فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)}
أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال: قال الحواريون: يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، وأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالًا وذكرهم إياها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، وما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليس يجددونها، وخربت بينهم فليس يعمرونها، وماتت في صدورهم فليس يحبونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، ويرفضونها فكانوا برفضها هم الفرحين، وباعوها فكانوا ببيعها هم المربحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت فيهم المثلات فاحبوا ذكر الموت وتركوا ذكر الحياة، يحبون الله تعالى ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أماني دون ما يرجون، ولا خوفًا دون ما يحذرون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله.
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: «هم الذين إذا رُؤُوا يذكر الله لرؤيتهم».
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: «يذكر الله لرؤيتهم».
وأخرج ابن المبارك والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله».
وأخرج أبو الشيخ من طريق مسعر عن سهل بن الأسد رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رُؤُوا ذكر الله».
وأخرج ابن مردويه من طريق مسعر بن بكر بن الأخنس عن سعد رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رُؤُوا ذكر الله».
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى رضي الله عنه في قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: هم «الذين إذا رؤُوا ذكر الله».
وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى. قال: خياركم الذين إذا رُؤُوا ذكر الله»..
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «ان لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه، فجثا أعرابي على ركبيته فقال: يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا. قال: قوم من إفناء الناس من نزاع القبائل تصادقوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح رضي الله عنه: «إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحق العبد حق صريح الإِيمان حتى يحب لله ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري واذكر بذكرهم».
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «خيار عباد الله الذين إذا رُؤُوا ذكر الله، وشر عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون البراء العنت».
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله».
وأخرج الحكيم الترمذي «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في أعمالكم منطقه، وذكركم الآخرة عمله».
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله أينا أفضل كي نتخذه جليسًا معلمًا؟ قال: الذي إذا رُئي ذكر الله برؤيته».
وأخرج أبو داود وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله ناسًا يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، لا يفزعون إذا فزع الناس ولا يحزنون إذا حزنوا، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}».
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}».
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله. قال أعرابي، يا رسول الله أنعتهم لنا. قال: هم أناس من أبناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها، يفزع الناس ولا هم يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتجالسين فيّ، الذين يعمرون مساجدي بذكري، ويعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى طاعتي، أولئك أوليائي الذين أظلهم في ظل عرشي، وأسكنهم في جواري، وآمنهم من عذابي، وأدخلهم الجنة قبل الناس بخمسمائة عام، يتنعمون فيها وهم فيها خالدون، ثم قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم: {أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}».
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: «الذين يتحابون في الله».
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: «هم الذين يتحابون في الله».
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي مسلم رضي الله عنه قال: لقيت معاذ بن جبل رضي الله عنه بحمص فقلت: والله إني لأحبك لله. قال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء»، ثم خرجت فلقيت عبادة بن الصامت رضي الله عنه فحدثته بالذي قال معاذ، فقال عبادة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل أنه قال: «حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون».
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمتحابين في الله تعالى عمودًا من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة، يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله، فإذا أشرفوا عليها أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس، مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله».
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه انبئت أن عن يمين الرحمن- وكلتا يديه يمين- قومًا على منابر من نور وجوههم نور، عليهم ثياب خضر تغشي أبصار الناظرين رؤيتهم، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قوم تحابوا في جلال الله حين عصيَ الله في الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة عن العلاء بن زياد رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «عباد من عباد الله ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة يقربهم من الله على منابر من نور، يقول الأنبياء والشهداء: من هؤلاء؟ فيقول: هؤلاء كانوا يتحابون في الله على غير أموال يتعاطونها ولا أرحام كانت بينهم».
وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المتحابين لنرى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: المتحابون في الله تعالى». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)}
قوله تعالى: {الذين آمَنُواْ}: في محلِّه أوجهٌ، أحدُها: أنه مرفوعٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمر، أي: هم الذين آمنوا، أو على أنه خيرٌ ثانٍ لـ {إنَّ}، أو على الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ من قوله: {لهم البشرى}، أو على النعت على موضع {أولياء} لأنَّ موضعَه رفعٌ بالابتداء قبل دخول {إنَّ} أو على البدل من الموضع أيضًا، ذكرهما مكي. وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين لأنهم يُجْرون التوابعَ كلَّها مُجرى عطفِ النسق في اعتبار المحل محلِّ الجر بدلًا من الهاء والميم في {عليهم}. وقيل: منصوبُ المحلِّ نعتًا لـ {أولياء}، أو بدلًا منهم على اللفظ أو على إضمارِ فعلٍ لائقٍ وهو أمدحُ، فقذ تَحَصَّل فيه تسعةُ أوجهٍ: الرفعُ من خمسة، والجرُّ من وجه واحد، والنصبُ من ثلاثة. وإذا لم تجعلِ الجملةَ من قوله: {لهم البشرى}، خبرًا للذين جاز فيها الاستئنافُ، وأن تكونَ خبرًا ثانيًا لـ {إنَّ} أو ثالثًا. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآيتين:

قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {ألاَ إنًّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم}
الوليُّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو مَنْ تَوَالَت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان.
ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول؛ فيكون الوليُّ مَنْ يتوالى عليه إحسانُ الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظًا في عامة أحواله من المحن.
وأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي فيعصمه الحقُّ- سبحانه- على دوام أوقاته من الزلاَّت. وكما أن النبيَّ لا يكون إلا معصومًا فالوليُّ لا يكون إلا محفوظًا. والفَرْقُ بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يُلِمُّ بِذَنْبٍ ألْبَتَّةَ، والمحفوظُ قد تحصُل منه هَنَات، وقد يكون له- في الندرة- زَلاَّتٌ، ولكن لا يكون له إصرار: {أولئك الذين يتوبون من قريب} [النساء: 17]. قوله جلّ ذكره: {أَلاَ إنِّ أوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
حسنٌ ما قيل إنه: {لا خوف عليهم}: في الدنيا،: {ولا هم يحزنون}: في العاقبة. ولكن الأوْلى أَنْ يقال إن الخواص منهم لا خوفٌ عليهم في الحال- لأنَّ حقيقةَ الخوفِ توقُّع محذورٍ في المستقبل، أو ترقُّب محبوب يزول في المستأنف.. وهم بِحُكْمِ الوقت؛ ليس لهم تطلّعُ إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حُزُونة في الحال، وهم في رَوْحِ الرضا بكلِّ ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالولىُّ لا خوفٌ عليه في الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت.
ولا يكون وليًّا إلا إذا كان موفَّقًا لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصومًا بكل وجه عن جميع الزلات. وكلُّ خصْلَةٍ حميدة يمكن أن يُعْتَبَرَ بها فيقال هي صفة الأولياء.
ويقال الوليُّ مَنْ فيه هذه الخصلة.
ويقال الوليُّ من يُقَصِّر في حقِّ الحق، ولا يؤخِّر القيام بحق الخَلق؛ يطيع لا لخوف عقاب، ولا على ملاحظةِ حسن مآب، أو تطلع لعاجلٍ اقتراب، ويقضي لكلِّ أحدٍ حقًا يراه واجبًا، ولا يقتضي من أحدٍ حقًا له، ولا ينتقم، ولا ينتصف ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحدًا مِنّةً، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قَدْرًا ولا قيمة.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)}
هذه صفة الأولياء؛ آمنوا في الحال، واتقوا الشّرْكَ في المآل. ويقال: {ءَامَنُوا} أي قاموا بقلوبهم من حيث المعارف: {وَكَانُوا يَتَّقُونَ}: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف.
ويقال آمنوا بتلقي التعريف. واتقوا: بالتقوى عن المحرمات بالتكليف. اهـ.