فصل: تفسير الآيات (21- 23):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (21- 23):

{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}
وقوله سبحانه: {سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ؛ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة؛ إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ» وورد في الحديث: «أَنَّ السموات السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ». * ت *: أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة؛ رحمةً منه وفضلاً، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف]
السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلاً وَفِعْلاً ** حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ الْمَسْبُوقِ

ذكر صاحبُ معالم الإيمان، وروضات الرضوان في مناقب صلحاء القيروان، قال: ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات؛ رأى يوماً خَيْلاً يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول: بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيًّا عليه، انتهى.
وقوله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ في الأرض...} الآية: قال ابن زيد وغيره: المعنى: ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة؛ فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس ما معناه: أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله: {فِى الأرض} يعني: بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك و{فِى أَنفُسِكُمْ}: بالموت، والأمراض، وغير ذلك.
وقوله: {إِلاَّ في كتاب} معناه: إلاَّ والمصيبة في كتاب و{نَّبْرَأَهَا} معناه: نخلقها؛ يقال: برأ اللَّهُ الخلق، أي: خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس؛ قاله ابن عباس وجماعة، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ.
{إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ}: يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي: وقيل المعنى: إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى.
وقوله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} معناه: فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به؛ ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم منها، قال ابن عباس: ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً؛ وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»
، وفي صحيح مسلم عن عائِشَةَ قالت: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ»، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ قال: لَمَّا نَزَلَتْ: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فاللَّه المسؤول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه.
وقوله تعالى: {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}: يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.

.تفسير الآيات (24- 27):

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)}
وقوله: {الذين يَبْخَلُونَ} قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب؛ صِفَةً ل {كُلٌّ}، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعاً ما؛ فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، و{الكتاب} هنا: اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، {والميزان}: العدل في تأويل الأكثرين.
وقوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا الحديد} عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال؛ كما قال: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام} [الزمر: 6] الآية، قال جمهورٌ من المفسرين: الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعاً، وسلاحاً يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه؛ إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية على هذا التأويل حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه.
وقوله: {وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ} يقوِّي هذا التأويل.
وقوله: {بالغيب} معناه: بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: و{قَفَّيْنَا} معناه: جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي: جيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه.
وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا في قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً}: الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق.
وقوله: {ابتدعوها}: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ؛ لأََنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك؛ ابتغاءَ رضوان اللَّه؛ هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها} وقال مجاهد: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: {فَمَا رَعَوْهَا} مَنِ المراد به؟ فقال ابن زيد وغيره: هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوُّعٍ ونَفْلٍ، وأَنَّهُ يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها، ورُوِّينَا في كتاب الترمذيِّ عن كثير بن عبد اللَّه المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لبِلال بن الحارث: اعْلَمْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اعْلَمْ يَا بِلاَلُ! قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنِ ابتدع بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ، لاَ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئاً» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى.

.تفسير الآيات (28- 29):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}
وقوله تعالى: {ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} قالت فرقة: الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ويؤيده الحديث الصحيح: «ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بي» الحديث، وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى {وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} أي: اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي: نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى: {كِفْلَيْنِ}: ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا: إمَّا أَنْ يكونَ وعداً بالنور الذي يسعى بين الأيدي يومَ القيامة، وإمَّا أَنْ يكون استعارة للهُدَى الذي يمشي به في طاعة اللَّه.
وقوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَئ مِّن فَضْلِ الله...} الآية: رُوِيَ أَنَّه لما نزل هذا الوعدُ المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهلُ الكتاب على ذلك، وكانتِ اليهودُ تُعَظِّمُ دِينَهَا وأَنْفُسَهَا، وتزعم أَنَّهم أحِبَّاءُ اللَّه وأهلُ رضوانه، فنزلت هذه الآية مُعْلِمَةً أَنَّ اللَّه فعل ذلك، وأعلم به؛ ليعلمَ أَهل الكتابِ أَنَّهم ليسوا كما يزعمون، ولا في قوله: {لِّئَلاَّ} زائدة، وقرأ ابن عباس والجَحْدَرِيُّ: {لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ}، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: {كَيْ يَعْلَمَ} وروي عن حِطَّانَ الرُّقَاشِيِّ أنه قرأ: {لأَنْ يَعْلَمَ}.
وقوله تعالى: {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} معناه: أَنَّهم لا يملكون فضلَ اللَّه، ولا يدخل تحت قُدَرهم، وباقي الآية بَيِّنٌ.

