُلُودُ.
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا} الآيةُ. مخاطَبةٌ لقريشٍ أيضاً.
وقوله: {أَيْدِينَا} عبارةٌ عَنِ القُدْرةِ، واللَّه تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ.
وقوله تعالى: {فَهُمْ لَهَا مالكون} تنبيهٌ على النِعْمَةِ.
وقوله: {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ} أي: يُحْضَرُونَ لهُمْ في الآخِرةِ على معنى التوبيخِ والنِّقْمةِ، وسَمَّى الأصْنَامَ جُنْداً؛ إذْ هُمْ عُدَّةٌ للنِّقْمَة من الكفرة، ثم أنَّسَ اللَّهُ نبيَّه عليه الصلاة والسلام بقوله: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} وَتَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بقوله: {إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.

.تفسير الآيات (77- 83):

{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)}
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ} الآية، والصحيحُ في سببِ نزولِ الآيةِ هو ما رَوَاهُ ابنُ وَهَبْ عَنْ مَالِكٍ؛ وقالهُ ابنُ إسْحَاقٍ وغيرهُ أن أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ؛ جاء بعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحِيَالَهُ، وقَالَ: مَنْ يُحْيِي هذا يا محمد؛ ولاَبِيٍّ هذا مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَقَامَاتٌ ومَقَالاَتٌ إلى أن قَتَلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِيدهِ يومَ أحُدٍ؛ طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ في عنقه.
وقوله: {وَنَسِىَ خَلْقَهُ} يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ نسيانَ الذُّهُولِ، ويحتملُ أنْ يكُونَ نسيانَ التَّرْكِ، والرَّمِيمُ: البالي المُتَفَتِّتُ، وهو الرُّفَاتُ، ثم دلَّهُم سبحانه عَلى الاعْتِبَارِ بالنَّشْأَةِ الأولى، ثم عَقَّبَ تعالى بدليل ثَالثٍ في إيجادِ النَّارِ في العُودِ الأخْضَرِ المُرْتَوِي ماءً، وهذا هو زِنَادُ العَرَبِ، والنارُ موجودةٌ في كل عودٍ غَيْرَ أَنَّها في المُتَخَلخِلَ المَفْتُوحِ المَسَامِّ أَوْجَدُ، وكذلك هو المَرْخُ والعَفَار، وجمعَ الضميرَ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ في قوله: {مِثْلَهُم}؛ من حيثُ إن السمواتِ والأَرْضَ متضمِّنةٌ مَنْ يَعْقِلُ من الملائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ؛ هذا تأويلُ جماعةٍ، وقيل: {مِثْلَهُم} عائدٌ على الناسِ، وبَاقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.