فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} عطف على جملة: {ولو يعجل الله للناس الشر} [يونس: 11] الخ لأن ذلك ناشيء عن قولهم: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب.
ثم حُكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له {ايت بقرآنٍ غير هذا أو بَدّله} إطماعًا له بأن يؤمنوا به مغايرًا أو مبدَّلًا إذا وافق هواهم.
ومعنى {غير هذا} مخالفهُ.
والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسُورَ أخرى غير التي نزلتْ من قبل لأن ذلك حاصل، ولا غَرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها.
ووصف الآيات بـ {بينات} لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه.
والتبديل: التغيير.
وقد يكون في الذوات، كما تقول: بدلت الدنانير دراهم.
ويكون في الأوصاف، كما تقول: بدلت الحلقة خاتمًا.
فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعيَّن أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف، فكان المراد بالغير في قولهم: {غير هذا} كلامًا غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم.
والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه، وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها، وعبارات البعث والنشر بضدها، وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة.
وسموا ما طلبوا الإتيان به قُرآنًا لأنهُ عوض عن المسمى بالقرآن، فإن القرآن علَم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير هذا مما تُسميه قرآنًا.
والضمير في {بدله} عائد إلى اسم الإشارة، أي أو بدل هذا.
وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين.
ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جدًا، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء، وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جِدًا فيترقبوا تبديل القرآن.
وضمير الغيبة في قوله: {وإذا تتلى عليهم} راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى {الذين لا يرجون لقاءنا} في قوله: {إن الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 7].
وتقديم الظرف في قوله: {إذا تتلى} على عامله وهو {قَال الذين لا يرجون لقاءنا} للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيبًا من كلامهم ووهن أحلامهم.
ولكون العامل في الظرف فعلًا ماضيًا عُلم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو {تتلى} دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعًا في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجْتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد، أي ذلك قولهم كُلما تتلى عليهم الآيات.
وماصْدق {الذين لا يرجون لقاءنا} هو ما صدق الضمير في قوله: (عليهم)، فكان المقام للإضمار، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلَم عليهم.
كما أشرنا إليه عند قوله آنفًا {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضُوا بالحياة الدنيا} [يونس: 7]، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقةُ تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر.
ولما كان لاقتراحهم معنى صريح، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ، ومعنى التزامي كنائي، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله، كان الجواب عن قولهم جوابين، أحدهما: ما لقنه الله بقوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} وهو جواب عن صريح اقتراحهم، وثانيهما: ما لَقنه بقوله: {قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم} [يونس: 16] وهو جواب عن لازم كلامهم.
وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة: عبد الله بن أمية، والوليدُ بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتتِ والعزى ومناةَ وهُبل، وليس فيه عَيبها.
وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلامًا جامعًا قضاء لحق الإيجاز البديع، وتعويلًا على أن السؤال يبين المراد من الجواب، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه.
على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعًا كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع.
وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو {ما يكون لي أن أبدله} أي ما يكون التبديل مِلكًا بيدي.
و{تِلقاء} صيغة مصدر على وزن التفعال.
وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء، وتبيان، وتمثال، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقًا كقوله تعالى: {ولما توجه تلقاء مدين} [القصص: 22].
فمعنى {من تلقاء نفسي} من جهة نفسي.
وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف.
وجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} تعليل لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير.
و{ما} مصدرية.
واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به.
والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي.
واقتضت (إنْ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئًا مخترعًا حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافيًا وقوعه جوابًا لرد اقتراحهم.
فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه.
وجملة: {إني أخاف إن عصيت ربي} الخ في موضع التعليل لجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ولذلك فصلت عنها.
واقترنت بحرف (إن) للاهتمام، و(إنَّ) تؤذن بالتعليل.
وقوله: {إن عصيت ربي}، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي.
ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع.
ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا: إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} نحن نعرف أن الآيات ثلاثة أنواع: آيات كونية، وهي العجائب التي في الكون ويسميها الله سبحانه آيات، فالآية هي عجيبة من العجائب، سواء في الذكاء أو الجمال أو الخُلُق، وقد سَمَّى الحق سبحانه الظواهر الكونية آيات؛ فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اليل والنهار والشمس والقمر} [فصلت: 37] وقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم: 21] وهذه من الآيات الكونية.
