فصل: تفسير الآيات (72- 74):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (72- 74):

{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)}
وقوله تعالى: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار...} الآية: أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر: وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوهٌ:
الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً.
الثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه.
الثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اه.
وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ؛ أنهم قالوا: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى: {أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ}، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن؛
قال * ع *: والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ:
أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ؛ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المَعْرِفَةِ بصحَّة نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته؛ إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهودِ الَّذين هم مِنْكُمْ، و{أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}: صفَةٌ لحالِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العربَ يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: {آنْ يُؤتى}؛ بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلَّه من قول الطائفَةِ إلاَّ الاعتراض الذي هو: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله}؛ فإنه لا يختلفُ؛ أنَّه من قول اللَّه تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: {آن يؤتى} على ما قبله مِنَ الفَعْلِ؛ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ {أَنْ} في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره: تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام.
قال * ع *: ويكونُ {يحاجُّوكم}؛ على هذا معطوفاً على: «أنْ يؤتى». قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع أنْ نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76] فعلى كلا الوجهَيْن معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ مبعوثٌ.
قال * ع *: ويكون قوله تعالى: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} في تأويل نصْب أنْ بمعنى: أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم.
وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كلّه من قوله: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} إلى آخر الآيةَ: هو ممَّا أُمِرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أن يقوله لأمَّته.
وحكَى الزَّجَّاج وغيره؛ أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم.
ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم؛ على معنى الازدراء باليَهُود؛ كأنه قال: أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلامُ كلُّه من قوله: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} إلى آخر الآية هو ممَّا أُمِر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يقوله للطائفة.
قال * ع *: ويحتملُ أنْ يكون قوله: {أَن يؤتى} بدلاً من قوله: {هُدَى الله}. قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم} في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل؛ من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسيرُ نظيره.

.تفسير الآيات (75- 78):

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}
وقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ...} الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب؛ أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ. قال الفَخْرَ وفي الآية ثلاثةُ أقوال:
الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة؛ لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.
الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.
الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية. اهـ.
قال ابنُ العَرَبِيِّ في أحكامِهِ: قال الطبريُّ: وفائدةُ هذه الآيةِ النهْيُ عن ائتمانهم على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ؛ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب}، والصحيحُ عندي: أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ. قال ابنُ العربيِّ: فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية؛ وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ. قال البخاريُّ: باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ. اهـ.
والقِنْطَارُ؛ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ؛ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه: ثَبَثَ.
وقوله: {قَائِمَاً}: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج: معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.
وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه.
وقوله: {ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ} الآية: الإشارة ب {ذَلِكَ} إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عَالِمُونَ بمواضعِ الصِّدْق،
قال * ص *: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: جملةٌ حاليَّةٌ. اهـ.
ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا}؛ بقوله: {بلى}؛ أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر؛ على جهة الشرط؛ أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.
وقوله تعالى: {إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله...} الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها؛ بحَسَب جريمتِهِ.
قال ابنُ العربِيِّ في أحكامه: وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلاً...} الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ؛ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وذَكَرَ الحديث اه.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب...} الآية: يَلْوُونَ: معناه: يحرِّفون ويتحيَّلون؛ لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعُّب التأويلات؛ كقولهم: {راعنا} [البقرة: 104]، {واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ} [النساء: 46] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها؛ ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ؛ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في {تَحْسَبُوهُ} للمسلمين.
وقوله: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله}: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه؛ كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسُّبِ.

.تفسير الآيات (79- 80):

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}
وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ...} الآية: معناه: النفْيُ التامُّ؛ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوَّة للكَذَبَةِ والمدَّعِينَ، و{الكتاب} هنا اسم جنس، و{الحكم}: بمعنى الحكمةِ؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً» وقال الفَخْر. هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} [مريم: 12] يعني: العلم والفهم. اهـ.
{وثُمَّ}: في قوله: {ثُمَّ يَقُولُ}: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: {عِبَاداً}: جمع عَبْدٍ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى.
قال * ع *: والذي أستقْرَيْتُ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العَبِيدُ، فيستعمل في التحْقِيرِ.
قال * ص *: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ عِبِدَّى: اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ. اهـ.
قلتُ: وقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} [الفرقان: 17] ونحوه يوضِّحه. اهـ.
ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين: بل الإشارةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَعَاذَ اللَّهِ! مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ»، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أنْ تُلْزِمَ هذا القوْلَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني} [آل عمران: 31] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى: المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ عليه السلام: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» قيلَ: وقوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} يقوِّي هذا التأويل. اهـ.
وقوله تعالى: {ولكن كُونُواْ ربانيين} الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ؛ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ؛ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضاً زائدة؛ كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ.
قال * ع *: فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: {بِمَا كُنتُمْ}: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف مَا: مصدريةٌ، وأسند أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب فَضْلِ العِلْمِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه عز وجل على ابن آدَمَ»، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» اه.
وقرأ جمهورُ النَّاس: {تَدْرُسُونَ}؛ بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
وقرأ نافع وغيره: {وَلاَ يَأْمُرُكُمْ}؛ برفع الراء: على القَطْع؛ قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله: {أَن يُؤْتِيهُ الله}، المعنى: ولا له أنْ يأمركم؛ قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ؛ من أنَّها عطْفٌ على قوله: {ثُمَّ يَقُولُ}، والأربابُ؛ في هذه الآية: بمعنى الآلهة.

.تفسير الآيات (81- 85):

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق؛ حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ؛ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنَّصْرَ له، وقال ابن عبَّاس: إِنما أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ رضي اللَّه عنه: لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العَهْدَ في محمَّد صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ.
وقرأ حمزةُ: {لِمَا}؛ بكسر اللام، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم؛ إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، وما في هذه القراءةِ بمعنَى الَّذِي، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و{مِنْ}: لبيانِ الجنسِ، و{ثُمَّ جَاءَكُمْ...} الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولابد في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف؛ تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة {لَمَا}؛ بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
أَحدهما: أنْ تكون {مَا} موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين}، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: {لَتُؤْمِنُنَّ}، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ وهو متَّجِه؛ بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ {ما} للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و{جَاءَكُمْ}: معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على {مَا} ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون} [الأحزاب: 60] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} [الأحزاب: 60] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ}.
وقرأ نافعٌ وحْده: {آتَيْنَاكُمْ}، بالنُّون، وقرأ الباقون: {آتَيْتُكُمْ}؛ بالتاء، ورَسُول؛ في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفَسرين هو نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي...} هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، {وَأَخَذْتُمْ}؛ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ: {أَخَذْتُمْ}؛ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ.
وقوله تعالى: {فاشهدوا} يحتملُ معنَيَيْنِ:
أحدهما: فاشهدوا على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة.
والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نُبُوَّاتهم، هذا قَوْلُ الزَّجَّاج وغيره.
وقال * ع *: فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره، وقرأ أبو عَمرٍو: {يَبْغُونَ}؛ بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة، و{تَرْجِعُونَ} بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
و{تَبْغُونَ}: معناه: تَطْلُبُونَ.
قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور؛ أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: {أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
وروِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن ابن مَسْعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ، فَلْيُنَاد: يَا عِبَادَ اللَّهِ، واحبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا». قال النَّوويُّ: حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا؛ أَنَّهُ انفلتت لَهُ دَابَّةٌ أَظْنُّهَا بَغْلَةً، وَكَانَ يعرفُ هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ. اهـ.
و{أَسْلَمَ}: معناه: استسلم، عند الجمهور.
واختلفوا في معنى قوله: {طَوْعاً وَكَرْهاً}، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [لقمان: 25] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه؛ بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً
قال * ع *: والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
وقوله سبحانه: {أَفَغَيْرَ دِينِ الله}: توقيفٌ لمعاصرِي نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكُفَّار.
قوله تعالى: {قُلْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبِّهِم...} الآية: المعنى قُلْ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وأمَّتُكَ: {ءَامَنَّا بالله...} الآية وقد تقدَّم بيانها في البقرة، ثم حكم تعالى في قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام...} الآيةَ؛ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء عليهم السلام، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن {مَنْ يَبْتَغِ...} الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها مَنْ سواه إلى يوم القيامة.