فصل: تفسير الآية رقم (130):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآية رقم (130):

قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلًا من الأولى إتمامًا للتقريع والتوبيخ والتشنيع: {يا معشر الجن} قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم {والإنس} وبكتهم بقوله محذرًا للسامعين الآن ومستعطفًا لهم إلى التوبة: {ألم يأتكم رسل} ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال: {منكم} وإن كان الرسل من الإنس خاصة.
ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالبًا لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل {يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3]، {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم، كان القص- الذي هو تتبع الأثر- أنسب لذلك فقال: {يقصون} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل {عليكم آياتي} أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلًا مقطوعًا به {وينذرونكم} أي يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلبًا حثيثًا وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيرًا سريعًا {قالوا} معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع {شهدنا} بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح {على أنفسنا} أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: {وغرتهم} أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم {الحياة الدنيا} أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل {وشهدوا} أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال {على أنفسهم} أيضًا بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو {أنهم كانوا} جبلة وطبعًا {كافرين} أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالًا وحزنًا ونكالًا. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة. اهـ.
قال الفخر:
قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، ويحصل بينهم معاشرة ومخالطة، والجمع: المعاشر.
وقوله: {رُسُلٌ مّنكُمْ} اختلفوا هل كان من الجن رسول أم لا؟ فقال الضحاك: أرسل من الجن رسل كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله: {وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى: {وَلَوْ جعلناه مَلَكًا لجعلناه رَجُلًا} [الأنعام: 9] قال المفسرون: السبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس.
إذا ثبت هذا المعنى، فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين: أنه ما كان من الجن رسول ألبتة، وإنما كان الرسل من الأنس.
وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى: {إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين} [آل عمران: 33] وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط، فأما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية، فالكلام عليه من وجوه:
الأول: أنه تعالى قال: {يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ} فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضًا من أبعاض هذا المجموع، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضًا من أبعاض ذلك المجموع، فكان هذا القدر كافيًا في حمل اللفظ على ظاهره، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن.
الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به، كما قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الجن} [الأحقاف: 29] فأولئك الجن كانوا رسل الرسل، فكانوا رسلًا لله تعالى، والدليل عليه: أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه.
فقال: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين} [ياس: 14] وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلًا.
الوجه الثالث: في الجواب قال الواحدي: قوله تعالى: {رُسُلٌ مّنكُمْ} أراد من أحدكم وهو الإنس وهو كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.
واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر، ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل.
أما قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى} فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف، فلذلك قالوا: شهدنا على أنفسنا.
فإن قالوا: ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23].
قلنا: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة، فتارة يقرون، وأخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه.
ثم قال تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر، فكأنه تعالى يقول: وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا.
ثم قال تعالى: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين} والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر، ومن الناس من حمل قوله: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين} بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية، وكيفما كان، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.
واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} على أنه لا يحصل الوجوب ألبتة قبل ورود الشرع، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة. اهـ.

.قال السمرقندي:

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} يعني: يقول لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ} قال مقاتل: بعث الله تعالى رسولًا من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس.
ويقال رسل الجن السبعة الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى قومهم منذرين.
وقالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله.
ويقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ} يعني: من الإنس خاصة.
وقال ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس.
ثم قال: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ} يقول: يقرؤون ويعرضون عليكم {ءاياتي} يعني: القرآن {وَيُنذِرُونَكُمْ} يعني: يخوّفونكم {لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} يعني يقولون بلى أقررنا أنهم قد بلغوا وكفرنا بهم.
ثم قالت الرسل: وذلك بعدما شهد عليهم سمعهم وأبصارهم يقول الله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} يعني: ما في الحياة الدنيا من زهرتها وزينتها {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين} في الدنيا.
ويقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا معشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128] على وجه التقديم والتأخير. اهـ.

.قال الثعلبي:

{يَا مَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ}.
قال الأعرج وابن أبي إسحاق: تأتكم بالتاء كقوله: {لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق} [الأعراف: 43].
قرأ الباقون: بالياء كقوله تعالى: {مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ الله} {يَقُصُّونَ} يقرأون {عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا} وهو يوم القيامة.
واختلف العلماء في الجن هل أُرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} يعني بذلك رسلًا من الإنس ورسلًا من الجن.
قال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن والإنس جميعًا.
قال مجاهد: الرسل من الإنس. والنذير من الجن ثم قرأ {وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29].
قال ابن عباس: هم الذين استمعوا القرآن وأبلغوه قومهم.
وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح دون العذب.
وقوله: {وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] وهي أيام العشر وإنما الذبح في يوم واحد من العشر فهو يوم النحر. وقوله: {وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] وإنما هو في سماء واحدة {قَالُواْ شَهِدْنَا على أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَشَهِدُواْ} أقروا {على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس} داخل في القول يوم الحشر، والضمير في {منكم} قال ابن جريج وغيره عمم بظاهرة الطائفتين والمراد الواحدة تجوزًا، وهذا موجود في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] وذلك إنما يخرج من الأجاج، وقال الضحاك الضمير عائد على الطائفتين وفي الجن رسل منهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال ابن عباس الضمير عائد على الطائفتين ولكن رسل الجن هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، وهم النذر، و{يقصون} من القصص، وقرأ عبد الرحمن الأعرج {ألم تكن تأتيكم} بالتاء على تأنيث لفظ الرسل وقولهم: {شهدنا} إقرار منهم بالكفر واعتراف أي شهدنا على أنفسنا بالتقصير، وقوله: {وغرتهم الحياة الدنيا} التفاتة فصيحة تضمنت أن كفرهم كان بأذم الوجوه لهم وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل {غرتهم} أن يكون بمعنى أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها كما يقال غر الطائر فرخه وقوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} تظهر بينه وبين ما في القرآن من الآيات التي تقتضي إنكار المشركين الإشراك مناقضة، والجمع بينهما هو إما بأنها طوائف، وإما طائفة واحدة في مواطن شتى، وإما ان يريد بقوله ها هنا: {وشهدوا على أنفسهم}، شهادة الأيدي والأرجل والجلود بعد إنكارهم بالألسنة.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ هاهنا يبعد من هذا. اهـ.