.تفسير سورة المجادلة:

وهي مدنية.
إلا أن النقاش حكى أن قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة} الآية مكي.
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 4):

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)}
قوله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا...} الآية: اختلف الناس في اسم هذه المرأة على أقوال، واختصار ما رواه ابن عباس والجمهور أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، أخا عبادة بن الصامت، ظَاهَرَ من امرأته خَوْلَةَ بنت خُوَيْلِدٍ، وكان الظهارُ في الجاهلية يُوجِبُ عندهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، فلما فعل ذلك أَوسٌ جَاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَوساً أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَمَاتَ أَهْلِي، ظَاهَر مِنِّي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «مَا أَرَاكِ إلاَّ حُرِّمْتِ عَلَيْه»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَفْعَلْ؛ فَإنِّي وَحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أَهْلٌ سِوَاهُ، فَرَاجَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ فَرَاجَعَتْهُ، فَهَذَا هُوَ جِدَالُهَا، وَكَانَتْ في خِلاَلِ جِدَالِهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ إَلَيْكَ أَشْكُو حَالِي وانفرادي وَفَقْرِي إلَيْهِ، وَرُوِيَ أَنَّها كَانَتْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، إنَّ لي مِنْهُ صِبْيَةً صِغَاراً، إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا، وَإنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاعُوا، فَهَذَا هُوَ اشتكاؤها إلَى اللَّهِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ: فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في أَوْسٍ، وأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ، فَكَفَّرَ بِالإطْعَامِ، وَأَمْسَكَ أَهْلَهُ قال ابن العربي في أحكامه: والأشبه في اسم هذه المرأة أَنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امرأةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وعلى هذا اعتمد الفخر؛ قال الفخر: هذه الواقعة تَدُلُّ على أَنَّ مَنِ انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبق له في مُهِمِّة أحدٌ إلاَّ الخالق كفاه اللَّهُ ذلك المهم، انتهى، والمحاورة: مراجعةُ القولِ ومعاطاته، وفي مصحف ابن مسعود: {تُحَاوِرُكَ في زَوْجِهَا} والظِّهَارُ: قولُ الرجلِ لامرأته: أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يريد في التحريم؛ كَأَنَّها إشارة إلى الركوبِ، إذ عُرْفُهُ في ظهور الحيوان، وكان أهلُ الجاهلية يفعلون ذلك، فَرَدَّ اللَّه بهذه الآية على فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أَنَّ الأُمَّ هي الوالدة، وأَمَّا الزوجةُ فلا يكونُ حكمُهَا حُكْمَ الأُمِّ، وجعل اللَّه سبحانه القول بالظهار مُنْكَراً وزوراً، فهو مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ إذَا وقع لزم؛ هكذا قال فيه أهل العلم، لكنَّ تحريمه تحريمُ المكروهات جدًّا، وقد رَجَّى اللَّه تعالى بعده بأَنَّهُ عَفُوٌّ غفور مع الكَفَّارَةِ.
وقوله سبحانه: {ثُمَّ يَعُودُونَ...} الآية.
* ت *: اخْتُلِفَ في معنى العَوْدِ، والعود في المُوَطَّإ: العزم على الوطء والإمساك مَعاً، وفي المُدَوَّنَةِ: العزمُ على الوطء خاصَّةً.
وقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}، قال الجمهور: وهذا عامٌّ في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لِمُظَاهِرٍ أَنْ يطأَ، ولا أَنْ يُقَبِّلَ أو يَلْمَسَ بيده، أو يفعَلَ شيئاً من هذا النوع إلاَّ بعد الكفارة؛ وهذا قول مالك رحمه اللَّه.
وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}: إشارة إلى التحذير، أي: فَعَلَ ذلك؛ عظةً لكم لتنتهوا عن الظهار.
وقوله سبحانه: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ}: قال الفخر: الاستطاعة فوق الوسع؛ والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هي أَنْ يتمكَّنَ الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، انتهى، وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.
وقوله سبحانه: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ...} الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ الله} أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: {وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

.تفسير الآيات (5- 7):

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}
وقوله سبحانه: {إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ...} الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربَّصُون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك؛ وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويٍّ، و{الذين مِن قَبْلِهِمْ}: منافقو الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ: {كُبِتُواْ}: أُحْزِنُوا.
وقوله تعالى: {وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله}: العامل في {يَوْمَ} قوله: {مُّهِينٌ}، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.
وقوله تعالى: {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.