وهناك آيات هي الدليل على صدق الرسل عليهم السلام في البلاغ عن الله، وهي المعجزات؛ لأنها خالفت ناموس الكون المألوف للناس. فكل شيء له طبيعة، فإذا خرج عن طبيعته؛ فهذا يستدعى الانتباه.
مثلما يحكي القرآن عن سيدنا إبراهيم عليه السلام أن أعداءه أخذوه ورموه في النار فنجّاه الحق سبحانه من النار؛ فخرج منها سالمًا، ولم يكن المقصود من ذلك أن ينجو إبراهيم من النار، فلو كان المقصود أن ينجو إبراهيم عليه السلام من النار؛ لحدثت أمور أخرى، كألا يمكِّنهم الحق عزَّ وجلّ من أن يمسكوه، لكنهم أمسكوا به وأشعلوا النار ورموه فيها، ولو شاء الله تعالى أن يطفئها لفعل ذلك بلقليل من المطر، لكن ذلك لم يحدث؛ فقد تركهم الله في غيّهم، ولأنه واهب النار للإحراق قال سبحانه وتعالى لها: {يا نار كُونِي بَرْدًا وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] وهكذا تتجلّى أمامهم خيبتهم.
إذن: الآيات تُطلَق على الآيات الكونية، وتطلق على الآيات المعجزات، وتطلق أيضا على آيات القرآن ما دامت الآيات القرآنية من الله والمعجزات من الله، وخلق الكون من الله، فهل هناك آية تصادم آية؟ لا؛ لأن الذي خلق الكون وأرسل الرسل بالمعجزات وأنزل القرآن هو إله واحد، ولو كان الأمر غير ذلك لحدث التصادم بين الآيات، والحق سبحانه هو القائل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا} [النساء: 82] وقوله تعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [يونس: 15] أي: آيات واضحة. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} وعرفنا أن الرجاء طلب أمر محبوب ومن الممكن أن يكون واقعًا، مثلما يرجو إنسان أن يدخل ابنه كلية الطب أو كلية الهندسة. ومقابل الرجاء شيء آخر محبوب، لكن الإنسان يعلم استحالته، وهو التمنِّي، فالمحبوبات إذن قسمان: أمور مُتمنَّاه وهي في الأمور المستحيلة، لكن الإنسان يعلن أنه يحبها، والقسم الثاني أمور نحبها، ومن الممكن أن تقع، وتسمى رجاء.
{الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} هم مَن لا يؤمنون، لا بإلهٍ، ولا ببعثٍ؛ فقد قالوا: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر} [الجاثية: 24] وقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] وإذا كان الإنسان لا يؤمن بالبعث؛ فهو لا يؤمن بلقاء الله سبحانه؛ لأن الذي يؤمن بالبعث يؤمن بلقاء الله، ويُعدّ نفسه لهذا اللقاء بالعبادة والعمل الصالح، ولكن الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث سيُفاجَأون بالإله الذي أنكروه، وسوف تكون المفاجأة صعبة عليهم؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَاءً حتى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]
السراب: هو أن يمشي الإنسان في خلاء الصحراء، ويخيل إليه أن هناك ماءً أمامه، وكلّما مشى ظن أن الماء أمامه، وما إن يصل إلى المكان يجد أن الماء قد تباعد. وهذه العملية لها علاقة بقضية انعكاس الضوء، فالضوء ينعكس؛ ليصور الماء وهو ليس بماء:
{حتى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ} [النور: 39] إنه يُفاجَأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله، فهو واحد من الذين لا يرجون لقاء الله، وهو ممن جاء فيهم القول: {وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10]
رغم أن الكون الذي نراه يُحتِّم قضية البعث؛ لأننا نرى أن لكل شيء دورة، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيَّتها، ويضيع منها اللون، ثم تصير ترابًا. وأنت حين تشم الوردة فهذا يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخارًا، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك.