فصل: تفسير الآية رقم (154):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والإشارة بقوله: {ذلكم} إلى ما تقدّم ذكره {وصاكم بِهِ} أمركم به أمرًا مؤكدًا {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فتتعظون بذلك.
قوله: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا} أن في موضع نصب، أي واتل أن هذا صراطي، قاله الفراء والكسائي.
قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضًا، أي وصاكم به، وبأن هذا.
وقال الخليل وسيبويه: إن التقدير ولأن هذا صراطي مستقيمًا، كما في قوله سبحانه: {وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ} [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي {وَإِنَّ هذا} بكسر الهمزة على الاستئناف، والتقدير: الذي ذكر في هذه الآيات صراطي.
وقرأ ابن أبي إسحاق، ويعقوب {وَإِن هذا صراطي} بالتخفيف على تقدير ضمير الشأن.
وقرأ الأعمش {وهذا صراطي} وفي مصحف عبد الله بن مسعود {وهذا صراط رَبُّكُمْ} وفي مصحف أبيّ {وهذا صراط رَبّكَ} والصراط: الطريق، وهو طريق الإسلام، ونصب مستقيمًا على الحال، والمستقيم المستوي الذي لا اعوجاج فيه، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر السبل، أي الأديان المتباينة طرقها {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} أي تميل بكم {عَن سَبِيلِهِ} أي عن سبيل الله المستقيم الذي هو دين الإسلام.
قال ابن عطية: وهذه السبل تعمّ اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل، وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد.
والإشارة ب {ذلكم} إلى ما تقدّم وهو مبتدأ وخبره {وصاكم بِهِ} أي أكد عليكم الوصية به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ما نهاكم عنه.
وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟» ثم تلا: {قُلْ تَعَالَوْاْ} إلى ثلاث آيات، ثم قال: «فمن وفَّى بهنّ فأجره على الله ومن انتقص منهنّ شيئًا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر، عن كعب الأحبار قال: أوّل ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى آخرها.
وأخرج أبو الشيخ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلًا يقرأ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} فقال كعب: والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة:
بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى آخر الآيات انتهى.
قلت: هي الوصايا العشر التي في التوراة، وأوّلها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك إله غيري.
ومنها: أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بنت قريبك، ولا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك، فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم.
وأهل الإنجيل في أوّل إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق} قال: من خشية الفاقة، قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال: سرّها وعلانيتها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس {وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق} قال: خشية الفقر {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السرّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية.
وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا} قال: اعلموا أن السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلًا متفرقة، جماعه الضلالة ومصيرها النار.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: خط رسول الله خطًا بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا»، ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال: «وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، من حديث جابر نحوه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن مسعود أن رجلًا سأله: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} قال: الضلالات. اهـ.

.قال الفخر:

هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقًا فهو واحد، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحدًا فهو حق، فإذا كان الحق واحدًا كان كل ما سواه باطلًا، وما سوى الحق أشياء كثيرة، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيرًا بعين ما قررناه في القضية الأولى. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} قال: اعلموا انما السبيل سبيل واحد جماعة الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلًا متفرقة جماعها الضلالة ومصيرها النار.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}».
وأخرج أحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: «كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطًا هكذا أمامه فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: هذا سبيل الشيطان. ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه...} الآية».
وأخرج عبد الرزاق وابن جبير وابن مردويه عن ابن مسعود «أن رجلًا سأله ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله وعليه وسلم في أدناه وطرفه الجنة وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه} الآية».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا تتبعوا السبيل} قال: الظلالات.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ولا تتبعوا السبل} قال: البدع والشبهات. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {وأنَّ هَذَا} قرأ الأخوان: بكَسْر {إنّ} على الاسْتِئْنَاف أو يكون {أتل} بمعنى: أقول إن هذا، و{فاتبعوه} جملة معطوفة على الجُمْلَة قَبْلَها.
وهذه الجملة الاستِنئْنَافيَّة تفيد التَّعْلِيل لقوله: {فاتَّبِعُوه}، ولذلك اشْتَشْهَد بها الزَّمَخْشَري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يَكُون الكلام في الفاء في {فاتَّبِعُوهُ} كالكلام فِيهَا في قِرَاءة غيرها، وسيأتي.
وقرأ بان عامر: {وأنْ} بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضًا والتَّشْدِيد.
فأمَّا قرءاة الجماعة ففيها أربعة وُجُوه:
أحدها: وهو الظَّاهِر: أنها في محلِّ نصب نسقًا على ما حرَّم، أي: أتْل ما حرَّم، وأتل أنْ هذا صِرَاطي مُسْتَقِيمًا، والمراد بالمُتَكَلِّم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صِرَاطَه صِرَاط اللَّه- عز وجل-، وهذا قول الفرَّاء- قال: بفَتْح {أنْ} مع وُقُوع {أتْل} عليها، يعني: أتْلُ عليْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا.
والثاني: أنها مَنْصُوبة المحلِّ أيضًا نَسَقًا على {ألاَّ تُشْرِكُوا} إذا قُلْنَا بأنَّ {أنْ} المصديَّة وأنَّها وما بعدها بدل من {ما حرَّم} قاله الحُوفِيُّ.
الثالث: أنها على إسْقَاطِ حَرْف لام العِلَّة، أي: ولأن هذا صِرَاطي مستَقيمًا فاتبعوه؛ كقوله تعالى: {وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَدًا} [الجن: 18].
قال أبو عَلِيّ: من فتح أنَّ فَقِيَاس قول سبيويه- رحمه الله تعالى- أنه حملها على {فاتِّبعُوه} والتقدير: ولأن صِرَاطي مُسْتَقيِمًا فاتِّبْعُوه؛ كقوله: {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52].
قال سيبويه: ولأنَّ هَذِه أمَّتُكُم وقال في قوله تعالى: {وأنَّ المساجِدَ لِلَّه}: ولأنَّ المَسَاجِد.
قال بعضهم: وقد صرَّح بهذا اللام في نَظِيره هذا التَّرْكيب؛ كقوله- تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتاء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ} [قريش: 1- 3] والفاء على هذا كَهيِ في قولك: زيدًا فَاضِرب، وبزيد فَامْرُو، وتقدم تَقْرِيره في البقرة.
قال الفَارسِي: قِيَاس قوله سيبويه في فتح الهَمْزَة أن تكُون الفَاء زَائِدة كَهِي في زَيْد فقَائم.
قال شهاب الدِّين- رحمه الله تعالى: سيبويه لا يَجُوِّز زيادَتَها في مِثْل هذا الخَبَر، وإنما أراد أبُو عَلِيِّ بنظيرها في مُجَرَّد الزِّيَادة وإن لم يَقُل به، بل قال به غَيْره.
والرابع: أنها في محلِّ جرِّ نسقًا على الضَّمِير المَجْرُور في {بِهِ} أي: {ذلكم وصَّاكُم به} وبأنَّ هذا هو قول الفراء أيضًا.
وردّه أبو البقاء بوجْهَيْن:
أحدهما: أنه يَصِير المَعْنى: وصَّاكُم باسْتِقَامة من غَيْر إعادة الجارِّ.
الثاني: أنه يَصِير المَعْنَى: وصًّاكُم باسْتِقَامة الصِّراط، وهذا فاسد.
قال شهاب الدِّين: والوجهان مردُودَان:
أما الأوَّل: فليس هذا من باب العَطْف على المُضْمَر من غير إعضادة الجارِّ؛ لأن الجارَّ هُنَا في قوَة المَنْطوق به، وإنما حُذِفَ؛ لأنَّه يَطَّرِد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطُولِهِما بالصِّلة، ولذلك كان مَذْهِبُ الجمهور أنها في محلِّ جرِّ بعد حذفه لأنَّه كالموجُود، ويدل على ما قلته، ما قال الحُوفِيّ، قال: حُذِفت البَاء لِطُول الصِّلة وهي مُرَادة، ولا يكن هذا عَطْفُ مُظْهَر على مُضمر لإرادتها.
وأمّا الثاني: فالمعنى: صَحيح غير فَاسِد؛ لأن مَعْنَى توصيتنا باسْتِقَامة الصِّراط ألاَّ نَتَعَاطى ما يُخْرِجُنا من الصَّراطِ فوصيتنا باسْتِقَامَتِه مبالغة في اتِّباعِه.
وأما قراءة ابن عامر فقالوا: {أنْ} فيها مُخَفَّفَة من الثَّقِيلَة، واسمها ضمير الأمْر والشأن، أي: وأنَّهُ كقوله تعالى: {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين} [يونس: 10] وقَوْل الأعْشى: [البسيط]
فِي فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِموا ** أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ

وحينئذٍ ففيها الأرْبَعة أوْجُه المتقدّمة المَذْكُورة في المشدَّدة.
وقرأ بان عامر وابن كثير: {سِرَاطِي} بالسِّين، وحمزة: بين الصَّاد والزَّاي، والباقون: بالصَّاد صافية، وفي مُصْحَف عبد الله: {وهذا صِرَاطي} بدون {أنّ}، و{هذا صِرَاط ربِّك}.
قوله: {فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} أي: الطُّرُق المختَلِفة التي عدا هذا الطَّريق؛ مثل اليَهُودِيَّة، والنصرانية، وسائر الملل، وقيل: الأهْوَاء والبدع.
{فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي: فتقَعُوا في الضِّلالاتِ.
روى أنب مَسْعُود- رضي الله عنهما- «عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه خَطَّ خَطأ عن يَمِينه، وخطَّ عن شَمَالِهِ خُطُوطًا، ثم قال: هذا سبيل اللَّهِ، وهذه سُبُلٌ، على كُلِّ سبيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُوا إلَيْهَا»، ثم تلى: {وأنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقيمًا فاتِّبِعُوه}.
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- هذه الآيَاتُ مُحْكَمَات، لم يَنْسِخْهُنَّ شيء من جَمِيع الكُتُب، من عَمِل بِهِنَّ، دخل الجنَّة، ومن تركَهُنَّ، دخل النار.
قوله: {فتفَرَّق} منصوب بإضمار أنْ بعد الفَاءِ في جواب النَّهْي، والجُمْهُورُ على {فَتَفَرَّق} بتاء خَفِيفَة، والبزِّيُّ بتشْدِيدهَا فمن خفَّف، حذف إحْدى التَّاءَيْن، ومن شدَّد أدْغم؛ وتقدم هذا في {تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80].
و{بكم}: يجوز أن يكُون مَفْعُولًا به في المَعْنَى، أي: فَيُفَرِّقُكُم، ويجُوز أن تكون حالًا، أي: وأنْتُم معها؛ كقوله القَائِل في ذلك: [الوافر]
-............. ** تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّريبَا

وختم هذه الآية بالتَّقْوى وهي اتِّقاء النَّارِ، لمُنَاسَبَة الأمر باتِّباع الصِّراط، فإن من اتّبعه وَقَى نَفْسَه من النَّارِ.
{مستقيمًا} نصْب على الحَالِ، ومعناه: مُسْتَويًا قَائِمًا لا اعْوجَاج فيه، وقد بَيَّنه على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ونشأت منه طُرُقٌ، فمن سلك الجَادّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطُّرُق أفضت به إلى النَّارِ قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي: تميل. اهـ. باختصار.

.تفسير الآية رقم (154):

قوله تعالى: {ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)}